في هذا العصر، حيث يفاخر ويعتز كل بماضيه وتراثه وثقافته ولغته ودينه، نفاخر نحن المسلمون بديننا الإسلامي الحنيف، وما جاء به من تعاليم رائعة تتماشى وفطرة الإنسان السليمة، ونعتز بذلك التراث العلمي العظيم الذي ساق ركب الحضارة إلى ما هو عليه الآن. غير أن الاعتزاز بالماضي ومجده لا يكفي، بل ينبغي البناء عليه وإبقاؤه نابضاً بالحياة، وهذا ما نسعى إليه من خلال انشاء واحد من صروح الثقافة الإسلامية المستقبلية في بلاد الغرب، وهو هذه البذرة المباركة (مدرسة الإيمان) اذ ينمو الإيمان فيها نمواً طبيعياً، متناسقاً مع متطلبات العصر.
هذا المشروع الحيوي ما قامت أسسه إلا بعد جهود مضنية بذلها القائمون على إدارة مؤسسة الإمام الخوئي الخيرية، امتثالاً لأوامر الإمام الراحل رضوان الله تعالى عليه، وقد تعززت تلك الجهود بالدعم المعنوي من قبل كثير من المخلصين والعاملين في سبيل الله تعالى، ولاقت الترحيب الواسع من قبل الجالية الإسلامية، التي تشعر بضرورة انقاذ أجيالها المقبلة من براثن الكفر، والموبقات، وكان انفاق المؤسسة المادي على المشروع سخياً. وما زالت المؤسسة تنفق بكثير من السخاء لإبقاء المشروع ملياً بالحياة.
وهنا يأتي دور الجالية المسلمة للمساهمة في تحصيل الأجر والثواب أولاً، وإبقاء وتطوير المشروع ثانياً، وذلك من خلال العطاء السخي في سبيل الله تعالى، علماً أن المؤسسة مازالت تنفق على كل طالب قرابة ثلثي التكلفة والثلث الآخر يغطى من الأجور المستحصلة من ذوي الطلاب.
ففي وسط مدينة (كوينز) الواقعة في الوسط تقريباً بين ثلاث أقضية تشكل مع قضائين آخرين مدينة نيويورك، هناك ترتفع لافتة تحاكي لون السماء، كتب عليها بخط أبيض جميل يحاكي لون السلام والأمل (مدرسة الإيمان) وهي تحتل جزءاً من الطابقين الارضي والأول وتمام الطابق العلوي من مركز الإمام الخوئي الإسلامي، تضم فلذات أكباد المسلمين من الحضانة وحتى المرحلة المتوسطة والإعدادية، تخدم أجيال المستقبل من خلال مكتب أنيق للإدارة وقاعة فاخرة الأثاث للمعلمين ومختبر مجهز بالمعدات الضرورية وقاعة خاصة بالكومبيوتر، وقاعة للألعاب الرياضية، وصف خاص بضعاف المستوى باللغة الإنكليزية، مرتبطاً مركزياً بإدارة التعليم العامة لمدينة نيويورك، ومجموعة صفوف تربو على ثمانية عشر صفاً مؤثثة بكل عناية، وقاعة طعام تحلت بمناضد خاصة، وساحة جميلة تؤدى فيها صلاة الجماعة يومياً كما تستخدم للاجتماع الصباحي، ولأداء بعض النشاطات الإسلامية الأخرى، ومكتبة فاخرة احتوت على كتب الصغار والكبار في تنسيق ملفت للنظر، وعيادة طبية للحالات الطارئة كل ذلك في مبنى مكيف بأحدث الطرق صيفاً وشتاءً، مفروش بالسجاد في بعض أقسامه، وبأحدث أنواع الفرش في الأخرى. وقد طور المبنى على مرحلتين، ليخدم جميع أغراض المدرسة من جهة، وجميع أعمال الدعوة والتبليغ والخدمات الدينية المتعددة من جهة أخرى، ومع كل الجهود الهندسية الفنية التي بذلت إلا أن الحاجة مازالت قائمة لبعض المرافق الكمالية نأمل استكمالها قريباً بإذن الله تعالى.
في أروقة مدرسة الإيمان يتجلى الخلق والسلوك الإسلامي، ففيها تذوب كل أنواع الفوارق، لتشكل مجتمعاً إسلامياً مصغراً فالأسود إلى جنب الأبيض، والعربي إلى جنب الأعجمي، والمهاجر إلى جنب المواطن، والشيعي إلى جنب السني، جميعا إخوان وأخوات متحابون مسلمون، ترفرف عليهم راية لا إله إلا الله.
غرست بذرة مدرسة الإيمان عام ۱۹۹۱م، وكما هو المعتاد، كانت بداية مليئة بالجهود والمعاناة، اذ صرف الكثير من الوقت والجهد لانتقاء الكادر الإداري والتعليمي، وتشخيص المناهج الدراسية، سواء العلمية منها أو الدينية أو اللغوية، من قبل لجان منتقاة من أهل الخبرة، وحين نأخذ بنظر الاعتبار أن هذه البذرة المباركة هي الأولى من نوعها في الولايات المتحدة الأمريكية، ندرك مدى الاتعاب التي بذلت لجمع شتات تلك المفردات المتفرقة. وقد تم انتقاء الإدارة والمعلمين بغاية الدقة الممكنة، وقد أثبت الكثير منهم كفاءة علمية وخلقية عالية، وذلك من خلال التقرير العلمي الذي تشرف عليه الجهات الرسمية، ومن خلال شهادات أولياء الأمور وما لاحظوه من تحسن وتطور واضح في سلوك أبنائهم، حتى أصبح "مدرسة الإيمان" إسماً يشع في نيويورك، يتردد على ألسنة طاهرة بريئة، يرقص على شفاه الأطفال منذ سبع سنوات. إسماً يفصح عن أهداف سامية رفيعة يسعى كل مخلص لتحقيقها، فمدرسة الإيمان هي قصة حلم راود المخلصين في هذه المدينة منذ زمن بعيد، والذي صار حقيقة حين باشرت المؤسسة بإخراجه إلى الواقع المعاش.
نشأت مدرسة الإيمان في بداية الأمر كمدرسة أسبوعية، تعقد كل يوم سبت ولفترة قرابة الأربع ساعات، تدرس فيها الأولاد والبنات تعاليم الإسلام الحنيف قرآناً كريماً، واخلاقاً وتاريخاً وفقهاً، ولغة القرآن. وقد أثبتت المدرسة نجاحاً واضحاً، وما زالت تقدم خدماتها لأكثر من ١٥٠ طالب وطالبة، إلى جانب المدرسة اليومية. ثم أنشئت المؤسسة مدرسة الإيمان الصيفية، وقد حققت بحمد الله تعالى نتائج طيبة على مدى السنوات الخمس الماضية ولا زالت، وبعدها تطور المشروع إلى "مدرسة الإيمان الابتدائية" ومن ثم "المتوسطة والثانوية".
وهنا لا بد من وقفة على شرفات تاريخ هذا المشروع الحيوي. حينما زار الشهيد سماحة العلامة الحجة السيد تقي الخوئي هذه المدينة منذ ما يقرب من عشر سنوات، وبعد تدارس احتياجات الجالية الإسلامية، رفع بذلك تقريراً لسماحة السيد الإمام الخوئي دام ظله الوارف، فأمر سماحته مؤسسته الخيرية بتطوير العمل لخدمة أبناء الجالية الإسلامية، وبالفعل تم شراء المكان وهو عبارة عن مصنع ساعات مهجور منذ زمن، الذي يتمتع بموقع حيوي كما ورد ذكره في مكان آخر من هذا التقرير.
وفي وسط صعوبات جمة ومخاطر على إتمام المشروع، تم دعوة وجوه الجالية من مختلف الأعراق وعرض عليهم المشروع، وقد لاقت الفكرة ترحيباً وتأييداً، واضحين، وتشكلت عدة لجان لمساعدة الإدارة وفعلاً اجتمعت تلك اللجان وأدت ما تقوى عليه، فجزاهم الله تعالى خيراً، وفي ذكرى مولد الرسول الأعظم (ص) وفي حفل مهيب ضم العديد من العلماء والخطباء والوجهاء والشخصيات الإسلامية الفاعلة في الولايات المتحدة، تم افتتاح "مدرسة الإيمان" رسمياً وتحول الحلم إلى حقيقة، اذ شارك طلاب المدرسة بزيهم الموحد الرائع في إحياء ذاك الاحتفال. وكان الجميع يقرأ بشائر الفرح والغبطة في وجوه الحاضرين ذوي الألوان واللغات والعادات والخلفيات والثقافات المحلية المختلفة، والذين تجمعهم كلمة التوحيد تحت راية الإسلام.