دراسة مقارنة
تأليف
الدكتور جواد السيد محمد تقي أبو القاسم الخوئي
( 1 )
بسم الله الرحمن الرحيم
( 2 )
الإهداء
إليك يا سيدي الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) ابن عم الرسول محمد بن عبد الله (صل الله عليه واله وسلم)، وصهره وحامل لواء الإسلام ورمز القيم الإنسانية، والعدالة، والأخلاق...
وإلى من أوصاني الله ببرّه وإكرامه والدي الشهيد، وجدي الإمام السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي (قدس سره) اللذَّين تعلّمتُ منهما حب الدين والعلم والقيم السامية والعمل الصالح...
أقدمُ هذه البضاعة المزجاة راجياً من الله أن يتقبّلها بكرمه وفضله.
( 3 )
فهرس الموضوعات
المبحث الأول: تعريف الوصايا العشر 9
المبحث الثاني: تعريف القرآن الكريم 14
المبحث الثالث: التعريف بالعهدين 17
الفصل الأول الوصايا العشر في العهد القديم 33
المبحث الأول: ظروف إنزال الوصايا العشر 35
اولاً: مكان وزمان نزول الوصايا العشر 35
المبحث الثاني: نظرة إجمالية للوصايا العشر 43
الوصية الأولى: لا يكن لك آلهة أخرى أمامي 45
الوصية الثالثة: لا تنطق بإسم الرب إلهك باطلاً لأن الرب لا يبرئ من نطق باسمه باطلاً 48
الوصية الرابعة: أذكر يوم السبت لتقدسه 49
الوصية الخامسة: إكرم أباك وأمك لكي تطول أيامك على الأرض التي يعطيك الرب الهك 50
الوصية التاسعة: لا تشهد على قريبك شهادة زور 57
المبحث الثالث: مقارنة بين سفري الخروج والتثنية 62
( 4 )
الفصل الثاني: الوصايا العشر في العهد الجديد 63
المبحث الأول: نظرة المسيحية للشريعة اليهودية والوصايا العشر 65
المبحث الثاني: معالجة العهد الجديد للوصايا العشر 73
الوصيّة الأولى: أنا هو الربّ إلهك لا يكنْ لك إله غيري 76
الوصية الثانية: لا تحلِفْ باسم الرب الهك باطلاً 78
الوصية الثالثة: احفظْ يومَ الربّ 80
الوصيه الرابعة: أكرم أباك وأمك 82
الوصية الثامنة: لا تشهد بالزور 89
الوصية التاسعة: لا تشتهِ امرأة قريبك 91
الوصية العاشرة: لا تشتهي بيت قريبك 92
المبحث الثالث: مقارنة بين العهد القديم والجديد 94
الفصل الثالث: الوصايا العشر في القرآن 96
المبحث الأول: الدائرة الأخلاقية القرآنية 99
المبحث الثاني: الوصية العقدية (النهي عن الشرك بالله) 104
المبحث الثالث: الوصايا السلوكية 111
المبحث الرابع: الوصايا الروحية 134
المبحث الخامس: مقارنة بين القرآن والعهدين 136
( 5 )
المقدمة
مما لا شك فيه أن الدين يقوم على ركائز وأُسس ثلاثة: العقيدة، الشريعة، الأخلاق، ففي الأمور العقدية هناك ضروريات متفق عليها بين الرسالات الإلهية كالتوحيد والعدل والمعاد، وفي الشريعة توجد الكثير من الأركان العامة المشتركة بينها، كالصلاة والزكاة والصيام والحج، أما الأخلاق فيمكن القول: إنها واحدة ومشتركة بين الجميع، كونها تمثل علة بعثة الأنبياء كلهم، مع الاختلاف في الرؤى والعمق؛ لذا يمكن اعتبار العقائد الرئيسة والقيم الأخلاقية من المسائل المشتركة بين الشرائع الإلهية كلها، وإن كان هناك اختلاف فيما بينها في بعض الموارد الجزئية أحياناً، لكنها تكاد تتفق في الخطوط العامة لها، وواحدة من تلك الخطوط العريضة العامة التي يمكن اعتبارها قاسماً مشتركاً بين الأديان السماوية الثلاثة الرئيسة: اليهودية - المسيحية - الإسلام هي الوصايا العشر.
وتمتاز هذه الوصايا بكونها وصايا إيمانية عقدية وأخلاقية عالية المضامين، كتوحيد الله تعالى وعدم الشرك به، وإطاعة الوالدين، والنهي عن القتل، والزنا، والسرقة وما إلى ذلك، ومن هنا اخترنا هذه الوصايا العشر للبحث فيها بشكل مقارن في الأديان الثلاثة؛ لما تشكله هذه الوصايا من قيم إنسانية متعالية، وكونها تمثل روح وأساس الأديان، وهي بمثابة قوانين يستند عليها البشر في تنظيم شأنهم الاجتماعي العام، من دون ملاحظة انتماءهم الديني، وكذلك تعتبر هذه الوصايا نقطة التقاء مهمة وأساسية للتقارب بين الرسالات الإلهية.
ويعدُّ هذا البحث من الأهمية بمكان؛ حيث تشكل الوصايا العشر بمفهومها العام مصداقاً بارزاً للقاسم المشترك بين أتباع الرسالات الإبراهيمية بشكل خاص وغيرها من الاديان بشكل عام، ويعد البحث في المشتركات حوارا صامتا بين الاديان والثقافات والحوار بين الأديان في زماننا الحاضر يعتبر ضرورة ملحة؛ لأن مصالحنا الاجتماعية واحدة فما يصيب أحدنا يصيب الآخر سلباً أو إيجاباً، ويمثل الاشتغال على المشتركات بابا من أبواب التقريب بين وجهات النظر ومدًّا لجسور التآخي بين اتباع الديانات؛ ليتمكن أتباعها من العيش في هذا العالم الرحب بمحبة ووئام، ولتحل ثقافة التسامح والعيش المشترك بديلا عن ثقافة العنف والكراهية، ومن متطلَّبات هذا الحوار الانفتاح على الآخر، وفهم اعتقاداته
( 6 )
وأصوله بكل علمية وانصاف واحترام ونزاهة، وإننا باختيارنا لهذا الموضوع نبتغي الوصول للهدف السامي الذي أشرنا إليه، واعتقدُ أنه كلّما ازدادت القواسم المشتركة كلّما اضمحلّت الفوارق وزالت الخلافات؛ فأتباع الرسالات التوحيدية الإبراهيمية تجمعهم مشتركات كثيرة، ومنها موضوع بحثنا هذا.
وهناك دراسات كثيرة للوصايا العشر في اليهودية والمسيحية والإسلام كل على حدة، وقد أشارت إليها التفاسيرللقران الكريم والتوراة والانجيل اجمالاً، بالإضافة إلى ذلك فقد تناول بعض العلماء والمفكرين الوصايا العشر بالبحث والمطالعة وقدمت بعض الدراسات بهذا الخصوص، ولكن من يطالع هذه الدراسات يجدها ناقصة في دراستها لهذه الوصايا أحياناً، وأحياناً أخرى تتناول هذه الوصايا من جهة وزاوية معينة من دون البحث في كل جوانب الموضوع، والنظر إليها باعتبارها قاسماً مشتركاً؛ وتأسيسا على ماتقدم انتظم البحث في تمهيد مفصل اسهب في تعريف الوصايا العشر بصورة عامة ومكانتها في الكتب السماوية كالقران الكريم والانجيل والتوراة خاصة، ثم ثلاث فصول
كالتالي: الأول وضح الوصايا في التورات، ونهض الثاني في دراسة الوصايا العشر في الاناجيل، اما الفصل الثالث والأخير فقد تخصص بمعرفة الوصايا العشر في القران الكريم، وأخيرا جاءت الخاتمة التي رصدت اهم النتائج المرجوة من مباحث كتابنا هذا الذي اعتقدُ أن هذا الكتاب جديد في هذا المجال؛ لأنه يتناول الوصايا العشر من جوانب متعددة ويردم الفجوة الحاصلة من الدراسات السابقة.
المؤلف
النجف الاشرف
( 7 )
التمهيد وفيه
المبحث الأول: تعريف الوصايا العشر
المبحث الثاني: تعريف القرآن الكريم
المبحث الثالث: تعريف بالتوراة والانجيل
( 8 )
قبل الدخول في البحث نرى لزاماً تعريف بعض المفاهيم المرتبطة به من قبيل مفهوم الوصية بصورة عامة والوصايا العشر بصورة خاصة، وهذا ما سنشير إليه في هذا المبحث، وفي المبحث الثاني سنقدم تعريفاً مختصراً للقرآن، وفي المبحث الثالث سنتعرَّف على التوراة والانجيل بشكل مختصر.
أ: لغةً
ذهب علماء اللغة إلى أنَّ الوصية تعني العهد، فهي ما أوصيت به، وسُميتْ وصية؛ لاتصالها بأمر الميت(1)، ومن العرب من لا يثني الوصي ولا يجمعه، وأوصى الرجل ووصاه: عهد إليه، وأوصيتُ له بشيء، وأوصيتُ إليه إذا جعلته وصيك، والوصاية بالكسر والفتح، وتواصى القوم، أي أوصى بعضهم بعضاً.(2)
ب: إصطلاحاً
الوصايا العشر هي الوصايا التي عهد بها الله تعالى إلى نبيه الكليم موسى (عليه السلام) على جبل سيناء، واعتبرها البعض قلب الشريعة الموسوية(3)، وقد ذكرت الكلمات العشر في سفرين من أسفار توراة موسى الخمسة (سفر الخروج: 1/17- 20)، (وسفر التثنية: 6/5-21)، وتدعى أيضاً كلمات العهد، ولوحي الشهادة، وقد أشارت التوراة إلى أنَّ الوصايا كتبت على لوحي حجر، واعتبرت من مميزات الشعب العبراني، وهي تنطوي على حكمة اجتماعية روحية، وعلى توجيهات وإرشادات للحياة الصالحة، وهي موجز لكثير من تعاليم
______________________________
(1). صحاح اللغة، الجوهري، ج6، ص2525؛ لسان العرب، ابن منظور، ج15، ص 394 مادة وصي؛ كتاب العين، الفراهيدي، ج7، ص177.
(2). كتاب العين، الفراهيدي، ج7، ص178.
(3). تفسير الكتاب المقدس، الاب انطونيوس فكري, ص187.
( 9 )
التوراة، ويجب التمييز بينها وبين الوصايا الطقسية، أو الشعائرية المذكورة في التوراة التي تبلغ المئات، وقد صيغت الوصايا الواردة في شكلين:
الأول:سفر الخروج، الاصحاح 20: 1-17 والنص هو:
1ثُمَّ تَكَلَّمَ اللهُ بِجَمِيعِ هذِهِ الْكَلِمَاتِ قَائِلاً: 2«أَنَا الرَّبُّ إِلهُكَ الَّذِي أَخْرَجَكَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ مِنْ بَيْتِ الْعُبُودِيَّةِ. 3لاَ يَكُنْ لَكَ آلِهَةٌ أُخْرَى أَمَامِي. 4لاَ تَصْنَعْ لَكَ تِمْثَالاً مَنْحُوتًا، وَلاَ صُورَةً مَا مِمَّا فِي السَّمَاءِ مِنْ فَوْقُ، وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ تَحْتُ، وَمَا فِي الْمَاءِ مِنْ تَحْتِ الأَرْضِ. 5لاَ تَسْجُدْ لَهُنَّ وَلاَ تَعْبُدْهُنَّ، لأَنِّي أَنَا الرَّبَّ إِلهَكَ إِلهٌ غَيُورٌ، أَفْتَقِدُ ذُنُوبَ الآبَاءِ فِي الأَبْنَاءِ فِي الْجِيلِ الثَّالِثِ وَالرَّابعِ مِنْ مُبْغِضِيَّ، 6وَأَصْنَعُ إِحْسَانًا إِلَى أُلُوفٍ مِنْ مُحِبِّيَّ وَحَافِظِي وَصَايَايَ. 7لاَ تَنْطِقْ بِاسْمِ الرَّبِّ إِلهِكَ بَاطِلاً، لأَنَّ الرَّبَّ لاَ يُبْرِئُ مَنْ نَطَقَ بِاسْمِهِ بَاطِلاً. 8اُذْكُرْ يَوْمَ السَّبْتِ لِتُقَدِّسَهُ. 9سِتَّةَ أَيَّامٍ تَعْمَلُ وَتَصْنَعُ جَمِيعَ عَمَلِكَ، 10وَأَمَّا الْيَوْمُ السَّابعُ فَفِيهِ سَبْتٌ لِلرَّبِّ إِلهِكَ. لاَ تَصْنَعْ عَمَلاً مَا أَنْتَ وَابْنُكَ وَابْنَتُكَ وَعَبْدُكَ وَأَمَتُكَ وَبَهِيمَتُكَ وَنَزِيلُكَ الَّذِي دَاخِلَ أَبْوَابِكَ. 11لأَنْ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ صَنَعَ الرَّبُّ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَالْبَحْرَ وَكُلَّ مَا فِيهَا، وَاسْتَرَاحَ فِي الْيَوْمِ السَّابعِ. لِذلِكَ بَارَكَ الرَّبُّ يَوْمَ السَّبْتِ وَقَدَّسَهُ. 12أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ لِكَيْ تَطُولَ أَيَّامُكَ عَلَى الأَرْضِ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ. 13لاَ تَقْتُلْ. 14لاَ تَزْنِ. 15لاَ تَسْرِقْ. 16لاَ تَشْهَدْ عَلَى قَرِيبِكَ شَهَادَةَ زُورٍ. 17لاَ تَشْتَهِ بَيْتَ قَرِيبِكَ. لاَ تَشْتَهِ امْرَأَةَ قَرِيبِكَ، وَلاَ عَبْدَهُ، وَلاَ أَمَتَهُ، وَلاَ ثَوْرَهُ، وَلاَ حِمَارَهُ، وَلاَ شَيْئًا مِمَّا لِقَرِيبِكَ».
الثاني:سفر التثنية، الاصحاح 5: 6-21 والنص هو:
(أَنَا هُوَ الرَّبُّ إِلهُكَ الَّذِي أَخْرَجَكَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ مِنْ بَيْتِ الْعُبُودِيَّةِ. 7لاَ يَكُنْ لَكَ آلِهَةٌ أُخْرَى أَمَامِي. 8لاَ تَصْنَعْ لَكَ تِمْثَالاً مَنْحُوتًا صُورَةً مَّا مِمَّا فِي السَّمَاءِ مِنْ فَوْقُ وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ أَسْفَلُ وَمَا فِي الْمَاءِ مِنْ تَحْتِ الأَرْضِ. 9لاَ تَسْجُدْ لَهُنَّ وَلاَ تَعْبُدْهُنَّ، لأَنِّي أَنَا الرَّبُّ إِلهُكَ إِلهٌ غَيُورٌ، أَفْتَقِدُ ذُنُوبَ الآبَاءِ فِي الأَبْنَاءِ وَفِي الْجِيلِ الثَّالِثِ وَالرَّابِعِ مِنَ الَّذِينَ يُبْغِضُونَنِي، 10وَأَصْنَعُ إِحْسَانًا إِلَى أُلُوفٍ مِنْ مُحِبِّيَّ وَحَافِظِي وَصَايَايَ. 11لاَ تَنْطِقْ بِاسْمِ الرَّبِّ إِلهِكَ بَاطِلاً، لأَنَّ الرَّبَّ لاَ يُبْرِئُ مَنْ نَطَقَ بِاسْمِهِ بَاطِلاً. 12اِحْفَظْ يَوْمَ السَّبْتِ لِتُقَدِّسَهُ
( 10 )
كَمَا أَوْصَاكَ الرَّبُّ إِلهُكَ. 13سِتَّةَ أَيَّامٍ تَشْتَغِلُ وَتَعْمَلُ جَمِيعَ أَعْمَالِكَ، 14وَأَمَّا الْيَوْمُ السَّابعُ فَسَبْتٌ لِلرَّبِّ إِلهِكَ، لاَ تَعْمَلْ فِيهِ عَمَلاً مَّا أَنْتَ وَابْنُكَ وَابْنَتُكَ وَعَبْدُكَ وَأَمَتُكَ وَثَوْرُكَ وَحِمَارُكَ وَكُلُّ بَهَائِمِكَ، وَنَزِيلُكَ الَّذِي فِي أَبْوَابِكَ لِكَيْ يَسْتَرِيحَ، عَبْدُكَ وَأَمَتُكَ مِثْلَكَ. 15وَاذْكُرْ أَنَّكَ كُنْتَ عَبْدًا فِي أَرْضِ مِصْرَ، فَأَخْرَجَكَ الرَّبُّ إِلهُكَ مِنْ هُنَاكَ بِيَدٍ شَدِيدَةٍ وَذِرَاعٍ مَمْدُودَةٍ. لأَجْلِ ذلِكَ أَوْصَاكَ الرَّبُّ إِلهُكَ أَنْ تَحْفَظَ يَوْمَ السَّبْتِ. 16أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ كَمَا أَوْصَاكَ الرَّبُّ إِلهُكَ، لِكَيْ تَطُولَ أَيَّامُكَ، وَلِكَيْ يَكُونَ لَكَ خَيْرٌ علَى الأَرْضِ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ. 17لاَ تَقْتُلْ، 18وَلاَ تَزْنِ، 19وَلاَ تَسْرِقْ، 20وَلاَ تَشْهَدْ عَلَى قَرِيبِكَ شَهَادَةَ زُورٍ، 21وَلاَ تَشْتَهِ امْرَأَةَ قَرِيبِكَ، وَلاَ تَشْتَهِ بَيْتَ قَرِيبِكَ وَلاَ حَقْلَهُ وَلاَ عَبْدَهُ وَلاَ أَمَتَهُ وَلاَ ثَوْرَهُ وَلاَ حِمَارَهُ وَلاَ كُلَّ مَا لِقَرِيبِكَ.)
وتتباين الروايتان في إشارتهما إلى حفظ يوم السبت، فبينما تشدد الرواية في سفر التثنية على ضرورة استراحة العمال والبهائم اعترافاً بخروج الشعب من أرض العبودية، تشدد الرواية الواردة في سفر الخروج على تقديس يوم الرب بالانقطاع عن العمل والاستراحة؛ لأن الله خلق العالم في ستة أيام واستراح في اليوم السابع.
والوصايا كلها خلا وصيتين - وهما الوصيتان اللتان توصيان بحفظ السبت وإكرام الوالدين - هي وصايا سلبية، والوصية الوحيدة التي لها وعد هي الوصية الخامسة، وهذا ما سنتناوله بالتفصيل في الفصل الثاني من البحث.
وتسمى الوصايا العشر بالشريعة الأدبية، ولها مكانة بارزة في التوراة، وذلك للأسباب الآتية:
1-إن هذه الوصايا هي وحدها التي كتبها الله تعالى "اصعد إلى الجبل واقم هنا حتى اعطيك لوحي الحجارة والشريعة والوصية التي كتبتها لتعليمهم"(1)، وتصرح في آية أخرى بالقول: "ولما انتهى الله من مخاطبة موسى على جبل سيناء، سلّمه لوحي الشهادة، لوحين من حجر مكتوبين بإصبع الله"(2)، وفي نص آخر: "ثم أدار موسى وجهه ونزل من الجبل
______________________________
(1). سفر الخروج (24: 12).
(2). سفر الخروج (31: 18).
( 11 )
ولوحا الشهادة في يده، لوحان مكتوبان على وجهيهما... واللوحان هما صنع الله، والكتابة هي كتابة الله منقوشة في اللوحين"(1)
2-إنها هي وحدها التي وضعت في تابوت العهد بامر الله تعالى باعتبارها أساس العهد بين الله وبني إسرائيل، فقد جاء في سفر التثنية على لسان موسى(عليه السلام): «في ذلك الوقت قال لي الرب: انحت لك لوحين من حجر كالاولين... واصنع تابوتاً من خشب،... وضعهما في التابوت»(2) وايضاً هذا ما ذكر في سفر الملوك الاول عندما اراد سليمان أن يصعد تابوت العهد من مدينة داود الى صهيون حيث جاء: «ولم يكن في التابوت الاّ لوحا الحجر اللذان وضعهما فيه موسى في حوريب حيث عاهد الرب بني إسرائيل عند خروجهم من ارض مصر».(3)
3-يبدو أن هذا الجزء من الشريعة هو المقصود في الأقوال التي تعبر عن مسرة المؤمنين بناموس الله كما جاء في المزامير حيث جاء: «طوبى للكاملين في سلوكهم... انت اوصيت باوامرك كي تحفظ حفظاً كاملا ً... »(4)
ومع ما لهذه الوصايا والألواح التي كتبت عليها أهمية بالغة، ولكن عندما نزل موسى من الجبل بعد أربعين يوماً قضاها في حضرة الرب، وعاد إلى بني اسرائيل، وجد الشعب يعبدون العجل، فاستشاط غضباً، وفي حالة الغضب كسر اللوحين، ولكنه بعد أن عاقب الشعب المتمرد على الله، صعد مرة أخرى إلى الجبل بناء على أمر الرب، وعاد حاملاً لوحين جديدين كتبت عليهما وصايا الرب، وتلاها على الشعب والبرقع على وجهه، ووضعهما في "تابوت العهد".
______________________________
(1). سفر الخروج (32: 15- 16).
(2). سفر التثنية (10: 1- 5).
(3). سفر الملوك الاول (8: 9).
(4). سفر المزامير (119: 1- 8).
( 12 )
وقد جرت العادة أن تقسم الوصايا، باعتبار الموضوع، إلى لوحين، يحتوي اولهما على أربع وصايا، والثاني على ست، ولكن الكنيسة الرومانية الكاثوليكية ومعها الكنيسة اللوثرية، حذتا حذو اوغسطين في تقسيم الوصايا، وجعلتا الوصايا الثلاث الاولى - بعد دمج الوصية الاولى والثانية في وصية واحدة في اللوح الأول، والوصايا السبع الأخيرة في اللوح الثاني، بعد تقسيم الوصية العاشرة إلى وصيتين "لا تشته بيت قريبك"و"تشته امرأة قريبك"، وظاهر هذا التقسيم يتماشى مع طبيعة الوصايا، فالوصايا الثلاث الاولى، التي يتكون منها اللوح الاول، تختص بواجبات الإنسان نحو الله، والسبع الأخيرة بواجبات الإنسان تجاه الإنسان.(1)
______________________________
(1). دائرة المعارف الكتابية، تحت إشراف نخبة من اشهر أساتذة الكتاب المقدس واللاهوت، ص 453، مادة (شريعة موسى).
( 13 )
إن القرآن الكريم بوصفه كتاباً سماويا غني عن التعريف، ولكن المنهجية العلمية تقتضي التعريف بالمصطلحات الرئيسة للبحث قبل البدء به؛ وعليه نقدم تعريفاً مختصراً عن القرآن لغةً واصطلاحاً.
هناك ثلاثة اقوال رئيسة بخصوص اشتقاق كلمة القرآن:
1:القرآن من «ق - ر - ن» لأنه تقترن فيه مجموعة من الحروف والكلمات والآيات والسور، أو لأنه كل آية فيه قرينة على صدق أخواتها من الآيات الأخر، أو لانه قرن في طياته كل ما كانت تحتويه الكتب السماوية السابقة.(1)
2:القرآن من «ق - ر - أ» على صيغة فعلان بمعنى المقروء او ما يُقرأ لانه كتاب انزل لتقرأه الناس او من القرء بمعنى الجمع لانه يحتوي على آيات وسور قد جمعت ودوّنت بين الدفتين في المصحف الشريف.(2)
3:القرآن اسم معرّب من اصل سرياني وهو باللغة السريانية بمعنى قراءة كتب الأدعية والتراتيل الدينية وقد دخل الى اللغة العربية، واستعمله القرآن الكريم في آياته والمسلمون تبعا لذلك لتسمية ما قد انزل الله على نبيه من آيات وبينات.(3)
الإشكالية الأساسية بخصوص كلمة القرآن هي أن وزن فعئان بناء على القول الاول غريب لاتعرفه ولاتستعلمه العرب، كما أن وزن فعلان لا يأتي بمعنى مفعول في كلام العرب فكلا القولين ضعيفان لا يستندان الى دليل لغوي قوي؛ ولهذا السبب اتجه عدد من اللغويين
______________________________
(1). الإتقان في علوم القرآن، السيوطي، ج1، ص144.
(2). مفردات غريب القرآن، راغب الاصفهاني، ص402.
(3). The Foreign Vocabulary in the Quran, Arthur Jeffrey, pp: 234- 235.
( 14 )
الى اعتبار الكلمة اسم علم غير مرتبط باشتقاقه اللغوي قد وضعه الله تبارك وتعالى لكتابه المنزل(1)؛ هذا اذا لم نقبل بقول الفيلولوجيين بأن الكلمة معربة ذات اصول سريانية قديمة قد دخلت العربية قبل الاسلام واستخدمت تدريجياً لتسمية كتاب الله المنزل على نبيه محمد.
لو غضضنا الطرف عن الاختلاف التاريخي حول بعض المسائل المتعلّقة بكتاب الله(2)، فبإمكاننا أن نعرّف القرآن حسب ما عرّفه الجرجاني في كتابه التعريفات بقوله: (هو المنزل على الرسول في المصاحف المنقول عنه نقلاً متواتراً بلا شبهة)(3)، وهذا ما اتفق عليه المسلمون كافة من كل مذاهب وطوائف الإسلام، وكاد أن يكون أحد أهم ضروريات الدين الإسلامي.(4)
فالقرآن الكريم هو اللفظ العربي المنزل على رسول الله (صل الله عليه واله وسلم) يقظةً المنقول إلينا تواتراً الكائن بين دفتي المصحف.
أما خصائص القرآن الكريم، فهناك بعض الأوصاف والخصائص اختص بها القرآن من دون سائر الكتب السماوية، وأهمها:
أولاً:القرآن هو كلام الله تعالى لفظاً ومعنى نزل على محمد(صل الله عليه واله وسلم) من دون حدوث أي تغيير فيه من قبل أي شخص طوال السنين كلها.
ثانياً:أنه خال من التناقض والاختلاف ويصدّقُ بعضه بعضاً، والكل مجموع متناسق من حيث المعاني والأفكار والمفاهيم.(5)
______________________________
(1). راجع: لسان العرب، ابن منظور، ج1، ص129؛
(2): مثل خلاف الاشاعرة والمعتزلة حول خلق القران مثلا.
(3). التعريفات، السيد شريف الجرجاني، ج1، ص55.
(4). راجع إنموذجاً: البيان في تفسير القرآن، السيد ابوالقاسم الخوئي، ص158- 159.
(5). للمزيد من الاطلاع راجع: صيانة القرآن من التحريف للعلامة الشيخ هادي المعرفة.
( 15 )
ثالثاً: القرآن كلام معجز ودليل على صحة نبوة خاتم الانبياء وهو شاهد حي لا يكذّبه أحد من السابقين واللاحقين.(1)
رابعاً: القرآن كتاب سماوي يشتمل على شريعة إلهية متكاملة تشمل جميع ما يحتاجه البشر للهداية في حياته الدنيا في مستوى الفرد والمجتمع.(2)
خامساً: القرآن مصانٌ من التحريف زيادة ونقصاً وما هو موجود بين أيدينا بعينه كلام الله المنزل على نبيه محمد (صل الله عليه واله وسلم)من دون أي زيادة ونقصان، وهو (صل الله عليه واله وسلم) قد وضع ترتيب السور والآيات بأمر من الله تعالى، ووعد بحفظه، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾(3) بخلاف التوراة والإنجيل.(4)
______________________________
(1). تفسير جوامع الجامع، الطبرسي، ج2، ص773.
(2). الميزان في تفسير القرآن، الطباطبائي، ج1، ص60.
(3). سورة الحجر: 9.
(4). هناك خلاف بين الباحثين في تاريخ القران حول ترتيب السور والآيات فذهب المحققون منهم الى توقيفية الآيات والسور ورأى أخرون توقيفية ترتيب الآيات وأما ترتيب السور في القران فباجتهاد الصحابة. راجع على سبيل المثال جمع القران للسيد علي الشهرستاني ج1 ص174.
( 16 )
سنتناول في هذا المبحث وبشكل مختصر التعريف بالتوراة والانجيل - الذي يطلق عليه المسيحيون تسمية الكتاب بالمقدس - كمقدمة ومدخل لدراسة الوصايا العشر؛ باعتبارهما الأساس الذي يعتمد عليهما اليهود والنصارى في إثبات عقائدهم وتعاليم دينهم، وهنا نشير إلى بعض المسائل المرتبطة بالتوراة والانجيل ومنها:
اولا: تعد تسمية الكتاب المقدس أو البيبيليا التسمية المسيحية التي استعملت للدلالة على الكتب التي يؤمنون بأنها موحاة من قبل الله، وقبل ظهور المسيحية كانت أسفار اليهود هي التي تعرف بالكتاب المقدس وبعد ظهور المسيحية صار لهم كتاب مقدس وضموا كتابهم الى كتاب اليهود المقدس واطلقوا تسمية العهد القديم على كتاب اليهود وكان مليتس أسقف سادرس أول من اطلق هذه التسمية في أواخر القرن الثاني الميلادي وذلك مقابل تسمية الاناجيل باسم العهد الجديد وهي التسمية التي اطلقها ترتليان حوالي 200 ميلادي ومنذ ذلك الحين صارت تسمية الكتاب المقدس تشمل اسفار العهدين طبقا للفهم المسيحي(1)، ويرفض اليهود تسمية كتابهم المقدس بالعهد القديم إذ يعني ذلك أن العهد المعطى لإبراهيم قد ولى وحل محله عهد جديد، ويرتضون تسميته بالكتاب المقدس العبري(2) أو المقرأ أو التوراة بالمعنى العام ومن أبرز التسميات عندهم وأكثرها شيوعا التناخ وهي تعبر عن أقسام أسفار اليهود المقدسة الثلاثة فحرف التاء يشير للقسم الاول التوراة وحرف النون يشير للقسم الثاني الانبياء وحرف الخاء يشير للقسم الثالث الكتابات.
ثانيا: الوحي والإلهام الكتابي بمنظور الكتاب المقدس
______________________________
(1). سعديا جاؤون الفيومي: تفسير التوراة بالعربية ص7.
(2). تاريخ بني اسرائيل، اولوجيوس البرموسي، ج1 ص17.
( 17 )
الوحي لغةً هو: ما يلقيه الله الى أنبياءه فيعطيهم علما وفهما.
ويقابله الالهام وهو: أن يلقي الله في نفس الانسان أمرا يبعثه على فعل شيء او تركه.(1)
فالوحي الإلهي إذن عبارة عن إلقاء من قبل الله سبحانه لأشخاص معدودين، إذ يقوم بإلقاء الحقائق وما يريده سبحانه إليهم. أما الالهام فيدل على حركات وأعمال وأفكار مرجعها نفخ إلهي يشبه النفخ الذي يدخل الهواء الى الصدر.(2)
وبعبارة أخرى إن الوحي هو العمل الإلهي الذي يكشف لنا عن الحقائق الفوق الطبيعية التي أراد الله أن يكشفها لنا.
ويمكن تقسيم الوحي والإلهام إلى قسمين هما:
1- الوحي النبوي:وهو الوحي الذي يكون دور الله سبحانه فيه رئيسياً، ويضمحل أي دور فاعل للنبي الموحى إليه، ففي الوحي النبوي نجد أن الله يوجه كلامه إلى النبي بصيغة الأمر، بحيث إن النبي لا يقوم إلاّ بدور المستلم والمسلّم للرسالة، فدور الله يبدو هنا في أقصى ذروته، ولا يترك للنبي إلاّ جزءاً يسيراً، والنبي يبدو هنا كأداة طيعة وأمينة، ويتكلّم باسم الرب، وينقل بكل أمانة الرسالة التي أوحاها الله إليه.
2- الإلهام الكتابي:أما في الإلهام الكتابي فالأمر يختلف تماماً، فكأن الله والكاتب يتقاسمان الدور في العمل نفسه ومنه كتابة الكتاب المقدس، فبالرغم من أن الحقائق هي إلهام من الله، ولكن الكاتب يبقى محتفظاً بشخصيته المستقلة، فهو يدون ما يريده الله ولكن بالأسلوب الذي يختاره والذي يراه مناسباً، وهذا يشبه عمل الإنسان والآلة التي يستخدمها، فعلماء الكتاب المقدس يؤكدون أن الإنسان الملهم يبقى محتفظاً باستقلاله كشخص عامل وحر، فليس هو مثل القلم الذي تديره أصابع الكاتب.
______________________________
(1). المدخل الى الكتاب المقدس، بولس فغالي ج1ص29.
(2). المصدر السابق.
( 18 )
إن الله في الواقع يحث الإنسان الملهم على الكتابة دون أن يمحي شخصيته بسبب ذلك، بل بالعكس إنه يحثه ويحمسه أي أن روح الله يقود الإنسان الملهم بقوته الفعالة وبطريقته إلى تفكير وقول وتدوين ما يريده له وكما يريده.(1)
فكاتب الوحي الإلهي يتسلّم فقط النور الفوق طبيعي الذي يساعده على الحكم باليقين الإلهي ذاته على كل ما يوافق وينسب تأليف كتبه، وبذلك يتحقق انتاجه بحرية تامة لدرجة أنه يمكن ألا يعي بأن هناك يداً فائقة القدرة قد قادته وأرشدته.(2)
وهذا الفهم للوحي الكتابي لدى علماء الكتاب المقدس يختلف تماماً عن الوحي الكتابي لدى المسلمين، وهذه نقطة ومسألة مهمة يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار.
والسؤال الذي يمكن أن يطرح هنا وفقاً لهذا الفهم للوحي الكتابي هو إذا كان تأليف الكتاب المقدس من عمل الله والإنسان معاً، ونسبته متساوية للاثنين تقريباً، والله تعالى لا يخطأ ولا يزل، ولكن الإنسان يمكن أن يخطأ أو يزل سهواً أو عمداً فما هو الدليل على كون الكاتب الملهم الذي يحتفظ بشخصيته واستقلاليته لم يخطأ فيما كتبه كله أو بعضه؟
ويجاب على هذا السؤال بالقول: إن الله يحفظ الكاتب الملهم من تدوين وتعليم الباطل، ولهذا السبب فالإلهام تصاحبه هبة العصمة من الخطأ ليس عند المؤرخ الملهم فحسب، بل في نتيجة مجمل الكتاب أيضاً، فجميع أقوال الكتاب الملهمين أو مؤلفي السير المقدسة يجب اعتبارها أقوال الروح القدس، ولا بد من التصريح بأن أسفار الكتاب المقدس تعلم بحزم وأمانة وبدون خطأ الحقيقة التي أراد الله من أجل خلاصنا أن يراها مدونة في الكتب المقدسة(3)؛ لذا فهم يعتقدون أن الله أوحى بمحتويات الكتاب المقدس في لغاته الأصلية أي في العبرية والآرامية واليونانية، وحفظه لنا من دون تغيير وتحوير على مر العصور والأجيال، والناسخون أنجزوا نسخهم بدقة فائقة، كما قام المترجمون بعملهم بكل أمانة
______________________________
(1). المسيح في الفكر الإسلامي الحديث وفي المسيحية، د. منير الخوّام, ص83.
(2). المسيح في الفكر الإسلامي الحديث وفي المسيحية، د. منير الخوّام, ص84.
(3). قاموس الكتاب المقدس، مادة وحي.
( 19 )
فعندما نقرأ الكتاب المقدس بالعربية مثلاً فإننا إنما نقرأ كلام الله كما أعطي للأنبياء والرسل، هذا هو الموقف من سلطة الكتاب المقدس الذي سجل في العقائد الرسمية لعصر الإصلاح(1)، ويضيفون إن سلطة الكتاب المقدس الذي يجب أن نؤمن به وأن نطيعه، لا تتعلّق بشهادة أي إنسان أو كنيسة بل تُستمد بمجملها من الله نفسه - الذي هو الحق بالذات - الذي هو المؤلف، ولذلك يجب أن يقبل لأنه كلام الله، إن العهدين القديم والجديد قد أُعطيا مباشرة بوحي من الله وقد حفظا نقييّن في كل الأجيال بواسطة العناية الإلهية.(2)
ثالثا: أسفار التوراة والانجيل
كما هو معلوم فإن الكتاب المقدس ينقسم وفق التقليد المسيحي إلى قسمين: العهد القديم والعهد الجديد، ودوّنت أغلب أسفار العهد القديم باللغة العبرانية(3)، وهي لغة سامية تشبه العربية من وجوه كثيرة، وهناك بعض الفصول من العهد القديم كتبت باللغة الآرامية(4)، وهي لغة سامية عريقة لها امتدادات جغرافية ضاربة في العمق وعرفت الآرامية التي كتبت فيها بعض فصول التوراة بآرامية التوراة.
وأما العهد الجديد فإنه كتب باللغة اليونانية التي كانت شائعة الاستعمال بين اليهود متأثرة بالثقافة اليونانية، وتسمى يونانية العهد الجديد بالكوني، وهي اللغة العامية ممزوجة ببعض الاصطلاحات العبرانية، ولذلك كانت تسمى باليونانية الشائعة، والتي تختلف عن اليونانية الفصحى.
______________________________
(1). وحي الكتاب المقدس، القس بسام ميخائيل مدني، ص6.
(2). المصدر السابق، ص7.
(3). كلمة عبري مشتقة من عبر بمعنى قطع مرحلة من الطريق أو عبر الوادي او النهر وسمي اليهود بالعبرانيين؛ أما لأنهم عبروا البحر باتجاه ارض كنعان الو نسبة الى ابراهيم ع وسمي ابراهيم بالعبري لأنه عبر النهر او لان أحد اجداده اسمه عابر راجع: تاريخ اللغات السامية، اسرائيل ولفنسون، ص78.
(4). قسّم المستشرقون اللغة الآرامية الى كتلتين: الاولى تشمل تشمل لهجات بلاد العراق الجنوبية والشمالية وتعرف بالآرامية الشرقية والثانية تشمل اللهجات الآرامية في سوريا وفلسطين وطور سيناء وتعرف بالآرامية الغربية، تاريخ اللغات السامية، اسرائيل ولفنسون، ص117.
( 20 )
إن أقدم النصوص الموجودة حالياً للكتاب المقدس تأتي متأخرة بقرون عن زمان كتابتها، فكل علماء الكتاب المقدس يجمعون على أنه لم يصل إلينا شيء من النسخ الأصلية، بل كل ما هو بين أيدينا هو نسخ مأخوذة عن نسخ من ذلك الأصل.(1)
وقد تم تقسيم أسفار الكتاب المقدس إلى فصول في بادئ الأمر للقراءة في أوقات معينة، فقد قسم اليهود بعض الأسفار الشريعة إلى (54) فصلاً لكي يسهلّوا القراءة، وأول من قام بتقسيم الكتاب المقدس إلى إصحاحات وآيات هو ستيفن لانغتون للاهتداء بسهولة إلى فقرات العهدين وذلك سنة1226 م، وقد تبنّت جميع دور النشر لهذا التقسيم في طباعتها للكتاب المقدس، وأما كيفية الدلالة على الآيات في الكتاب المقدس فهي على النحو التالي:
يذكر الكتاب أو السفر أولاً باختصاره، ويدلّ الرقم الأول على الفصل، ويدلّ الرقم الثاني المنفصل عن الأول بخط مائل على الآية مثلاً: تك 3/6، فيعني: سفر التكوين، الفصل الثالث، الآية السادسة وهكذا، وأحياناً يتم وضع خط أفقي صغير معناه الجمع بين عدة فصول أو عدة آيات، مثلاً: تك 3- 5، يعني: سفر التكوين، الفصل الثالث إلى الخامس، أو مثلاً: تك 3/4-8، يعني: سفر التكوين، الفصل الثالث، الآيات من 4 إلى 8، وهذا التقطيع لأسفارالكتاب المقدس هي المتبعة حالياً في جميع المتون والكتب والدراسات الدينية اليهودية والمسيحية على السواء؛ لغرض الارجاع إلى آيات العهد القديم والجديد.(2)
وبعد هذا العرض الموجز لبعض جوانب الكتاب المقدس نشير إلى التوراة والانجيل في دراسة مختصرة:
1- اسفار التوراة:
يظهر أن تدوين تاريخ العبرانيين بدأ منذ عهد موسى الذي يعد وفق التقليد اليهودي كاتب الاسفار الخمسة مرورا بتلميذه يشوع مرورا بعزرا ثم نحميا ثم صموئيل وداود وسليمان
______________________________
(1). قاموس الكتاب المقدس، مادة كتاب.
(2). المصدر السابق.
( 21 )
عليهم السلام، وظلوا يقرأونه وينقحونه في حلقات المتعلّمين والكهنة، فتشكل هذا الأثر التاريخي والأدبي، فهذا هو تاريخ كتابة الكتاب المقدس اليهودي، والمراحل التي طواها هذا الكتاب وما تبعها من تطورات فكرية ودينية، حيث بدأ مع موسى (عليه السلام) وتعمّق هذا الفكر مع الأنبياء، وتكيّف مع الفلاسفة ومعلّمي الحكمة، فتشكل هذا السفر الذي يعتبره علماء الكتاب المقدس بأنه كتاب وحي سماوي، إذ أنهم يقولون: إن في هذه الأسفار كلمة الله سبحانه كما دوّنت بلسان البشر، فإن الله لم يستعجل شعبه ولم يدفعه بقوة، بل سار معه على مهل وأمسك بيده كما يمسك الأب بيد ابنه.(1)، "فَتَقُولُ لِفِرْعَوْنَ: هكَذَا يَقُولُ الرَّبُّ: إِسْرَائِيلُ ابْنِي الْبِكْرُ."(2)
وأما تحديد(3) أسفار الكتاب المقدس عند اليهود فإنه لم يتم إلاّ بعد بعثة السيد المسيح(عليه السلام) وإن كان منتشراً قبل ذلك وخصوصاً الترجمة اليونانية السبعينية، ولكن كان هناك اختلاف في عدد الأسفار المقدّسة، فقد اجتمع رؤساء اليهود بقيادة يوحنان بن زكاي على شاطئ البحر القريب من يافا حوالي سنة 90م، وذلك للوقوف بوجه التهديدات التي كانت تهدد كيان ووجود الأمة اليهودية وخصوصاً بعد ظهور الدين المسيحي الجديد، ولتحديد الأسفار القانونية المقدسة، وأعلنوا بهذا الصدد لائحة الكتب التي تؤلّف الكتاب المقدس، واعتبروها كلام الله الموحى، معتبرين أسفار التوراة هذه منتهى الوحي وخاتمة كلام الله إلى شعبه(4)، وبعد هذا الاجتماع حرّمت استعمال الترجمة اليونانية للعهد القديم والمسماة بالترجمة السبعينية، واعتبروها محرّفة بعد أن وضع المسيحيون يدهم عليها.
وأسفار الكتاب المقدس العبري هي تسعة وثلاثون سفراً، ولكن المؤرخ المشهور يوسفيوس جعلها (22) سفراً فقط وهو عدد الأحرف الأبجدية في اللغة العبرانية، حيث جعل سفري
______________________________
(1). المسيح في الفكر الإسلامي الحديث وفي المسيحية، د. منير الخوّام، ص89.
(2). سفر الخروج، 4: 22.
(3). يعرف هذا البحث عندهم بقانونية الاسفار ويعنى به قائمة الكتب المقبولة رسميا، راجع: تاريخ بني اسرائيل، مصدر سابق، ص21.
(4). معجم اللاهوت الكتابي، ص 389.
( 22 )
يشوع وراعوث سفراً واحداً ونبوة آرميا ومراثيه سفراً واحداً، ويذكر في كتابه ضد آبيون: ليس لنا عدد لا يحصى من الأسفار المتنافرة والمتغايرة، بل اثنان وعشرون سفراً تحوي تاريخ كل الأزمنة وتعتبر أسفاراً إلهية عند اليهود والنصارى، كتب موسى (عليه السلام) الخمسة التي تضم الشرائع وتروي الأحداث منذ خلق العالم إلى وفاة موسى(عليه السلام)، وبعد موت موسى روى الأنبياء في ثلاثة عشر سفراً ما حصل في أيامهم، ثم كانت سائر الكتب، فهذا هو رأي اليهود في كتابهم المقدس.
وأما المسيحيون فقد قرأوا في نسختها اليونانية كما وصلت إليهم في الترجمة السبعينية، ثم زادوا على الأسفار التسعة والثلاثين سبعة هي: باروك -طوبيا -يهوديت -سفران للمكابين، الحكمة، يشوع بن سيراخ، والتي تسمى بالأسفار القانونية الثانية أي تأتي أهميتها بعد الأسفار القانونية الأولى(1)، وهذا ما نقرؤه في سفر عزرا الثاني، وهو يعتبر من الكتب المنحولة؛ لأنه غير قانوني وقد دوّن في القرن الأول المسيحي باللغة اليونانية: "بعد نهاية الأربعين يوماً من الصلاة والانتظار كلّمني العلّي: أنشر هذه الكتب التسعة والثلاثين؛ ليقرأها الصالحون والأشرار على السواء، وأما الأسفار السبعون الأخرى فاحفظها ولا تعطها إلاّ للحكماء من شعبي، بل احفظها سراً"(2)
ومما يجدر الإشارة إليه هو أن الكنيسة الشرقية أو التقليد الشرقي اختلف عن الكنيسة الغربية أو التقليد الغربي، وقد اختلف علماء المسيحية في تحديد الأسفار القانونية للعهد القديم، فالكنيسة الشرقية اكتفت بالأسفار والنصوص التي يأخذ بها التقليد اليهودي، وعلى العكس من ذلك التقليد الغربي.
فالكنيسة الشرقية لم تقبل الأسفار القانونية الثانية إلى سنة 692م عند انعقاد المجمع في قصر القسطنطينية الملكي حيث قبلت الكنيسة الشرقية الأسفار القانونية الثانية أيضاً.
______________________________
(1). دائرة المعارف الكتابية، ص 268.
(2). سفر عزرا الثاني (14: 26).
( 23 )
وأما الكنيسة الغربية فقد قبلت منذ القدم أسفار العهد القديم كما تعرّفها الكنيسة الكاثوليكية اليوم، وقد ظهرت في البداية بعض الاختلافات في تحديد تلك الأسفار، ولكن تم وضع حد لتلك الاختلافات وذلك في مجمع قرطاجة الثالث الذي عقد سنة 397م وحدد فيه الأسفار المقدسة.
وأما ترتيب أسفار الكتاب المقدس العبري فهو بالشكل التالي:
1-الشريعة التوراة، أو أسفار موسى (عليه السلام) وهي: تكوين ـخرو -العدد ـ اللاويين -التثنية.
2-الأسفار التاريخية وهي: (يشوع، القضاة، راعوت، صموئيل)، و(2 -سفر الملوك 1) و(2 -سفر الأخبار 1) و(2 -عزراـ نحميا -أستير).
3-الأسفار الحكمية وهي: (المزامير، الأمثال، الجامعة، نشيد الأناشيد، الحكمة).
4-الأسفار النبوية وهي: (أشعيا، إرميا، مراثي إرميا، حزقيال، دانيال، هوشع، يوئيل، عوبديا، عاموس، يونان، ميخا، ناحوم، حبقوق، صفنيا، حجّاي، زكريا، ملاخي).
ويمكن القول: إن العهد القديم اليوم لا يحظى بنفس المكانة للعهد الجديد عند النصارى مع تقديسهم إياه، باعتبار أن العهد الجديد بتعاليمه الجديدة قد تجاوز العهد القديم وفتح مرحلة جديدة.(1)
2- اسفار الانجيل(العهد الجديد):
إن تسمية الاناجيل بالعهد الجديد أطلقها المسيحيون على مجموعة الأسفار التي دونت بعد المسيح وذلك بعد تدوينها بفترة طويلة، وأصبحت القسم الثاني من الكتاب المقدّس، ويحتوي على كتابات تعود إلى النصف الثاني من القرن الأول المسيحي، ودونت هذه الكتابات باللغة اليونانية التي كانت شائعة آنذاك في حوض البحر الابيض المتوسط.(2)
______________________________
(1). قاموس الكتاب المقدس، مادة كتاب، ص673.
(2). المصدر السابق، ص 674.
( 24 )
ولقد حاول علماء الكتاب المقدّس وضع نص موحد للعهد الجديد تتفق عليه كل الكنائس المسيحية يكون الأقرب إلى النص الأصلي، ولكن لا يزال إلى اليوم يدور جدل حول صحة بعض القراءات للعهد الجديد.
والظاهر أن كتّاب العهد الجديد قد استقوا معلوماتهم من التعاليم الشفهية، ودوّن كل واحد منهم ما وصل إليه من هذه التقاليد الشفوية في كتب، وكانت هذه الكتب في بداية القرن الثاني الميلادي تتجاوز المئة، وقد حاولت الكنيسة جمع ما تراه مناسباً لتعاليمها ووضعته في كتاب واحد هو العهد الجديد، ورفضت الكثير من الكتب الأخرى واعتبرت تلك الكتب أناجيل منحولة لا اعتبار لها.
وقد انعقدت مجامع كنسية كثيرة لوضع لائحة للأسفار المقدسة للعهد الجديد، فقد أمر مجمع لادوكية 363م، ومجمع هيبون 393م، ومجمع قرطاجة 397م لائحة لأسفار العهد الجديد مماثلة إلى حد كبير للعهد الجديد الذي بين أيدينا اليوم.(1)
وهنا أيضاً نقطة يجب الالتفات إليها وهي أن أسفار العهد الجديد وحتّى نهاية القرن الثاني لم يكن هناك من يتكلّم بجلاء وصراحة عن الإلهام فيها، حتّى آباء الكنيسة، بل أن الكنيسة نفسها كانت في القرن الثاني تعتبر الكتاب العبري فقط كتاباً مقدساً بالدرجة الأولى، وكانت تسمية العهد الجديد ذاتها لم تكن قد ولدت بعد، بل كان لا بد من انتظار عدة قرون قبل أن نسمع عبارة (الكتاب المقدّس الملهم) التي نُعت بها العهد الجديد.
وقبل الخوض في البحث عن أسفار العهد الجديد أود الإشارة إلى مسألة مهمة وهي أن السيد المسيح(عليه السلام) لم يكتب شيئاً وهذا ما تعتقده الكنيسة، بل ولم يأمر أحداً من تلاميذه بتدوين أقواله وأعماله، ولكن بعد رفعه إلى السماء ولأسباب عديدة بدء المسيحيون الأوائل بكتابة مستندات وكتب ورسائل تشير إلى حياة المسيح وتعاليمه، وكان ذلك بعد منتصف القرن الأول للميلاد.
______________________________
(1). المصدر السابق، ص675.
( 25 )
وأما كلمة إنجيل وتلفظ (إنجيليون) فقد استعملها المسيحيون منذ ظهور الدين المسيحي وهي تعني في اليونانية الكلاسيكية (القرن الخامس، القرن الرابع ق م) الهدية التي يحصل عليها حامل الخبر المفرح وفي اليونانية الهلينية (بعد القرن الثالث) عنى الانجيل الخبر المفرح نفسه(1)، وتقابل كلمة انجيل كلمة بشرى في اللغات السامية أكانت العربية أو العبرية.(2)
وأسفار الاناجيل أو العهد الجديد كتبت تقريباً قبل نهاية القرن الأول الميلادي، وأسماؤها حسب الترتيب الموجود بين أيدينا في جميع نسخ العهد الجديد وهي تشكل 27 سفراً هي كالتالي: إنجيل متى، إنجيل مرقس، إنجيل لوقا، إنجيل يوحنا، أعمال الرسل، رسائل بولس وهي ثلاث عشر رسالة: رومة، كورنيثوس الأولى، كورنيثوس الثانية، غلاطية، أفسس، فيليبي، كولوسي، تسالونيكي الأولى، تسالونيكي الثانية، تيموثاوس الأولى، تيموثاوس الثانية، تيطس، فليمون، الرسالة إلى العبرانيين، الرسائل العامة وهي سبعة: (رسالة يعقوب، رسالة بطرس الأولى، رسالة بطرس الثانية، رسالة يوحنا الأولى، رسالة يوحنا الثانية، رسالة يوحنا الثالثة، رسالة يهوذا، وسفر(رؤيا يوحنا).
وسنشير هنا إلى أناجيل العهد الجديد فقط وبنحو مختصر لأهميتها في معرفة تعاليم المسيح:
أولاً: إنجيل متى
يأتي إنجيل متى أو الإنجيل بحسب رواية متى أول الأناجيل القانونية طبقاً للترتيب التقليدي، وإن لم يكن في جميع الحالات، وينسب هذا الإنجيل - حسب شهادة الكنيسة الأولى بالإجماع - إلى متى الرسول رغم أن عنوانه لا يدل بالضرورة على مصدره المباشر.(3)
ومتى مأخوذ من الاسم العبري (مثتيا) ومعناه: (عطية الله)، وله اسم ثانٍ ذكر في إنجيلي مرقس ولوقا وهو اسم (لاوي ابن حلفي)، ولقب بالعشّار؛ لأنه كان يجبي ضريبة العشر
______________________________
(1). المدخل الى الكتاب المقدس، بولس فغالي ج4 ص326.
(2). المصدر السابق، ص328.
(3). دائرة المعارف الكتابية، ص 197، مادة إنجيل.
( 26 )
في كفرناحوم لحساب الرومانيين قبل أن يصبح من تلاميذ المسيح، وكانت وظيفة الجباية محتقرة بين اليهود، ولا يعرف عن مَتَّى سوى القليل، فقد دعاه المسيح فترك عمله وتبعه ولزمه، ويسجل هو بنفسه كيفية دعوة الرب يسوع له ليكون تلميذاً له، فيقول: "وفيما يسوع مجتازاً من هناك، رأى إنساناً جالساً عند مكان الجباية اسمه مَتَّى، فقال له: اتبعني؛ فقام وتبعه"(1)، وهكذا أصبح متى أحد الاثنى عشر رسولاً.
وروي أنه بشر بإنجيله أولاً يهود أرض فلسطين، ثم غادر وطنه ورحل إلى بلاد العرب أو إلى بلاد فارس، ولا يعرف بالضبط سنة وفاته ومكانها.
وقد كتب مَتَّى إنجيله باللغة الآرامية التي كانت اللغة السائدة بين اليهود في ذلك الزمان، وهي لغة السيد المسيح(عليه السلام) أيضاً التي تكلّم بها مع الناس وأظهر دعوته، وقد تُرجم هذا النص الآرامي إلى اللغة اليونانية، ثم فقد الأصل الآرامي وبقيت ترجمته اليونانية فقط، وأصبحت هذه الترجمة هي المعول عليها في البحث والنقل إلى سائر اللغات الأخرى والمعتمدة لدى الكنيسة، ولا يعرف أحد بالتحديد مكان كتابته للإنجيل أو زمان ترجمته إلى اليونانية ويحتمل أنها كتبت بين فترة (50- 100م)، وهناك رأي يقول: إنه كتب في فلسطين لأجل المؤمنين من بين اليهود الذين اعتنقوا الديانة المسيحية المقيمين في فلسطين وسوريا.(2)
ويظهرالسيد المسيح(عليه السلام) في إنجيل مَتَّى على أنه المعلّم الكبير الذي له القدرة على تفسير شريعة الله المقدسة والإعلان عن ملكوت الله.
ثانياً: إنجيل مرقس
يعتبر إنجيل مرقس من أقصر الأناجيل الأربعة، وكاتب الإنجيل اسمه (يوحنا مرقس) ويوحنا اسمه اليهودي، ومرقس اسمه اللاتيني الذي يعني: (مطرقة) وقد ورد اسمه عدة
______________________________
(1). إنجيل متى (9: 9).
(2). قاموس الكتاب المقدس، مادة إنجيل متى, ص 794.
( 27 )
مرات في سفر أعمال الرسل، ودعي هناك بالاسمين منفردين أو مجتمعين، ولم يكن (يوحنا مرقس) من التلاميذ الاثني عشر، فهو يعد من الرسل السبعين، ويزعم البعض أن مرقس هو نفسه الشاب الذي تبع المسيح لما أخذه اليهود في بستان الزيتون ويستدلّون على ذلك بأن مرقس قد أنفرد في رواية ما جرى لذاك الشاب وكأنه يريد أن يشير إلى نفسه إذ يقول: "وتبعه شاب ليس عليه غير أزار فأمسكوه فتخلى عن الازار وهرب عرياناً".(1)
وكان مرقس هذا نسيباً لبرنابا فهو ابن أخته، وبرنابا هذا أحد وجهاء كنيسة أورشليم ورفيق بولس في سفره، وقد خسر مرقس مكانته عند بولس إثر تراجعه في منتصف الطريق في الرحلة التبشيرية الأولى، وتصالح بعد ذلك مع بولس ورافقه إلى رومية، ولازم فيما بعد بطرس وخدمه حتّى دعاه بطرس ابنه.(2)
ولا يعرف شيء حقيقي عن حياته بعد ذلك، إلاّ أن الآباء اتفقوا على أنه مترجم بطرس وأنه كتب إنجيله تحت إرشاد بطرس، وذهب البعض إلى أنَّ بطرس كتب بعض الحوادث التي شاهدها وأن مرقس كتب إنجيله بعد مطالعة هذه الكتابات، وقد ذكر المؤرخ يوسيبوس بأن مرقس كان أول من نادى برسالة الإنجيل في مدينة الاسكندرية في مصر وقد أنشأ فيها الكنيسة واستشهد فيها سنة (68م)، ويرمز إلى مرقس في الفن المسيحي بصورة الأسد بسبب معجزته عندما قتل الاسد في برية الاردن ولانه يتكلم عن المسيح القوي (هوَذَا الأَسَدُ الَّذي مِنْ سِبْطِ يَهُوذا) وأما تاريخ كتابة السفر فقد ذكر البعض أن مرقس كتب البشارة التي تحمل اسمه بين عام (65- 68م).(3)
وهناك ملاحظة حول خاتمة هذا الإنجيل وهي أن الجزء الأخير منه (20: 9- 20) وجد في بعض المخطوطات القديمة ولم يوجد في البعض الآخر مثل المخطوطة السينائية
______________________________
(1). إنجيل مرقس (14: 51).
(2). قاموس الكتاب المقدس، ص827، مادة مرقس.
(3). المصدر السابق.
( 28 )
ومخطوطة الفاتيكان، ولذلك فقد أصبح موضع بحث وشك من قبل علماء الكتاب المقدس، وأن المخطوطات غير ثابتة فيما يتعلّق بخاتمة إنجيل مرقس هذه.(1)
ثالثاً: إنجيل لوقا
يمكن اعتبار إنجيل لوقا بأنه السجل الأشمل بين السجلات التي بين أيدينا عن حياة المسيح، وكان الاعتقاد سائداً في القرن الثاني للميلاد بأن لوقا هو كاتب الإنجيل الثالث وسفر أعمال الرسل، ولوقا اسم لاتيني وربما كان اختصاراً لـ(لوقانوس) أو (لوكيوس)، وأنه ولد من أبوين يونانيين في أنطاكية (سوريا)، وهي المدينة التي دعي فيها لأول مرة أتباع المسيح مسيحيين، وكان يمارس الطب، وقيل: إنه كان رساماً وإنه رسم صورة السيدة مريم العذراء، وتتلمذ لبولس وأصبح معاوناً له، وكان غالباً في صحبته إلى أن قُتل بولس في رومية، فترك لوقا هذه المدينة، إلاّ أننا لا نعرف أين قضى بقيّة حياته ولا أين مات، وقد قيل: إنه بلغ السبعين من عمره أو الثمانين، والكنيسة تكرمه تكريم الشهداء.(2)
ويذكر بولس "لوقا" ثلاث مرات في رسائله ولكن لوقا نفسه لا يذكر اسمه مطلقاً لا في الإنجيل ولا في سفر أعمال الرسل المنسوب إليه.(3)
وقد كتب لوقا إنجيله وسفر أعمال الرسل باللغة اليونانية، ويعتقد البعض من علماء الكتاب المقدّس أن لوقا اعتمد في كتابة إنجيله على أنجيل مرقس الذي كان أحد المصادر الرئيسة لكتابه، ويذهب البعض إلى أنه من الارجح أن لوقا استقى كثيراً مما كتبه وبخاصة عن ولادة يسوع وزيارته للهيكل في سن الثانية عشرة من العذراء مريم نفسها.
______________________________
(1). تفسير الكتاب المقدس، الاب انطونيوس فكري, العهد الجديد، ص177، إنجيل مرقس.
(2). قاموس الكتاب المقدس، ص 721، مادة لوقا.
(3). دائرة المعار ف الكتابية، ص 652، مادة لوقا.
( 29 )
وأما زمان كتابة هذا الإنجيل فالرأي المشهور هو أنه كتب قبل سفر أعمال الرسل بوقت قصير، وبما أنه من المرجح أن سفر أعمال الرسل قد كتب حوالي سنة (62 أو63م)، لذا يحتمل أنه قد كتب سنة (60م).(1)
وتسمى هذه الأناجيل الثلاثة بالأناجيل التوافقية أو الازائية؛ لأنها تتفق كثيراً في الأحداث والتعاليم التي نقلت عن المسيح، بل أحياناً نجد نفس الجمل والعبارات تتطابق في الأناجيل الثلاثة هذه.
رابعاً: إنجيل يوحنا
الاعتقاد السائد في الكنيسة أن كاتب هذا الإنجيل هو يوحنا الرسول أحد تلاميذ المسيح، ويرمز له بالنسر لسمو معانيه اللاهوتية ويوحنا هو الصيغة اليونانية لاسم (يوحانان) أو (يهوحانان) في العبرية ومعناه: (الله حنان)(2)، يوحنا هو ابن زبدي من بيت صيدا في الجليل، دعاه المسيح مع أخيه يعقوب ليكونا من تلاميذه(3)، ويبدو أنه كان على جانب من الغنى لان أباه كان يملك عدداً من الخدم المأجورين(4)، أما أمه سالومة فقد كانت سيدة فاضلة نقية، كانت شريكة النساء اللواتي اشترين الحنوط الغالي الثمن لتكفين جسد السيد المسيح(عليه السلام)، وكانت على الأرجح أخت مريم أم السيد المسيح(عليه السلام)(5)، وقد اتخذ مهنة الصيد حرفة؛ لأن عادات اليهود كانت تقضي على أولاد الأشراف أن يتعلّموا حرفة ما، وكان يوحنا من
______________________________
(1). قاموس الكتاب المقدس، ص 725، مادة إنجيل لوقا.
(2). دائرة المعارف الكتابية، ص857، مادة يوحنا.
(3). إنجيل متى (4: 21).
(4). إنجيل مرقس (1: 20).
(5). قاموس الكتاب المقدس، ص 863، مادة إنجيل يوحنا.
( 30 )
تلاميذ يوحنا المعمدان (يحيى) ومن تلاميذ السيد المسيح(عليه السلام)الأوائل(1)، وكان هو وأخوه حادّي الطبع سريعي الانفعال والغضب فلقبهما المسيح (ابني الرعد) أو الغضب.(2)
وفي قائمة الرسل يذكر يوحنا دائماً بين الأربعة الأولين، وكان أحد الرسل الثلاثة الذين اصطفاهم المسيح ليكونوا أصحابه المقرّبين وهم بطرس ويعقوب ويوحنا، وقد وثق به المسيح وأحبه بنوع خاص وذلك يظهر من تسميته له بالتلميذ الحبيب، وعند الصليب ظل أميناً للسيد المسيح(عليه السلام)؛ إذ أوصاه بالعناية بأمه مريم.(3)
ويختلف هذا الإنجيل عن الأناجيل الثلاثة الأخرى اختلافاً جذرياً - مضموناً وأسلوباً-، وقلّ ما ذكر مؤلّفه من الأمور التي ذكرها كتّاب الأناجيل الثلاث، ولا يتضمن هذا الإنجيل أية أمثال، أما الأحداث التي يذكرها فقد حدثت معظمها في أورشليم أو ضواحيها.
ويدعى هذا الإنجيل أيضاً بالإنجيل الروحي، والظاهر أن يوحنا كتبه أو أملاه في مدينة (أفسس) في تركيا اليوم في نهاية القرن الأول الميلادي أي بين سنة (90- 100م) وقد كتب الإنجيل باللغة اليونانية، وتعتقد الكنيسة أن الداعي إلى كتابة هذا الإنجيل هو تثبيت الكنيسة الأولى في الإيمان بحقيقة لاهوت المسيح وناسوته معاً، وذلك لدحض البدع المضلة التي كان فسادها آنذاك قد تسرّب إلى الكنيسة، فأنه يروي في إنجيله 'بعد مقدمة يقرن فيها كلمة الله بالمسيح' عدةَ معجزات وتفسيره لها مما أدى إلى اعتقاد الكنيسة إلى أنَّ هذه المعجزات تدل على كون السيد المسيح(عليه السلام)هو ابن الله والمخلّص الموعود(4)، ويتميز كاتب الإنجيل هذا بأنه يرمز إلى الحقائق الروحية باستعارات مادية كالخبز والماء والنور والراعي وغيرها، ويعتقد البعض أن هذا الإنجيل هو الذي يثبت إلوهية المسيح أكثر من الأناجيل الأخرى لنقله نصوصاً عن المسيح تشير إلى هذه العقيدة، ويرى بعض الكتّاب
______________________________
(1). إنجيل متى (4: 21- 22).
(2). إنجيل مرقس (3: 17).
(3). قاموس الكتاب المقدس، ص 864، مادة إنجيل يوحنا.
(4). المصدر السابق.
( 31 )
أن هذا الاعتقاد مجانب للحق، بل يذهب إلى القول إن إنجيل يوحنا يثبت نبوة وبشرية عيسى وإنه نبي ورسول من الله أكثر من الأناجيل الأخرى.(1)
هذه نظرة سريعة عن الكتاب المقدس وهناك مسائل وبحوث أخرى كثيرة تتعلّق بدراسته لم نذكرها؛ لعدم تناسبها مع هذا الكتاب المختصر، وهناك دراسات تخصصية أخرى من قبيل ترجمة العهدين إلى اللغات الأخرى وأهم النسخ الخطية المتوفرة منه حالياً والتي من خلالها يحاول علماء الكتاب المقدس إثبات تواتر وحجية أسفاره الذي هو بين أيدينا اليوم وغيرها من الدراسات.
______________________________
(1). كتاب الصحيح من إنجيل المسيح في اناجيل العهد الجديد، علي الشيخ، ص 164.
( 32 )
ويتضمن مباحث:
المبحث الأول: ظروف إنزال الوصايا العشر
المبحث الثاني: نظرة اجمالية للوصايا العشر
المبحث الثالث: مقارنة بين سفري الخروج والتثنية
( 33 )
مدخل
تعتبر الوصايا العشر لبّ الشريعة الموسوية وأساس عهد الله مع بني إسرائيل، ومبادئ الحياة الدينية للشعب الإسرائيلي في أرض كنعان. وكان شعب بني إسرائيل يهتم بتنفيذها، وأصبحت قانوناً للحياة والسلوك الأخلاقي بالنسبة لهم.
وهذه الوصايا هي الأولى لشعب بني إسرائيل عندما كانوا في معسكر سيناء وبعد حوالي خمسين يوماً من خروجهم من ظلم فرعون في مصر. وتمثل الوصايا العشر القانون الأساسي للعهد بين الله وبني إسرائيل في جبل سيناء؛ وتاريخ هذا الحدث هو القرن الثالث عشر قبل الميلاد بحسب التاريخ العبري، وتسمى الوصايا أيضاً بـ(الكلمات العشر).
وكانت الوصايا في واقع الأمر دستورَ مجتمع في طور التكوين خلال فترة موسى وخليفته يشوع؛ لأن الله هو الذي مكن إسرائيل من التحرّك في اتجاه أرض كنعان وإقامة الدولة، وذلك بعد تحرير الشعب الإسرائيلي من العبودية في مصر؛ فالوصايا العشر هي التعاليم التي تؤثر على الالتزامات الأساسية للدين والأخلاق، والتي تجسد كيفية التعبير عن إرادة الخالق فيما يتعلّق بواجبات الإنسان اتجاه خالقه وبقية أبناء نوعه.
ونحن في هذا الفصل سنشير إلى بعض المسائل المرتبطة بهذه الوصايا من قبيل مكان وزمان نزولها وكيفية كتابتها على الألواح ومن ثم نذكرها مع شرح مختصر لها.
( 34 )
حسب ما هو مذكور في التوراة في سفر الخروج فإن الوصايا العشر كانت أول الكلمات التي أوحاها الله تعالى إلى نبيه وكليمه موسى(عليه السلام) بعد إخراجه بني إسرائيل من أرض مصر، وكان ذلك في جبل سيناء، وقد ذكر ذلك في الفصل التاسع عشر من هذا السفر الذي يعتبر مقدمة لما يعرف بـ(عهد سيناء)، إذ يذكر مكان وزمان نزول الوصايا الأولى للشريعة الموسوية وكيف أنّ الشعب الإسرائيلي حينما وصل إلى جبل سيناء، وجّه إليه موسى تعليمات دقيقة، وفرائض صارمة ليستعدّ لتقبّل الوحي على الجبل.
يقسم الفصل إلى مقاطع، ففي المقطع الأول (1-8) ينادي الربّ موسى، وفي المقطع الثاني (9_15) ينقل موسى إلى الشعب التعليمات الواجب اتّباعُها؛ للاستعداد للحضور إلى الجبل؛ وفي المقطع الثالث (16_25) يترائى الله على الجبل، وهنا سنعرض هذه الأحداث التي ذكرها سفر الخروج في كيفية تسلم موسى الوصايا العشر.
يذكر سفر الخروج أنه بعد ثلاثة أشهر من خروج بني إسرائيل من أرض مصر وصلوا إلى صحراء سيناء حيث جاء: "في الشهر الثالث بعد خروج بني إسرائيل من أرض مصر في ذلك اليوم جاؤوا إلى برية سيناء. ارتحلوا من رفيديم وجاؤوا إلى برية سيناء فنزلوا في البرية هناك نزل إسرائيل مقابل الجبل"(1)
واستقرَّ شعب بني إسرائيل في برية (صحراء) سيناء من الشهر الثالث للخروج من مصر وحتى العشرين من الشهر الثاني للسنة الثانية(2)، أي ما يقرب من سنة كاملة جرت فيها أحداث هامة، حيث استلموا الوصايا وأقاموا خيمة الاجتماع، ومن هنا نستطيع القول إن
______________________________
(1). سفر الخروج (19: 1- 2).
(2). سفر العدد (١١: ١٠).
( 35 )
الوصايا العشر نزلت على موسى بعد ثلاثة أشهر من خروجه من مصر وعلى جبل سيناء والذي يسمى بجبل حوريب(1)، ويذكر الكتاب المقدس برية سيناء وجبل سيناء (35) مرة، وفي (17) مرة تسمى حوريب، وقد قضى بنو إسرائيل عند هذا الجبل سنة بعد خروجهم، وكانت تحيط بهذا الجبل مساحة كافية لأن يعسكر فيها العبرانيون كلهم لمدة سنة، وكانت هذه الأرض السهلة والصحراوية قريبة من الجبل حتى يمكن مسّه(2)، ولا يسجل الكتاب المقدس أن أحداً زار هذا الجبل بعد ذلك إلا إيليا حين هرب من وجه ايزابل(3).
وبعد ذلك نادى الله تعالى موسى وأمره بأن يخاطب بني إسرائيل بأنهم إن التزموا بما سيعهد إليهم الله فإنه سيجعلهم خاصة عباده من بين جميع بني البشر وفقاً لما ورد في سفر الخروج، فيقول: "وأما موسى فصعد إلى الله فناداه الرب من الجبل قائلاً: هكذا تقول لبيت يعقوب وتخبر بني إسرائيل، أنتم رأيتم ما صنعت بالمصريين وأنا حملتكم على أجنحة النسور وجئت بكم إليّ، فالآن إن سمعتم لصوتي وحفظتم عهدي تكونون لي خاصة من بين جميع الشعوب فإنَّ لي كل الأرض، وأنتم تكونون لي مملكة كهنة وأمة مقدسة هذه هي الكلمات التي تكلّم بها مع بني إسرائيل"(4)
هنا في هذا النص يذكر الله شعب بني إسرائيل كيف خلّصهم من مصر إلى هذه الأرض ليقيم معهم عهداً إن هم حفظوا وصاياه، وسوف تأخذ فيما بعد مدلولاً تاريخيّاً ولاهوتيّاً
______________________________
(1). هناك رأيان عن موقع جبل سيناء، الاول أنه جبل سربال في وادي فيران، ولكن لا توجد عند جبل سربال صحراء تكفي لأن يعسكر فيها العبرانيون كلهم لمدة سنة. والقول الآخر انه جبل موسى، ويقول يوسيفوس أن جبل موسى عظيم الارتفاع ومن المستحيل تسلقه لأنه حاد الصخور وشديد الانحدار ولا يستطيع أحد ان يطيل النظر إليه دون أن تؤلمه عيناه لأنه شديد الضوء، ويظن البعض أن هذه الأحوال الطبيعية تجعل جبل موسى أكثر استعداداً لأن يكون الجبل من فوقه أعطيت الشريعة. وتوجد اليوم عند جبل موسى أديرة وكنائس اكتشفت فيها بعض النسخ القديمة من الأسفار المقدسة، في اللغات اليونانية والسريانية والعربية وغيرها. وقد اكتشفت النسخة السينائية للكتاب المقدس في اللغة اليونانية في دير القديسة كاثرين وقد كتبت في القرن الرابع الميلادي. قاموس الكتاب المقدس، مادة سيناء، ص472.
(2). قاموس الكتاب المقدس، مادة سيناء، ص 472.
(3). سفر الملوك الاول (19: 8).
(4). سفر الخروج (19: 3- 6).
( 36 )
وعقديّاً، وهذا يعني أنّ الله 'وهو رب وخالق الأمم كلِّها' اختارَ بني إسرائيل من أجل رسالة، فأحبّهم حبّاً خاصّاً وأقام معهم عهداً، ولكنّ هذا العهد لا يعني أنّ شعب إسرائيل بشكل مطلق هو الشعب الذي اختاره الله تعالى، بل هذا كله يتوقف على إيفائه بالعهد، وهذه الوصية تتضمن هذا الشرط ضمناً، كما أن القرآن الكريم أيضاً أشار إلى هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾(1)
وأمرَ الله موسى أن يتهيؤوا لملاقاة الرب على الجبل، فأمر موسى الشعب بذلك، فاستعدّ الشعب على مدى ثلاثة أيام قبل أن يحتفل بلقائه بالرب، ويكون الاستعداد أو التقديس بغسل الثياب وكلّ وسخ خارجيّ يمسّ نقاوة الإنسان، فيمنعه من الاتّصال بالله في معبده، جاء في سفر الخروج: "فقال الرب لموسى اذهب إلى الشعب وقدسهم اليوم وغدًا وليغسلوا ثيابهم ويكونوا مستعدين لليوم الثالث؛ لأنه في اليوم الثالث ينزل الرب أمام عيون جميع الشعب على جبل سيناء"(2) ولكن الله أمر موسى أن لا يقترب أحد من بني إسرائيل من الجبل ولا يمسه بل يضع حدوداً لهم لا يتجاوزوها، ولا يصعد الجبل سوى موسى فيقول السفر: "وتقيم للشعب حدودًا من كل ناحية قائلاً: احترزوا من أن تصعدوا إلى الجبل أو تمسوا طرفه كل من يمس الجبل يقتل قتلاً"(3)، وبعد اليوم الثالث نزل الله تعالى إلى الجبل وفق القصة التوراتية فحدثَ رعدٌ وبرق عظيم، فتجلّى الرب ونطق الله بالوصايا العشر أمام جميع بني إسرائيل حيث جاء: "وكان جبل سيناء كله يدخن من أجل أن الرب نزل عليه بالنار وصعد دخانه كدخان الأتون وارتجف كل الجبل جدًا ونزل الرب على جبل سيناء إلى رأس الجبل ودعا الله موسى إلى رأس الجبل فصعد موسى؛ فقال الرب لموسى انحدر حذر الشعب؛ لئلا يقتحموا إلى الرب لينظروا فيسقط منهم كثيرون؛ وليتقدس أيضاً الكهنة الذين يقتربون إلى الرب؛ لئلا يبطش بهم الرب؛ فقال موسى للرب: لا يقدر الشعب أن يصعد إلى جبل
______________________________
(1). سورة البقرة/2. 40.
(2). سفر الخروج (19: 10- 11).
(3). سفر الخروج (19: 12).
( 37 )
سيناء؛ لأنك أنت حذرتنا قائلاً: أقم حدودًا للجبل وقدسه؛ فقال له الرب: اذهب انحدر ثم اصعد أنت وهارون معك، وأما الكهنة والشعب فلا يقتحموا ليصعدوا إلى الرب؛ لئلا يبطش بهم؛ فانحدر موسى إلى الشعب وقال لهم..."(1)
فالنطق والتكلّم بالوصايا كان أمام الشعب جميعه ومعهم موسى، أما باقي الشرائع فكانت لموسى وحده على الجبل وهو مع الله، ولم يتكلّم الله جهارًا سوى هنا، وقيل ان المتحدث لم يكن الله تعالى بل الملائكة، يقول التقليد إنّ بني إسرائيل لم يروا صورة للرب في حوريب، بل سمعوا صوته فقط؛ لهذا عليهم أن يمتنعوا أن يصنعوا للرب الصور والتماثيل. فقد جاء في تفسير الكتاب المقدس: "ربما كانوا يرددون هذه الوصايا أو أن الله كان يتكلّم مع الملائكة وهم يقولونها للشعب. أو أن الملائكة كان لهم صوت بوق الإنذار قبل أن يتكلّم الله بالوصايا، وهذا الإنذار كان ليلقي الرعب والتوقير في قلوب السامعين حتى يعرفوا أن كسر الوصية مرعب(2)"
والسبب في نزول الوصايا بعد خروج بني إسرائيل يعزيه البعض إلى أنَّه ما كان يمكن للشعب أن يتقبل الوصايا الإلهية أو يتذوق الشريعة وهو في أرض العبودية؛ لذا خرج به الله إلى هذه الأرض ليسلّمه الشريعة هناك، مبتدءاً بالقول: "أنا الرب إلهك الذي أخرجك من أرض مصر من بيت العبودية"(3)، وبالرغم من أن هذه العبارة جاءت كمقدمة للوصايا وليست في شكل وصية إلاَّ أن اليهود اعتبروها جزءًا من الوصية الأولى.(4)
______________________________
(1). سفر الخروج (19: 16- 25).
(2). تفسير الكتاب المقدس، الاب انطونيوس فكري، ص102.
(3). سفر الخروج (20: 2).
(4). تفسير الكتاب المقدس، الاب انطونيوس فكري, ص 103.
( 38 )
ذكرت التوراة أن الوصايا العشر كتبت على لوحين: "وقال الرب لموسى اصعد إلى الجبل وكن هناك فأعطيك لوحي الحجارة والشريعة والوصية التي كتبتها لتعليمهم"(1)، وأكد القرآن الكريم ذلك في بعض آياته - ولكن القرآن صرّح على أنها كتبت على ألواح وهو جمع، أي ثلاثة الواح فما فوق - وهذا ما سنشير إليه لاحقاً، وكانت الحوادث تسجل في الأزمنة القديمة على الحجر أو الخزف ويظهر أن العبرانيين استعملوا الكتابة لأول مرة بعد خروجهم من مصر وأنهم تعلّموا هذه الصناعة من المصريين الذين كانوا يتقنونها عصوراً طويلة قبل ذلك، وكان العبرانيون يحفرون الكلمات والحروف والأرقام على ألواح حجر ويطبعونها على لبن أو ينقرونها في صفائح معدنية كالرصاص أو الحديد أو البرونز أو النحاس ويحفرونها في ألواح خشبية، وكانوا ينقرون الكتابات في الصخور ويسكبون رصاصاً في الحروف المحفورة بهذه الطريقة.(2)
ومن المعروف الآن أن الكتابة كانت منتشرة في أور الكلدانيين قبل أن يرحل عنها إبراهيم الخليل بعدة قرون، وفي مصر أيضاً وذلك لعدة قرون قبل أن يسكن بنو إسرائيل على ضفاف النيل، وكانت أيضاً مستعملة في مدن كنعان وقتاً طويلاً قبل أن يستولي العبرانيون عليها.(3)
ومن هنا نستنتج أن الوصايا العشر ألقاها الله على مسامع بني إسرائيل ثم أعطاها كتابة لموسى وقد كتبت على لوحين من حجر وأن الله تعالى كتبها بإصبعه ثم سلّم الله لموسى لوحين مكتوبين بإصبعه أي بروح القدس(4)، وقد ذكرت التوراة ذلك حيث جاء في سفر الخروج: "ولما انتهى الله من مخاطبة موسى على جبل سيناء، سلمه لوحي الشهادة،
______________________________
(1). سفر الخروج (24: 12).
(2). قاموس الكتاب المقدس، مادة كتابة، ص 632.
(3). المصدر السابق.
(4). تفسير الكتاب المقدس، الاب انطونيوس فكري, ص 189.
( 39 )
لوحين من حجر مكتوبين بإصبع الله"(1)، وعندما اتخذ بنو إسرائيل العجل أمر الله موسى بالنزول من الجبل ومعه لوحي الشهادة "فانصرف موسى ونزل من الجبل ولوحا الشهادة في يده لوحان مكتوبان على جانبيهما ومن هنا كانا مكتوبين، واللوحان هما صنعة الله والكتابة كتابة الله منقوشة على اللوحين"(2)، وقام بتحطيم الحجرين مع ان الله قد كتبهما بنفسه غيرة على التوحيد "وكان عندما اقترب إلى المحلة أنه أبصر العجل والرقص فحمي غضب موسى وطرح اللوحين من يديه وكسرهما في أسفل الجبل"(3)، والظاهر من هذه النصوص أن الحجرين كانا يختصان فقط بالوصايا العشر؛ ولذلك قسموا هذه الوصايا حسب اللوحين من دون ذكرهم لشريعة أخرى.
والظاهر من القرآن الكريم أن موسى القى الألواح حين اشتد غضبه دون التصريح بكسرها وقد أخذها بعد ما سكت عنه الغضب.
وبسبب أن الوصايا العشر لم تأخذ أرقامًا في الكتاب المقدس لهذا ظهر نوعان من التقسيم:
أولاً:التقسيم القديم الذي عرفه اليهود، وأورده يوسيفوس وفيلون، وأخذ به أوريجانوس ولا تزال الكنائس البروتستانتية غير اللوثرية تأخذ به، يقوم هذا التقسيم على التمييز بين الوصية الخاصة بمنع تعدد الآلهة، والوصية الخاصة بعدم إقامة عبادة الأوثان، باعتبارهما الوصيتين الأولى والثانية، هذا مع اعتبار"لا تشته امرأة قريبك" جزءًا من الوصية التي تأمر ألاَّ يشتهي ممتلكات القريب.
بهذا التقسيم تصبح الوصايا الأربع الأولى خاصة بعلاقة الإنسان بالرب، أما الوصايا الباقية (الستة) فخاصة بعلاقة الإنسان بأخيه.
وهناك رأي يقول: إن كل لوح حمل خمس وصايا، فتكون الوصية الخامسة الخاصة بإكرام الوالدين قد نُقشت مع الوصايا الخاصة بعلاقة الإنسان بالله على اللوح الأول، ويبرر
______________________________
(1). سفر الخروج (31: 18).
(2). سفر الخروج (32: 15- 16).
(3). سفر الخروج (32: 19).
( 40 )
أصحاب هذا الرأي ذلك، بأن اليهود كانوا يرون إكرام الوالدين أمرًا مطلقًا بلا شرط، وكأن الوصية الخاصة بذلك هي امتداد للوصايا الخاصة بعلاقة الإنسان بالله.(1)
وهذا ينسجم مع اقتران الأمر ببر الوالدين بوحدانية الله تعالى في القرآن الكريم: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإنسان بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أمه وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾.(2)
ثانياً: التقسيم الذي تُنادي به الكنيسة الكاثوليكية والكنائس اللوثرية البروتستانية- سنشير إليه في الفصل الثالث- وقد اعتمدت الكنيسة على أغسطينوس الذي اعتبر أن الوصية الخاصة بعدم تعدد الآلهة تضم معها الوصية الخاصة بعدم عبادة، بينما جعل من الوصية الخاصة بعدم اشتهاء امرأة القريب وصية مستقلة عن عدم اشتهاء ممتلكات القريب. بهذا يرى أن الوصايا الخاصة بعلاقة الإنسان بالله هي ثلاثة، والوصايا الخاصة بعلاقة الإنسان بقريبه سبعة، اللوح الأول شمل الثلاث وصايا الأولى، والثاني شمل الوصايا السبع الأخيرة.(3)
وقد تم تقسيم الوصايا على اللوحين أيضاً على النحو التالي:
وصايا اللوح الأول هدفها العلاقة مع الله:
1- (أنا الرب إلهك... لا يكن لك آلهة أخرى).
2- (لا تصنع لك تمثالاً ولا صورة).
3- (لا تنطق باسم الرب باطلاً).
4- (قدّس يوم السبت).
______________________________
(1). تفسير الكتاب المقدس، الاب انطونيوس فكري، تفسير سفر الخروج، ص 103.
(2). سورة لقمان: 14.
(3). تفسير الكتاب المقدس، الاب انطونيوس فكري، تفسير سفر الخروج، ص 103.
( 41 )
وصايا اللوح الثاني هدفها العلاقة مع الإنسان:
5- (أكرم أباك وأمك).
6- (لا تقتل).
7- (لا تزنِ).
8- (لا تسرق).
9- (لا تشهد بالزور).
10- (لا تشتهِ كل ما لقريبك).
وهناك من يجمع الوصية الأولى مع الثانية في وصية واحدة، فتصبح وصايا اللوح الأول ثلاث وصايا. وهؤلاء يقسمون الوصية العاشرة إلى وصيتين:
الأولى: (لا تشتهِ امرأة قريبك).
والثانية: (لا تشتهِ مقتنى غيرك).
حتى تبقى الوصايا عشر، وبذلك تكون وصايا اللوح الثاني بهذا التقسيم سبعة.
وكما أشرنا فهناك من يقول: إن وصية إكرام الوالدين الوصية الخامسة تنضم إلى اللوح الأول فيكون في كل لوح خمس وصايا.(1)
______________________________
(1). المصدر السابق، ص104.
( 42 )
الوصايا العشر(1) عسيريت هاتسيفيم وتسمى بالكلمات العشر أوعسيريت-هديباروت وتدعى (كلمات العهد(2)، ولوحا الشهادة(3))، وقد ورد نص هذه الوصايا مرتين مرة في سفر الخروج ومرة أخرى في سفر التثنية، والفارق بينهما أن النص في سفر الخروج قدم تبريرًا لوصية تقديس السبت وهو أن الله استراح بعد الخلق في اليوم السابع، أما في سفر التثنية فارتكز على أن في ذلك تذكارا للخلاص من أرض العبودية والدخول إلى الاستقلال، والوصايا قصيرة وموجزة(4)، وقد أشار البعض إلى أنَّ كل ما جاء في الكتاب المقدس والتلمود(5) من أقوال هي من الناحية التقليدية ليست إلَّا فروعا لأصل واحد هو الوصايا العشر التي فيها يكمن القانون الأساسي الكامل.(6)
ويلاحظ أن الوصايا العشر قد حملت جانباً سلبياً فيما عدا وصيتي تقديس السبت وإكرام الوالدين، كما أن الوصية الخاصة بإكرام الوالدين هي الوصية الوحيدة التي لها وعد.(7)
وأما نصُّ الوصايا كما ورد في سفر الخروج فهو على النحو التالي:
______________________________
(1). للرقم عشرة عند اليهود خصوصية كبيرة فهو قد ارتبط بقضايا يهودية كبيرة منها: تجارب ابراهيم العشرة؛ الاسباط العشرة ؛ ايام التوبة العشرة؛ الضربات العشر التي لحقت المصريين؛ التذكارات العشر؛ دروب الخلق العشر؛ العدد العشري للصلاة. انظر: رشاد الشامي، الوصايا العشر، ص12.
(2). سفر التثنية (29: 1).
(3). سفرالخروج (31: 18).
(4). المجموعة الكتابية من سيناء الى مؤاب، الخوري بولس الفغالي، ص189.
(5). التلمود او التوراة الشفوية يشكل التلمود مع التوراة حجر الزاوية في الديانة اليهودية وهي كلمة مشتقة من (لمد) أي تعاليم ويتالف من قسمين هما (المشنا)و(الجمارا)ولليهودية شرحان مختلفان لنص المشنا ادى وجودهما الى ظهور تلمودين متمايزين هما (التلمود البابلي) و(التلمود الاورشليمي)
(6). الفكر الاسرائيلي اطواره ومذاهبه، حسن ظاظا، ص 164.
(7). تفسير الكتاب المقدس، الاب انطونيوس فكري, ص 105.
( 43 )
وتكلّم الرب بهذا الكلام كله قائلاً: أنا الرب إلهك الذي أخرجك من أرض مصر من بيت العبودية، لا يكن لك آلهة أخرى أمامي، لا تصنع لك تمثالاً منحوتًا ولا صورة ما مما في السماء من فوق وما في الأرض من تحت وما في الماء من تحت الأرض، لا تسجد لهنَّ ولا تعبدهن؛ لأني أنا الرب إلهك إله غيور افتقد ذنوب الآباء في الأبناء في الجيل الثالث والرابع من مبغضي، وأصنع إحساناً إلى ألوف من محبي وحافظي وصاياي، لا تنطق باسم الرب إلهك باطلاً؛ لأن الرب لا يبرئ من نطق باسمه باطلاً، اذكر يوم السبت؛ لتقدسه ستة أيام تعمل وتصنع جميع عملك، وأما اليوم السابع ففيه سبت للرب إلهك لا تصنع عملاً ما، أنت وابنك وابنتك وعبدك وأمتك وبهيمتك ونزيلك الذي داخل أبوابك؛ لأن في ستة أيام صنع الرب السماء والأرض والبحر وكل ما فيها واستراح في اليوم السابع؛ لذلك بارك الرب يوم السبت وقدَّسَه، أكرم أباك وأمك؛ لكي تطول أيامك على الأرض التي يعطيك الرب إلهك، لا تقتل، لا تزنِ، لا تسرق، لا تشهد على قريبك شهادة زور، لا تشتهِ بيت قريبك، لا تشتهِ امرأة قريبك ولا عبده ولا أمته ولا ثوره ولا حماره ولا شيئًا مما لقريبك"(1)
وقد أعاد موسى هذه الوصايا مرة أخرى في سفر التثنية تذكيراً لبني إسرائيل بالوعد الذي وعده الله لهم سابقاً بعد خروجهم من أرض مصر، فهي تكرار للوصايا التي نطق بها الله تعالى لجميع بني إسرائيل على جبل سيناء، فقد جاء في مقدمة هذه الوصايا في سفر التثنية:
"ودعا موسى جميع بني إسرائيل وقال لهم: اسمع يا بني إسرائيل الفرائض والأحكام التي أتكلّم بها في مسامعكم اليوم وتعلّموها، واحترزوا لتعملوها الرب الهنا قطع معنا عهداً في حوريب، ليس مع آبائنا قطع الرب هذا العهد بل معنا نحن الذين هنا اليوم جميعاً أحياء، وجهاً لوجه، تكلّم الرب معنا في الجبل من وسط النار، وجهاً لوجه، أنا كنتُ
______________________________
(1). سفر الخروج (20: 1- 17).
( 44 )
واقفاً بين الرب وبينكم في ذلك الوقت؛ لكي أخبركم بكلام الرب؛ لأنكم خفتم من أجل النار ولم تصعدوا إلى الجبل"(1)
ومن ثم كرر عليهم الوصايا مرة أخرى تذكيراً بها؛ ولهذا اختلفت الوصايا في سفر التثنية قليلاً عن الوصايا في سفر الخروج؛ باعتبار أن المتحدّث هنا هو موسى(عليه السلام) وليس الله تعالى؛ ولهذا أُطلق على هذا السفر سفر التثنية أي التكرار؛ إذ أنه يذكر بتاريخ بني إسرائيل الماضي عائداً بالذكرى إلى ترائي الله تعالى على جبل سيناء وإعطائه للوصايا العشر.(2)
وهنا نقف عند هذه الوصايا مع بيان مختصر لكل واحدة منها من وجهة نظر اليهود.
تبدأ الوصايا العشر هكذا: "أنا الرب إلهك الذي أخرجك من أرض مصر من بيت العبودية، لا يكن لك آلهة أخرى أمامي... ".(3)
في قوله: "لا يكن لك آلهة أخرى أمامي" لا يعني وجود آلهة أخرى، إنما يحذر شعب بني إسرائيل من السقوط في التعبد لآلهة الوثنيين مع عبادتهم لله، ويرى أثناسيوس الرسولي: (أن هذه الوصية تعني: أن الله لكي يسحب البشر بعيدًا عن التخيلات الخاطئة غير العاقلة الخاصة بعبادة الأوثان... ليس كما لو كانت هناك آلهة أخرى يمنعهم عنها، إنما أوصى بذلك لئلاَّ ينحرفوا عن الله الحقيقي ويقيموا لأنفسهم آلهة مما لا شيء، كما فعل الشعراء والكتّاب).(4)
وذهب بعض المفسرين في تفسير قوله: "لا يكن لك آلهةٌ غيري" عل فني بالعبريّة: (كلمة "عل" العبرية تعني: بجانبي، وتعني: وحدَه الله يُعبد في بلاد إسرائيل، ولا يُعبد أحد معه،
______________________________
(1). سفر التثنية (5: 1- 5).
(2). تفسير الكتاب المقدس، الاب انطونيوس فكري, ص 366.
(3). سفر الخروج (20: 2- 3).
(4). الوصايا العشر في المفهوم المسيحي، البابا شنودة الثالث، ج1، ص 85.
( 45 )
وتعني أيضاً: فوقي، أي: لا تفضّل إلهًا من الآلهة عليّ، وتعني أخيرًا: ضدّي، أي: لا يكن لك آلهة أخرى تتحدّاني؛ لأنّيْ أنا إله غيور).(1)
الله تعالى يذكر بني إسرائيل بأنه هو الذي حررهم؛ لأنه أحبهم، إن كان الله أحبهم وحررهم فلا يجب أن يستعبدوا أنفسهم لآلهة أخرى تذلهم، إنه يُريدنا أن نحبه ليملك على القلب تمامًا، ليس لأنه يُريد أن يستعبدنا أو يذلنا، وإنما لأنه (إله غيور)؛ لذلك أصرَّ أن يصف نفسه هكذا: "أنا الرب إلهك إله غيور" وقد علّق يوحنا ذهبي الفم على هذه العبارة قائلاً: (قال الله هذا لكي نتعلّم شدة حبه، فلنحبه كما يُحبنا هو، فقدم ذخيرة حب كهذه، فإننا إن تركناه يبقى يدعونا إليه، وإن لم نتغير يؤدبنا بغضبه، ليس من أجل التأديب في ذاته، لقد فعل الله كل شيء لكي نحبه، ومع هذا فنحن متراخون وشرسون).(2)
جاءت الوصية هكذا: "لا تصنع لك تمثالاً منحوتاً ولا صورة ما مما في السماء من فوق وما في الأرض من تحت وما في الماء من تحت الأرض، لا تسجد لهن ولا تعبدهن؛ لأني أنا الرب إلهك إله غيور افتقد ذنوب الآباء في الأبناء في الجيل الثالث والرابع من مبغضي، وأصنع إحساناً إلى ألوف من محبي وحافظي وصاياي."(3)
روح الوصية هو وقف تسلل العبادة الوثنية إلى الشعب الإسرائيلي، فقد عرف الشعب اليهودي بتعرّضه للسقوط في نوعين من الانحراف الوثني:
أ. الامتثال بالوثنيين المحيطين بهم.
______________________________
(1). المجموعة الكتابية، من العبودية الى العبادة، الخوري بولس الفغالي، ص176.
(2). تفسير الكتاب المقدس، الاب انطونيوس فكري، تفسير سفر الخروج, ص36.
(3). سفر الخروج (20: 4- 7).
( 46 )
ب. الخلط بين العبادة الوثنية وعبادة الله، كما يظهر من عبادتهم للعجل بقصد التعبد لله الحيّ من خلال هذا العمل الرمزي.
معنى كلمة (فسل) في العبرية تعني الصورة المنحوتة أو المحفورة في الخشب والحجر والمعدن، إنّ هذه الوصية تمنع المؤمن من أن يصنع أيّ صورة للرب؛ إذ الرب لا مثيل له(1)، هناك علاقة متينة بين الصورة والحقيقة، كما بين الاسم والشخص، من حقّر الاسم حقَّر الشخص، أمّا السبب اللاهوتيّ لهذا المَنع فنحن نقرأه في سفر التثنية الذي يقول: "فاحتفظوا جداً لأنفسكم فإنكم لم تروا صورة ما يوم كلّمكم الرب في حوريب من وسط النار لئلا تفسدوا وتعملوا لأنفسكم تمثالاً منحوتاً صورة مثال ما، شبه ذكر أو انثى، شبه بهيمة ما مما على الأرض، شبه طير ما ذي جناح مما يطير في السماء... ولئلا ترفع عينيك إلى السماء و تنظر الشمس و القمر و النجوم كل جند السماء التي قسمها الرب إلهك لجميع الشعوب التي تحت كل السماء فتغتر و تسجد لها و تعبدها."(2)
وللشعوب تماثيلُ تعبر عن أشياءَ مقدسة، أمّا الله فلا شيء يشبهه أبداً، لذلك لا يحقّ للمؤمنين أن يفعلوا ما تفعله سائر الأمم؛ لأن وحي الله يؤكد على عدم جواز ذلك.(3)
وذهب البعض إلى أنَّ منع الصور في العهد القديم قام جوهريًا على عجز الشعب اليهودي عن التمييز بين العبادة Lateria الخاصة بالله وحده والتكريم Probynesis الذي يمكن تقديمه لغير الله، فسبحانه لم يمنع التماثيل إلاَّ من حيث الخوف عليهم من السقوط في الانحرافات الوثنية، ويظهر ذلك بوضوح من أمر الله لشعب بني إسرائيل قديمًا بإقامة صورًا معينة هو حددها، كجزء في الطقس التعبدي، إذ أمر الله موسى أن يعمل تمثالاً من النحاس لحيّة يضعها على سارية في البرية لتكون سرّ شفاء لكل لديغ ينظر إليها.(4)
______________________________
(1). المجموعة الكتابية، من العبودية الى العبادة، الخوري بولس الفغالي، ص178.
(2). سفر التثنية (4: 15- 19).
(3). المجموعة الكتابية، من العبودية الى العبادة، الخوري بولس الفغالي، ص 178.
(4). سفر العدد (21: 8- 9).
( 47 )
أما قوله: "أفتقد ذنب الآباء في الأبناء "ففسره البعض بـ(أن الله لا يعاقب شخصاً على خطايا والديه إن كان هو نفسه لا يخطئ مثلهم، بل إن كان الأولاد يشبهون آباءهم في خطاياهم فالله سيعاقب في الجيل الثالث والرابع).(1)
الوصيتان الأولى والثانية خاصَّتان بعبادة الله بعيدًا عن كل انحراف وثني، أما الوصية الثالثة فتخص (اسم الله) إذ خشي الله على شعبه أن يُقسموا بأسماء آلهة أخرى أعطاهم الرب أن يحلفوا باسمه، حيث جاء في سفر التثنية: "بل الرب إلهك تتقي وإياه تعبد وباسمه تحلف".(2)
ولكن اشترط عليهم ألاَّ يحلفوا باسم الرب كذبًا أو في كلام فارغ أو بلا سبب جوهري، حيث ذكر في سفر اللاويين - يطلق عليه اسم الأحبار أيضاً -" لا تحلفوا باسمي كذبا فتدنس اسم الهك"(3)، وأن يؤدوا ما قد حلفوا به باسم الرب.
هذا بالنسبة للقسَم، أما بالنسبة لترديد اسم الله، فقد طلب منهم أن لا يرددونه باطلاً، أي بلا سبب جوهري، فإن اسمه قدوس، علينا أن نهابه ونوقِّره، لا ننطق به إلاَّ في خشوع وبكل إجلال، فقد أمر موسى النبي قائلاً: "لتهاب هذا الاسم الجليل الرهيب، الرب إلهك"(4).
______________________________
(1). تفسير الكتاب المقدس، القمص تادرس يعقوب ملطي، ص 107.
(2). سفر التثنية (6: 13).
(3). سفر اللاويين (19: 12).
(4). سفر التثنية (28: 58).
( 48 )
أما في الاناجيل والقرآن فقد نهى الإنسان المؤمن أن يحلف البتة كقول السيد المسيح(عليه السلام): "ليكن كلامكم نعم نعم لا لا، وما زاد على ذلك فهو من الشرير"(1)، وكذلك أكّد القرآن كما في قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَجْعَلُواْ اللّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ﴾(2) وهذا ما سنشير إليه لاحقا.
وقد خاف التقليد اليهودي أن يتلفظ باسم الرب، فيكون تلفظه به باطلاً ولهذا كانوا يستخدمون أسماء أخرى ليدل على الله.
السبت بالعبرية: (شبت) أي الراحة، وأول مرة استخدم كان في سفر التكوين عندما خلق الله السماوات والأرض في ستة أيام ثم استراح في اليوم السابع فباركه وقدسه(3): "وفرغ الله في اليوم السابع من عمله الذي عمل، فاستراح في اليوم السابع من جميع عمله الذي عمل؛ لأنه في ستة أيام صنع الرب السماء والأرض وفي اليوم السابع استراح وتنفس".(4)
يفترق يوم السبت عن سائر الأيام التي هي أيام عمل، وهكذا تفصل الوصية بين أيام العمل ويوم الراحة، بالإضافة إلى ذلك أصبح اليوم السابع في العهد القديم يوم عيد يحتفلون به كما يحتفلون بسائر الأعياد، فيعتبر يوم تكريس الزمن للرب، فكما يقدّم المؤمن للرب أولى حصاده، كذلك يقدّم له أول أيام أسبوعه.(5)
قال البعض نقلاً عن كهنة اليهود: (إنّ الله استراح بعد عمله، كذلك يستريح الإنسان بعد عمل ستة أيام. أمّا سفر التثنية فيربط شريعة السبت بعبودية بني إسرائيل في مصر، حيث
______________________________
(1). إنجيل متى (5: 37).
(2). سورة البقرة: 224.
(3). سفر التكوين (٢: ٣).
(4). سفر التكوين، (2: 2- 3)
(5). المجموعة الكتابية، من سيناء الى مؤاب، ص251.
( 49 )
لم تكن لهم عطلة أسبوعية، فيعيشون دوماً في رتابة العمل اليومي، وهكذا فتنظيم يوم السبت يدل على الاستقلال السياسي الذي يحرّرهم من حكم الفرعون وعبوديته، ويربطهم بسلطان الله وعبادته، بهذا الشكل يصبح السبت دليلاً آخر على حنان الله ورحمته لشعبه).(1)
إنّ يوم السبت أخذ أهميّة كبرى في ديانة شعب إسرائيل، فصارت شريعته وشريعة الختان أهمَّ ما في العالم اليهوديّ من ممارسات، يكفي لذلك أن نذكر ما فعله أولئك الذين ذهبوا إلى البريّة في عهد المكابيين، عندما أدركهم جنودُ الملك أنطيوخس الأنطاكيّ، وناصبوهم القتالَ يوم السبت، ففضلوا الموت على تدنيس يوم السبت.(2)
"أكرم أباك وأمّك..." يشكل إكرام الوالدين الوصيّةَ الأولى التي تنظّم علاقاتنا بالقريب، بعد أن نظّمت الوصايا الثلاث الأول علاقاتنا بالله.
"أكرم أباك وأمّك"، تلك هي الوصيّة الأساسيّة التي زاد عليها سفرُ الخروج: "ليطولَ عمُرك في الأرض التي يعطيك الربّ إلهك"؛ وزاد سفر التثنية: "كما أمرك الربّ إلهك، ولكي تُصيب خيرًا في الأرض".(3)
وضع الله إكرام الوالدين في مقدمة الوصايا الخاصة بعلاقتنا بالآخرين، فأمر بإكرامهما قبل أن يوصي "لا تقتل" أو "لا تزنِ".
يقول الأب شنودة بهذا الصدد: (إن الرب لكي يعطينا فكرة عميقة عن الإكرام، يقول: "أكرم أباك وأمك"، قبل أن يقول: "لا تقتل"، وقبل أن يقول: "لا تزنِ"، وقبل الوصايا الأخرى،
______________________________
(1). المصدر السابق.
(2). المجموعة الكتابية، من العبودية الى العبادة، ص 181.
(3). سفر التثنية (5: 16).
( 50 )
كأن الذي يخطئ بعدم إكرام والديه هو أكثر خطيئة ممن يرتكب جريمة قتل أو زنا أو سرقة).(1)
وهي الوصية الوحيدة المقترنة بمكافأة أو وعد، وكانت الشريعة صارمة على من يخالف هذه الوصية: "من ضرب أباه أو أمه يُقتل قتلاً... ومن شتم أباه أو أمه يقتل قتلاً".(2)
بل جاء في سفر التثنية ان من يعاند ولا يسمع لقول أبيه ولا لقول أمه يرجمه جميع رجال مدينته بحجارة حتى يموت(3)، ومن يستخف بأبيه أو أمه يصير تحت اللعنة.(4)
(أكرِم) في العبرية ترجع إلى كلمة (كبد) التي تدلّ على الثِقَل والأهميّة، وهي تطلب الإكرام والتمجيد، فعندما يتم تكرِيم الوالدين يمجّد الله الذي أراد لهما هذا الواجب.
ومفهوم إكرام الوالدين واسع، يشمل الطاعة والخضوع، وقد ضرب إسماعيل(5) مثلاً حيًا لطاعة أبيه إبراهيم الذي أراد أن يقدمه ذبيحة للرب كأمر الله له؛ وأيضاً المحبة والاحترام ونرى في سليمان الحكيم مثلاً آخر، عندما جاءته والدته (قام الملك للقائها وسجد لها وجلس على كرسيه ووضع كرسيًّا لأم الملك فجلست عن يمينه)(6)، والنجاح أيضاً نوع من إكرام الوالدين، إذ يقول الكتاب المقدس: "الابن الحكيم يُسر أباه، والابن الجاهل حزن أمه".(7)
الوالدان يمثّلان الله بالنسبة إلى أولادهما، إذ هما يشاركان الله في عمل الخَلْق، والبركة التي أعطاها الرب للإنسان المخلوق على صورته، تقوم في إعطاء الحياة للأولاد، ومشاركة
______________________________
(1). الوصايا العشرة من مفهوم مسيحي، ج2، ص 7.
(2). سفر الخروج (21: 15- 17).
(3). سفر التثنية (21: 18- 21).
(4). سفر التثنية (27: 16).
(5). يذهب اليهود والمسيحيون الى أن اسحاق ع هو الذي أُمر إبراهيم ع بذبحه ابتلا له من عند الله بينما يرى كثير من المسلمين أنه إسماعيل ع بدلا من إسحاق.
(6). سفر الملوك الاول (2: 19).
(7). سفر الامثال (10: 1).
( 51 )
الله في عمل الخلق، وواجب الإكرام هذا يتوجّه إلى الجميع دون استثناء؛ لأن العائلة لم تكن تقتصر على الوالدَين والأولاد، كما نعرفها في العالم المتحضّر، بل كانت تشمَل الأجداد والآباء والعمُومة، وكانوا كلّهم يعيشون في ميراث الآباء، وأنّ واجبات الأولاد نحو الأب تساوي واجباتهم نحو الأمّ.(1)
ويعبّر الكتاب المقدّس عن الإكرام الواجب للأهل بطرق متعدّدة، وأولُها الطاعة التي هي خضوع لإرادة الله عَبر إرادة الوالدين، فيحدّثنا سفر الأمثال بهذا الصدد: "إسمع يا بنيّ تأديبَ أبيك ولا تنبِذْ ما توصيك به أمّك(2)"، أمّا سفرُ يشوع بن سيراخ(3) ففيه النصائح العديدة عن إكرام الأولاد لوالديهم فهو يقول: "من أكرم أباه فإنّه يكفّر خطاياه وتُستجاب صلاته، ومن احترم أمه فهو كمدّخِر الكنوز. من أطاع أباه طالت أيأمه. أكرم أباك وأمّك بقولك وفعلك؛ لكي تحلّ عليك البركة؛ فإنّ بركة الأب توطّد بيوت البنين، ولعنة الأمّ تقلعَ أسسها(4)
هذه الوصية تؤكد حرمة إراقة الدم بغير حق؛ إذ الله لا يطيق أن يرى الدم البريء مسفوكاً بلا ذنب، لذلك يقول لقايين ابن آدم الذي قتل أخاه: "صوت دم أخيك صارخ من الأرض".(5)
الفعل العبرانيّ (رصح) يلفظ في العربيّة: (رضح) أي رضّ الرأس بالحجارة، وتراضحوا أي: ترامَوا بالحجارة أو بالنشاب، يدلّ على قتل شخص بصورة متعمّدة أو غير متعمدة، وهو يتميّز عن فعلين:
______________________________
(1). المجموعة الكتابية، من العبودية الى العبادة، ص182.
(2). سفر الامثال (1: 8 ؛ 10: 1).
(3). وهو من الأسفار القانونية الثانية والتي لا تعترف بها بعض الكنائس على انها وحي الهي بل هي مفيدة للحياة الروحية.
(4). سفرُ يشوع بن سيراخ (2: 3- 18).
(5). سفرالتكوين (4: 11).
( 52 )
الأول:(هرج) في العربيّة: هرج الناس، وقعوا في فتنة واختلاط وقتل، ويدلّ على القتل في زمن الحرب.
والثاني:(هميت) من (موت (، في العربيّة: أماته، ويدلّ على تنفيذ حُكم الإعدام بشخص من الأشخاص.(1)
والله الذي أوصى بعدم القتل صرح به في حالات معينة، بل أمر به، اذ جعل القتل عقوبة واجبة التنفيذ على من يقترف بعض الذنوب مثلا بالنسبة للزناة وللقاتل نفسه ولضارب أبيه أو أمه أو شاتمهما، والمجدف على اسم الرب.(2)
والقتل أنواع فهناك من يقتل بلسانه كما ورد في العهد القديم: "لسانهم سيف قتّال(3) "، وهناك قتل بالمسؤولية كإنسان يترك ثوره النطَّاح ينطح آخر فيقتله(4)، وقد توسع البعض في مفهوم القتل بحيث جعل بعض الأمور الأخرى مصداقاً للقتل، مستنداً بذلك على ما جاء في سفر يشوع بن سيراخ حيث يذكر: "من قدّم ذبيحة من مال المساكين، فهو كمن يذبح الابن أمام أبيه. خُبز المُعْوِزين حياتهم، فمن أمسكه عليهم، فإنّما هو سافك دماء. من يخطف مَعاشَ القريب يقتلْه، ومن يُمسك أجرة الأجير يسفُك دمه".(5)
الفعل العبرانيّ (نأف) يدل على العلاقات الزوجيّة بين رجل وامرأة متزوّجة أو مخطوبة، وهكذا تمنع الوصيّة السابعة من خيانة الرباط الزواجيّ، ومن خانه استوجب عليه حكم الموت، حيث جاء في سفر اللاويين: "أيّ رجل زنى بامرأة رجل، فليقتل الزاني والزانية".(6)
______________________________
(1). المجموعة الكتابية، من العبودية الى العبادة، ص183.
(2). الوصايا العشرة من مفهوم مسيحي، ج3، ص 5.
(3). سفر إرميا (9: 8).
(4). سفر الخروج (21: 28- 29).
(5). سفر يشوعَ بن سيراخ (23: 34- 27).
(6). سفر التثنية (10: 20).
( 53 )
والزنا أنواع فقد يكون الزنا بالفكر أو الشهوة في القلب أو شهوة الجسد ويسمى بالشهوة الجسدية وقد حرمت الشريعة اليهودية الزنا الذي يتحقق في الواقع من خلال مقاربة الرجل للمرأة، وكذلك له تسميات عديدة، فهو يسمى زنا وفسق بالنسبة للمتزوجين، ويسمى دعارة وعهارة بالنسبة للمدمنين عليه، ويسمى بغاء بالنسبة للمشتغلين به والمرتزقين عليه... إلخ(1)، وكانت الشريعة اليهودية تعامل المخطوبةَ معاملتَها للمتزوّجة، والعقابُ للزنا مع امرأة مخطوبة كالعقاب مع المتزوّجة.(2)
ويعتقد البعض أن الوصيّة التي نحن بصددها لا تشير إلى علاقة رجل بامرأة غير متزوّجة أو مخطوبة، أو بَغِي، كما لا تشير بصورة عامّة إلى البَغاء والفجور وفساد الأخلاق، بل تشدّد على احترام الزواج؛ لأن المرأة مُلك الرجل، ومن مسَّها مسّ مُلكيّة الرجل لها، في مثل هذه الحالة الاجتماعية التي عرفت تعدّد الزوجات، الزانيةُ هي فقط المرأة المتزوّجة، والرجلُ لا يزني إلاّ مع امرأة متزوجة.(3)
وذهب البعض إلى إيجاد نوع من المشابهة بين الوصية الأولى وهذه الوصية، فالوصية السابعة الاجتماعية مثل الوصية الأولى المطلقة والتي تتطلب الإخلاص في العلاقة مع الله، كذلك الوصية السابعة تتطلب علاقة مماثلة من الإخلاص داخل العهد من الزواج، ولكن هذا المعنى الضيّق سيتوسّع، فينظر الكتاب إلى الزنا والبغاء نظرةَ لوم، فيعتبرهما خيانةً تمزّق الزواج الذي أسسّه الله، فالزواج يفترض الأمانة، وهي التي تؤدي إلى دوام الحياة الأسرية واستمراريتها.(4)
______________________________
(1). الوصايا العشرة من مفهوم مسيحي، ج4، ص 19.
(2). سفر التثنية (22: 22- 27).
(3). المجموعة الكتابية، من العبودية الى العبادة، ص185.
(4). الوصايا العشر في منظور جديد, الف فيليبس، ص 82.
( 54 )
كما أنه ليست هناك خطيئة بشعة يكرهها الله مثل الزنا، حتى دعيت في الكتاب المقدس "نجاسة" بها تتنجس النساء(1)، ومن فرط بشاعتها دعيت عبادة الأوثان زنا.(2)
وتتوسّع كتبُ الحكمة في الحديث عن موضوع الزنا، فتنبّه المرأة وتحذّر الرجل من إغواء المرأة الغريبة، وتدعوه إلى التعلّق بزوجته "فتكون له الظبيةَ المحبوبة والوعلة الحنون، يُرويك وَدادُها في كلّ حين، وبحبّها تَهيمُ على الدوام."(3)
وتحذر كذلك من الله تعالى يرى هذا العمل القبيح وإن كنت تخاف أن تفضح في المجتمع فالله أحق من أن يُخاف ويُتقى، وهذا المعنى نجده في سفر يشوع بن سيراخ حيث يقول: "إنّ الزاني يخاف عيون البشر، ولا يعرف أنّ الله يرى ويعلم كل شيء".(4)
ويعلّق العلّامة أوريجانوس على نفس العبارة قائلاً:
> أنظروا محبة الله، فإنه يحتمل ضعف البشر لكي يعلمنا ويدخل بنا إلى الكمال... كل امرأة مرتبطة برجلها تخضع له وإلا صارت زانية، تبحث عن الحرية لكي تخطئ، ومن يذهب إلى زانية يعرف أنه يدخل إلى امرأة زانية تُسلّم نفسها لكل من يَقْدم إليها، لذا فهو لا يغضب إن رأى آخرين عندها. أما المتزوج شرعيًا فلا يحتمل أن يرى زوجته تُخطئ، وإنما يعمل دائبًا على ضبط طهارة زواجه، ليتأكد أنه الأب الشرعي، إن فهمت هذا المثل تستطيع أن تقول: إن النفس تتنجس مع الشياطين والأحباء الآخرين الكثيرين، فعادة يدخل عندها روح الزنا، وعند خروجه يدخل روح البخل ثم روح الكبرياء ثم روح الغضب ومحبة الزينة والمجد الباطل، ويدخل آخرون كثيرون يزنون مع النفس الخائنة دون أن يَغير أحدهم من الآخر... ولا يطرد الواحد الآخر، بل بالعكس كل منهم يقدم الآخر... وكما رأينا الروح الشريرة التي يقول عنها الانجيل:
______________________________
(1). سفر الخروج (18: 11).
(2). سفرإرميا (3: 6- 9).
(3). سفر الامثال (5: 19).
(4). يشوع بن سيراخ (23: 21).
( 55 )
إن خرج من إنسان يرجع ومعه سبعة أرواح أشر منه، ويسكن هذه النفس. أما إن اتحدت النفس مع زوج شرعي، تهب النفس ذاتها له وترتبط به شرعيًا، حتى وإن كانت في ماضيها خاطئة وسلكت كزانية، لكنها متى ارتبطت به تتعهد ألاَّ تخطئ مرة أخرى. النفس التي اختارته عريسًا لها لا يحتمل أن تلهو مع الزناة، وهو أيضاً يَغير عليها، ويدافع عن طهارة حياته الزوجية.
يُدعى الله "إلهًا غيورًا" لأنه لا يحتمل أن ترتبط النفس التي وهبت ذاتها له بالشياطين... إن كنا قد عرفناه بعد ما استنرنا بكلماته الإلهية، بعد الاعتراف بالإيمان، والارتباط بمثل هذه الأسرار العظيمة فإنه لا يريدنا أن نخطئ أيضاً، ولا يحتمل أن يرى النفوس تلهو مع الشياطين، وتتمرغ في حمأة الإثم، وإن حدثت هذه المصيبة، فعلى الأقل يريدها أن ترجع وتتوب. هذا نوع جديد من محبته لنا: أن يقبل النفس التي ترجع إليه بعد الزنا وقد تابت بكل قلبها إذن الله الغيور، يبحث عن الإنسان ويتمنى أن يربط نفسه به ويحفظه من الخطيئة ويقوِّمه ويؤدبه ويغضب عليه.(1)
قال بعض العلماء في تعريف السرقة: هي عدم احترام حقوق الغير وملكيته(2)، وتؤلّف هذه الوصية مع الوصيتين السابقتين مجموعة من المحظورات، تكوّن أسساً يرتكز عليها المجتمع، "لا تقتل"، فالحياة مقدّسة، "لا تزنِ"، فالزواج مقدّس، "لا تسرق"، فحقّ المُلكيّة مقدّس.(3)
والسرقة ليست هي أخذ مال الغير مطلقاً، بل سلبه إياه من غير رضا، وقد أباحت الشريعة أحياناً التصرّف بمال الغير وملكيته بشكل قليل وفي حالات نادرة، منها ما جاء بخصوص تناول الثمار من حقل الغير، فالشريعة تقول: "إذا دخلت كرم صاحبك فكلْ عنبًا حسب شهوة
______________________________
(1). تفسير الكتاب المقدس، القمص تادرس يعقوب ملطي، ص 105.
(2). الوصايا العشرة من مفهوم مسيحي، ج4، ص 42.
(3). المجموعة الكتابية، من العبودية الى العبادة، ص 187.
( 56 )
نفسك، شبعتك، ولكن في وعائك لا تجعل. إذا دخلت زرع صاحبك، فاقطف سنابل بيدك، ولكن منجلاً لا ترفع على زرع صاحبك"(1)، فهذا مع أنه بالظاهر تجاوز على حقوق الغير إلا أن الشريعة اليهودية أجازته ولم تعتبره سرقة.
وتختلف بشاعة هذه الخطيئة وفقا لمقتضياتها، فكلما كان المسروق منه فقيراً ومحتاجاً كلما كان الفعل أقبح، وأيضاً لا تقاس بشاعة السرقة بمقدار الشيء المسروق، بل بأهميته بالنسبة لصاحبه، كسرقة إبرة الخياط أو فرشة الرسام، فمع تفاهة قيمتها ولكنها مهمة بالنسبة إليهم فقد تؤدي إلى حرج أو تعطيل عملهم لهذا تعتبر أقبح وأبشع.(2)
وقد ذهب البعض إلى أنَّ المراد من السرقة هنا هو سرقة الإنسان دون الاشياء الأخرى، وهي عادة كانت مشهورة في ذلك الزمان فجاءت هذه الوصيّة تمنع الإنسان من سرقةَ الأشخاص واعتبرته عملاً أكثر خطورة فقد جاء في سفر التثنية: "من سرق إنساناً من إخوته فجعله عبدًا عنده أو باعه، فليقتل الخاطف"(3)؛ ذلك امر الله تعالى بني إسرائيل باجتناب هذا العمل الشائن.(4)
وفي التوراة لم يكن يكفي رد المسروق بل التعويض عنه أضعافاً في كثير من الأحيان، وكانت الماشية هي أثمن ممتلكات ذلك العصر، لهذا أوصى الرب أن يعاقب السارق بردها أضعافاً، فقد جاء في سفر الخروج: "إذا سرق إنسان ثورًا أو شاة فذبحه أو باعه يعوض عن الثور بخمسة ثيران وعن الشاة بأربعة من الغنم، إن وجد السارق وهو ينقب فضرب ومات فليس له دم"(5)
______________________________
(1). سفر التثنية (23: 24- 25).
(2). الوصايا العشرة في مفهوم مسيحي، بابا شنودة, ج4، ص47.
(3). سفر التثنية (7: 24).
(4). المجموعة الكتابية، من العبودية الى العبادة، خوري بولس فغالي, ص 188.
(5). سفر الخروج (22: 1- 2).
( 57 )
كلمة (شهادة) هي في العبريّة (عد)، وهي ترجع إلى فعل معناه: (أعلن رسميًّا، عدّد) وترجمت الكلمة إلى السُريانيّة فكانت (سهدوتو)، ومنه الشهادة في العربيّة، أي معاينة الشيء والاطّلاع عليه والإخبار به، بمعنى الشهادة والوصيّة والتنبيه، أما كلمة (شقر) التي نترجمها بالزّور، تدلّ على الكذب، والفعل السريانيّ يدل على الكذب والإفك والمكر والخداع، كل هذا يعني أنّ الوصيّة التاسعة لا تقتصر على شهادة زور أمام المحكمة، أو على أيّة سلطة وحسب، بل على كل أنواع الكذب والخداع والمكر والنميمة.(1)
وهذه الوصية تعني عدم التصرّف مع قريبك كشاهد زور، والشهادة بالزور تعني الكذب، ومن يكذِب يعاقب، إذ أحياناً يُدلي الإنسان بشهادة أمام القاضي وهي كذب ومخالفة للواقع مما يؤدي إلى ضياع حقوق الآخرين، يقول سفر التثنية: "إن كان الشاهد شاهدَ زور، وقد شهد بباطل على أخيه، فاصنعوا به كما نوى أن يصنع بأخيه"(2)
واتخذت الشريعة قيوداً احترازية لشهادة الزور، فمنعت القاضي أن يحكم على شخص دون شاهدين أو ثلاثة: "على فم شاهدين أو ثلاثة تقدم كل كلمة"(3)، وإذا حُكم على المتّهم بالإعدام رجمًا، طلب إلى الشهود أن يرموه بالحجر الأول، فإن كانوا شهود زور يصيبهم ما أصابه.
وقد أشار سفر الأمثال إلى أنَّه لا يجوز الإدلاء بشهادة مخالفة للواقع سواءً كانت لإبراء مذنب أو تذنيب بريء، يقول بهذا الخصوص: "مبرئ المذنب، ومذنب البريء، كلاهما مكرهة للرب"(4)
______________________________
(1). المجموعة الكتابية، من العبودية الى العبادة، خوري بولس فغالي, ص 190.
(2). سفر التثنية (19: 18- 19).
(3). سفرالتثنية (17: 6؛ 19: 15).
(4). سفر الامثال (17: 15).
( 58 )
هذه الوصية ترتبط بالأمور النفسية عند الإنسان، وقد اكدت على أن الشهوة هي أم كل محظور، وكشفت هذه الوصية عن عمق الشريعة اليهودية، إذ إنها أرادت أن تقتل الخطيئة من جذورها؛ فالزنا يبدأ بشهوة الجسد، والسرقة تبدأ بشهوة الاقتناء أو حب المال والكذب يبدء بشهوة تبرير الذات و... إلخ، فإن حارب الإنسان الشهوة وانتصر عليها يكون قد انتصر على كل الخطايا، وهناك حكمة تقول: (افرحوا، لا لشهوة نلتموها، بل لشهوة أذللتموها)(1)
الفعل العبريّ (حمد) يعني اشتهى الشيء ورغب فيه وتلذّذ به، هو يدلّ على عاطفة داخليّة واستعداد باطنيّ، لوضع يدنا على شيء نشتهيه. وهكذا تدخل الشَهوة في القلب قبل أن تُتَرجم عملاً، فالإنسان يتطلع إلى ما هو ثمين وأهلٌ للثَناء والحمد، يتمنّى ويعمل ليكون ملكاً له.
هذه العاطفة الداخليّة يعبّر عنها سفر التثنية بفعلين:
الأول: (حمد) يتعلّق بامرأة القريب.
والثاني: (تاوه) يتعلّق ببيت القريب وحقله وعبده وأمَته وثوره وحماره.(2)
نص الوصية في سفر الخروج يذكر المرأة بعد البيت وقبل العبد، فيجعلها أحد متاع الرجل، أمّا سفر التثنية فيجعلها في رأس اللائحة، وكأنّه بذلك يجعل من هذه الوصية العاشرة وصيتين متميزتين، ونجد في هذا النص تطوّراً في النظر إلى المرأة، فلم تعد الزوجة مجرّد متاع للزوج، بل على المرأة من الواجبات ما على الرجل.(3)
إن اشباع الشهوات لا يؤدي إطلاقاً إلى زوالها وإخمادها، بل على العكس كلما أوغل الإنسان في إشباعها كلما طلبت المزيد، فهذا سليمان النبي الحكيم يقول: إنه أعطى كل ما
______________________________
(1). الوصايا العشرة من مفهوم مسيحي، ج4، ص92.
(2). المجموعة الكتابية، من العبودية الى العبادة، خوري بولس فغالي, ص 193.
(3). المصدر السابق, ص291.
( 59 )
طلبته نفسه: "مهما اشتهته عيناي لم أمسكه عنهما، ولا منعت قلبي من الفرح شيئاً"(1) ولكنها لم تشبع أو ترتوي، إذ تنقل أسفار العهد القديم أنه كانت له ألف امرأة: "وأحبَّ الملكُ سليمان نساء غريبة كثيرة مع ابنة فرعون... وكان له سبعمائة زوجة وثلاثمائة من السراري"(2)، ولكنه مع ذلك ذكر عبارته الخالدة: "العين لا تشبع من النظر، والاذن لا تمتلئ من السمع"(3)
فالشهوات قد تؤدي بالإنسان إلى الهلاك، وخير مثال على ذلك تململ بني إسرائيل من عدم تنوع الطعام واشتهائهم للطعام الذي كان في مصر من السمك والقثاء والبطيخ، فقد جاء في سفر العدد: "واشتهى الخليط الذي فيما بينهم شهوة، وعاد بنو إسرائيل إلى البكاء وقالوا: من يطعمنا لحماً؟ فإننا نذكر السمك الذي كنا نأكله في مصر مجاناً، والقثاء والبطيخ والبصل والثوم، والآن حلوقنا جافة ولا شيء نأكله غير المن... وقد ساء ذلك موسى وطلب من الله ان يميته... فأنزل الله السلوى على بني إسرائيل... وبينما كان اللحم بين اسنانه إذ غضب الرب على الشعب فضربه ضربة شديدة جداً، فسمي ذلك المكان (قبروت هتاوه)(4)؛ لأنهم دفنوا فيه الناس الذين اشتهوا شهوة"(5)
وبخاتمة هذه الوصية تختم الوصايا العشر التي أوحاها الله تعالى إلى نبيه وكليمه موسى(عليه السلام) وكانت بمثابة الإطار العام للشريعة اليهودية، ولذلك نجدها تكررت مرتين، وهذه الوصايا لها الأثر الكبير على سلوك اليهود بل والمسيحيين أيضاً، وقد صدر مؤخراً كتاب للكاتب الأمريكي بروس فيلر أثار جدلاً واسعاً في أمريكا تحت عنوان: (نبي الولايات المتحدة
______________________________
(1). سفر الجامعة (2: 10).
(2). سفر الملوك الاول (11: 1- 3).
(3). سفرالجامعة (1: 8).
(4). اي قبور الشهوة، تفسير الكتاب المقدس, الاب انطونيوس فكري, ص 305.
(5). سفر العدد (11: 4- 34).
( 60 )
موسى وقصة أمريكا) ذكر فيه: (الأمريكيون متأثرون بوصايا موسى أكثر من تعاليم المسيح).(1)
______________________________
(1). شبكة "فوكس نيوز" الإخبارية الأمريكية بتاريخ 19/1/ 2010.
( 61 )
بعد أن عرضنا الوصايا العشر في العهد القديم اتضحت أمور فارقة في الوصايا العشر بين سفري الخروج والتثنية ومن أبرزها ما يلي:
1-يعلل سفر الخروج بأن تقديس يوم السبت يرجع إلى أنَّ الرب استراح فيه بعد أن تعب من الخلق، ومعلوم أن هذا قد ردّ عليه القرآن الكريم في قول الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأرض وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أيام وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ﴾(1)، أما سفر التثنية فيعلل التقديس بأنه يوم راحة كرمز للاستقلال بعد ما كان يلاقي فيه بنو إسرائيل بمصر من هوان وعذاب وبهذا فإن سفر التثنية لا يعارض القرآن الكريم في هذا.
2-برُّ الوالدين كوصية هامة يجعلها سفر الخروج ضمن مجموعة العلاقة مع الغير، أما سفر التثنية فيجعله ضمن علاقة الإنسان بربه وهذا يتماشى مع القرآن الكريم الذي فيه أمر الله بالإحسان بالوالدين بعد أمره بعبادته مباشرة.
3-يضع سفر الخروج المرأة ضمن المتاع كما تقدم، أما سفر التثنية فيضعها على رأس القائمة فلذا ينظر إلى المرأة بشيء من الاحترام.
4-سفر التثنية عندما يشرح لا تشتهي زوجة قريبك يأتي بنصوص كما تقدم تتماشى في مفهومها مع ما جاء به الإسلام من زنى العينين وغير ذلك. زد عليه أن سفر التثنية ينهى عن الرياء في الصدقة والصلاة وغيرها من العبادات ويدعو إلى عدم كنز المال ومن يقرأ فيه هذا كأنما يقرأ شرحاً لبعض آيات القرآن الكريم، وزد عليه أن صورة التوحيد والتنزيه فيه واضح بعكس ما جاء في سفر الخروج من تجسيد ومشابهة فاضحة.
______________________________
(1). سورة ق: 38.
( 62 )
ويتضمن مباحث:
المبحثالأول: النظرة المسيحية للشريعة اليهودية والوصايا العشر
المبحث الثاني: معالجة الاناجيل للوصايا العشر
المبحث الثالث: مقارنة بين التوراة والانجيل
( 63 )
مدخل
سنتطرق في هذا الفصل إلى الوصايا العشر في المسيحية ونقاط الاشتراك والاختلاف بينها وبين ما ذكرناه في اليهودية وكيف أن السيد المسيح(عليم السلام) حافظ على هذه الوصايا وهذبها وعمقها في تعاليمه بعد أن كادت أن تندرس وتفقد بريقها في المجتمع اليهودي على يد علماء اليهود من الفريسيين والصديقيين الذين عاصروا السيد المسيح(عليه السلام) كما تجدر الإشارة إلى أنَّ السيد المسيح(عليه السلام) وكما هو مشهور كان على شريعة موسى(عليه السلام) قبل بعثته بل وأمه والحواريون كذلك، وكانوا من أشد الملتزمين بتعاليم توراة موسى وطقوسها وشعائرها، وكانت للوصايا العشر مكانة خاصة ومميزة في المجتمع اليهودي بصورة عامة وعند علماء اليهودية بصورة خاصة، ولذلك نجد السيد المسيح(عليه السلام) في تعاليمه التي تنقلها الأناجيل الأربعة يذكّر دائماً بهذه الوصايا ويؤكد عليها باعتبارها المنهج المستقيم والأساس الذي تبتني عليه الشرائع السماوية سواء من الجانب العقائدي أو من الجانب الأخلاقي وبالخصوص في شريعة موسى.
وفي هذا الفصل سنشير أولاً إلى نظرة المسيحية للشريعة الموسوية بصورة عامة، وللوصايا العشر بصورة خاصة، وهل نسخ السيد المسيح(عليه السلام) شريعة موسى أم لا؟ ثم نتناول الوصايا العشر من وجهة نظر مسيحية من خلال أسفار العهد الجديد وتعاليم آباء الكنيسة.
( 64 )
عندما بعث عيسى بعد ثلاثة عشرة قرناً من بعثة الكليم موسى كانت اليهودية قد انتشرت في ربوع فلسطين، وكان السيد المسيح وأمه مريم(عليهم السلام) من أتباع اليهودية، وهذا ما تشير إليه الأناجيل في الكثير من الحوادث التي ذكرتها عن حياة المسيح قبل بعثته منها ختانه، حيث يذكر إنجيل لوقا: "ولما انقضت ثمانية أيام فحان للطفل ان يختن، سمي يسوع المسيح"(1)، وسفره للحج "وكان أبواه يذهبان كل سنة إلى أورشليم في عيد الفصح، فلما بلغ اثنتي عشرة سنة صعدوا إليها جرياً على السنّة في العيد"(2)، وتقديم القرابين وفق الشريعة اليهودية "ولما حان يوم طهوره بحسب شريعة موسى، صعدا به إلى أورشليم ليقدماه للرب، كما كتب في شريعة الرب من ان كل بكر ذكر ينذر للرب، وليقربا كما ورد في شريعة الرب: زوجي حمام أو فرخي حمام"(3) وما إلى ذلك.
وعندما بعث عيسى (ع) إلى بني إسرائيل أكد انه ما جاء لينقض الشريعة الموسوية، بل ليتممها حيث يقول: «لا تظنوا أني جئت لأبطل الشريعة أو الانبياء، ما جئت لأبطل بل لأكمل، الحق أقول لكم: لن يزول حرف أو نقطة من الشريعة حتى يتم كل شيء، أو تزول السماء والأرض، فمن خالف وصية من أصغر تلك الوصايا وعلم الناس ان يفعلوا مثله، عُدّ صغيراً في ملكوت السماوات، واما الذي يعمل بها ويعلمها فذاك يُعدّ كبيراً في ملكوت السماوات"(4)
ولكن مع هذا التأكيد من جانب المسيح على ضرورة حفظ الشريعة وتعاليمها، الاّ أن المسيحيين يعتقدون أن الشريعة الموسوية كانت صالحة ومطلوبة لفترة زمنية معينة، وقد
______________________________
(1). إنجيل لوقا (2: 21).
(2). إنجيل لوقا (2: 41).
(3). إنجيل لوقا (2: 22- 26).
(4). إنجيل متى (5: 17- 19).
( 65 )
انتهت تلك الفترة بصلب المسيح، إذ عندما صلب المسيح فداءً عن البشرية أبدلت هذه الشريعة بشريعة النعمة كما يشرحها المسيحيون بالقول: (ناموس المسيح أو الناموس الكامل "ناموس الحرية" وهو يشمل تعاليم ووصايا النعمة الموجهة الآن لأولاد الله المفديين، ويضيفون: يجب أن نعي تماماً أن المؤمن الآن ليس تحت الناموس بل تحت النعمة، فقد منحته النعمة كل ما يلزم لخلاصه)(1)، ولهذا فالشريعة الموسوية لم تعد صالحة بعد مجيء تعاليم عيسى الجديدة، فإن (خمر الإنجيل لا يمكن صبها في آنية عتيقة خاصة بشريعة سيناء)(2)
ولكن هذا لا يعني أن المسيحية ترفض كل اقسام الشريعة اليهودية، إذ كما هو معلوم فان شريعة موسى تشمل قوانين وتشريعات عدة؛ لأنها تنظم حياة الشعب في كل القطاعات فهناك توصيات أخلاقية تبرز خاصة في الوصايا العشر والتي أشرنا إليها في الفصل الثاني، وإنّ تقليد الكنيسة وحرصاً على الكتاب المقدّس وتجاوباً مع تعاليم عيسى، قد أقرّت بأهمّية الوصايا العشر وصدارتها في قوانين الله، ولهذا فهي تلتزم بها وتجعلها دستوراً أخلاقياً لها؛ لأن السيد المسيح(عليه السلام) أوصى واستشهد بها. وهناك احكام وقواعد قانونية في شريعة موسى تخص مختلف نواحي الحياة وترتب العمل بنظم المعاملات المدنية (الأسرية، الاجتماعية، الاقتصادية، والقضائية) وتوصيات تخص العبادة في طقوسها وشروط إقامتها وقواعد خاصة بالتطهير والطاهر والنجس وغير ذلك، وهنا تتوقف المسيحية وتعتقد أن شريعة المسيح والنعمة نسخت هذه الشريعة السابقة، فنحن لسنا بحاجة إلى شريعة بعد ان افتدى المسيح نفسه من أجل خلاص البشر.(3)
بالإضافة إلى هذا فالمسيحيون يعتقدون أن المسيح(عليه السلام) أكد خلال فترة تبليغه وبعثته جملة من الوصايا اعتبرت أساس الحياة الإيمانية بالنسبة لأتباعه من بعده، بعضها يرتبط بشكل مباشر بالوصايا العشر والبعض الآخر يعتبر مواعظ أخلاقية، وهناك من يعتقد أن السيد
______________________________
(1). قاموس الكتاب المقدس، مادة ناموس.
(2). التطويبات شريعة العهد الجديد، الاب جورج ابي خازن ص 3.
(3). قاموس الكتاب المقدس، مادة ناموس، بتصرف.
( 66 )
المسيح(عليه السلام) لم يأتِ بشريعة جديدة لتحل محل القديمة بل هناك طريقة جديدة تماماً، طريقة إنجيلية في ممارسة الوصايا وهي أن نعيشها كأبناء في الابن الوحيد (لقب للمسيح)(1)، وهناك نصوص أخلاقية كثيرة نقلتها الأناجيل الأربعة عن المسيح(عليه السلام) لا ترتبط بشكل مباشر بالوصايا العشر، ولكن تبقى لموعظة المسيح(عليه السلام) على الجبل أو ما يسمى بالتطويبات ميزة ومكانة خاصة في التعليم الأخلاقي للمسيح، إذ يعتبرها البعض بداية تعاليم العهد الجديد ونقطة افتراق بين شريعة موسى والمسيح، فالبعض يُشبِّه عيسى وهو يَعِظ على الجبل، بموسى وهو يُعِلن للعبرانيين في سيناء شريعة الرب، وكما أن موسى بدأ إعلانه الشريعة بالوصايا العشر، كذلك بدأ المسيح إعلانه بـ (التطويبات)(2)، التي هي شريعة العهد الجديد، إنها خلاصة ما سيقوله المسيح ويُعلِّمه في أثناء حياته الأرضية وما سيعيشه، فهي بمثابة الانتقال من مُلْك الشريعة إلى شريعة الملكوت، و(الجبل) هو تلميح إلى جبل سيناء الذي عليه تقبّل موسى الشريعة، فعلى الجبل الذي وقف عليه المسيح كانت تُدوّي كلمة الله نفسها التي دوّتْ على جبل سيناء لتعطي موسى الشريعة المكتوبة والتي تُسمع أيضاً على جبل التطويبات.(3)
وقد ذكرت هذه التطويبات في إنجيلي متى ولوقا فقط، وهناك وجوه اختلاف كثيرة بين النقلين، فمتى في إنجيله يستهلُّ خُطبة طويلة من ثلاثة فصول تسمى عظة الجبل؛ لأن المسيح(عليه السلام) وعظ بها وهو على الجبل. ولكن لوقا يستهل خُطبة (السهل)؛ لأن المسيح(عليه السلام) وعظ بها في مكان منبسط، وهي أقصر بكثير مما نقله متى؛ إذ هناك فرق بعدد التطويبات،
______________________________
(1). التطويبات شريعة العهد الجديد، الاب جورج ابي خازن ص 2.
(2). طوبى كلمة عبرية ويقال سريانية تعني السعادة والهناء. ومنها اشتُقَ لقب "طوباوي" الذي يطلقُ على كل من عاش سيرة صالحة، و "طوبي له" تعني يالغبطته او يا لسعادته. والكلمة في العبرية هي "أشير" ومنها الفعل "يطوِّب" أي يغبط. والكلمة كثيرة الاستخدام وبخاصة في سفري المزامير والأمثال، أما الكلمة اليونانية في العهد الجديد المترجمة "طوبى"فهي"مكاريوس" Makarios. والتطويبات التي ذكرها المسيح في إنجيل متى وعددها تسع تطويبات، تعبر عن البركات التي يحظى بها اولئك المطوبون او المباركون. قاموس الكتاب المقدس، مادة طوبى. انظر ايضا كتاب المحيط الجامع في الكتاب المقدس و الشرق القديم للخوري بولس الفغالي.
(3). التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، ص 581.
( 67 )
وهناك فرق في المضمون، فالداعي إلى السعادة يختلف بين متى ولوقا، إذ يتصور لوقا أوضاعاً شاقة: طوبى للفقراء... طوبى لكم أيها الجائعون... بينما ينظر متى إلى مواقف باطنية وأحوال روحية: طوبى لفقراء الروح... طوبى للجياع والعطاشى إلى البر... إلخ.
وقد أضاف لوقا أيضاً موازاة للتطويبات الأربع (طوبى لكم) أربع مرات (الويل لكم)، بخلاف متى الذي لم يذكرها إطلاقاً، وهذه الويلات موجَّهة إلى من يضع ثقته بنفسه وأمواله وإلى من يعتقد بأن سعادته تكمن في رَغَد الحياة وملذاتها.(1)
فقد جاء في إنجيل متى حول هذه الموعظة ما نصّه:
"فلما رأى الجموع صعد الجبل وجلس، فدنا إليه تلاميذه فشرع يُعلِّمهم قال:
- طوبى لفقراء الروح فإنّ لهم ملكوت السماوات.
- طوبى للودعاء فإنهم يرثون الأرض.
- طوبى للمحزونين فإنهم يُعزَّون.
- طوبى للجياع والعِطاش إلى البر فإنهم يُشبَعون.
- طوبى للرحماء فإنهم يُرحمون.
- طوبى لأطهار القلوب فإنهم يشاهدون الله.
- طوبى للساعين إلى السلام فإنهم أبناء الله يُدعَون.
- طوبى للمُضطهدين على البِرّ فإن لهم ملكوت السماوات.
- طوبى لكم، إذا شتموكم واضطهدوكم وافتروا عليكم كل كذِب من أجلي، افرحوا وابتهجوا: إنّ أجركم في السماوات عظيم، فهكذا اضطهدوا الأنبياء من قبلكم(2)"
______________________________
(1). التطويبات شريعة العهد الجديد، الاب جورج ابي خازن ص 8.
(2). إنجيل متى (5: 1- 12).
( 68 )
أما لوقا فإنه ذكر التطويبات مع بعض الاختلاف في المكان كما ذكرنا، فالمسيح(عليه السلام) كان في مكان منبسط (سهل) عند ذكره للموعظة بخلاف ما ذكره متى من أنه كان على جبل، يقول لوقا:
"ثم نزل معهم فوقف في مكان منبسط ورفع عينيه نحو تلاميذه وقال:
- طوبى لكم أيها الفقراء فإن لكم ملكوت الله.
- طوبى لكم أيها الجائعون الآن فسوف تُشبعون.
- طوبى لكم أيها الباكون الآن فسوف تضحكون.
- طوبى لكم إذا أبغضكم الناس ورذلوكم وشتموا اسمكم ونبذوه على أنه عار من أجل ابن الإنسان. افرحوا في ذلك اليوم واهتزوا طرباً، فإن أجركم في السماء عظيم. فهكذا فعل آباؤهم بالأنبياء."
ثم يضيف لوقا ما لم يذكره متى في إنجيله من توبيخ في موازاة تلك التطويبات فيقول:
"- الويل لكم أيها الأغنياء فقد نلتم عزاءكم.
- الويل لكم أيها الشِباع الآن فسوف تجوعون.
- الويل لكم أيها الضاحكون الآن فسوف تحزنون وتبكون.
- الويل لكم إذا مدحكم جميع الناس فهكذا فعل آباؤهم بالأنبياء الكذابين(1)"
بالإضافة إلى هذا فإن المسيح(عليه السلام) ومن خلال تعاليمه عالج بعض الأمراض الأخلاقية التي كانت سائدة في المجتمع آنذاك، فمثلاً عالج مسألة الرياء والتي لم تذكر في الوصايا العشر، ينقل متى بهذا الصدد قول المسيح لتلاميذه في موعظته على الجبل أيضاً:
"احترزوا من أن تصنعوا صدقتكم قدام الناس لكي ينظروكم، وإلا فليس لكم أجر عند أبيكم الذي في السماوات، فمتى صنعت صدقة فلا تصوت قدامك بالبوق، كما يفعل المراؤون
______________________________
(1). إنجيل لوقا (6: 20- 26).
( 69 )
في المجامع وفي الأزقة، لكي يمجدوا من الناس. الحق أقول لكم: إنهم قد استوفوا أجرهم، وأما أنت فمتى صنعت صدقة فلا تعرف شمالك ما تفعل يمينك، لكي تكون صدقتك في الخفاء. فأبوك الذي يرى في الخفاء هو يجازيك علانية".
وكذلك عندما يحثّ على الصلاة فإنه ينهاهم عن الرياء لأنه مبطل لها، يقول متى في إنجيله: "متى صلّيت فلا تكن كالمرائين فإنهم يحبون أن يصلّوا قائمين في المجامع وفي زوايا الشوارع، لكي يظهروا للناس. الحق أقول لكم: إنهم قد استوفوا أجرهم، وأما أنت فمتى صليت فادخل إلى مخدعك وأغلق بابك، وصل إلى أبيك الذي في الخفاء. فأبوك الذي يرى في الخفاء يجازيك علانية".(1)
بالإضافة إلى هذا فإن عيسى(ع) أشار إلى قيم أخلاقية رفيعة أخرى في هذه الموعظة أرى من المناسب ذكرها هنا كونها لا ترتبط بشكل مباشر بالوصايا العشر، ولكنها تعتبر من أهم المواعظ والوصايا الأخلاقية التي أشار إليها المسيح في تعاليمه، وهي تبين بشكل واضح الهدف من بعثته، حيث يقول عيسى:
"ومتى صمتم فلا تكونوا عابسين كالمرائين، فإنهم يغيرون وجوههم لكي يظهروا للناس صائمين. الحق أقول لكم: إنهم قد استوفوا أجرهم. وأما أنت فمتى صمت فادهن رأسك واغسل وجهك، لكي لا تظهر للناس صائما، بل لأبيك الذي في الخفاء. فأبوك الذي يرى في الخفاء يجازيك علانية.
لا تكنزوا لكم كنوزاً على الأرض حيث يفسد السوس والصدأ، وحيث ينقب السارقون ويسرقون، بل اكنزوا لكم كنوزا في السماء، حيث لا يفسد سوس ولا صدأ، وحيث لا ينقب سارقون ولا يسرقون؛ لأنه حيث يكون كنزك هناك يكون قلبك أيضاً. سراج الجسد هو العين، فإن كانت عينك سليمة فجسدك كله يكون نيرا، وإن كانت عينك شريرة فجسدك كله يكون مظلماً، فإن كان النور الذي فيك ظلاما، فالظلام كم يكون!
______________________________
(1). إنجيل متى (6: 1- 4).
( 70 )
لا يقدر أحد أن يخدم سيدين؛ لأنه إما أن يبغض الواحد ويحب الآخر، أو يلازم الواحد ويحتقر الآخر. لا تقدرون أن تخدموا الله والمال.
لذلك أقول لكم: لا تهتموا لحياتكم بما تأكلون وبما تشربون، ولا لأجسادكم بما تلبسون. أليست الحياة أفضل من الطعام، والجسد أفضل من اللباس؟ انظروا إلى طيور السماء، إنها لا تزرع ولا تحصد ولا تجمع إلى مخازن، وأبوكم السماوي يقوتها. ألستم أنتم بالحري أفضل منها؟ ومن منكم إذا اهتم يقدر أن يزيد على قامته ذراعا واحدة؟ ولماذا تهتمون باللباس؟ تأملوا زنابق الحقل كيف تنمو! لا تتعب ولا تغزل. ولكن أقول لكم: إنه ولا سليمان في كل مجده كان يلبس كواحدة منها. فإن كان عشب الحقل الذي يوجد اليوم ويطرح غداً في التنور، يلبسه الله هكذا، أفليس بالحري جداً يلبسكم أنتم يا قليلي الإيمان؟
فلا تهتموا قائلين: ماذا نأكل؟ أو ماذا نشرب؟ أو ماذا نلبس؟ فإن هذه كلها تطلبها الأمم. لأن أباكم السماوي يعلم أنكم تحتاجون إلى هذه كلها. لكن اطلبوا أولاً ملكوت الله وبره، وهذه كلها تزاد لكم. فلا تهتموا للغد؛ لأن الغد يهتم بما لنفسه، يكفي اليوم شره.
لا تدينوا لكي لا تدانوا؛ لأنكم بالدينونة التي بها تدينون تدانون، وبالكيل الذي به تكيلون يكال لكم. ولماذا تنظر القذى الذي في عين أخيك، وأما الخشبة التي في عينك فلا تفطن لها؟ أم كيف تقول لأخيك: دعني أخرج القذى من عينك، وها الخشبة في عينك؟ يا مرائي، أخرج أولاً الخشبة من عينك، وحينئذ تبصر جيدا أن تخرج القذى من عين أخيك! لا تعطوا القدس للكلاب، ولا تطرحوا درركم قدام الخنازير، لئلا تدوسها بأرجلها وتلتفت فتمزقكم. اسألوا تعطوا. اطلبوا تجدوا. اقرعوا يفتح لكم. لأن كل من يسأل يأخذ، ومن يطلب يجد، ومن يقرع يفتح له، أم أي إنسان منكم إذا سأله ابنه خبزاً، يعطيه حجراً؟ وإن سأله سمكة، يعطيه حية؟ فإن كنتم وأنتم أشرار تعرفون أن تعطوا اولادكم عطايا جيدة، فكم بالحري أبوكم الذي في السماوات، يهب خيرات للذين يسألونه! فكل ما تريدون أن يفعل الناس بكم افعلوا هكذا أنتم أيضاً بهم؛ لأن هذا هو الناموس والأنبياء. ادخلوا من الباب الضيق؛ لأنه واسع الباب ورحب الطريق الذي يؤدي إلى الهلاك، وكثيرون هم الذين يدخلون منه! ما أضيق الباب وأكرب الطريق الذي يؤدي إلى الحياة، وقليلون هم الذين يجدونه!
( 71 )
احترزوا من الأنبياء الكذبة الذين يأتونكم بثياب الحملان، ولكنهم من داخل ذئاب خاطفة! من ثمارهم تعرفونهم. هل يجتنون من الشوك عنبا، أو من الحسك تينا؟ هكذا كل شجرة جيدة تصنع أثماراً جيدة، وأما الشجرة الردية فتصنع أثماراً ردية، لا تقدر شجرة جيدة أن تصنع أثماراً ردية، ولا شجرة ردية أن تصنع أثمارا جيدة. كل شجرة لا تصنع ثمرا جيدا تقطع وتلقى في النار. فإذاً من ثمارهم تعرفونهم.
ليس كل من يقول لي: يا رب، يا رب! يدخل ملكوت السماوات. بل الذي يفعل إرادة أبي الذي في السماوات. كثيرون سيقولون لي في ذلك اليوم: يا رب، يا رب! أليس باسمك تنبأنا، وباسمك أخرجنا شياطين، وباسمك صنعنا قوات كثيرة؟ فحينئذ أصرح لهم: إني لم أعرفكم قط! اذهبوا عني يا فاعلي الإثم! فكل من يسمع أقوالي هذه ويعمل بها، أشبهه برجل عاقل، بنى بيته على الصخر. فنزل المطر، وجاءت الأنهار وهبت الرياح، ووقعت على ذلك البيت فلم يسقط؛ لأنه كان مؤسّساَ على الصخر. وكل من يسمع أقوالي هذه ولا يعمل بها، يشبه برجل جاهل، بنى بيته على الرمل. فنزل المطر، وجاءت الأنهار، وهبت الرياح، وصدمت ذلك البيت فسقط وكان سقوطه عظيماً".(1)
وهذه الوصايا والتعاليم التي وعظ بها المسيح(عليه السلام) تسمى بالشريعة الأخلاقية، وهي ترسم للإنسان سبل السلوك الأخلاقي والعبادي وقواعده التي تقوده إلى السعادة الموعودة.
وهناك تعاليم أخلاقية أخرى أشار إليها المسيح في تعاليمه سنسلّط عليها الضوء في المبحث القادم عند الحديث عن الوصايا العشر؛ لأنها ترتبط بشكل مباشر بها، ولهذا يمكن القول أن الهدف الأساسي من بعثة المسيح هو نشر القيم الأخلاقية في المجتمع مع التأكيد على ضرورة الالتزام بالأحكام الشرعية والعبادية في شريعة موسى.
______________________________
(1). إنجيل متى (6: 16 وايضا 7: 27).
( 72 )
في هذا المبحث سنتناول موقف المسيح(عليه السلام) والمسيحية الحالية من الوصايا العشر التي جاء بها موسى وهل أقرّها المسيح(عليه السلام) في تعاليمه ومواعظه أم أنه اختصرها أو أبدلها بتعاليم أخرى، أو أنه قبلها وثبتها وعمّق مفاهيمها؟
إن المسيحية اليوم تقرُّ أن المسيح(عليه السلام) رسخ مفهوم الوصايا في تعاليمه بشكل واضح، وإن كان قد أعطاها بعداً روحياً ومعنوياً أكثر مما كانت عليه، وأمر اتباعه بحفظها واقتبسها في مواقف مختلفة، حيث يقول: "إن كنتُم تحبّونَني فاحفظوا وصايايَ... الذي عندَهُ وصايايَ ويحفَظُها فهو الذي يُحبُّني".(1)
وكما ذكرنا في الفصل السابق فإن الكلمات العشر أوصى بها الله إلى شعب بني إسرائيل على الجبل وقد كتبها "بإصبعه" بخلاف الفرائض الأخرى التي كتبها موسى، تعتقد المسيحية أن معناها الكامل إنما كشف عنه في العهد الجديد في تعاليم المسيح(عليه السلام)، وتؤلّف الوصايا العشر وفقاً للمسيحية كلاً لا يتجزّأ، وكلّ وصية ترجع إلى كل واحدة أخرى وإليها جميعاً، ومخالفة أي وصية مخالفة لها كلّها، فقد جاء في الانجيل على لسان يعقوب راعي كنيسة أورشليم: "لأن من حفظ كل الناموس وإنما عثر في واحدة فقد صار مجرماً في الكل؛ لأن الذي قال: لا تزنِ قال أيضاً: لا تقتل فإن لم تزنِ ولكن قتلت فقد صرت متعدياً الناموس"(2)، فلا يمكن إكرام الآخرين دون مباركة الله خالقهم، ولا يمكن عبادة الله دون محبة جميع الناس.(3)
______________________________
(1). إنجيل يوحنا (15: 14- 21).
(2). رسالة يعقوب (2: 10- 11).
(3). الوصايا العشرة والوصية الجديدة، الاب منير سقال، ص4.
( 73 )
وقد جرت العادة كما ذكرنا سابقاً أن تقسم الوصايا، باعتبار الموضوع، إلى لوحين، يحتوي أولهما على أربع وصايا، والثاني على ست ولكن الكنيسة الرومانية الكاثوليكية ومعها الكنيسة اللوثرية، حذتا حذو أوغسطين في تقسيم الوصايا، وجعلتا الوصايا الثلاث الأولى - بعد دمج الوصية الأولى والثانية في وصية واحدة - في اللوح الأول، والوصايا السبع الأخيرة في اللوح الثاني، بعد تقسيم الوصية العاشرة إلى وصيتين "لا تشته بيت قريبك" و "لا تشته امرأة قريبك"؛ ولا يختلف الأرثوذكس في تقسيم هذه الوصايا وتفسيرها عن الكاثوليك.(1)
ولقد استشهد المسيح(عليه السلام) بنص بعض الوصايا كما ذكرت في أسفار بعض الاناجيل، فينقل لنا مرقس في إنجيله هذا الحوار بين المسيح وبين شابّ أراد نيل السعادة الأبدية والفلاح فيقول: "سأله الشاب: أيها المعلم الصالح ماذا أعمل لإرث الحياة الابدية؟ فقال له يسوع لماذا تدعوني صالحاً ليس أحد صالحاً إلا واحد وهو الله، أنت تعرف الوصايا لا تزنِ، لا تقتل، لا تسرق، لا تشهد بالزور، لا تسلب، أكرم أباك وأمك، فأجاب وقال له: يا معلم هذه كلها حفظتها منذ حداثتي، فنظر إليه يسوع وقال له: يعوزك شيء واحد اذهب وبع كل ما لك وأعطه للفقراء فيكون لك كنز في السماء وتعال اتبعني حاملاً الصليب، فاغتمّ على هذا القول ومضى حزيناً؛ لأنه كان ذا أموال كثيرة، فنظر يسوع حوله وقال لتلاميذه: ما أعسر دخول ذوي الأموال إلى ملكوت الله، وقال لهم: مرور جمل من ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غني إلى ملكوت الله."(2)
وفي بعض الكنائس القديمة، كانت تُدوَّن الكلمات العشر على لوحتين توضعان غالباً بالقرب من المنبر، اللوحة الأولى تتضمّن الوصايا التي تختصّ بعلاقة الإنسان بالله، واللوحة
______________________________
(1). قاموس الكتاب المقدس، مادة وصية.
(2). إنجيل مرقس (10: 17- 25).
( 74 )
الثانية، الوصايا التي تختصّ بعلاقة الإنسان بالجماعة البشريّة، مستندين على رواية الكتاب المقدّس التي تذكر أنّ الله قد أعطى موسى الوصايا العشر على لوحين.(1)
وقد لخص السيد المسيح(عليه السلام) الوصايا العشر في وصيتين هما وصيّة محبّة الله والقريب: "أحبب الربّ إلهك بكلّ قلبك، وكلّ نفسك، وكلّ ذهنك، وكلّ قوّتك، والوصيّة الثانية هي هذه: أحببْ قريبَك كنفسك، ليس مِن وصيّة أخرى أعظم من هاتين"(2)، إنّ وصيّة محبّة الله والقريب لا تلغي كلمات العهد القديم العشر، بل إنها تكمّلها من المنظار المسيحي، وفي نظر بولس، محبّة القريب هي ملخّص الوصايا حيث يقول: "مَن أحبّ القريب قد أتمّ الناموس؛ فإنّ هذه الوصايا: لا تزنِ، لا تقتلْ، لا تسرقْ، لا تشهدْ بالزور، لا تشتَهِ، وكلّ وصيّة أخرى، تُلخَّص في هذه الكلمة: أحببْ قريبَك كنفسك".(3)
وقد أعلنت الكنيسة عبر القرون (قانون إيمانها الأخلاقي) وهي ترى أن هذه الوصايا هي توجيهات معطاة من قِبل الله في سبيل حياة يقضيها الإنسان في محبّة الله والبشر وهي مقدورة للإنسان وفي استطاعته، وهي خالدة وتصح على مر الزمان، حيث جاء في سفر التثنية:
"هذه الوصيّة التي أنا آمرك بها اليوم ليست فوق طاقتك ولا بعيدة منك. لا هي في السماء فتقول: مَن يصعدُ لنا إلى السماء فيتناولها لنا ويُسمعنا إيّاها فنعمل بها؟ ولا هي عَبرَ البحر فتقول: من يعبرُ لنا البحرَ فيتناولها لنا ويُسمعنا إيّاها فنعمل بها؟ بل الكلمة قريبة منك جدّاً، فهي في فمك وفي قلبك لتعملَ بها".(4)
إن الوصايا العشر بالنسبة للمسيحية تعتبر كلمات الله، فهي تنطبق تقريباً مع الوصايا في التوراة باعتبار أن المسيحية تؤمن بوحيانية التوراة، مع الاختلاف بالنسبة ليوم السبت
______________________________
(1). الوصايا العشرة في اليهودية مقارنة في المسيحية والاسلام، دكتور رشاد عبد الله الشامي، ص108.
(2). إنجيل مرقس (12: 30- 31).
(3). رسالة بولس الى روما (13: 8- 9).
(4). سفر التثنية (30: 11- 14).
( 75 )
والذي يفسره المسيحيون تفسيراً روحانياً كما سنشير إليه، وتعتقد أن المسيح(عليه السلام) أوصى بالمحافظة على الوصايا العشر مع تعميق مفهومها، ومما يجب الإشارة إليه أن مجموع الوصايا لم تذكر في الاناجيل سوى النصف الثاني من الوصايا الأخلاقية، وترتيب الوصايا في المسيحية يختلف أيضاً عما هو مذكور في العهد القديم، فترتيبها هو على النحو التالي:
هذه الوصية هي القسم الثاني من الوصية الأولى في التوراة وقد تم حذف جملة "الذي اخرجك من أرض مصر بيت العبودية"(1) في الكنيسة الكاثوليكية من تلك الوصية؛ لأنها لا تنطبق عليهم ولم يكونوا يوماً في مصر ولم يحررهم الرب من العبودية، بينما بدل البروتستانت الوصية إلى "لا يكن لك آلهة أخرى أمامي" وهي تشتمل على قسم من الوصية الأولى والثانية.(2)
شعار المسيحية هو التوحيد، وهو نفس شعار اليهودية والإسلام(3) وقد استشهد المسيح نفسه بهذه الوصية وجعلها أساس تعاليمه، ينقل مرقس في إنجيله ما هذا نصّه:
"فجاء واحد من الكتبة وسمعهم يتحاورون، فلما رأى أنه أجابهم حسناً سأله أية وصية هي أول الكل؟ فأجابه يسوع: إن أول كل الوصايا هي اسمع يا إسرائيل الرب إلهنا رب واحد، وتحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل فكرك ومن كل قدرتك هذه هي الوصية الأولى".(4)
وفي أيام المسيح(عليه السلام) كان الإيمان اليهودي يختصر في عبارة واحدة وهي (الله أحد) وأجمع علماء اليهود على أهميتها فقالوا: (إن إدانة عبادة الأصنام تفوق في أهميتها جميع وصايا
______________________________
(1). سفر الخروج (20- 2).
(2). الوصايا العشرة في اليهودية مقارنة في المسيحية والاسلام، دكتور رشاد عبد الله الشامي، ص110.
(3). وإن كان هناك اختلاف في فهم ذات هذا الإله عندهم، فيعتقدون أنه ذو ثلاثة أقانيم (الأب - الابن - روح القدس)، وهذه العقيدة تسمى عندهم بالتثليث أو الثالوث الأقدس، انظر: قاموس الكتاب المقدس، مادة ثالوث.
(4). إنجيل مرقس (12: 28- 30).
( 76 )
التوراة، وأقرّوا أنه يمكن للمؤمن أن يخالف جميع وصايا التوراة إذا تعرّضت حياته للخطر، لكنه لا يحق له باي حال من الأحوال عبادة الأصنام)(1)
ولهذا تدعو الوصيّة الأولى إلى الالتزام ضدّ الآلهة المزيفة، والاعتراف بمَن هو وحده إله السماء والأرض، وذهب المسيح(عليه السلام) في تعاليمه إلى أبعد من التمسك الظاهري بالابتعاد عن الأصنام والآلهة المزيفة، بل جعل بعض أنواع من التعلّق غير الصحيح نوعاً من الشرك واعتبرها عبادة لغير الله تعالى، ولذلك نرى في تعاليمه النهي عن الكثير من الأمور التي ممكن أن يتعلّق بها الإنسان بشكل كبير فتكون بمثابة آلهة تعبد مع الله، وتكون شكلاً من أشكال عبادة الأصنام، فقد حذر المسيح(عليه السلام) من الغنى الذي يقود الإنسان إلى أن يجعل من المال صنماً حيث يقول: "لا تكنـزوا لكم كنوزاً على الأرض، حيث السوسُ والعُثّ يُتلفان، وحيث اللصوصُ ينقبون ويسرقون، بل اكنـزوا لكم كنوزاً في السماء، فإنّه حيث يكون كنـزُك، هناك يكون قلبُك أيضاً"(2)، ويضيف المسيح أيضاً: "لا يستطيع أحد أن يكون عبداً لسيّدين؛ لأنه إما أن يبغض الواحد ويحب الآخر أو يلازم الواحد ويحتقر الآخر، إنّكم لا تستطيعون أن تكونوا عبيداً لله وللمال".(3)
ولكن تنحى المسيحية منحى آخر عند الحديث عن ذات الإله والمسيح(عليه السلام)، فتعتبرأن المسيح هو الله المتجسد، وأنه نزل وزارَ البشرية في جسد المسيح(4)، وهذا التعليم ذكره بولس في رسائله حيث يقول: "فليكن فيكم هذا الفكر الذي في المسيح يسوع أيضاً الذي إذ كان في صورة الله لم يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله، لكنه أخلى نفسه آخذاً صورة عبد صائراً في شبه الناس، وإذ وجد في الهيئة كإنسان وضع نفسه واطاع حتى الموت، موت الصليب... و يعترف كل لسان أن يسوع المسيح هو رب لمجد الله الأب".(5) ولهم أدلة
______________________________
(1). مجتمع يسوع تقاليده وعاداته، الاب سامي حلاق اليسوعي، ص171.
(2). إنجيل متى (6: 18- 21).
(3). إنجيل متّى (6: 24).
(4). المسيح في المصادر الاسلامية الحديثة وفي المسيحية، د. منير الخوام، ص154.
(5). رسالة بولس الى اهل فيلبي (2: 5- 11).
( 77 )
يستدلّون بها على إلوهية المسيح لا يسعني في هذا المقام بحثها ومناقشتها(1)، فالمسيح(عليه السلام) عندهم هو ابن الله الوحيد والحقيقي وهو الإله في نفس الوقت.
الوصية الثانية من وصايا العهد القديم هي: "لا تصنع لك تمثالاً منحوتاً ولا صورة ما مما في السماء من فوق وما في الأرض من تحت وما في الماء من تحت الأرض لا تسجد لهن ولا تعبدهن؛ لأني أنا الرب إلهك إله غيور افتقد ذنوب الآباء في الأبناء في الجيل الثالث والرابع من مبغضي".(2)
ولكن الكنيسة الكاثوليكية أغمضت الطرف عنها وحذفتها من ضمن الوصايا العشر؛ لأنها لا تتناسب وعقيدتها في صنع الايقونات والتماثيل للمسيح ومريم والقديسين، حيث إن المجمع النيقاوي الثاني الذي عقد سنة (787م) قد أقرّ تقديس صور وتماثيل المسيح وأمه والقديسين دون عبادتها، وقد عمدت الكنيسة الكاثوليكية منذ ذلك الوقت إلى حذف الوصية الثانية وإحلال الوصية الثالثة مكانها على عكس البروتستانت الذين حافظوا على الوصية الثانية واعتبروا تقديس التماثيل والصور عبادة لغير الله.(3)
وقد استشهد المسيح(عليه السلام) بهذه الوصية عند تجربته من قبل الشيطان كما ينقل إنجيل لوقا، حيث يقول: "أصعده ابليس إلى جبل عال وأراه جميع ممالك المسكونة في لحظة من الزمان وقال له ابليس: لك أعطي هذا السلطان كله ومجدهن؛ لأنه إليّ قد دفع وأنا أعطيه
______________________________
(1). من اراد المزيد فليراجع كتاب طبيعة المسيح للبابا شنودة، وكذلك كتاب حقيقة التجسد لثروت سعيد، وكتاب لاهوت المسيح في المسيحية والاسلام للكاتب علي الشيخ.
(2). سفر الخروج (20: 4- 5).
(3). الوصايا العشرة في اليهودية مقارنة في المسيحية والاسلام، د. رشاد عبد الله الشامي، ص111.
( 78 )
لمن أريد، فإن سجدت أمامي يكون لك الجميع، فأجابه يسوع وقال: اذهب يا شيطان إنه مكتوب للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد".(1)
وتعتقد المسيحية أنه يجب على الإنسان أن يحترم اسم الله ويجلّه؛ لأنّه لاسم الله تجثو كلّ ركبة في السماء وعلى الأرض، وينحني له كلّ رأس من الملائكة والبشر، ويمدحه كلّ إنسان في السماء وعلى الأرض، وقد شدد المسيح في تعاليمه على عدم الحلف أبداً وليكن الكلام نعم أو لا، يقول المسيح حسب إنجيل متى: "سمعتم أنه قيل للقدماء: لا تحنث بل أوف للرب أقسامك وأما أنا فأقول لكم: لا تحلفوا ألبتة لا بالسماء؛ لأنها كرسي الله، ولا بالأرض؛ لأنها موطئ قدميه، ولا بأورشليم؛ لأنها مدينة الملك العظيم، ولا تحلف برأسك؛ لأنك لا تقدر أن تجعل شعرة واحدة بيضاء أو سوداء، بل ليكن كلامكم نعم نعم لا لا، وما زاد على ذلك فهو من الشرير".(2)
وتنهي الوصيّة الثانية عن سوء استعمال اسم الله، أي كلّ استخدام غير لائق لاسم الله، فمن يحلف باسم الله باطلاً يحتقر الله ويستخفّ باسمه القدّوس، ولاسم المسيح والعذراء مريم، ولجميع القدّيسين.
وحلف اليمين كان معناه في الأصل يتضمن الوقوع تحت اللعنة لكل من لم يبرّ بوعده أو لمن يكذب في إقراره، حتى أن كلمة حلف استعملت لمعنى اللعنة والانتقام في العهد القديم حيث جاء: "وأجعلهم قلقاً لكل ممالك الأرض حلفاً ودهشاً وصفيراً وعاراً".(3)
والقسم والحلف عادة قديمة عند العبرانيين والشعوب السامية وكانت العهود والاتفاقات الفردية والجماعية تعقد بواسطة القسم، وهو بمعنى اتّخاذ الله شاهداً على ما يؤكده الإنسان. إنّه اعتماد صدق الله وعربوناً للصدق الذاتي، والقَسَم أو الحلف باطلاً هو أن نحلِف كذباً أو لأمر تافه، أو لأمر لا نريد أن نتمّمه، أو لا نتمّم ما حلفنا أن نتمّمه، ومن العادات القديمة
______________________________
(1). إنجيل لوقا (4: 5- 8).
(2). إنجيل متى (5: 33- 37).
(3). سفر ارميا (29: 18).
( 79 )
في الأقسام العظيمة أن تقدم ذبائح وضحايا، إذ كانت توجد بين الساميين في القديم عادة شق الذبيحة إلى نصفين يفصلانها ويمرّ المتعاقدون بين القسمين بعد أن يأكلوا شيئاً من لحمها، بمعنى أن كل واحد منهما يدعو على نفسه بأن يشق إلى نصفين كتلك الذبيحة إن أخلّ بالعهد، ولعل كلمة القسم في اللغة العربية مأخوذة من هذه العادة القديمة. وفي أيام المسيح(عليه السلام) كانوا يحلفون بكرسي الله وبأورشليم وبالأرض وبالهيكل وبذهب الهيكل وبالمذبح وبالقربان وبالسماء وبالرأس وما إلى ذلك.(1)
واعتقد البعض أن وصية المسيح لا تنهى عن كل أنواع الحلف، بل يقصد منع الحلف في التكلّم الاعتيادي، وأما في الأمور المهمة التي يستوجب فيها الحلف والقسم كالمحاكم مثلاً فهو جائز.(2)
أما التجديف فمعناه التلفظ بألفاظ محقّرة لله أو للقديسين أو للأشياء المقدّسة؛ فالتجديف هو تدنيس لاسم الله وهو إثمٌ فظيع لما فيه من التحقير لله تعالى وهو وقاحة كبرى، إذ إنّ الإنسان الحقير يتجاسر على شتم خالق السماء والأرض. وفي العهد القديم كان المجدِّف يُرجم بالحجارة حتى يموت، وكان الملك لويس في القرون الوسطى يأمر بقطع لسان المجدِّف.(3)
ويشتمل الحلف والقسم النذر أيضاً، وهو أن نَعِدَ اللهَ بعمل صالح أو شيء صالح نكرّمه به، وبقدر ما نحترم الله نتمّم وعدنا له، فمن يعد وعداً يلتزم أن يتمّ وعده، والنذر هو وعد من الإنسان لله فيجب على الإنسان أن يتمّمه.
يعتبر يوم السبت يوما مقدساً عند اليهود كما ذكرنا في الفصل الثاني، والسبت كلمة عبرانية معناها (راحة)، وقد بدأ التفكير منذ القدم على أن يوم السبت هو اليوم الذي يترك فيه الإنسان أشغاله المادية حتى يستريح، وذلك تذكاراً لليوم السابع من الخليقة: "لذلك بارك الله
______________________________
(1). قاموس الكتاب المقدس، مادة القسم.
(2). المصدر السابق.
(3). معجم اللاهوت الكتابي، مادة حلف.
( 80 )
يوم السبت وقدسه؛ لأن فيه استراح الرب من جميع أعماله"(1)، وقد منع الله نزول المنَّ لإسرائيل في اليوم السابع حتى يستريحوا(2)، ثم تطوّر التفكير عن يوم السبت حين أمر الله في الوصية الرابعة بحفظ السبت؛ لأن (الله بارك يوم السبت وقدّسه)(3)
وأمر الله أن يستريح الإنسان والحيوان ونزيل البيت في السبت، لا لأنه استراح فيه فحسب، بل لأنه باركه وقدسه أيضاً، وعلى هذا فإنه عندما كسر أحد اليهود السبت قتلوه بدون رحمة.(4)
وقد قدّس المسيحيون الأولون يوم السبت، ولكن اليوم الأول من الأسبوع أي الأحد حلّ تدريجياً محل اليوم السابع، وكان المسيحيون الأولون يجتمعون فيه للصلاة، فقد جعلت قيامة المسيح قيمة خاصة لهذا اليوم الأول من الأسبوع.(5)
رفضت المسيحية هذه الوصية بحذافيرها وأعطتها تفسيراً آخر يتلائم وقدسية يوم الأحد، وبذلك رفضت قدسية السبت، واعتبرت قدسية يوم الرب هو الأحد؛ لأن المسيح صلب ومات ودفن وقام في يوم الأحد كما صرّحت بذلك الأناجيل(6)، وفي قرار المجمع المسيحي الأول الذي عقده الحواريون لم يفرض قادة الكنيسة الأولى حفظ يوم السبت اليهودي على أحد(7)، فلم يعد هناك إلزام بحفظ يوم السبت اليهودي، ويعتقدون أن عيسى(ع) أعطى مفهوم السبت الصحيح بقوله: "إنّ السبت جعل للإنسان، وما جعل الإنسان للسبت"(8)، وعندما جاء المسيح(عليه السلام) كان موضوع حفظ السبت هو مادة النزاع الأولى بين المسيح(عليه السلام) وبين
______________________________
(1). سفر التكوين (2: 1- 3).
(2). سفر الخروج (16: 22- 30).
(3). قاموس الكتاب المقدس، مادة السبت.
(4). سفر العدد (15: 32- 36).
(5). قاموس الكتاب المقدس، مادة السبت.
(6). إنجيل متى (28: 1).
(7). سفر أعمال الرسل (15: 28 ).
(8). إنجيل مرقس (2: 27).
( 81 )
شيوخ اليهود، ولذلك كانت هناك مناظرات ومجادلات بين المسيح(عليه السلام) والفريسين من اليهود حول قدسية السبت وحرمة العمل فيه(1)، وتروي لنا الأناجيل أحداثاً كثيرة أتُهم فيها المسيح(عليه السلام) بخرق حرمة السبت، منها ما نقله لوقا في إنجيله حيث قال: "واذ جاء إلى بيت احد رؤساء الفريسيين في السبت ليأكل خبزاً، وكانوا يراقبونه، واذا إنسان به مرض كان قدأمه، فأجاب يسوع وكلّم الناموسيين والفريسيين قائلاً: هل يحل الابراء في السبت؟ فسكتوا، فأمسكه وأبراه وأطلقه، ثم أجابهم وقال من منكم يسقط حماره أو ثوره في بئر ولا ينشله حالا في يوم السبت؟ فلم يقدروا أن يجيبوه عن ذلك"(2)، وأيضاً ينقل يوحنا في إنجيله قصة المريض الذي أشفاه المسيح(عليه السلام) يوم السبت فيقول: "كان هناك إنسان به مرض منذ ثمان وثلاثين سنة هذا رآه يسوع مضطجعاً وعلم أن له زماناً كثيراً فقال له: أتريد أن تبرأ؟ أجابه المريض: يا سيد ليس لي إنسان يلقيني في البركة متى تحرك الماء بل بينما أنا آت ينزل قدامي آخر، قال له يسوع: قم احمل سريرك وامشِ فحالاً برئ الإنسان وحمل سريره ومشى، وكان في ذلك اليوم سبت؛ فقال اليهود للذي شفي: إنه سبت لا يحل لك أن تحمل سريرك، أجابهم إن الذي أبرأني هو قال لي احمل سريرك وامش؛ ولهذا كان اليهود يطردون يسوع ويطلبون أن يقتلوه لأنه عمل هذا في سبت".(3)
ولكنّ بالرغم من هذا فإن عيسى(ع) لم يكن يتوانى في تقديس هذا اليوم، فالأعمال الصالحة يمكن أن يؤديها الإنسان ويقوم بها في كلّ يوم وساعة، وقد أفهم الفريسيين ذلك بسؤاله منهم: "أَعَمَلُ الصالحات يحلّ في السبت أم عمل السيّئات؟ وتخليص نفس أم إهلاكها؟"(4)
______________________________
(1). الوصايا العشرة في اليهودية مقارنة في المسيحية والاسلام، دكتور رشاد عبد الله الشامي، ص201.
(2). إنجيل لوقا (14: 1- 6).
(3). إنجيل يوحنا (5: 5- 16 ).
(4). إنجيل مرقس (3: 4).
( 82 )
هذه الوصية أقرّتها المسيحية بدون أي إضافة أو حذف، وتأتي هذه الوصية في اللوح الثاني من لوحي الوصايا العشر، وفيها توسيع نظرة العلاقة مع الله إلى علاقة الناس فيما بينهم وفي الحياة المشتركة، وتبدأ العلاقة بالوصية التي تطلب إكرام الوالدين.
وقد أمر الناموس(1) بأن كل من ضرب أباه أو أمه أو شتمهما يقتل قتلاً، فقد جاء في التوراة: "من ضرب اباه أو أمه يقتل قتلا... ومن شتم أباه أو أمه يقتل قتلاً"(2)، والابن المعاند أو المتمرد كان يتعرّض للموت رجماً بالحجارة متى شهد عليه أبوه وأمه بذلك أمام شيوخ المدينة "اذا كان لرجل ابن معاند ومارد لا يسمع لقول أبيه ولا لقول أمه، ويؤدبانه فلا يسمع لهما، يمسكه أبوه وأمه ويأتيان به إلى شيوخ مدينته وإلى باب مكانه ويقولان لشيوخ مدينته: ابننا هذا معاند ومارد لا يسمع لقولنا وهو مسرف وسكير فيرجمه جميع رجال مدينته بحجارة حتى يموت".(3)
وفي المسيحية أيضاً يعتبر الوالدان امتدادا لله تعالى؛ لأن الله قد منحنا الوجود بواسطة والدينا وأشركهما بسلطانه علينا وأقامهما نوّاباً ووكلاء عنه يهتمّوا بأمورنا ويدرّبونا على حفظ وصاياه الإلهية، ويهدونا طريق السعادة السماوية. فمن كرّم الوكيل فكأنّه كرّم الذي وكله، فإذا كرّمنا والدينا نكون كرّمنا الله الذي وكلهما علينا، وبخصوص علاقة الأولاد بالوالدين، فذلك يعني إعطاء الوالدين الأهمّية التي تخصّ بهما في وصفهما كوالدين وإكرامهما أيضاً كأب وأمّ.(4)
لقد ذكر المسيح نفسه بقوّة وصيّة الله هذه ووبخ علماء اليهود على تجاهلها أو الانتقاص منها قائلاً لهم: "حسناً رفضتم وصية الله لتحفظوا تقليدكم؛ لأن موسى قال: أكرم اباك وأمك، ومن يشتم أباً أو أماً فليمت موتاً، وأما أنتم فتقولون: إن قال إنسان لأبيه أو أمه
______________________________
(1). الناموس: هي التسمية اليونانية للتوراة ومعناه الشريعة وهي تقابل كلمة توراة في الترجمة السبعينية انظر: التوراة من التدوين الى النقد، كريمة عيساوي، ص87.
(2). سفر الخروج (21: 15 و17).
(3). سفر التثنية (21: 18- 21).
(4). الوصايا العشرة: اكرم ابك وامك، الأب اوغسطينوس كوسا، ص 8.
( 83 )
قربان أي هدية هو الذي تنتفع به مني فلا تدعونه في ما بعد يفعل شيئاً لأبيه أو أمه، مبطلين كلام الله بتقليدكم الذي سلمتموه"(1)
وتبين هذه الوصيّة واجبات الأولاد لوالديهم بإظهار الاحترام اللازم وأن يحبّوهم ويطيعوهم، ويقوم بواجب الاحترام هذا من يكنّ لوالديه الاعتبار الباطني ويعبّر لهما عنه في تصرّفاته الخارجية منهما، ويخطأ من احتقرهما ووجه إليهما كلاماً مهيناً أو وقف منهما موقفاً يذلّهما أو يسبّب ضرراً لهما، أو يستحي بهما، أو ينكرهما لرقة حالهما، والمحبّة يجب أن تكون في العواطف والعمل، وعليه قد خالف واجب محبّة الوالدين من أبغضهم أو دعا عليهم، أو عاملهم بما يجرحهم أو يسبّب لهم كرباً أو أهمل الصلاة لأجلهم أو مساعدتهم في حياتهم الروحية والزمنية.(2)
وهذه الوصية أيضاً أمضتها المسيحية، ويُقصد بها القتل المتعمّد غير الشرعي، بما فيه القتل الناتج عن عدم الحذر والتأني؛ وذلك لأن الحياة ثمينة ومقدسة وكرامة الإنسان في المسيحية أنه خُلق على صورة الله ومثاله، فالقضاء عمداً على حياة الإنسان خطيئة تصعد صرختها نحو السماء، والحياة وجود لائق بكرامة الإنسان، فالله هو سيد الحياة وصائنها، والإنسان مدعو للاشتراك في حياة الله، فالحياة الأرضية موجهة نحو الحياة مع الله، فالوصية تعني احترام الحياة، والحق بالحياة، وحماية الحياة.(3)
إن المعنى الإيجابي للوصية هو ذلك الموقف الذي يتخذه الإنسان تجاه الإنسان الآخر، فالعدالة ومحبة الله والقريب تتجلى في أن تحب الرحمة وتسير بتواضع والحفاظ على الحياة؛ وهذا التوجه يمس البشرية في عالم اليوم المتبدل، فالمقصود هو صيانة الحياة وتعزيزها بنوع يوافق كرامة الإنسان ويحقق العدل في معاملته.
______________________________
(1). إنجيل مرقس (7: 10).
(2). التعليم الكاثوليكي، ص642.
(3). المسيحية في أخلاقياتها، المطران كيرلس سليم بسترس، ص 259.
( 84 )
والانتحار هو عمل يضع به إنسان ما حداً لحياته وهو يدخل ضمن القتل المتعمد؛ لأنه لا يجوز من الوجهة الأخلاقية فقدان الحياة بالانتحار، وهو يعني رفضاً لاستمرار العيش في الحرية ورفضاً للذات، فهو عمل يقضي على الحرية قبل الأوان، ومن قتل نفسه ينكر الله الذي وهبنا الحياة، ورفض العيش في الحياة هو رفض لله، لذلك لا يمكن تبرير الانتحار أخلاقياً، الانتحار هو رفض لمحبة الله للإنسان وإنكار لمحبة النفس والتوق الطبيعي إلى الحياة ولواجب العدل والمحبة تجاه القريب والمجتمع(1)؛ ولذا تنهى الوصية الخامسة عن القتل وتأمر بحماية الحياة وتعزيزها، فالحياة خير أسمى، إنها خير أساسي فنحن ملزمون أخلاقياً بحماية الحياة الإنسانية والمحافظة عليها، ولكن يمكن للإنسان أن يضحي بحياته في سبيل خيرات وقيم أخرى أرفع وأنبل أو يضحي بها من أجل أحبائه، قال المسيح(عليه السلام): "ليس لأحد حب أعظم من أن يبذل ذاته عن أحبائه"(2)
وهذه الوصية أيضاً أعطاها المسيحُ 8بُعداً معنوياً لم يكن ليلتفت إليه اليهود وجعل الغضب على الأخ أيضاً من موجبات القتل، يقول عيسى(ع) حسب أناجيل العهد الجديد: "قد سمعتم أنه قيل للقدماء: لا تقتل ومن قتل يكون مستوجب الحكم، وأما أنا فأقول لكم: إن كل من يغضب على أخيه باطلاً يكون مستوجب الحكم، ومن قال لأخيه رقاً يكون مستوجب المجمع، ومن قال: يا أحمق يكون مستوجب نار جهنم، فإن قدمت قربانك إلى المذبح وهناك تذكرت أن لأخيك شيئاً عليك، فاترك هناك قربانك قدام المذبح واذهب أولاً اصطلح مع أخيك وحينئذٍ تعال وقدم قربانك".(3)
الزنا خطيئة تلوث حياة الإنسان ونفسه وتنجسه وتستحق عقاب الله الصارم حسب إعلاناته، وهي كل اتصال جنسي غير شرعي، كأن يضاجع رجل امرأة غيره، أو فتاة مخطوبة
______________________________
(1). التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، حبيب باشا و آخرون, 2348.
(2). إنجيل يوحنا (15/13).
(3). إنجيل متى (5: 21- 24).
( 85 )
لرجل آخر، أو فتاة حرة غير مخطوبة... إلخ، وكان عقاب هذه الخطيئة الرجم والموت وهناك تفاصيل عديدة بخصوص هذه الخطيئة وطريقة إظهارها ومعاقبتها في التوراة.(1)
أما المعنى المسيحي للزنا 'بالإضافة إلى ما ذكر' فهي كل نجاسة في الفكر والكلام والأعمال، وكل ما يُشمّ منه شيء من ذلك، ولعل هذا المعنى مأخوذ من الوصية السابعة بتفسير المسيح في موعظته على الجبل حيث يقول: "قد سمعتم أنه قيل للقدماء: لا تزنِ، وأما أنا فأقول لكم: إن كل من ينظر إلى امراة ليشتهيها فقد زنى بها في قلبه، فإن كانت عينك اليمنى تعثرك فاقلعها وألقها عنك؛ لأنه خير لك أن يهلك أحد أعضائك ولا يلقى جسدك كله في جهنم، وإن كانت يدك اليمنى تعثرك فاقطعها وألقها عنك؛ لأنه خير لك أن يهلك أحد أعضائك ولا يلقى جسدك كله في جهنم".(2)
وقد ذكر بطرس- وصي عيسى -8 الزنا وأسماه شهوة النجاسة فيقول في إحدى رسائله: "يعلم الرب أن ينقذ الأتقياء من التجربة ويحفظ الأثمة إلى يوم الدين معاقبين، ولا سيما الذين يذهبون وراء الجسد في شهوة النجاسة"(3)، وجعل بولس عقوبة الزنا غضب الرب حيث يقول في رسالته: "اما الزنا وكل نجاسة أو طمع فلا يُسم بينكم كما يليق بقديسين فإنكم تعلمون هذا إن كل زانٍ أو نجس أو طماع الذي هو عابد للأوثان ليس له ميراث في ملكوت المسيح والله؛ لأنه بسبب هذه الأمور يأتي غضب الله على أبناء المعصية"(4)، واعتبرها الحواري يعقوب بمثابة عداوة لله فقد قال في رسالته: "أيها الزناة والزواني أما تعلمون أن محبة العالم عداوة لله، فمن أراد أن يكون محباً للعالم فقد صار عدواً لله".(5)
وكذلك فإن الزنا هو السبب الوحيد الذي ينحل به رباط الزوجية المقدس في المسيحية، ذلك لأن الرب يعرف أن الرجل يمكن أن يتحمل المرأة في كل شيء ويغفر لها كل ذنب ما عدا
______________________________
(1). قاموس الكتاب المقدس، مادة زنى.
(2). إنجيل متى (5: 27- 28).
(3). رسالة بطرس الثانية (2: 10).
(4). رسالة بولس الى اهل افسس (5: 3- 6 ).
(5). رسالة يعقوب (4: 4).
( 86 )
الزنا فإنه لا يحتمل، ولا يستطيع الرجل أن يعيش مع المرأة بعد فعلها القبيح هذا، وإذا طلّق الرجل زوجته لغير خطيئة الزنا، وتزوّج بأخرى فإنه يعتبر زانياً(1)، وقد أقرّ هذا الحكم المسيح(عليه السلام) نفسه حيث يقول: وأقول لكم: إن من طلّق امرأته إلا بسبب الزنا وتزوّج بأخرى يزني، والذي يتزوج بمطلقة يزني".(2)
وقد سرت شريعة عدم الزواج بالمحرمات الواردة في الشريعة اليهودية إلى الشريعة المسيحية، ولهذا يعتبر زنا أن يتزوّج الرجل بامرأة لا تحل أن تكون له زوجة.(3)
وفي عرف الإيمان المسيحي الكاثوليكي يعتبر الزواج المسيحي سرّ يتم فيه الاتحاد الزوجي وهو عهد يُظهر بطريقة خاصة حب المسيح لكنيسته؛ لذا لا يُفهم الزواج ولا يُعاش كسِرّ إلا من خلال هذا السر وحده، فإنه طريقة لأتباع المسيح، إن الزنا قد عُدّ في الكنيسة منذ البداية طعناً خطيراً بنـزاهة الزواج الأخلاقية، وقد أدرجه التقليد المسيحي ضمن الخطايا الجسيمة مع الجحود والقتل؛ لأن الزوج الذي يكتشف الآخر قد زنا، يشعر غالباً بإهانة جسيمة وبضربة للأمانة الزوجية، من هذا المنطلق، يكون الزنا خطأً جسيماً ضد الحب والأمانة الزوجية، وضد رباط الزواج المقدس.(4)
وهذه الوصية هي الثامنة عند اليهود والبروتستانت والسابعة عند الكاثوليك؛ لأنهم حذفوا الوصية الثانية كما ذكرنا.
والسرقة هي: أخذ مال الغير في خفاء أو بالخداع والحيلة، ويمكن أن يقوم بذلك فرد أو عصابة.(5)
______________________________
(1). الوصايا العشرة في اليهودية مقارنة في المسيحية والاسلام، د. رشاد عبد الله الشامي، ص255.
(2). إنجيل متى (19: 9).
(3). الوصايا العشرة، الكتاب الرابع، الوصية السابعة، البابا شنودة، ص 14.
(4). التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، حبيب باشا و آخرون, ص2374.
(5). دائرة المعارف الكتابية، مادة سرق.
( 87 )
والوصية السابعة تنهى عن أخذ مال القريب أو حفظه دون حق، وإلحاق الضرر بالقريب في أمواله بأي وجه من الوجوه، وهي تفرض على الإنسان مراعاة العدالة والمحبة في إدارة أموال الناس وثمار عملهم، وتقتضي احترام كون الخيرات معدة للجميع، واحترام حق الملكية الخاصة.(1)
وللسرقة أنواع 'فكل طريقة لأخذ مال الغير دون حق والاحتفاظ به، هي مخالفة للوصية السابعة وإن لم تكن متعارضة مع أحكام الشريعة المدنية' ومنها: الاحتفاظ عمداً بما أقرض من مال، والاحتفاظ عمداً بما وجد من أشياء ضائعة، والغش في التجارة، دفع أجور غير عادلة، رفع الأسعار اعتماداً على جهل الغير وعوزه، المضاربة المستعملة لتغيير تخمين الخيرات بأسلوب مصطنع لنيل فائدة على حساب الغير، الرشوة التي بها يُبدّل رأي مَنْ عليهم أن يتخذوا القرارات وفاقاً للحق، استملاك أموال عامة لمؤسسة واستعمالها للمصلحة الخاصة، الأشغال التي لم يحسن صنعها، الغش الضريبي، تزوير الشيكات والفواتير، المصاريف المفرطة والهدر.(2)
إن الوصية السابعة هي وصية تخص السوء الذي بإمكاننا أن نلحقه بأملاك الآخرين أو حتى بمعطيات الطبيعة، وهي وصية خاصة تخص حق الإنسان في تحقيق حاجاته ومسؤوليته تجاه حقوق الآخرين، والملفت للأمر أن المسيح لم يتعرّض إلى هذه الوصية في تعاليمه ومواعظه، ولكنه تضمنت بعض أمثاله الحديث عنها حيث يقول بخصوص مجيئه الثاني وعودته إلى الأرض: "فيما هو جالس على جبل الزيتون تقدم إليه التلاميذ على انفراد قائلين قل لنا متى يكون هذا وما هي علامة مجيئك و انقضاء الدهر؟ فقال المسيح: أما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد ولا ملائكة السماوات إلا أبي وحده، كما كانت أيام نوح كذلك يكون أيضاً مجيء ابن الإنسان؛ لأنه كما كانوا في الأيام التي قبل الطوفان يأكلون ويشربون ويتزوجون ويزوجون إلى اليوم الذي دخل فيه نوح الفلك ولم يعلموا حتى جاء الطوفان وأخذ الجميع، كذلك يكون أيضاً مجيء ابن الإنسان.
______________________________
(1). التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، حبيب باشا و آخرون, ص2402.
(2). المسيحية في أخلاقياتها، المطران كيرلس سليم بسترس، ص 268.
( 88 )
واعلموا هذا أنه لو عرف رب البيت في أية هزيع يأتي السارق لسهر ولم يدع بيته ينقب".(1)
إن الشكل الأصلي للوصية يتكلّم عن شهادة الزور في المحكمة: "لا تشهد على قريبك شهادة زور"(2)، إنها تحوي مصطلحات قانونية تعطي بوضوح معناها الأساسي، إن تعبير (شهادة زور)، آتٍ من الخبرة القانونية في إسرائيل، وهي تعني شهادة ضد شهادة أمام محكمة من الشيوخ. إن الشاهد يمكن أن يكون صادقاً ويمكن أن يكون كاذباً، وفي المحكمة القاضي يستجوب الشهود استناداً إلى الثقة التي تضعها في الشهود، الذين حينما تنعدم الأدلة والقرائن، يؤكدون أو ينقضون أقوال الخصماء، وبهذا يتيحون للحقيقة أن تظهر إلى النور، لهذا فالرب يذكرهم أن لا يجيبوا ضد المتهم شهادة مزورة؛ وأن لا يصنعوا هكذا تهمة زائفة مستعملين الأيمان الكاذبة، فهذه الوصية تهدف إلى الدفاع عن سير القضاء، الذي تعتبر الثقة فيه ضماناً لتحقيق العدالة بين الناس.(3)
وبما أن القاضي يجب أن يعمل على تحقيق العدالة، فعليه أن يمنع مثل هؤلاء الشهود الدخول إلى المحكمة قدر المستطاع، فلا يُعطي الحكم على أساس شهادة رجل واحد فقط، لكن عليه أن يسأل اثنين أو ثلاثة، بحيث يضعهم بتناقض فيما بينهم لاكتشاف الزيف خصوصاً في الحكم بالموت، وعند اكتشاف الزور يجب أن لا يبقى شاهد الزور فيما بعد دون جزاء، فيوضع المذنب، دون رحمة، إلى شريعة المِثل، أي يجب التعامل معه مثلما تعامل مع قريبه
______________________________
(1). إنجيل متى (24: 1- 43).
(2). سفر الخروج (20: 16).
(3). الوصايا العشرة في اليهودية مقارنة في المسيحية والاسلام، د. رشاد عبد الله الشامي، ص262.
( 89 )
اصنعوا به ما فكر أن يفعله بأخيه"(1)، بينما نقرأ في شريعة حمورابي التي تقول: إن شاهد الزور يجب أن يموت، وليس فقط أن يُصنع به ما أراد صنعه لأخيه.(2)
وقد أشار السيد المسيح في معرض حديثه عن الاختلاف بين المؤمنين إلى الشهود فقال: "إن أخطأ إليك أخوك فاذهب وعاتبه بينك وبينه وحدكما إن سمع منك فقد ربحت أخاك، وإن لم يسمع فخذ معك أيضاً واحداً أو اثنين لكي تقوم كل كلمة على فم شاهدين أو ثلاثة".(3)
ويمكن القول إن هذه الوصية أشارت إلى قبح الكذب الذي لم يذكر في الوصايا العشر إطلاقاً، وهو ما يدعو إلى التأمل، وإن كان الكذب قد تم النهي عنه في مواضع أخرى من أسفار التوراة والانجيل، ولكنه لم يذكر ضمن الوصايا العشر، وتنهى الوصية الثامنة عن تمويه الحقيقة في العلاقات بالغير، وهذا يعني الكذب، والله يكره اللسان الكاذب، ولهذا يعتبر شاهد الزور مخادع؛ لأنه كذب ضد المحكمة البشرية والإلهية، وهي احتيال ضد العدل البشري والعدل الإلهي، والكلام المخالف للحقيقة، يصبح أمام المحكمة شهادة زور، وعندما يُسنَد بقسم يصبح حِنثاً.
وهذه الأنماط في السلوك تساهم إما في الحكم على بريء، وإما في تبرئة مذنب، وإما في زيادة في الحكم الذي يصدره القضاة، فأخلاقياً هذه الوصية تحكم على الكذب الذي يبدأ من المحكمة ثم يسري إلى كل أعمال الإنسان لينسف استقامته، فهو يهدم الثقة بين الناس، ويمزق نسيج العلائق الاجتماعية.(4)
______________________________
(1). سفر الخروج (19: 19).
(2). التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، حبيب باشا و آخرون, ص2458.
(3). إنجيل متى (18: 15- 16).
(4). التعليم الكاثوليكي، ص683.
( 90 )
يقول النص في الفصل الخامس من سفر التثنية: "ولا تشته امرأة قريبك ولا تشته بيت قريبك ولا حقله ولا عبده ولا أمته ولا ثوره ولا حماره ولا كل ما لقريبك".(1)
وقد قسّم الكاثوليك هذه الوصية إلى قسمين لتكتمل الوصايا العشر، وجعلوا التاسعة حرمة اشتهاء امرأة القريب، والعاشرة حرمة اشتهاء بيت القريب ومقتنياته.
والشهوة هي حركة النفس ونزوعها إلى ما تريد، فإن اشتهت النفس ما ليس لها الحق فيه فإن الشهوة، شهوة غير شرعية، ورغم أن الكلمة في أصلها تعني الرغبة الملحة القوية، وكان يمكن أن تستخدم للحسن والسيء، ولكنها وردت في الغالب للاستعمال السيء، واستخدمها الكتاب المقدس للتعبير عن النوازع الحسيَّة التي تلد الخطيئة.(2)
ولهذا فقد فسرت "لا تشته" بمعنى النهي عن الشهوة الفكرية، أي التفكير بالشهوة، وأيضاً حرمة المكائد العملية والأعمال الموجهة للوقوع في الفعل الحرام، فالشهوة في القلب على وفق هذا التفسير تعتبر من الأمور المحرمة، واعتبرها البعض من أرق الوصايا الأخلاقية؛ لأنها جاءت لتمنع الشرور المبيتة عن طريق تغلب الغريزة الدافعة للإنسان أن يفعلها(3)، وقد أشار المسيح أيضاً إلى هذا المعنى في موعظته على الجبل وذلك بالنهي عن النظر بشهوة للمرأة الاجنبية؛ لأن ذلك يعتبر مقدمة للوقوع في الحرام حيث يقول: "قد سمعتم أنه قيل للقدماء: لا تزنِ، وأما أنا فأقول لكم: إن كل من ينظر إلى امرأة ليشتهيها فقد زنى بها في قلبه"(4)، فالتحريم لا يطال الزنا بما هو فعل وحسب، بل يطال أيضاً اشتهاءه والذي أسماه المسيح زنا القلب.
______________________________
(1). سفر التثنية (5: 21).
(2). قاموس الكتاب المقدس، مادة اشتهى، شهوة.
(3). الوصايا العشرة في اليهودية مقارنة في المسيحية والاسلام، دكتور رشاد عبد الله الشامي، ص270.
(4). إنجيل متى (5: 27- 28).
( 91 )
المعنى الأساسي للوصية هو احترام حرية الإنسان واحترام ممتلكاته ومقتنياته وتعزيز حقوقه التي هي أساس عيشه، من تحذر الوصية العاشرة حيث المضمون من شهوة مال الغير، وامتلاك ما لا يحق للإنسان امتلاكه من غيره بدون حق.
وقد أعطى اللاهوت المسيحي معنى خاصاً للشهوة، واعتبرها حركة الرغبة الحسية التي تعارض عمل العقل البشري، فهي تتميز عن الرغبة في أن الإنسان يريد أن يمتلك كل شيء ويسخر عندئذٍ كل شيء من أجل محبة الذات وخدمة حاجاتها حتى يصل الأمر بالإنسان إلى احتقار الله والآخرين، تحملنا الشهوة الحسية على أن نرغب في الطيبات التي ليست لدينا، هكذا هي الحال عندما نرغب في الطعام عندما نجوع، وفي الدفء عندما نبرد، وهذه الرغبات صالحة في حد ذاتها، ولكن إذا لم تقف الشهوة عند حدود العقل، تصبح الشهوة دنيئة غير صالحة، وتدفعنا إلى أن نشتهي دون وجه حق، ما لا يعود إلينا، ويمتلكه غيرنا وهو من حقه.(1)
وتولدُ الشهوة في قلب الإنسان قبل أن يقوم بالعمل والقلب الشرير يكشف عن الشر، فأحياناً تأتينا أفكار غير سليمة، فهذه الأفكار التي تأتينا ليست خطايا، ولكن عندما نحاول أن نتمتع بهذه الأفكار تصبح خطايا؛ لأن هذه الأفكار تجعل القلب الذي يوافق على فعلها مظلماً، وهذه الشهوات هي من حب الدنيا وهي زائلة لا محالة فقد جاء في العهد الجديد:
"لأن كل ما في العالم شهوة الجسد وشهوة العيون وتعظم المعيشة ليس من الأب بل من العالم، والعالم يمضي وشهوته وأما الذي يصنع مشيئة الله فيثبت إلى الأبد".(2)
______________________________
(1). التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، حبيب باشا و آخرون, ص2532.
(2). رسالة يوحنا الاولى (2: 16- 17 ).
( 92 )
وهنا يميز الحواري يوحنا في رسالته ثلاثة أنواع من الشهوات أو الرغبات، الأولى شهوة الجسد والثانية شهوة العين والثالثة كبرياءُ الغِنى (تعظّم المعيشة).
ولكن هذا لا يعني أن يتجرّد الإنسان من كل رغباته وشهواته، إذ إن عظمة الإنسان هو أنه كائن له رغبات، فالرغبة تفتح قلب الإنسان إلى الآخرين وإلى حاجاتهم، وفي الحياة عدة رغبات صالحة بحد ذاتها، الرغبة في الحياة، الشفاء، النمو، أن يحب وأن يكون محبوباً، نرغب جميعاً في الخيرات التي لا نملكها، ونكون سعداء، نتنفس الصعداء عندما نحصل على عمل ممتع، أن نسكن في منزل رائع، فالرغبة والشهوة تجعل الإنسان يتوق إلى الكمال واعظمه هو مشاهدة الله والفناء فيه.(1)
ولكن يمكن لرغبة (أو شهوة التملك) أن تصبح اضطهاداً للذات وللآخرين. والكنيسة تعتبر الرغبة في السعادة الحقيقية هي إنقاذ الإنسان من التعلّق الزائد بخيرات هذا العالم الدنيوي، لتكتمل في رؤية الله التي تفوق كل سعادة؛ لأن من رأى الله فقد حصل على كل الخيرات التي نستطيع أن نتصورها.(2)
وتنهى الوصية العاشرة عن الطمع والرغبة في تملك لا محدود للخيرات الأرضية؛ وتحظر الجشع الذي هو نتيجة التعلّق المفرط بالمال وقدرته، وهي تمنع أيضاً من الرغبة في ارتكاب ظلم يساء به إلى القريب في أمواله ومقتنياته، وتقتضي أيضاً إقصاء الحسد من القلب البشري؛ لأن الحسد رذيلة رئيسية، وهو يشير إلى معاناة الحزن حيال مال الغير والرغبة القوية في امتلاكه، وإن كان عن غير وجه حق،(3) والوصية العاشرة تقصد نية القلب وهي تكمل الوصية التاسعة التي تتناول شهوة الجسد وهي تختصر مع الوصية التاسعة جميع فرائض الشريعة، فهي تنهى عن اشتهاء مال القريب، أصل السرقة والنهب والغش التي تحرمها الوصية السابعة، وتنهى عن شهوة العيون أي تلك الرغبة في تملّك كل ما تراه، وتقود إلى العنف والظلم ومن ثم تؤدي إلى القتل اللذين تحظرهما الوصية الخامسة، وأصل الجشع هو في عبادة الأصنام التي تنهي عنها الوصايا الثلاث الأولى من الشريعة.(4)
______________________________
(1). التعليم الكاثوليكي، ص696.
(2). التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، حبيب باشا و آخرون, 2548.
(3). المسيحية في أخلاقياتها، المطران كيرلس سليم بسترس، ص 284.
(4). التعليم الكاثوليكي، ص702.
( 93 )
من خلال ما بينا من شرح للوصايا العشر في التوراة والانجيل تبين لنا نقاط فارقة من أبرزها الاتي:
1-إن أتباع العهد الجديد يحترمون يوم السبت ولكن لا يقدسونه لدرجة القول بالراحة فيه حيث إنهم يقدسون يوم الأحد، وهذه النقطة تعتبر من الأمور التي جعلت اليهود بشتى طوائفهم يثورون على المسيحيين فيها متهمين إياهم بنقض الناموس.
2-كذلك رأينا شرحاً كثيراً والربط بين الوصايا العشر وبين المسائل الأخلاقية باستفاضة مما يدعونا إلى القول بأنها أخذت أبعاداً جديدة، مما يمكن القول بأن المسيح والحواريين اهتموا والتزموا بالوصايا العشر، فالمسيح اقتبسها في مواقف مختلفة وشدد عليها ولكنه أعطاها بعداً معنوياً وفسرها تفسيراً روحياً، ولّخصها في وصية واحدة هي وصية المحبة، وعلّم الناس أن غاية الناموس إنما هي المحبة لله والقريب، وبسبب ذلك اصطدم اصطداماً عنيفاً مع الفريسيين الذين تمسكوا بقشور الشريعة وأعرضوا عن جوهرها، فحيث تتوقف الشريعة عند حد (لا تقتل) يرتقي المسيح بتعاليمه إلى أفق أبعد وأدق فيقول: "لا تقل أحمق لأخيك"، وعندما يسأل الفريسيون المسيح(عليه السلام) عن التطهير الخارجي يحدثهم عن القلب الذي يجب أن يتطهر، كي لا يتحول إلى القلب المبيض خارجياً والمملوء عفناً داخلياً، ففي تعليم المسيح ينبع السلوك الإنساني من داخل الإنسان من ضميره قبل أن يكون نابعاً من قاعدة اجتماعية أو سياسية أو من تقليد ما، أيا كانت أهمية هذه القاعدة أو هذا التقليد، وهنا نفهم
( 94 )
أيضاً أن تعليم عيسى(ع) يحمل بعداً عاماً وشاملاً لأنه يعني الرجوع إلى الضمير ومساواة البشر فيما بينهم، في علاقة تبادلية محورها تحمل الإنسان مسؤولية الآخر كمسؤوليته عن نفسه، دلالة على حبه لله وحبه للآخرين كما يحب نفسه، والمسيح يجعل من وصية المحبة للآخرين كمال الشريعة وتعاليم الانبياء فيقول: "كل ما أردتم أن يفعل الناس لكم، فافعلوه أنتم لهم، هذه هي الشريعة و الأنبياء".(1)
وأيضاً قوله عند جوابه للسائل عن الوصية العظمى: "يا معلم أية وصية هي العظمى في الناموس؟ فقال له يسوع: تحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل فكرك هذه هي الوصية الأولى والعظمى والثانية مثلها تحب قريبك كنفسك بهاتين الوصيتين يتعلّق الناموس كله والانبياء".(2)
______________________________
(1). إنجيل متى (7: 12).
(2). إنجيل متى (22: 37- 40).
( 95 )
ويتضمن المباحث التالية:
المبحث الأول: الدائرة الأخلاقية القرآنية
المبحث الثاني: الوصية العقدية (النهي عن الشرك بالله)
المبحث الثالث: الوصايا السلوكية
المبحث الرابع: الوصايا الروحية
المبحث الخامس: المقارنة بين القرآن الكريم والعهدين
( 96 )
مدخل
إن التوراة قد بدأت الحديث بالوصايا العشر بمعالجة مسألة الوحدانية والنهي عن الشرك وأتبعت هذا بوصايا تعالج جانب السلوك الإنساني وأخرى فيها بعض الجوانب الروحية ولما جاءت الاناجيل توسعت في هذا وأكّدت على الأخلاق والمحبة كمنطلق لتقويم السلوك الفردي والتعايش الجماعي بين بني البشر، إلا أن القرآن الكريم قد عالج كلا من الجانب العقدي بما فيه من إثبات للوحدانية وإبطال للشرك، وكذلك جوانب الأخلاقيات والسلوك والوجدانيات والاجتماعيات بصورة مزهوة غير مسبوقة مما جعلنا ننطلق نحو منهج خاص في عرض بعض من وصايا القرآن في دائرة المقارنة في موضوع البحث فلا يختلف اثنان ما للوصايا الأخلاقية التي جاءت بها الشرائع السماوية من أثر في تقويم المنحى الإنساني، وأنها ترفعه على كل ما يشين بمسيرته الهادفة إلى الكمال؛ أي أن الوصايا الإلهية التي وردت في الشرائع السماوية تسعى إلى تأهيل القيم والمبادئ التي من شأنها أن تأخذ بالإنسان إلى مراقي السعادة والسلام.
وقد اتسعت المنظومة الأخلاقية القرآنية لتشمل أوسع عدد من الآيات القرآنية، بل إنّه من الممكن القول بأن جميع الآيات القرآنية حتى العقدية والفقهية والاجتماعية والتاريخية وغيرها بلا استثناء تنحو نهجاً أخلاقياً وتحدد أهدافاً أخلاقية لمسيرة الإنسان نحو الكمال المادي والمعنوي، ولكن جرت العادة في القرآن الكريم أن تلخص بعض المهمات ضمن آيات محددة، فمثلاً هناك سورة الفاتحة التي لخّصت علاقة الله بالإنسان بشتى أبعاده ضمن عبارات مختصرة جداً والتي فصّلها الله تعالى في سوره وآياته الأخرى ولذلك سميت بأم الكتاب وأمّ القرآن.(1)
وأيضاً هناك سورة التوحيد التي جمعت كل مفاهيم التوحيد والتنزيه ونفي الشرك في أربعة آيات مختصرة جداً ولذلك فإن قراءتها تعادل ثلث القرآن.(2)
______________________________
(1). راجع: التفسير الكبير، فخرالدين الرازي، ج1، ص173- 175.
(2). مجمع البيان، امين الاسلام الطبرسي، ج10، ص479.
( 97 )
وفي هذا الفصل وبعد ما درسنا الوصايا في التوراة والإنجيل ضمن الفصلين السابقين، سنلقي الضوء على ما في القرآن الكريم من وصايا وهي الأكمل والأشمل، فنبدأ بتحديد الدائرة الأخلاقية القرآنية في بيان تلك الوصايا ومعرفة نسبتها بالنسخة التوراتية والإنجيلية منها وبعد ذلك نتطرّق لآراء المفسرين والمفكرين الإسلاميين في شرح وتفصيل للوصايا القرآنية ضمن ثلاث دوائر: عقدية، سلوكية، روحية.
( 98 )
إن من دواعي الإذعان لهذا الاعجاز القرآني من حيث الهداية والتشريع أن نجد في آيتين دائرة أخلاقية متكاملة تتكفل بالسمو الأخلاقي الذي ينشده الجميع ويسعى إليه كل من أراد أن يرتقي إلى مدارج الكمال. وسنحاول في هذا الباب تقديم عرض عام لتلك الوصايا بوصفها منظومة أخلاقية متكاملة ومقارنتها مع نظائرها التوراتية والإنجيلية.
ففي الآية القرآنية التي نعرضها نرى ضخامة المثل ورصانة القيم تنحدر من آية اختصرت المسيرة الأخلاقية الإنسانية وذلك من خلال قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكمْ عَلَيْكمْ أَلاَّ تُشْرِكواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلاَ تَقْتُلُواْ اولادكم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكمْ وَصَّاكمْ بِهِ لَعَلَّكمْ تَعْقِلُونَ (151) وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَاوفُواْ الْكيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللّهِ اوفُواْ ذَلِكمْ وَصَّاكم بِهِ لَعَلَّكمْ تَذَكرُونَ (152) وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكمْ وَصَّاكم بِهِ لَعَلَّكمْ تَتَّقُونَ﴾.(1)
وقد بين الطوسي قوله تعالى: ﴿مَا حَرَّمَ رَبُّكمْ﴾ فقال في إعرابها ثلاثة أوجه:
أحدها: الرفع على تقدير ذلك أن لا تشركوا به شيئاً.
والثاني: النصب على تقدير أوصي أن لا تشركوا به شيئاً.
الثالث: أن يكون نصباً بـ﴿حَرَّمَ﴾ وتكون (لا) زائدة، وتقديره: حرّمَ ربكم ان تشركوا به شيئاً، كما قال: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾.(2) ووافقه الزمخشري في كشافه بقوله: ﴿مَا حَرَّمَ﴾
______________________________
(1). الانعام/6: 151- 153.
(2). التبيان، الطوسي, ج4، ص314.
( 99 )
منصوب بفعل التلاوة، أي: اتلو الذي حرّمه ربكم، أو يحرم بمعنى: أقول أي شيء حرّم ربكم؟ لأن التلاوة من القول و﴿أنْ﴾ في﴿أَنْ لا تُشْرِكواْ﴾ مفسرة، و﴿لا﴾ للنهي.(1)
وإذا أمعنّا النظر في تفاصيل هذه الآية، نجد أنها تتفق مع ما جاء في الكتب السماوية المنزلة بل في جميع الشرائع في عناصرها الرئيسة؛ كما ورد عن ابن عباس رضي الله عنه قوله: (هذه الآيات هي المحكمات التي ذكرها الله في سورة آل عمران أجمعت عليها شرائع الخلق، ولم تنسخ قط في ملة) وقد قيل: إنها العشر كلمات المنزلة على موسى (ع)(2)، وقال كعب الأحبار: هذه الآيات مفتتح التوراة.(3)
واذا أردنا مقابلة ما ورد في القرآن الكريم من هذه الوصايا مع الوصايا التوراتية والإنجيلية، رغم اشتراكها في المضامين والمحاور الرئيسة فإننا نجد أن دائرة الوصايا القرآنية تتخذ حالة الاتساع والشمولية للمنحى الأخلاقي الإنساني بكل تفاصيله ويبدو أن شمولية الإسلام وتماميته من وراء هذه السعة الأخلاقية للوصايا؛ واذا أردنا المقارنة لما ورد في الكتابين المقدسين مع ما ورد في القرآن الكريم، سنواجه دائرة فائقة الشمولية في هذا البرنامج الأخلاقي الشامل الذي لا يقتصر على عدد من الوصايا، بل أن الخطاب القرآني بشموليته الواسعة يعم حالة أخلاقية عامة يحاول من خلالها معالجة المشكلة الاجتماعية بكل جذورها.(4)
ويتناول بعض المفسرين المعاصرين تفسير تلك الوصايا ببحث تحليلي مقارن يثبت ان ذلك أمر مشترك بين جميع الديانات فيقول: تبين الآيات المحرمات العامة التي لا تختص بشريعة
______________________________
(1). الكشاف، الزمخشري, ج2، ص61.
(2). الجامع لاحكام القرآن، القرطبي, ج 7, ص 123- 126؛ تفسير الثعالبي, ج 3, ص 225- 229.
(3). المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، ابن عطية, ج 2, ص 361؛ البحر المحيط، ابوحيان اندلسي, ج 4, ص250.
(4). للمزيد من الاطلاع حول شمولية النظام الاخلاقي القرآني راجع كتب الاخلاق التي قام بتأليفها علماء الاسلام، وكذلك ما كتبه بعض المفكرين مثل كتاب «المفاهيم الاخلاقية الدينية في القرآن» للباحث الياباني «توشيهيكو ايزوتسو»: Ethico - Religious Concepts in the Quran، Toshihiko Izutsu، McGill - Queen's University Press، 2002.
( 100 )
من الشرائع الإلهية وهي: الشرك بالله، وترك الإحسان بالوالدين، واقتراب الفواحش، وقتل النفس المحترمة بغير حق ويدخل فيه قتل الأولاد خشية إملاق واقتراب مال اليتيم إلّا بالتي هي أحسن وعدم ايفاء الكيل والميزان بالقسط والظلم في القول وعدم الوفاء بعهد الله واتباع غير سبيل الله المؤدي إلى الاختلاف في الدين. ومن الشواهد أنها شرائع عامة أنـّا نجدها فيما نقله الله سبحانه من خطابات الأنبياء لأممهم في دعواتهم الدينية كالذي نقل من نوح وهود وصالح وابراهيم ولوط وشعيب وموسى وعيسى وقد قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي اوحَيْنَا إليك وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ ومُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾(1)، ومن لطائف الإشارات التعبير عمّا أوتي نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بالتوصية ثم التعبير في هذه الآيات الثلاث التي تقص أصول المحرمات الإلهية أيضاً بالتوصية حيث قال تعالى: ﴿ذَلِكمْ وَصَّاكم بِهِ لَعَلَّكمْ تَتَّقُونَ﴾(2)، على أن التأمل فيها يعطي ان الدين الإلهي لا يتم أمره ولا يستقيم حاله بدون شيء منها وإن بلغ من الإجمال والبساطة ما بلغ، وبلغ الإنسان المتمثل به من السذاجة ما بلغ.(3)
وعلى هذا فإن الآيات الكريمة تريد إعادة التذكير بما نهى عنه سبحانه في الديانات السابقة وكأن هذه الآيات تشير إلى حالة التقارب والتوافق بين جميع الديانات الموجودة فعلاً والمنسوخة منها، أي أن هناك وحدات مشتركة بين جميع الديانات السماوية توحّد الهدف وتسعى إلى الإبقاء على الثوابت والقيم التي جاءت بها جميع الرسالات مما يعني أن الإسلام ختم ذلك بما نادى به من الأوامر والمناهي التي جاءت بها جميع الشرائع السماوية وهذا النداء الذي اشرنا إليه يتمثل بقوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكمْ عَلَيْكمْ﴾(4)
وقد أشار الطبرسي في مجمع البيان إلى هذا النداء ليجعله دعوة إلى التلاوة والتفكر فهو يتناول الآية من بحثها اللغوي ليجعل من كلمة﴿تَعَالَوْاْ﴾ دليلاً على أن ما يتلوه هو في منتهى
______________________________
(1). سورة الشورى: 13.
(2). سورة الانعام: 151.
(3). الميزان في تفسير القرآن، الطباطبائي، ج8، ص 24- 39.
(4). سورة الانعام: 151.
( 101 )
الرفعة والسمو من حيث الكمال الإنساني المطلوب من البشر في حياته الدنيا فيقول: (تعالوا مشتق من العلو على تقدير أن الداعي في المكان العالي وإن كان في مستوى من الأرض، كما يقال للإنسان: ارتفع إلى صدر المجلس، والتلاوة مثل القراءة، والمتلوّ مثل المقروء، والتلاوة غير المتلوّ كما أن الحكاية غير المحكيّ، فالمتلوّ والمحكي هو الكلام الأول والتلاوة والحكاية هي الثاني منه على طريق الإعادة(....(1)
ويوافقه في ذلك القرطبي في تفسيره إذ يقول: (قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ﴾ - أي: تقدّموا واقرأوا- هنا يقيناً كما أوحى إليّ ربي، لا ظناً ولا كذباً كما زعمتم، ثم بيّن ذلك فقال: ﴿ألا تشركوا به شيئاً﴾ يقال للرجل: تعال، أي تقدم، وللمرأة تعالي، وللاثنين والاثنتين تعاليا، ولجماعة الرجال تعالوا، ولجماعة النساء تعالين؛ قال الله تعالى: ﴿تعالين امتعكنَّ﴾ وجعلوا التقدّم ضرباً من التعالي والارتفاع؛ لأن المأمور بالتقدم في أصل وضع هذا الفعل كأنه كان قاعداً فقيل: له تعال، أي ارفع شخصك بالقيام، واتسعوا فيه حتى جعلوه للواقف والماشي).(2)
وأنت تلاحظ أنهما يتفقان في أن الدعوة إلى الخير والكمال هو ارتفاع من الأدنى إلى الأعلى بغض النظر عن ظرفية المكان، أي ولو كان الداعي والمدعو كلاهما في مستوى واحد من المكان إلا أن الدعوة إلى الصلاح من شأنها أن ترفع المدعوّ إلى مستوى أعلى من الكمال والسمو الروحي والمعنوي، وتلك النواهي تشكل أساساً محكماً في المنظومة الأخلاقية الإسلامية وتأصيلاً للقيم التي نادت من أجلها جميع الديانات، كما أننا سنقرأ فيها الوصايا العشر التي جاءت بها الديانتين اليهودية والمسيحية كونهما تشريعان سماويان ينسجمان ومعطيات الأسس الأخلاقية الإسلامية.
إذن لا بد لنا من تنقيط هذه الوصايا العشر الإسلامية ضمن تصنيف موضوعي لها كونها تشمل ثلاث أنواع من التوصيات؛ فمنها ما ترتبط بالعقيدة الصحيحة والإيمان السليم من
______________________________
(1). مجمع البيان في تفسير القرآن، الطبرسي، ص258- 259.
(2). الجامع لاحكام القرآن، القرطبي, ج7,ص 227.
( 102 )
آفات الشرك والكفر، ومنها ما يرتبط بالسلوك البشري وخاصة في العلاقات الاجتماعية، ومنها ما هي وصايا روحية ترتبط بقرارات مصيرية يتخذها الإنسان في صقع وجوده وتتجلّى في فسحة روحه وتظهر في جميع تصوراته وأنماط حياته، فنبدأ أولاً بالوصية الأولى وهي تشكل الحجر الأساس في نظام الوصايا الإلهية؛ لأنها تنهى عن الشرك بوصفه فساداً في العقيدة ينتشر كالوباء في الروح والجسد ويفسد الحياة بأكملها وثم الوصايا السلوكية التي ترتبط بأفعال الإنسان ونعرج أخيراً إلى الوصايا الروحية التي تمثل تلخيصاً لكل ما سبقها من وصايا عقدية وسلوكية.
( 103 )
إن تحديد الوصايا بعشر ليست واردة في القرآن والسنّة، وإن من يتتبع الوصايا الواردة في القرآن يدرك أنها تربو على هذا بكثير، ولقد اشتهر خطأ لدى بعض الكتاب أن الوصايا العشر القرآنية هي الواردة ضمن آيات سورة الأنعام بدءً من قول الله عز وجل: ﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكمْ عَلَيْكمْ﴾ على أساس أن في هذه الآيات عشر مسائل، وننوّه هنا إلى أنَّ القاسم المشترك بين الوصايا العشر في الكتاب المقدس وبين ما جاء في هذه الآيات لا يتعدى نسبة خمسة من عشر، وهي الواردة في الآية التي ذكرنا بدايتها آنفاً، ومن يقرأ سورة الإسراء يرى فيها وصايا كثيرة فضلا عنالرئيس ما جاء في سورة الانعام بقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً * وَلاَ تَمْشِ فِي الأرض مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأرض وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً﴾(1) وغير ذلك كثيراً في القرآن الكريم.
وموقفنا هنا هو المقارنة بين ما جاء في الكتاب المقدس وبما جاء في القرآن الكريم فنقول: لقد افتتحت آية سورة الأنعام الكريمة بأول المناهي وأهمها وهي الشرك بالله، قال الطبرسي في تفسير مجمع البيان: (لما حكى سبحانه عنهم تحريم ما حرّموه عقبه بذكر المحرّمات فقال سبحانه: ﴿قل 'يا محمد لهؤلاء المشركين' تعالوا' أي أقبلوا وادنوا' أتلُ 'أي: أقرأ 'ما حرّم ربكم عليكم' أي منعكم عنه بالنهي ثم بدأ بالتوحيد فقال: أن لا تشركوا به شيئاً' أي: آمركم أن لا تشركوا(.(2)
والتوحيد هو المدخل إلى الإيمان وهو الطاعة والإذعان لله تعالى، وإلقاء كل شرك ظاهر، كعبادة الأوثان، وشرك خفي كالرياء - كما سنتعرّض إلى مراتب الشرك لاحقاً - حيث حرصت الشريعة الإسلامية إلى تحقيق العلاقة بين العبد وبين خالقه وذلك من خلال تعميق
______________________________
(1). سورة الاسراء: 36- 37.
(2). مجمع البيان, الطبرسي, ج4, 259.
( 104 )
الرؤية الإيمانية التي تنفتح على عوالم العبودية لله تعالى كلما تأكدت العبودية ازدادت حالة التحرر الإنساني في أعماق النفس وتحررت من قيود التبعية للغير وهذا منحى عظيم التزمه الإسلام في تحقيق الحرية الحقيقية من خلال الخضوع الكامل والتام لله تعالى، فالعبودية بمعناها العام هو الخضوع لجهة واحدة بيدها مقاليد الأمور ولديها الخير والأمر من بعدُ ومن قبلُ، وهي المهيمنة على كل الحقائق كبيرها وصغيرها، خيرها وشرها فاذا ترسّخ هذا الاعتقاد لدى الإنسان تحرّر من هيمنة الغير، وترّفع عن الخضوع لكل أحد وتعالى على كل قضية من شأنها أن تقطع هذه العلاقة مع السماء، مع الخير، أي مع القوة الحقيقية وهي الله تعالى.
إذن فالإيمان بحقيقته تحرّر عن قيود الاذعان للغير مهما تعاظمت قوته وتفاقمت قدراته، والإيمان يعطي الحصانة التامة عن التبعية بجميع أنواعها سواء الفردية كانت - على مستوى الفرد الواحد - أو الجماعية كذلك - على مستوى الجماعة أو المجتمع أو الدولة - فالإيمان يخلق التحرّر الجماعي فضلاً عن الفردي، أي تعميق الشعور الجمعي بأن العزة لله دون غيرها يخلق مجتمعاً عزيزاً متحرراً من أية هيمنة لقوى أخرى.
فإن أعظم ما عصي به الله منذ بدء الخليقة إلى يومنا هذا الشرك به سبحانه، حتى وصف الله هذا الذنب بالظلم العظيم، فقال تعالى: ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾(1)، وما ذلك إلا لما فيه من الجناية العظيمة في حق الخالق جلَّ جلاله. فالله هو الذي خلق، وهو الذي رزق، وهو الذي يحيي، وهو الذي يميت، ومع كل هذه النعم وهذه المنن، فالمشرك يجحد ذلك وينكره، بل ويصرف عبادته وتعظيمه لغير الله سبحانه، ولذلك كانت عقوبة المشرك أقسى العقوبات وأشدها، وهي الخلود في النار؛ قال تعالى في بيان ذلك: ﴿إنّه من يشرك بالله فقد حرّم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار﴾(2)، وكل ذنب مات العبد من غير أن يتوب منه حال الحياة فإمكان العفو والمغفرة فيه يوم القيامة واردٌ إلّا الشرك والكفر، فإن
______________________________
(1). سورة لقمان: 13.
(2). سورة المائدة: 72.
( 105 )
الله قد قطع رجاء صاحبه في المغفرة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾.(1)
ومن استقصى تفاسير القرآن يجد أنّ المفسّرين لم يبذلوا جهدهم في بيان الشرك المقصود في الآية والظاهر أنّ سبب الإعراض عن بيان هذا الأمر هو لارتكاز معنى الشرك عند الكثير واستيفاء البحث عنه في علم الكلام حسب رأيهم، فيجد المفسر نفسه مضطراً أن يغادر أول المحرمات وهي الشرك ليعطف عنان بحثه على المناهي الأخرى؛ إلّا أنّه لا بد من التوقف ولو قليلاً في هذا البحث الشائك الذي أربك الكثير من المسلمين واوقعهم في تناحرات فكرية بسبب الإفراط أو التفريط في فهمه مما أوقع البعض في مراتب من الشرك من جهة وأوقع الآخر في تعصبات مذهبية بل وسياسية في كثير من الاحيان تسبب منها ادراج الكثير من الاعتقادات في مجال الشرك واتهام الكثير بمسألة الشرك دون ترو ولا عناية؛ فمثلاً أدخلت الشفاعة في مسألة الشرك، وعدّ التبرك بالقبور شركاً، وجعلت الاستغاثة بالصالحين مصداقاً للشرك، والاحتفالات بذكرى الصالحين ممارسات شركية، والحلف بغير الله شرك، وهكذا يتفاقم مفهوم الشرك من لدى هؤلاء دون وعي وتثبت؛ إلّا أنّنا لا بد أن نقف عند معنى الشرك ونعرّفه تعريفاً يكفل قراءة واعية وموضوعية لهذا المعنى لنجنّب أنفسنا من مطبات فكرية كثيرة.
يقول التهانوي في تعريف الشرك بأن: (معناه الإشراك والاعتقاد بشريك للرب الذي لا شريك له وهو على أربعة أنحاء: في الألوهية وفي وجوب الوجود وفي التدبير وفي العبادة... اعلم أنهم اختلفوا في أنّ لفظ المشرك يتناول الكفار من أهل الكتاب، فانكر بعضهم وقال: اسم المشرك لا يتناول إلّا عبدة الأوثان لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾(2)، فالله تعالى عطف المشركين على أهل الكتاب والعطف يقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه، والأكثرون من العلماء على أن المشرك يتناول الكفار من أهل الكتاب... وينبغي أن يعلم
______________________________
(1). سورة النساء: 48.
(2). سورة البينة: 6.
( 106 )
بأن عبادة غير الله تعدّ شركاً وكفراً فكذلك اطاعة غيره سبحانه على وجه الاستقلال كفر. وهذا يعني أنه لا يعدّ ذلك الغير مبلّغاً لحكم الله فيطيعه ويرى اتباعه لازماً ومع معرفته بان حكم الغير مخالف لحكم الإلهي).(1)
إذن العنصر الرئيس في تحقق الشرك هو الاعتقاد بالاستقلالية وهذا من الصعب والنادر جداً تحقّقه في فرق ومذاهب المسلمين. فإن الشرك معناه أنّ الإنسان يرى في الوجود مؤثراً مستقلاً غير الله سبحانه، فان عُبِد هذا الغيرُ - سواء كان صنماً أو كوكباً، أو إنساناً أو شيطاناً - كان شرك عبادة، ويسمى بالشرك الجلي، وإن لم يعبده في الحقيقة والواقع، ولكن لاعتقاد الإنسان إن هذا الغيركونه منشأ أثر، أطاعه فيما لا يرضى الله كان شرك طاعة، ويسمى بالشرك الخفي، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾(2)، وكون الشرك أعظم الكبائر الموبقة وموجباً لخلود النار مما لا ريب فيه وقد انعقد إجماع الامة والآيات والاخبار الواردة به خارجة عن حدّ الإحصاء.(3)
هذا هو الرأي السائد بين علماء المسلمين في بيان الشرك، وهو ما اصطلحوا عليه بالشرك الأكبر المخرج من الملة، وهو على أنواع:
1-الشرك في الربوبية وهو: اعتقاد أن ثمة متصرفا في الكون بالخلق والتدبير مع الله سبحانه. وهذا الشرك ادعاه فرعون لنفسه: ﴿فَقال أنا ربّكم الأعلى﴾.(4)
2-الشرك في الألوهية وهو: صرف العبادة لغير الله، كمن يتقرب بعبادته للأصنام والأوثان ونحوها بدعوى أنها ذات اثر مستقل في الخلق أو انها تقرِّب من الله دون برهان وسلطان؛ لأنه وحده هو المستحق لجميع أنواع العبادة من الخوف والرجاء والحب والصلاة والزكاة وغيرها من العبادات القلبية والبدنية، فقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ
______________________________
(1). كشاف إصطلاحات الفنون، التهانوي, ج1، ص1020- 1025.
(2). سورة يوسف: 106.
(3). جامع السعادات، محمد مهدي النراقي, ج3، ص107 ؛ وراجع ايضا: اليواقيت والجواهر، عبدالوهاب الشعراني الحنفي, ص 258.
(4). سورة النازعات: 24.
( 107 )
وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أول الْمُسْلِمِينَ﴾(1)، واما اذا أمرنا الله نفسه بالمحبة أو الولاء لغيره فهذا أيضاً يعتبر مصداقاً للتعبد لله؛ لأنّ محبتنا وولاءنا له ليس استقلالياً، بل امتثالاً لأمره تبارك وتعالى فانه قال: ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾.(2)
3-الشرك في الاسماء والصفات وهو: اعتقاد أن ثمة مخلوقا متصفا بصفات الله عزّ وجلّ كاتصاف الله بها، كمن يعتقد أن بشراً يعلم من الغيب مثل علم الله عز وجلَّ أو أن أحداً من الخلق أُوتي من القدرة بحيث لا يستعصي عليه شيء؛ ولكن من الواضح أنه تبارك وتعالى بإمكانه أن يهيّئ لبعض عباده المقربين علوماً غيبية لم يعرفها الآخرون مثل ما فعله للأنبياء وما نقلته كتب السيرة عن حياة نبينا الأعظم في هذا الباب اكثر مما يعدّ ويحصى.(3)
وقد جمع النبي كل هذه الأنواع في جملة واحدة من جوامع الكلم حين سئل عن الشرك بالله فقال: "أن تجعل لله ندّاً وهو خلقك"(4)، والندّ هو المثيل والنظير(5)، فكل من أشرك بالله سواء في الربوبية أو الألوهية أو الاسماء والصفات فقد جعل له ندّاً ومثيلاً ونظيراً.
هذه هي أنواع الشرك الأكبر، ولعلنا نتسع في دائرة التعريف اذا وقفنا على بعض الروايات التي تكفلت هذا المعنى حتى تعدّته إلى معانٍ أكثر شمولية وسعة وهو ما اصطلحوا عليه بالشرك الأصغر، فهو وإن لم يكن مخرجاً من الملة إلّا أن صاحبه قد أرتكب ذنباً عظيماً، وإذا لقى العبد ربه به من غير توبة منه في حال الحياة، كان تحت المشيئة إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذّبه ثم أدخله الجنة، ومن أمثلة الشرك الأصغر الحلف بغير الله من غير أن يعتقد الحالف أن منزلة المحلوف به كمنزلة الله عز وجل في الإجلال والتعظيم، فإن من اعتقد ذلك كان حلفه كفراً أكبر مخرجاً من الملة، ومن أمثلته أيضاً قول القائل: ما شاء الله وشئت،
______________________________
(1). سورة الأنعام: 162- 163.
(2). سورة الشورى: 23.
(3). راجع إنموذجا: أعلام النبوة، أبو الحسن الماوردي، الباب الثاني عشر في إنذاره بما يستحدث بعده.
(4). صحيح البخاري، ج5، ص148؛ جامع احاديث الشيعة، البروجردي, ج20، ص334.
(5). مفردات غريب القرآن، راغب الإصفهاني, ص486.
( 108 )
ولذلك أمرهم النبي: إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: وربّ الكعبة، ويقول أحدهم: ما شاء الله ثم شئت.(1)
وللشرك مراتب تشكيكية وهناك بعض مراتبه الخفية التي قد لا تسبب معصية للبعض غير القادر على فهمه والابتعاد عنه وهي خاصة بالمقربين، ففي نهج البلاغة يتحدث الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع) عن التوحيد الذي هو ضد الشرك، وتعريف التوحيد سيفتح لنا آفاق المعرفة في تعريف الشرك بشكله الأوسع فقال: "أول الدين معرفته، وكمال معرفته التصديق به، وكمال التصديق به توحيده، وكمال توحيده الاخلاص له وكمال الاخلاص له نفي الصفات عنه، لشهادة كل صفة انها غير الموصوف، وشهادة كل موصوف انه غير الصفة، فمن وصف الله سبحانه فقد قرنه، ومن قرنه فقد ثنّاه، ومن ثنّاه فقد جزّأه، ومن جزّأه فقد جهله، ومن جهله فقد اشار إليه، ومن أشار إليه فقد حدّه، ومن حدّه فقد عدّه ومن قال "فيم" فقد ضمّنه، ومن قال: علام؟ فقد اخلى منه، كائن لا عن حدث، موجود لا عن عدم"(2)، وقال(عليه السلام): "وأشهد ان لا إله الا الله وحده لا شريك له، شهادة ممتحناً اخلاصها، معتقداً مصاصها"(3)
وكذلك قوله في وصيته (ع) لإبنه الإمام الحسن(ع): "واعلم يا بني انه لو كان لربك شريك لأتتك رسله، ولرأيت آثار ملكه وسلطانه، ولعرفت أفعاله وصفاته، ولكنه إله واحد كما وصف نفسه، لا يضاده في ملكه أحد، ولا يزول أبداً ولم يزل، أول قبل الأشياء بلا أولية، وآخر بعد الأشياء بلا نهاية.(4)
إن معرفة الشرك تتضح بمعرفة النقيض وهو التوحيد، لذا فإننا نجد الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) أكّد التوحيد لينفي من خلاله الشرك أي اثبات النقيض ليرتفع الآخر وهو جهد عرف
______________________________
(1). سنن النسائي، ج7، ص6.
(2). نهج البلاغة للامام علي(ع) الخطبة الاولى.
(3). مصاص كل شيء خالصه، والحديث عن نهج البلاغة للإمام علي(ع) الخطبة الثانية.
(4). نهج البلاغة للامام علي(ع) الخطبة 31.
( 109 )
بها الإمام علي في توجيهاته وخطبه التوحيدية وقد أغنى الفكر الإسلامي بهذه المنهجية التوحيدية التي أثـّرت على الثقافة الإسلامية بكل توجهاتها، على أننا لا نغفل عن حقيقة الشرك بمراتبه الظاهرية منها والباطنية فيها، فالشرك الظاهر - كما لـمّحنا عنه - هو جعل شريك مع الله سواء كان بشراً ام حيواناً لما يفعله بعض الاقوام أو مخلوقات أخرى كالنجوم والشمس وغيرها وكل ذلك ظاهراً لا يخفى، اما الشرك الخفي فهو كل ما من شأنه ان يكون سبباً في اشراك الغير مع الله تعالى، لذا فان أدني مراتب الشرك هو الرياء كما ورد عن الإمام الباقر(عليه السلام): "أدنى الشرك الرياء"(1)؛ لأنّ العبادة لا تكون إلّا لله وحده خالصة دون شائبة في حين سيكون الرياء عاملاً مهماً في تشريك الغير مع الله فلا يكون عمله خالصاً ولا عبادته محضة، بل تكون نية الفرد مشتركة في عبادته بين الله وبين غيره الذي يرائي الإنسان في عبادته إليه.
______________________________
(1). التبيان في تفسير القرآن، الطوسي, ج4, ص 315.
( 110 )
وبعد الوصية العقدية الوحيدة التي تشكّل الحجر الأساس للوصايا الأخرى، تبدأ الوصايا الأخلاقية المتعلّقة بسلوك الإنسان، وهي سبعة وصايا تشمل القول والفعل:
قد تعرّضنا لإعراب صدر الآية الوارد فيه النهي والذي يتعلّق به النواهي الباقية وعليه يتضح أن قوله تعالى: ﴿وبالوالدين إحساناً﴾ أي: ينهاكم عن معصيتهما ويأمركم بالإحسان إليهما، وأشار القرطبي إلى ذلك بقوله: (و الإحسان إلى الوالدين برّهما وحفظهما وصيانتهما وامتثال امرهما وازالة الرق عنهما وترك السلطنة عليهما و﴿احساناً﴾ نصب على المصدر، وناصبه فعل مضمر من لفظه، تقديره واحسنوا بالوالدين إحساناً).(1)
والجدير ذكره هنا أنّ الإحسان للوالدين لم يقتصر على الشريعة الإسلامية، بل كان ذلك عهداً معهوداً لبني إسرائيل كما شهد على ذلك القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾(2)، فالتشديد على بر الوالدين هي شريعة سماوية لا تختص بدين سماوي دون غيره وقد أكّدها القرآن بآيات عدة منها قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّك أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَك الْكبَرَ أَحَدُهُمَا أو كلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وقُل لَّهُمَا قَوْلاً كرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾.(3)
والملاحظ هنا التشديد على برّ الوالدين وإكرامهما وعدم التجاوز عليهما بقول أو فعل، بل يصل الأمر إلى عدم القول لهما بما يغضبهما حتى على مستوى التضجّر منهما والمتمثل
______________________________
(1). الجامع لاحكام القرآن، القرطبي، ج7, ص132.
(2). سورة البقرة: 83.
(3). سورة الاسراء: 23-24.
( 111 )
بكلمة (اف) وهو ادنى مراتب الإغضاب لهما فكيف بما فوقها، أي أنّ الإسلام نجح في تحديد مراتب الإيذاء، فنهى عن أقلهما وأكثرهما بالأولوية منهيّ عنه وهو الشتم والضرب وما فوقهما من المراتب، في حين تجد أن المحرمات العشر في الديانتين اليهودية والنصرانية تضمنت الأمر بشكل عام بإكرام الوالدين دون تحديد المراتب.
وفي السنّة والسيرة النبوية أقوال وأفعال كثيرة تشدّد على إكرام الوالدين وتبين دائرته الواسعة، فقد ورد عن النبي(صل الله عليه واله وسلم) قال: "رضا الله في رضا الوالدين وسخطه في سخطهما"(1)، وروي عنه (صل الله عليه واله وسلم): "يفعل البار ما يشاء ان يفعل فلن يدخل النار، ويفعل العاق ما يشاء ان يفعل فلن يدخل الجنة"(2) وعن سعيد بن المسيّب: (إنّ البارّ لا يموت ميتة سوء).(3)
وقال رجل لرسول الله (صل الله عليه واله وسلم): إنّ أبويّ بلغا من الكبر أنّي ألي منهما ما وليا مني في الصغر، فهل قضيتهما؟ قال: "لا، فانهما كانا يفعلان ذلك وهما يحبان بقاءك وانت تفعل ذلك وانت تريد موتهما."(4)
وشكا رجل إلى الرسول (صل الله عليه واله وسلم) أباه وأنّه يأخذ منه ماله، فدعا به فاذا شيخ كبير يتوكأ على عصاه فسأله فقال: إنه كان ضعيفاً وأنا قوي، وفقيراً وأنا غني، فكنت لا امنعه شيئاً من مالي، واليوم أنا ضعيف وهو قوي، وأنا فقير وهو غني، ويبخل علي بماله؛ فبكى رسول الله (صل الله عليه واله وسلم)وقال: "ما من حجر ولا مدر يسمع هذا إلّا بكى"، ثم قال (صل الله عليه واله وسلم) للولد: "انت ومالك لأبيك، انت ومالك لأبيك."(5)
______________________________
(1). الجامع الصغير، جلال الدين السيوطي، ج2، ص15.
(2). مجمع البيان، الطبرسي, ج6، ص409؛ تفسير ابي السعود، ج5، ص167.
(3). الفردوس بمأثور الخطاب، ابوشجاع الديلمي، ج2، ص33، ح2207.
(4). تخريج الاحاديث والآثار، الزيلعي، ج2، ص265؛ تفسير الثعلبي، ج6، ص93.
(5). تخريج الاحاديث والآثار، الزيلعي، ج2، ص266.
( 112 )
وعن النبي (صل الله عليه واله وسلم) قال: "إياكم وعقوق الوالدين، فان الجنة توجد ريحها من مسيرة ألف عام ولا يجد ريحها عاق ولا قاطع رحم ولا شيخ زان، ولا جار ازاره خيلاء، ان الكبرياء لله رب العالمين."(1)
وعن حذيفة أنه استأذن النبي في قتل أبيه وهو في صف المشركين، فقال: "دعه يليه غيرك"(2). وسئل بعضهم فقال: أن لا ترفع صوتك عليهما، ولا تنظر شزراً إليهما، ولا يريا مخالفة في ظاهر ولا باطن وأن تترحم عليهما ما عاشا وتدعو لهما إذا ماتا وتقوم بخدمة أودّائهما من بعدهما، فعن النبي (صل الله عليه واله وسلم): "إن من أبرّ البرّ أن يصل الرجل أهل ودّ أبيه"(3)
وقد بيّنت الآيات والروايات، أدنى مراتب الإحسان والإساءة إليهما؛ وما بينهما يجد الباحث مساحة واسعة من الحقوق التي يجب أداءها ومن المحرمات والعقوق التي يجب تجنبها. ولأهمية هذا الأمر فإن أئمة المسلمين أكّدوا ضرورة التزام الحدود المقررة في التعامل مع الوالدين ولا يمكن حصرها وحدها بل هو أمر يتعلّق بإمكانية المكلف في التعاطي مع الوالدين.
روى محمد بن مروان عن أبي عبد الله الصادق(عليه السلام) انه قال: إنّ رجلاً أتى النبي(صل الله عليه واله وسلم)فقال: يا رسول الله اوصني فقال: "لا تشرك بالله شيئاً وان حرقت بالنار وعذبت إلّا وقلبك مطمئن بالإيمان، ووالديك فأطعهما وبرّهما حيين كانا أو ميتين، وان أمراك ان تخرج من اهلك ومالك فافعل، فان ذلك من الإيمان."(4)
وعن الإمام موسى الكاظم(عليه السلام) قال: "سأل رجل رسول الله: ما حق الوالد على ولده؟ قال: لا يسميه باسمه، ولا يمشي بين يديه ولا يجلس قبله"(5).
______________________________
(1). تفسير النسفي، ج2، ص284؛ جامع احاديث الشيعة، البروجردي, ج13، ص448.
(2). السيرة الحلبية، ج2، ص529.
(3). صحيح مسلم، ج8، ص7؛ الكشاف، الزمخشري, ج 2, ص 617.
(4). الكافي, الكليني, ج 2, ص 127, ح7.
(5). وسائل الشيعة، الحر العاملي، ج21، ص505.
( 113 )
ولم يتوقف البرّ في حياة الأبوين بل يتعدى إلى ما بعد موتهما فان باب البر مفتوح حتى بعد حياتهما، قال الإمام جعفر الصادق(ع): "ما يمنع الرجل منكم ان يبر والديه حيين وميتين يصلي عنهما ويتصدق عنهما ويحجّ عنهما ويصوم عنهما، فيكون الذي صنع لهما، وله مثل ذلك، فيزيده الله عز وجل ببرّه ووصلته خيرًا كثيراً."(1)
وقد شدّد أئمة أهل البيت (عليهم السلام) على برّ الوالدين حتى أنهم لم يرخصا في عقوق الفاجرين منهما فإنّ حقوقهما على الولد لم تسقط بل تبقى محفوظة، وأيّ دين يحفظ حقوق الآخرين وإن اختلف معه في فكره ومبادئه؟
وعن الإمام الباقر(ع) قال: "ثلاث لم يجعل الله عز وجل لاحد فيهن رخصة: أداء الامانة إلى البر والفاجر، والوفاء بالعهد للبر والفاجر، وبر الوالدين برين كانا أو فاجرين."(2)
وفي حديثه يذكر الإمام الصادق(ع) الحقوق المتبادلة بين الولد وابيه فيقول: "ويجب للوالدين على الولد ثلاثة اشياء: شكرهما على كل حال، وطاعتهما فيما يأمرانه وينهيانه عنه في غير معصية الله، ونصيحتهما في السر والعلانية".(3)
من المناهي التي نهى الله تعالى عباده عنها هو قتل الأولاد، وقد كان هذا كالسنّة الجارية بين العرب في الجاهلية لتسرع الجدب والقحط إلى بلادهم فكان الرجل اذا هدّده الافلاس بادر إلى قتل اولاده تأنّفاً من أن يراهم على ذلة العدم والجوع.(4)
وقال القرطبي في تفسير الآية: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾(5)(الإملاق، الفقر أي: لا تئدوا بناتكم خشية العيلة، فاني رازقكم
______________________________
(1). الكافي، الكليني، ج2، ص159.
(2). ينابيع الحكمة, محسن عقيل, ج3, ص389.
(3). بحار الانوار، العلامة المجلسي, ج 78, ص 236.
(4). الميزان في تفسير القرآن، الطباطبائي, ج7, ص397.
(5). سورة الاسراء: 31.
( 114 )
واياهم، وقد كان منهم من يفعل ذلك بالإناث والذكور خشية الفقر كما ظاهر الآية)(1)، ثم يستدل على ذلك بحكم فقهي وهو جواز العزل أو عدمه فقال: وقد يستدل بهذا من يمنع العزل؛ لأن الوأد يرفع الموجود والنسل؛ والعزل منع أصل النسل فتشابها؛ إلا ان قتل النفس أعظم وزراً وأقبح فعلاً ولذلك قال بعض علمائنا، إنه يفهم من قوله في العزل ذلك الوأد الخفي الكراهة لا التحريم.
إلّا أنّ الظاهر النهي عن قتل الولد بعد ولادته فهو مخلوق يصح إطلاق الفعل عليه وهو القتل أما العزل فلم يكن هناك ما يبرر إطلاق القتل على غير المخلوق؛ لذا فلا نجد هناك مناسبة بين قتل الأولاد والعزل فالموضوع يختلف فلا مناسبة بين الحكم والموضوع، وقد أشرنا إلى هذا الحكم كما اشار إليه القرطبي من باب التوسعة في فائدة البحث.
قال الطوسي في التبيان: (وقوله: ﴿ولا تقتلوا اولادكم من إملاق﴾ عطف بالنهي على الخبر؛ لأن قوله: ﴿ولا تقتلوا﴾ نهي، وقوله: اوصى ﴿ألّا تشركوا به شيئاً﴾، واوصى ﴿بالوالدين إحساناً﴾ خبر، وجاز ذلك كما جاز في قوله: ﴿قل إني أمرت ان اكون أول من أسلم ولا تكونن من المشركين﴾ والإملاق، الافلاس من المال والزاد يقال: املق املاقاً ومنه الملق؛ لأنه اجتهاد في تقرّب المفلس للطمع في العطية).(2)
ويبدو أن ذكر النهي عن قتل الأولاد بعد النهي عن عدم عقوق الوالدين لمناسبة الحقوق المتبادلة بين الفريقين، فكما هو التأكيد على تكريم الآباء والإحسان إليهم، فان حقوق الأولاد لا بد أن تكون محفوظة وأنّ وجودهم مصان فلا يتعرضون إلى القتل بسبب الخوف من الفقر، فإنّ رزقهم موكول إلى الله تعالى فهو كافلهم كما هو سبحانه كافل آبائهم بأرزاقهم، وهذه الثقافة أكّدها الإسلام ليلغي ما كان يتحمله الآباء من وزر قتل اولادهم بغير حق.
وفي رسالة الحقوق للإمام زين العابدين علي بن الحسين يقول: "واما حق ولدك، فتعلم أنّه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره، وأنّك مسؤول عما وليته من حسن
______________________________
(1). الجامع لاحكام القرآن، القرطبي, ج7, ص132.
(2). التبيان في تفسير القرآن، الطوسي، ج4، ص315.
( 115 )
الادب، والدلالة على ربه والمعونة له على طاعته فيك وفي نفسه، فمثاب على ذلك ومعاقب، فاعمل في امره عمل المزين بحسن أثره عليه في عاجل الدنيا، المعذر إلى ربه فيما بينك وبينه بحسن القيام عليه، والاخذ له منه، ولا قوة إلّا بالله."(1)
النهي الثالث هو الاقتراب إلى الفواحش، ومعنى الاقتراب معاطاتها وممارستها، والفواحش جمع فاحشة وهي الأمر الشنيع المستقبح(2)، وقد عدّ الله منها في كلامه الزنا واللواط وقذف المحصنات، والظاهر أنّ المراد مما ظهر ومما بطن، العلانية والسر، كالزنا العلني واتخاذ الأخدان والأخلّاء سراً.(3)
وقد جاء النهي عن الفاحشة بعد قتل الأولاد لمناسبتها على ما يظهر؛ لأن الأمرين إخلال بالأمر العام وشيوع الاضطراب؛ إذ من ملازمات الانفلات الأمني هو القتل والزنا أي أنّ الاعتداء على النفوس والاعتداء على الأعراض هو نتائج الأزمة الأمنية لأي مجتمع لذا جاء النهي عن الفاحشة بعد النهي عن القتل.
ولم يحدّد المفسرون الفواحش المنهيّ عنها بل جعلوا كل القبائح في عداد المنهيّ عنه، أي كل ما يستنتج من عمل إلّا أنّها تنصرف إلى نوعين وهي الظاهرة منها والباطنة أي العلنية والسرية.
وهنا لا بدّ أن نتوقف عند قول الطوسي في تفسيره للآية اذ اوضح استعمالاتها اللغوية فضلاً عن تفسير الآية مستنداً إلى الأقوال الواردة فيها فقال: (وقوله: ﴿ولا تقربوا الفواحش﴾ نهي عن الفواحش وهي القبائح وقيل: الفاحش، القبيح العظيم، قال الرماني: ويدخل في الآية النهي عن الصغير؛ لأن قرب الفاحش عمل الصغير من القبيح.
______________________________
(1). بحار الأنوار، للعلامة المجلسي, ج71, ص15.
(2). مفردات غريب القرآن، الراغب الاصفهاني، ص374.
(3). الميزان في تفسير القرآن، الطباطبائي, ج7, ص397.
( 116 )
وقوله: ﴿ما ظهر منها وما بطن﴾ قيل في معناه قولان:
أحدهما: عن ابن عباس والضحاك والسدي: كانوا لا يرون بالزنا بأساً سراً، ويمنعون منه علانية، فنهى الله عنه في الحالتين.
الثاني: لئلا يظن ويتوهم ان الاستبطان جائز، وقال ابو جعفر الباقر: "ما ظهر هو الزنا، وما بطن المخالة" أي: المصادقة، وقيل: معناه ما علن وما خفي يعني من جميع انواع الفواحش وهو أعم فائدة).(1)
ووافقه على ذلك الفخر الرازي في تفسيره الكبير بقوله: (﴿ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن﴾ قال ابن عباس: كانوا يكرهون الزنا علانية ويفعلون ذلك سراً، فنهاهم الله عن الزنا علانية وسراً، والأولى ان لا يخصص هذا النهي بنوع معين، بل يجري على عمومه في جميع الفواحش ظاهرها وباطنها لأن اللفظ عام والمعنى الموجب لهذا النهي وهو كونه فاحشة عام أيضاً ومع عموم اللفظ والمعنى يكون التخصيص على خلاف الدليل؛ وفي قوله: ﴿ما ظهر منها وما بطن﴾ دقيقة وهي: إنّ الإنسان اذا احترز عن المعصية في الظاهر ولم يحترز منها في الباطن دل ذلك على أن احترازه عنها ليس لأجل عبودية الله وطاعته، ولكن لأجل الخوف من مذمة الناس، وذلك باطل؛ لأن من كان مذمة الناس عنده أعظم وقعاً من عقاب الله ونحوه فإنّه يخشى عليه من الكفر، ومن ترك المعصية ظاهراً وباطناً، دلّ ذلك على أنه إنما تركها تعظيماً لأمر الله تعالى وخوفاً من عذابه ورغبة في عبوديته).(2)
ومن روائع التعليلات في هذه الآية ما روي عن جعفر بن محمد الصادق عليه السلام قوله: "إن الله تبارك وتعالى غيور يحب كل غيور، ولغيرته حرم الفواحش ظاهرها وباطنها"(3)؛
______________________________
(1). التبيان في تفسير القرآن، الطوسي, ج4, ص315.
(2). التفسير الكبير، الفخر الرازي, ج5, ص178.
(3). تفسير نور الثقلين, الحويزي, ج2, ص412.
( 117 )
فالامتناع عن ممارسة الفاحشة يضمن للفرد خلقاً قويماً، وللمجتمع استقراراً تأنس من خلاله النفوس، وتعمل فيها الطهارة في القلوب، وتستوجب من خلالها الالفة والعيش الكريم.(1)
إنّ أهم ما يهدد المجتمع هو الفشل في احترام الإنسان بكيانه وشخصيته المتمثل بمشاعره الكريمة، أما إذا امتهن الإنسان بممارسات غير إنسانية كالاعتداء عليه وإلغاء كرامته بإباحته الجنسية فيعني أنّ إنسانيته لم تكتمل بعد وأنّه عرضة للامتهانات التي يرتكبها الآخرون، والرغبة الجنسية بجموحها لابد ان تذعن للانقياد والترويض وان تأخذ سبل السلوك الإنساني الرشيد نتيجة الالتزام الديني الذي يمثل الخلق القويم. وقد شدّد الخطاب القرآني في لهجته في الانكار على الممارسة الجنسية غير الشرعية فلم يكتف بما تقدم من النهي في الآية الكريمة بل عزّزها بآيات أخرى تنهى عن الفاحشة وتأمر بالتقوى على أن الخطاب القرآني لم يكتف بالنهي العمومي الذي ورد في الآية الكريمة بل خصص النهي كذلك بالنساء كونهن المعنيات بهذا الأمر وأنهن الغاية في هذا العمل فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ على أن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾(2) فالآية تأكيد لما قدمنا من المناهي الواردة في سورة الانعام والتي تؤكد على احترام حدود الله وعدم التعدي عليها. ولا يفوتنا أن نؤكد ما اوصى به النبي (صلى عليه واله) وأهل بيته من ضرورة الابتعاد عن الزنا الذي هو اظهر مصاديق الفاحشة وأشدّها.
ولم يكتف الائمة بتبيين الآثار التكليفية للزنا وهو الحرمة وحدها، بل بيّنوا الآثار الوضعية الدنيوية لهذه الفاحشة. فعن أبي جعفر الباقر قال: "وجدنا في كتاب رسول الله: إذا ظهر الزنا من بعدي كثر الموت الفجأة."(3)
______________________________
(1). راجع: علل الشرائع، الصدوق، ج1، ص123.
(2). سورة الممتحنة: 12.
(3). الكافي، الكليني، ج2، ص374.
( 118 )
فاستشراء الزنا في المجتمع ستنعكس نتائجه عليه وهي كثرة موت الفجأة الذي يهدد المجتمع ويأذن بفنائه، ولعل هذا أثر وضعي ناجم عن أمر غيبي أو كون الزنا يسبب امراضاً تؤدي إلى موت الفجأة.
وعن أبي عبد الله الصادق عن ابيه قال: "للزاني ست خصال: ثلاث في الدنيا وثلاث في الآخرة اما التي في الدنيا فيذهب بنور الوجه ويورث الفقر، ويعجّل الفناء، واما التي في الآخرة فسخط الربّ وسوء الحساب والخلود في النار."(1)
والمتأمل في حديث الإمام الرضا يجد الملازمة بين الزنا وقتل النفس، فالآيات الكريمة في سورة الانعام تؤكد على المحرمات العشر التي عدّتها وجاء ترتيب قتل النفس بعد الزنا لما هناك من ملازمات وترابط بين الموردين: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾(2)، وكأن الخطاب القرآني ملتفت إلى هذا التلازم بين الزنا وبين القتل، والذي أكد هذا التلازم الإمام علي بن موسى الرضا في جوابه لمسائل محمد بن سنان: "وحرّم الله الزنا لما فيه من الفساد من قتل النفس وذهاب الانساب، وترك التربية للأطفال وفساد المواريث وما اشبه ذلك من وجوه الفساد."(3)
ولابد أن نستذكر أنّ أئمة اهل البيت عليهم السلام أشاروا إلى امر مهم، وهو أن الاعتداء على الاعراض بالممارسات الفاحشة سيكون له اثره الوضعي على الممارس نفسه، فهو سيلاقي نفس المصير الذي اختاره لغيره حيث يرى سوء عمله وعاقبة اعتدائه على الاعراض التي يجب أن تصان لا أن تنتهك وتخزى، والظاهر أنّ هذه الممارسة الفاحشة في انتهاك الاعراض تؤول إلى سوء التربية واللامبالاة في تعزيز روح الثقة والحشمة لدى اسرته فتنخرط هذه الاسرة إلى المصير السيّء الذي ينتظرها بسبب سوء التربية وعدم العفة التي تسود علاقات هذه الاسرة فينتج منها الانحراف الأخلاقي الذي أجلى مصاديقه
______________________________
(1). الخصال، الصدوق, ج1, ص320.
(2). سورة الانعام: 151.
(3). وسائل الشيعة, الحر العاملي, ج20, ص 309, ح 125.
( 119 )
الزنا، وهذا ما يخبرنا به الإمام الصادق: "إنّ الله اوحى إلى موسى(ع): لا تزنِوا فتزني نساؤكم ومن وطئ فراش امرئ مسلم وطئ فراشه، كما تدين تدان."(1)
ولابد أن نتمعن في هذا التوزيع الذي اشار إليه الإمام الصادق (ع)في شمولية الزنا لجميع الاعضاء فالممارسة لم تقتصر على عضو معين، بل بإمكان جميع الاعضاء أن تشترك في هذه الفاحشة المقيتة فالعين والفم واليدين وغيرها من الجوارح يمكن أن تساهم في هذا الفعل السيّء إذا لم يكن الإنسان ملتفتاً إلى مغبّة ما يرتكبه من عمل قبيح. فعن أبي جعفر الباقر وابي عبد الله الصادق: "ما من أحد إلّا وهو يصيب حظّا من الزنا، فزنا العينين النظر، وزنا الفم القبلة، وزنا اليدين اللمس، صدّق الفرج ذلك ام كذب"(2)، أي تحمس الفرج باللذّة ام لا، فهو يدخل في مصداق الزنا ومفاهيمه المتكاثرة.
إنّ الوصايا العشر تؤكد في جملتها الابتعاد عن هذه الفاحشة للنهوض بمجتمع مسؤول يرفض كل دواعي الهيمنة الغريزية ليحل العقل وتتحكم الفطرة في قراراته. فإنّ تفشّي هذه الظاهرة في مجتمعات تدعي الحضارة في غاية البلادة، اذ كيف تحافظ هذه المجتمعات على قانونية علاقاتها بعد أن تتسبّب في اباحاتها الجنسية ودوافعها غير المنضبطة. فالمجتمعات الاباحية متمرّدة على فطرتها فضلاً على تعاليمها الدينية اذ ما من مجتمع إلّا ولديه ميثاق ديني يدعوه إلى العمل للكمال وعدم الخضوع لشهوة النفس الغريزية الجامحة.
من الوصايا التي أكّدتها الآية الكريمة هي النهي عن قتل النفس، فالمجتمعات التي تصبوا إلى حياة سعيدة هانئة لابد أن يسود السلام وينبعث الوئام من العلاقات التي تحكم أفراده لئلا يتفشى الظلم وتنتهك القيم بالاعتداء على افراده وتزهق ارواح الابرياء دون موجب. إن الآية لا تشير إلى العلاقات الفردية وحدها بل لابد أن تحكم المجتمعات أنظمة تمارس الحرية الفردية والجماعية في علاقاتها. بمعنى آخر أنّ تثبيت أُسس الديمقراطية في المجتمع
______________________________
(1). ينابيع الحكمة، محسن عقيل, ج1, ص 330.
(2). المصدر السابق..
( 120 )
المحكوم ومن قبل الحاكم أمر ضروري لابد أن يستبقي الحاكم حيوية السلام والوئام بين الجميع فاذا خلت الامة من ذلك انتقصت قيمها واستأصلت شأفتها وذلك إذا عم الفساد واستشرى القتل فلا امن ولا أمان ولا تحابب ليكون مجتمع غاب تحكمه القوة وتملكه الغلبة.
وفي الآية تأكيد على بشاعة القتل، وقد ذكر الطبرسي في تفسيره: (إلّا ما استثني وهو تنفيذ الاوامر الإلهية في الجفاة الشرعيين الذين ينطبق عليهم قانون الموت الشرعي وهو القتل بسبب شرعي كالقود وغيره حيث أعاد ذكر القتل وإن كان داخلاً في الفواحش تفخيماً لشأنه وتعظيماً لأمره والنفس المحرّم قتلها هي نفس المسلم والمعاهد دون الحربي، والحق الذي يستباح به قتل النفس المحرم قتلها ثلاثة أشياء، القود والزنا بعد إحصان والكفر بعد ايمان).(1)
وقد قسّم القرطبي قتل الحق إلى أقسام وذكر منها ما يسبّب الفرقة في الامة حتى أنّ الأمر يصل إلى المدعي للخلافة فيقتل الذي يدعي الخلافة مقابل الخليفة الذي بويع له فقال كما رواه عن مسلم في صحيحه: "إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما".(2)
وفي تفسير الدرّ المنثور روى السيوطي عن سلمة بن قيس الاشجعي قال: قال رسول الله في حجة الوداع: (ألا إنما هي اربع: لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تقتلوا النفس التي حرّم الله إلّا بالحق، ولا تترفوا، ولا تسرقوا"، فما انا بأشح عليهن مني اذ سمعتهن من رسول الله).(3)
ولا تخصيص بالنفس المؤمنة كما هو عليه إطلاق الآية الكريمة، فالإطلاق يشمل النفس المؤمنة وغير المؤمنة اذ المراد من ذلك المنحى الإنساني الذي يؤكده القرآن الكريم؛ فلا علاقة للانتماء الديني بحفظ النفس، فالتعدي على النفوس - وإن كانت غير مؤمنة - أمر حذرت منه الآية الكريمة ونهى عنه القرآن الكريم، وأوصى بحفظ النفوس إلّا ما استثني
______________________________
(1). مجمع البيان في تفسير القرآن، الطبرسي, ج6, ص224.
(2). تفسير القرطبي, القرطبي، ج7, ص133.
(3). تفسير الدر المنثور، السيوطي, ج3, ص 24- 38.
( 121 )
منها كالقود وغيره أو المتعدية بغير حق من باب الدفاع عن النفس أمّا غير ذلك فلا يحق التجاوز عليها.
هذا أوضحه الآلوسي في تفسيره مؤكداً ضرورة ادخال النفس المسلمة منها والذمية عدا المحاربة فقال: (أي حرّم قتلها بأن عمها بالإسلام أو بالعهد فيخرج الحربي ويدخل الذمي، فما روي عن ابن جبير من كون المراد بالنفس المذكورة النفس المؤمنة ليس في محله﴿إلّا بالحق﴾ استثناء مفرغ من أعم الاحوال أي لا تقتلوها في حال من الاحوال إلّا حال ملابستكم بالحق الذي هو امر الشرع بقتلها، وذلك كما ورد في الخبر: بالكفر بعد الإيمان والزنا بعد الاحصان وقتل النفس المعصومة" أو من اعم الاسباب، أي لا تقتلوها قتلاً الا قتلاً كائناً بالحق وهو القتل بأحد المذكورات)(1)
اذن لم يقتصر النهي على قتل النفس المؤمنة، بل يشمل عدم التعدي على النفس الذمية الكافرة لكونها معاهدة غير حربية، فملاك القتل هو إنسانية الإنسان وليس الانتماء الفكري أو العقائدي كما هو معلوم.(2)
إنّ القرآن الكريم لم يقف عند هذه الآية فقط في النهي عن قتل النفس بل وردت آيات عدة في هذا الشأن منها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكلُواْ أَمْوَالَكمْ بَيْنَكمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكمْ إِنَّ اللّهَ كانَ بِكمْ رَحِيمًا (29) وَمَن يَفْعَلْ ذَلِك عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكانَ ذَلِك عَلَى اللّهِ يَسِيرًا﴾(3)، فالآية لم تنه عن قتل النفس بنهي مباشر، بل نهت عن ملازمات النهي وهو القتل وهذا أبلغ في الانكار إذ بينت الآية ملازمات القتل القبيحة فعبرت عن النهي بـ﴿ولا تقتلوا انفسكم﴾ فالقتل يوجب القتل المقابل هو الثأر وكأن القاتل بغير حق قتل نفسه وهو العادة المعروفة عند العرب بل
______________________________
(1). روح المعاني، شهاب الدين الآلوسي البغدادي, ج7, ص 413.
(2). للمزيد من الاطلاع راجع: احكام الجوار في الشريعة الاسلامية, محمدمهدي شمس الدين، ص54- 55.
(3). سوةر الاسراء: 29- 30.
( 122 )
جميع الشعوب اذ ستكون حالة الانتقام والقتل العشوائي متعارفاً في المجتمع الذي لم يلتزم بحدود احترام حفظ النفوس.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا كانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَئًا وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ فَإِن كانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللّهِ وَكانَ اللّهُ عَلِيمًا حَكيمًا (92) وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾.(1)
فالمؤمن لا يقتل المؤمن متعمداً إلّا أن يخرج عن الإيمان، فاذا قتل مؤمناً متعمداً مصراً على ذلك فلا يقال له مؤمن لأن من حقوق المؤمن على المؤمن حفظه نفسه وماله وعرضه فان ذلك عليه حرام أمّا التعرّض لقتله فذلك من موجبات الخروج عن الإيمان. وكم سمعنا ما فعله بعض خلفاء المسلمين من قتل الأبرياء متعمداً وانتهاك حرمات الابرياء لا على أشياء الا لتثبيت مصالحهم السياسية ونظرتهم المتسلطة.(2)
وقوله تعالى: ﴿لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَك لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إليك لَأَقْتُلَك إِنِّي أَخَافُ اللّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28) إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِك فَتَكونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِك جَزَاء الظَّالِمِينَ (29) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأصبح مِنَ الْخَاسِرِينَ (30)... مِنْ أَجْلِ ذَلِك كتَبْنَا عَلَى بَنِي إسرائيل أنَّه مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أو فَسَادٍ فِي الأرض فَكأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا.﴾(3)
______________________________
(1). سورة النساء: 92- 93.
(2). للمزيد من الاطلاع راجع كتاب تاريخ الخلفاء للسيوطي فانه مشبع بقصص تاريخية عن الجرائم التي ارتكبها الكثير من الخلفاء باسم الاسلام والدين والرب.
(3). سورة المائدة: 28- 32.
( 123 )
فالآية الكريمة تحكي قصة الصراع الأول بين قابيل وهابيل؛ ذلك الصراع الذي حمل قصة الحسد وإرضاء الغرائز التي دفعت بقابيل لقتل أخيه، ولم تنته وصايا آدم وتحذيراته من مغبة تسويلات النفس واتباع الشيطان فكان قابيل مستجيباً لخطيئته، حريصاً على غريزته وشقوته ليظهرها بصورة التعدي وانتهاك الحرمات، فأظهر الفساد في الأرض بقتله لأخيه وتعديه على حرماته، ولم يستجب لمناشدة الاخوة التي اطلقها هابيل وهو يسائله بالله واتباع التقوى وإنه لم يبسط إليه يده ليردّ عليه بنفس القتل الذي اختاره قابيل لينتقم منه لأنه يخاف الله رب العالمين، وانما تركه ليبوء بإثمه واثم نفسه فيما اذا أصرّ على ارتكاب هذه الجريمة البشعة وقطيعة الرحم وانتهاك الحرمات.
وقال الله تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾(1)، كما روى البخاري عن عبد الله بن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله (ص): "لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما(2) "، وقال الإمام الصادق: "لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً، قال: ولا يوفّق قاتل المؤمن متعمداً للتوبة"(3)، وقد كتب الإمام الرضا(ع) إلى محمد بن سنان يوضح له آثار قتل النفس فقال: "حرّم الله قتل النفس لعلة فساد الخلق في تحليله لو أحل، وفنائهم، وفساد التدبير"(4)، بل يصل الأمر عند ائمة اهل البيت في التشديد على حرمة القتل هو المقدار الذي يكون سبباً وداعياً لإزهاق النفس وانتهاك الارواح فكيف بالقتل نفسه؟! فقد روي عن الإمام الصادق: "من أعان على مؤمن بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوب على عينيه: آيس من رحمة الله"(5)، فالإعانة على قتل النفس وازهاقها ولو بشطر كلمة تساهم
______________________________
(1). سورة النساء: 93.
(2). صحيح البخاري، البخاري، حديث 6862.
(3). وسائل الشيعة, الحر العاملي,ج11, ص29, ح 4.
(4). المصدر السابق.
(5). المصدر السابق.
( 124 )
في قتل الإنسان دون حق فأن ذلك موجب لغضب الرب وعدم امكان المغفرة وكونه قد ارتكب أمراً خطيراً وذنباً عظيماً.
وفي مشهد مروع يصف النبي عاقبة القاتل، فانه يلقى في مكان تستعر منه النيران أي هو مصدر العذاب والبلاء، فقد قال رسول الله: "إن في جهنم واديا يقال له: سعيراً، إذا فتح ذلك الوادي ضجت النيران منه، أعدّه الله تعالى للقتالين"(1)، بل إنّ النبي يصف الاثر الوضعي على نفس الأرض التي يراق عليها دم بغير حق فإنّها تعجّ إلى ربها مستصرخة من ثقل ما ارتكب على ظهرها، قال رسول الله: "ما عجّت الأرض إلى ربها كعجتها من دم حرام يسفك عليها"(2)، وهذا بيان عظيم بقوله النبي في كون المؤمن في حرمته كحرمة الدنيا في الابقاء عليها، فعن النبي قال: "لزوال الدنيا أيسر على الله من قتل المؤمن"(3)
وهكذا فإن حرمة قتل النفس نستشعرها من الآيات الكريمة فضلاً عن ما ورد عن التشديد في روايات النبي وأهل بيته الطاهرين.
وتختم الآية الكريمة بالتأكيد على الوصايا والتشديد على الالتزام بها وذلك في قوله تعالى: ﴿ذَلِكمْ وَصَّاكم بِهِ لَعَلَّكمْ تَعْقِلُونَ﴾ ففي تفسيره للآية الكريمة يشير السبزواري بقوله: تأكيد لتلك المناهي الخمسة التي شرعت لأجل صلاح الفرد والمجتمع، وكما التأثير الكبير في سعادتهما، وتشمل المصالح الدنيوية والأخروية العليا، وإن خلافها لا يكون إلّا مزاعم أهل الشرك وأرباب الجهل وتخرصاتهم، وقد ذكرها عز وجل لطفاً بعباده ورعاية لشؤونهم، لما تتضمن كلمة «وصاكم» من الرحمة والرأفة، وفي جعلهم اوصياء له تعالى فيه من الاحسان لهم كما لا يخفى. وفي تخصيص العقل بالذكر لأنه مناط التكليف والمعرفة، وقد علل سبحانه تلك المناهي بقوله "لعلكم تعقلون" لما فيه من الدلالة على الحسن الذاتي الذي
______________________________
(1). دعائم الاسلام, القاضي النعماني، ج2, ص 401.
(2). ينابيع الحكمة, محسن عقيل, ج2, ص 230.
(3). بحارالانوار، المجلسي، ج101، ص382.
( 125 )
يدركه العقل قبل الشرع الذي يكون ارشاداً له، ولا يخفى في ذكر من التعريض بالمشركين، بأن ما هم عليه مما لا يقرّه العقل ولا يصدر من عاقل.(1)
إنّ نظرة العقل السليم التي يحملها القرآن من خلال هذه الوصايا تظهر آفاق السلام والوئام الذي يطمح إليه الإسلام في تكوين مجتمع يسوده التسامح ويطمح لتكوين علاقات اجتماعية تربطها المحبة المتبادلة، لذا فأن النبي محمداً حينما أسس المجتمع المدني في المدينة المنورة أخذ في أولويات اطروحته الاصلاحية التباني الاجتماعي على السلام والتسامح حيث بادر إلى خلق روح المحبة والتصالح بين الفريقين المتناحرين من الانصار وهما الاوس والخزرج اللذان كانت تحكمهما حروب مستمرة قائمة بين الطرفين قد حقق النبي صلحاً دائماً بينهما وقضى على النعرة القبلية التي تهيمن على العلاقات العامة التي تحكمهما، كما أنه آخى بين الانصار والمهاجرين ليبعد عنهما شبح الفكر القبائلي الحاكم والتنافس السائد بين الجميع، ومن هنا فقد قضى على احتمالية التقاتل التي تصادفت في مثل هذه المجتمعات القبائلية.(2)
وهي الوصية الخامسة التي سعت الآية الكريمة إلى بيانها، وهي من متطلبات المجتمع السعيد الذي يسعى إلى حفظ الحقوق والحرمات، فأموال اليتامى في عهدة المجتمع الذي يهدف إلى تربية إنسان سوي يشارك في بناء مجتمع متكامل، فالأيتام يشكلون نسبة غير قليلة - خصوصاً في أيامنا هذه أيام الحروب والانتهاكات الإنسانية - وهم إذا ما احتواهم مجتمعهم بما يضمن سلامة حقوقهم فإنّ دوراً واضحاً سيصيب هذه الشريحة الكبيرة وستشل ولا تقوى على التفاعل مع مجتمعها لتكون مفردة نافعة سليمة.
______________________________
(1). مواهب الرحمن في تفسير القرآن، عبد الاعلى السبزواري, ج14, ص 454.
(2). للمزيد من الاطلاع راجع: God and Man in the Quran, capture 3, Toshihiko Izutsu, Islamic Book Trust, 2002.
( 126 )
وفي الآية الكريمة تأكيد على عدم أكل مال اليتيم وللتشديد على ذلك فقد استعمل القرآن لفظ ﴿ولا تقربوا﴾ ولم يقل: (ولا تأكلوا) وذلك للدلالة على التشديد والتحذير من الاقتراب إلى مال اليتيم يعني استعمالاته بكل انحائها والتصرف به بكل معاني التصرف الذي يضر بمصلحة اليتيم، وهذا البيان أبلغ في النهي من القول: لا تأكلوا مال اليتيم وأشد انكاراً على من تلاعب وتصرف بالمال بغير حق.
يقول القرطبي في تفسيره للآية الكريمة: (أي بما فيه صلاحه وتثميره، وذلك بحفظ اصوله وتثمير فروعه، وهذا أحسن الاقوال في هذا، فانه جامع، قال مجاهد: (ولا تقربوا مال اليتيم إلّا بالتي هي أحسن) بالتجارة فيه، ولا تشتري منه ولا تستقرض).(1)
ويستفاد من كلام القرطبي هو الحجر على مال اليتيم وازوائه عن التعامل بكل حالات البيع والشراء وغير ذلك، وأرى هذا ضرراً على اليتيم وظلماً له إذا عمّمنا كل التصرفات بما في ذلك النافعة منها والتي تصبّ في مصلحة اليتيم، اذ كيف تمنع التعامل معه وإن كان في مصلحته؟ فلو كانت أموال اليتيم عرضة للفساد والخراب، وكلما تقادم الزمن عليها تعرضت للكساد والخراب ونزلت قيمتها السوقية حتى إذا كبر اليتيم ووجد ماله لا مال له فهل نصحح ذلك بحجة عدم جواز التصرف بمال اليتيم؟
الظاهر أنّ التصرفات الاعتباطية وغير المجدية والتي يحتمل احتمالاً قوياً بسببها نضجه وربحه فإنّ ذلك مما يقرّه العقلاء وخلافه يلومه العقلاء؛ لأن في ذلك ضرراً على اليتيم، ولذا فإن بعض المفسرين أعطوا ثلاث معانٍ لقوله تعالى: ﴿إلّا بالتي هي أحسن﴾:
أحدها: حفظه له إلى أنَّ يكبر فيسلّم إليه.
والثاني: معناه تثميره بالتجارة في قول مجاهد والضحاك والسدي.
والثالث: ما قاله ابن زيد: ان يأخذ القيم عليه بالمعروف دون الكسوة.
______________________________
(1). تفسير القرطبي, ج7, ص 132.
( 127 )
وقوله تعالى: ﴿حتى يبلغ أشدّه﴾ اختلفوا في حدّ الأشدّ، فقال ربيعة وزيد بن أسلم ومالك وعامر الشعبي: هو الحلم، وقال السدي: ثلاثون سنة، وقال قوم: ثماني عشر سنة؛ لأنه أكثر ما يقع عندهم البلوغ واستكمال العقل، وقال قوم: إنه لا حدّ له وإنما المراد به حتى يكمل عقله ولا يكون سفيها يحجر عليه، والمعنى حتى يبلغ أشده فيسلّم إليه ماله أو يأذن في التصرف في ماله، وحذف لدلالة الكلام عليه، وهذا اقوى الوجوه.
ولم يقتصر النهي عن التصرف بمال اليتيم على هذه الآية وحدها بل تعرّضت الكثير من الآيات القرآنية إلى ذلك النهي المشدد كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إسرائيل لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنكمْ وَأَنتُم مِّعْرِضُونَ﴾(1)
فالنهي عن التصرف في مال اليتيم هو الميثاق المأخوذ على بني إسرائيل إلّا انهم تولوا عنه ألّا قليلا منهم، والآية الكريمة تجعل المحافظة على مال اليتيم كالمحافظة على الصلاة وايتاء الزكاة بل الميثاق يشمل التوحيد بالله كما هو يشمل الحفاظ على مال اليتيم وعدم الاضرار به.
وقوله تعالى: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخر وَالْمَلآئِكةِ وَالْكتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ اولَـئِك الَّذِينَ صَدَقُوا وَاولَـئِك هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾(2)
فالدين ليس العبادة وحدها في نظر الإسلام، بل الدين هو مجموعة الممارسات الإنسانية التي يمارسها الفرد مع غيره ومع مجتمعه، ومن تلك الممارسات الإنسانية فضلاً عن العبادة
______________________________
(1). سورة البقرة: 83.
(2). سورة البقرة: 177.
( 128 )
هو العمل للحفاظ على مال اليتيم واستقراره اجتماعياً واقتصادياً وهذا أروع تشريع اقتصادي اجتماعي يسعى إليه قانون من القوانين مهما بلغ تقدمه وإنسانيته.(1)
والآيات القرآنية في هذا الشأن كثيرة كما في سورة البقرة: 220، وسورة النساء: 2- 10، 127، والإسراء: 134، والإنسان: 8، والفجر: 17، 18، والبلد: 5، 14والضحى: 9، والماعون: 2 إلى غير ذلك من الآيات الكريمة المؤكدة حفظ مال اليتيم وأن لا يضيع في مجتمع أسِس على مراعاة الضعيف والذب عنه وحفظه والحرص على حقوقه وهل هناك أوضح مصداقاً من اليتيم الذي لا يقوى على دفع الضرر عن نفسه ولا جلب الخير إليها؟
ولم يقف الأمر عند الآيات الشريفة بل تعدى ذلك إلى الروايات والأحاديث التي حثت على التخلق بهذا الخلق الفاضل والتحلي بهذه المسؤولية العظيمة وهي الحفاظ على مال اليتيم والدفاع عن حقوقه.
فعن النبي: "شر المأكل أكل مال اليتيم ظلماً"(2)، وعن الإمام امير المؤمنين: "أدّب اليتيم مما تؤدب منه ولدك، واضربه ممّا تضرب منه ولدك"(3)، أي أن يكون اليتيم بمنزلة الولد في التربية والآداب، وكما الحرص على الولد في حسن سلوكه فكذلك اليتيم لابد أن يكون المجتمع مسؤولاً في الحرص على تربيته وأدبه وسلوكه، وفي بيان حرمة أكل مال اليتيم بيّن النبي(ص) ما يمكن ان يرتدع منه قال: "لما أسري بي إلى السماء رأيت قوما تقذف في أجوافهم النار، وتخرج من أدبارهم، فقلت: من هؤلاء يا جبرئيل؟ فقال: هؤلاء الذين يأكلون اموال اليتامى ظلما"(4)
ومن أروع الوصايا التي ذكرها الإمام أمير المؤمنين علي ابن ابي طالب(عليه السلام) في لحظاته الاخيرة من حياته قال: "الله الله في الايتام، فلا تغبوا أفواههم ولا يضيعوا
______________________________
(1). للمزيد من الاطلاع راجع: دستور الاخلاق في القرآن، عبد الله دراز، البحث المتعلق بالمسؤولية.
(2). وسائل الشيعة, الحر العاملي, ج21, ص 478, باب 58، حديث 1.
(3). وسائل الشيعة, الحر العاملي, ج17, ص245, باب 70، حديث 3.
(4). وسائل الشيعة, الحر العاملي, ج17, ص 248, حديث 8.
( 129 )
بحضرتكم"(1)، وهذه ابلغ وصية من حيث الزمان والحالة التي يعيشها الإمام وهو يحتضر لأنه لم ينس الايتام وحقوقهم.
ومن كلمات النبي(صلى عليه واله) ووصاياه: "كن لليتيم كالأب الرحيم، واعلم أنك كما تزرع كذلك تحصد"(2)، والنبي يريد التذكير أنّ عمل الخير مع اليتيم ينعكس فيما بعد على اولاد المحسن فيما إذا صاروا ايتاماً.
ولا يمكن أن نغفل عن حديثين للنبي(صلى عليه واله) يظهران أهمية رعاية اليتيم، وانه تعالى هو الذي يتكفل حاله ويضمن حقوقه، فقد روي عن رسول الله(ص) انه قال: "إن اليتيم إذا بكى اهتز له العرش، فيقول الرب تبارك وتعالى: من هذا الذي أبكى عبدي الذي سلبته ابويه في صغره؟ فوعزتي وجلالي لا يسكته أحد إلّا اوجبت له الجنة"(3)
والحديث عن تكريم اليتيم في الإسلام حديث لا يمكن أن ينتهي بكلمات فهو اطروحة حياة ونظرية إنسانية تمتد في اعماق المجتمع وتؤسس لقيم أخلاقية لا يرقى إليها نظام ولا يتصور ردّها قانون.
قوله تعالى: ﴿وَأوفُوا الْكيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾ وهي من الوصايا الاجتماعية التي تنظم حقوق المجتمع وتراعي مصالحه، ويبدو لي أن الكيل غير الميزان وليسا واحدا كما يظهر من أكثر المفسرين، اذ الظاهر أن الكيل ما يمكن أن يتعامل به مع الأمور المادية والوزن ما يمكن أن ينطبق على الأمور المعنوية، كذلك يوزن كلام العاقل دون الجاهل؛ لأن الوزن هو القياس على أساس المبادئ والقيم والمباني التي يستخدمها المرء في قياسه للأمور اما
______________________________
(1). بحار الانوار, محمد باقر المجلسي,ج77, ص 172.
(2). الادب المفرد، البخاري، ص41.
(3). بحار الانوار, محمد باقر المجلسي, ج4, ص 75, حديث 9.
( 130 )
الكيل فهو آلة تستخدم للأمور المادية، هكذا يمكن أن نفهم الفرق بينهما، وبمراجعة المصادر المختصة يظهر لي ذلك.(1)
إنّ الإسلام حريص على اشاعة الأمن والسلام وروح الطمأنينة والامان الذي تضمن فرداً متكاملاً يسعى لبناء مجتمعه وأمته، ومعلوم أنّ هذا الأمر لا يتحقق الا من خلال ضمان الحقوق وعدم التعدي عليها، ومن أهم صور هذه الضمانات الاجتماعية هي احترام حقوق الفرد في الكيل والوزن وعدم بخس الآخرين، فاذا تحققت هذه الأمور شاع الأمن والسلام في أرجاء المجتمع وعرف كل فرد أنّ حقه لم يضع وأنّه مضمون لا يمكن التعدي عليه، ولاريب أنّ في هذا الحكم الإلهي آثاراً عظيمةً في بث روح الطمأنينة في القلوب وتثبيت التقوى في النفوس، واشاعة الامانة في الافراد، والابتعاد عن أكل الحرام الذي له الاثر الكبير في تهذيب النفس، وقد قصّ الله تعالى في القرآن المجيد من انباء الامم ما حل بهم من جرّاء ظلمهم واعراضهم عن الاحكام الإلهية، فقد حكى عن قوم شعيب ما حلّ بهم جرّاء تطفيفهم في الكيل والميزان، وفي العظة والعبرة لغيرهم، وقد قال رسول الله (ص) لأصحاب الكيل والميزان: "انكم وليتم امراً هلكت فيه الامم السابقة".(2)
والقسط بمعنى العدل، فالإبقاء للمكيال والميزان بالعدل، ويرى السيد السبزواري في مواهبه أنّ قيد القسط يفيد: أولاً التحري للقسط مهما أمكن. وثانياً: يجب أن يكون من الجانبين، المعطي فإنه يجب عليه ايفاء الحق من غير نقصان كذلك يجب على ذي الحق اخذ حقه من غير زيادة. وثالثاً: أنّه أمر لكلّ مسلم بأن يرضى لغيره ما يرضاه لنفسه، فيقيم القسط في جميع اموره.(3)
______________________________
(1). راجع إنموذجا: مقاييس اللغة، ابن فارس؛ تهذيب اللغة، الازهري.
(2). تفسير ابن كثير، ابن كثير، ج2، ص197.
(3). مواهب الرحمن في تفسير القرآن، السيد عبدالأعلى السبزواري، ذيل الآية.
( 131 )
كما في قوله تعالى: ﴿وإذا قُلتُم فَاعدلوا ولو كان ذا قُربى﴾(1)، من أهم الوصايا التي أكّدها القرآن الكريم هو قول الحق، ولابد أن يكون هذا القول ما يترتب عليه النفع والضرر، أي تكون آثاره وليس مطلق القول ولا بد أن يراعى في القول جانب العدل والأمانة ولو كان ذا القربى، إذ العرب توّاقون لحفظ القبيلة والابقاء على حال العلاقة بينهم من لوازم هذه القبلية، والعصبية القبلية تتحكم في كثير من القرارات، فلذا القرآن الكريم وقف على جانب مهم من تحديد العلاقة بين الافراد وأنّ النعرة القبلية تستلزم حالة الانحياز إلى جانب دون آخر فـذكر ذي القربى وهو الذي تدعوه عاطفة القرابة والرحم إلى حفظ جانبه وصيانته من وقوع الشر والضرر في نفسه وماله يدل على أن المراد بالقول هو القول الذي يمكن ان يترتب عليه انتفاع الغير أو تضرره، كما أنّ ذكر العدل في القول يؤيد ذلك، ويدل على أن هناك ظلماً، وأنّ القول متعلّق ببعض الحقوق كالشهادة والقضاء والفتوى ونحو ذلك.
فالمعنى: وراقبوا أقوالكم التي فيها نفع أو ضرر للناس واعدلوا فيها، ولا يحملنكم رحمة أو رأفة أو أي عاطفة على أن تراعوا جانب أحد فتحرفوا الكلام، وتتجاوزوا الحق فتشهدوا أو تقضوا بما فيه رعاية لجانب من تحبونه، وابطال حق من تكرهونه.
قال الطبرسي في مجمع البيان: (وهذا من الاوامر البليغة التي يدخل فيها مع قلة حروفها الأقارير والشهادات والوصايا والفتاوى والقضايا والاحكام والمذاهب والامر بالمعروف والنهي عن المنكر).(2)
ويقول الفخر الرازي: (واعلم أنّ هذا أيضاً من الأمور الخفية التي أوجب الله تعالى فيها أداء الأمانة، والمفسرون حملوه على أداء الشهادة فقط، والامر والنهي فقط، قال القاضي: وليس الأمر كذلك بل يدخل فيه كل ما يتصل بالقول، فيدخل فيه ما يقول المرء في الدعوة إلى الدين وتقرير الدلائل عليه بأن يذكر الدليل خاليا من الحشو والزيادة وبألفاظ مفهومة معتادة قريبة من الافهام، ويدخل فيه أن يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واقعا
______________________________
(1). سورة الانعام: 152.
(2). مجمع البيان، الطبرسي, ج4، ص194.
( 132 )
على وجه العدل من غير زيادة في الايذاء والايحاش ونقصان عن القدر الواجب، ويدخل فيه الحكايات التي يذكرها الرجل حتى لا يزيد فيها ولا ينقص عنها، ومن جملتها تبليغ الرسالات إلى الناس، فانه يجب أن يؤديها من غير زيادة ولا نقصان، ويدخل فيه حكم الحاكم بالقول، ثم إنّه تعالى يبيّن أنه يجب أن يسوي فيه بين القريب والبعيد؛ لأنه لما كان المقصود منه طلب رضوان الله تعالى لم يختلف ذلك بالقريب والبعيد).(1)
ولابد أن نؤكد مسألة لا تقل أهميتها عن سابقاتها، وهو أنّ قوله: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾ لا يتخطى قضية يعيش محنتها الجميع ويشهدها بترقب وحذر وهي محاولات التحقيقات التاريخية التي اخذت قسطاً وافراً من جهود المحققين، وفي نفس الوقت اشغلت الامة بمحاولات عقيمة، نبع من وضع سياسي متشنج. فالمؤرخ بالرغم من قناعاته بقضايا تاريخية تكاد تكون متوتّرة إلّا أنّها تختفي خلف تجنبات البعض وتزييف الحقائق التاريخية التي حاول بعضهم مصادرتها من تحريف الاقوال وتحريف المفاهيم حتى غدا المؤرخ تتلاعب به الأهواء والسلطة كيفما جرت، والآية تشير إلى هذه المشكلة موصية ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾ فهو شعار التحقيق الموضوعي الصادق انه دعوة إلى كل مصاديق الأمانة والصدق والانصاف.
______________________________
(1). التفسير الكبير , الفخر الرازي, ج 18, ص5.
( 133 )
وأخيراً تعرج الآيات المتعلّقة بالوصايا إلى الساحة الروحية للإنسان لتذكره بأصله السماوي الإلهي ومواعيده ومواثيقه التي أخذها الله منه في خلقته وفطرته، وهما وصيتان جامعتان لكل ما سبقهما من الوصايا.
أولاً: الوفاء بعهد الله وثانياً: اتباع صراطه والسبيل المؤدي إليه تعالى: ﴿وَبِعَهْدِ اللّهِ اوفُواْ ذَلِكمْ وَصَّاكم بِهِ لَعَلَّكمْ تَذَكرُونَ (152) وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكمْ وَصَّاكم بِهِ لَعَلَّكمْ تَتَّقُونَ﴾(1)
فالإسلام هو أن تكون الهداية لله تعالى سبيلا يتآلف الناس حوله ويمنعهم من التفرق، فالسبيل هو دين الله ووصفه بالاستقامة كونه مناسباً للفطرة والعقل، لذا فاختيار غير هذا السبيل يعني اختيار ما يخالف الفطرة والعقل الإنساني.(2)
روى السيوطي ما رفعه إلى ابن مسعود قال: خطّ رسول الله (ص) بيده، ثم قال: "هذا سبيل الله مستقيماً" ثم خطّ خطوطاً عن يمين ذلك الخط وعن شماله ثم قال: "وهذه السبل ليس منه سبيل إلّا عليه شيطان يدعوا إليه" ثم قرأ ﴿وان هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله﴾(3)
ثم إنّ ترتيب هذه الوصايا لتكون الوصية العاشرة بالتأكيد على الصراط المستقيم كون المواظبة على هذه الوصايا هي من مقتضيات الاستقامة وإنّها من محفزات الحفاظ على الدين القيم الذي أوصى به الله سبحانه، كما أنّ الضعف والانحلال الذي يصيب الامة هو
______________________________
(1). سورة الانعام: 152-153.
(2). راجع: البيان في تفسير القرآن، ابوالقاسم الخوئي، ص485- 486؛ الميزان في تفسير القرآن، الطباطبائي، ج4، ص157- 165.
(3). الدرالمنثور، السيوطي، ج3، ص56.
( 134 )
لتعدد الاهواء والاتجاهات النافية للاتفاق على طريقة واحدة توجب التشتت والتشرذم الذي يثقل كاهل الامة فيمزقها ويحرمها من سعادتها. ولا بد أن نشير إلى أنَّ الإسلام لما كان حريصاً على توحد الامة في منهجها وعدم تفرقها بعد أن يسعى النبي إلى تعيين النقطة الدالة لأسباب هذه الاستقامة وتشخيص المسلك الصحيح الذي يرجى اتّباعه وتعيين الشخصية التي يمكن أن تذلل مصاعب الاتباع وتلبي طموحات المسلم الذي يسعى لإنجاز مهمته العبادية بأحسن وجه، وقد فعل النبي كل ما في وسعه لتحقيق المسار الموحد والمنهج الذي لا يشذ فأشار إلى شخصية يدور معها الحق حيث دار تنقذ الأمة من التشرذم والمنهج من التشظي لولا السياسة وتزاحم الأهواء في نفوس البعض.
( 135 )
قال النبي(صلى عليه واله): "إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وكتبه ورسله فإن كان حقا لم تكذبوهم وإن كان باطلا لم تصدقوهم"(1)، وفي رواية أخرى عنه: "لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا آمنا بالله وبكتبه ورسله، فان قالوا باطلا لم تصدقوهم، وإن قالوا حقا لم تكذبوهم"(2)، وفي ضوء هذا فأن موقف الإسلام من إخبارات أهل الكتاب في كتبهم المقدسة عندهم أو في غيرهما بأخذ ثلاثة أحكام:
تكذيبهم وهذا فيما جاء عندهم مخالف للقرآن الكريم.
تصديقهم فيما جاء موافقاً للقرآن الكريم.
التوقف عن الحكم فيما جاء عندهم وليس مخالفاً للدين ولم يرد في القرآن ولا السنّة شيئاً منه وفي هذا الأخير يحمل قول النبي الوارد آنفاً.
بعد هذا نقول:
ان ما جاء في الكتاب المقدس من النهي عن الشرك ومن الدعوى إلى بر الوالدين وعدم القتل والزنى والسرقة وشهادة الزور والبعد عن الشهوات غير الشرعية كل هذا موافق لما في القرآن الكريم.
يوافق القرآن الكريم على أن الله خلق السماوات والأرض في ستة أيام ولكن يخالف في تقديس يوم السبت بعلة انه استراح الله فيه، تنزه عما يصفون وتعالى علوا كبيراً.
كما أشرنا من قبل فإن القرآن الكريم توسع بتفصيل وإيضاح غير مسبوق فيما ذكره من وصايا عظمة شملت الجوانب العقدية والأخلاقية والسلوكية
______________________________
(1). مسند أحمد، احمد، ج 4، ص 136.
(2). مجمع الزوائد، الهيثمي، ج1، ص191.
( 136 )
والاجتماعية بأسلوب قرآني بياني يمس شغاف القلوب وينسجم مع الفطرة الإنسانية مما يبين بحق انه الكتاب المشرع الجامع الخالد برسالته إلى قيام الساعة.
ويمكن القول أن القران الكريم اختزل هذه الوصايا وغيرها الكثير في عنوان واسع وكبير هو الرحمة والرأفة فقال تعالى مخبرا عن سبب ارسال نبيه محمد (صل الله عليه واله وسلم) {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}(1)
______________________________
(1). سورة الانبياء: 107.
( 137 )
من خلال ما استعرضنا في بحثنا هذا عن الوصايا العشر في القرآن الكريم والتوراة والانجيل توصّلنا إلى بعض النتائج التي يمكن تلخيصها في النقاط الاتية:
أولا:تشترك الرسالات السماوية الثلاث وكتبها: القرآن الكريم والتوراة والإنجيل في خطوطها العامة على أهمية التعاليم التربوية والأخلاقية في تهذيب روح الإنسان وايصاله إلى كماله المنشود، وإن كانت تتقاطع أحيانا في بعض الأمور العقدية المهمة من قبيل اعطاء صبغة الالوهية لبعض الشخصيات وهو ما نهى عنه القرآن الكريم بشكل مطلق وحصر الالوهية بالله تعالى وحده جل اسمه، وأيضاً هناك اختلاف في بعض الجزئيات من هذه التعاليم من حيث العمق والشمولية، ومع هذا يمكن القول إنها تشترك بشكل كبير في الوصايا الأخلاقية والتربوية التي تنظم حياة الإنسان السلوكية وتؤدي بدورها إلى ايجاد حالة من الانسجام والوئام ونشر الفضيلة والعدالة في المجتمع.
ثانيا-تعتبر الوصايا العشر هي أول ما نزل على الكليم موسى(عليه السلام) من شريعته بعد خروجه من مصر، وقد أوحاها الله تعالى إليه بعد أن دعاه إلى ميقاته في جبل سيناء، وكانت الوصايا مكتوبة على الألواح وبإصبع الله حسب نقل التوراة.
ثالثا:لقد وقعت توجيهات لفهم نصوص الوصايا العشر في سفر التثنية لأنها تختلف اختلافا كثيرا عما جاء في سفر الخروج ومن أمثلة هذا هو التنزيه وعدم التمثيل لله الذي يخالف التجسيم في سفر الخروج وكذلك وضع المرأة وبر الوالدين الذي سبق تفصيله في صلب الرسالة. وتعتبر هذه الوصايا في اليهودية أساساً لتعاليم موسى، ولها مكانتها المميزة عندهم فيهتمون بها ويراعونها ويطبقون أحكامها باعتبارها الوصايا المقدسة التي نزلت عليهم من قبل الله لشعبه المختار، وهي بمثابة الرأس من الجسد بالنسبة لتعاليم موسى الأخرى وشريعته.
( 138 )
رابعا:أعطت الاناجيل مفاهيم واسعة وجديدة للوصايا العشر ونظرت إلى بعضها كتقديس يوم السبت بمنظور خاص ولقد شدد المسيح(عليه السلام) في تعاليمه ومواعظه على ضرورة حفظ الشريعة وعدم تركها أو إهمالها بأي نحو كان، وقد هدد من ترك اصغر حكم من تعاليم الشريعة وعلم الآخرين ذلك بأشد العذاب، كما أكد على الشريعة الموسوية في الكثير من ممارساته وأقواله، وأولى اهتماما خاصاً للوصايا العشر، ولكنه مع هذا فقد أعطاها بعداً معنوياً وروحياً اخر، وعمق مفهومها، فالقاتل يستحق الحكم والقصاص في الوصايا العشر بينما في تعاليم عيسى(ع) من غضب على أخيه فهو يستحق الحكم، والقسم والحلف باسم الله باطلاً هو المنهي عنه في وصايا موسى، في حين نهى المسيح(عليه السلام) عن القسم والحلف بشكل مطلق لأنه من عمل الشيطان وأن لا يخرج كلام الإنسان المؤمن عن نعم أو لا، كذلك بخصوص حرمة الزنا فقد وسع معناها وجعل النظر إلى امرأة بشهوة من مصاديق زنا القلب وهو أيضاً يستحق العقوبة وغير ذلك، ولكن الكنيسة بعد المسيح حذفت بعض تلك الوصايا لمخالفتها لتعاليمها، مثلا تم حذف الوصية الثانية وهي التي تحرم صنع التماثيل والصور والسجود لها؛ لأن الكنيسة الكاثوليكية على وجه التحديد بخلاف البروتستانت تعتبر صنع التماثيل للمسيح وأمه والقديسين تقديساً لهم امراً واجباً، ولهذا اضطرت إلى حذف الوصية الثانية وقسمت الوصية العاشرة إلى قسمين لتحافظ على عدد الوصايا العشر، وكذلك تم إبدال يوم السبت والذي هو وارد في الوصايا العشر بشكل صريح بيوم الأحد باعتباره يوم قيامة المسيح من القبر حسب أناجيل العهد الجديد.
خامسا:لقد اتضح من المقارنة بين التوراة والانجيل والقرآن الكريم أن تحديد الوصايا بعشر في القرآن لا دليل عليه، حيث ما ورد في القرآن من وصايا يفوق هذا بكثير، فإننا نشاهد بوضوح أن دائرة الوصايا القرآنية تتخذ حالة الاتساع والشمولية للمنحى الأخلاقي الإنساني بكل تفاصيله، وأن شمولية الإسلام وتماميته أحد اسباب هذه السعة الأخلاقية للوصايا؛ واذا أردنا المقارنة بين ما ورد في الكتابين المقدسين مع ما ورد في القرآن الكريم، سنواجه دائرة فائقة الشمولية في هذا البرنامج الأخلاقي الذي لا يقتصر على عدد من الوصايا، بل إن الخطاب القرآني بشموليته الواسعة يعم حالة أخلاقية عامة يحاول من
( 139 )
خلالها معالجة المشكلة الاجتماعية بكل جذورها. وتتطابق بعض الوصايا الأخلاقية التي ذكرت في القرآن الكريم مع الوصايا العشر بشكل كبير مع وجود بعض الاختلافات فيما بينها في بعض الجزئيات.
( 140 )
القرآن الكريم.
ابن عطية الاندلسي، محمد عبدالحق، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، دار الكتب العلمية، بيروت، 1413- 1993.
ابن فارس، احمد، معجم مقاييس اللغة، تحقيق عبد السلام محمد هارون، ايران، مكتب التبليغات الإسلامي، 1404ق.
ابن كثير الدمشقي، اسماعيل ابن عمر، تفسير القرآن العظيم، تحقيق يوسف مرعشلي، الطبعة الثالثة، بيروت، دار المعرفة، 1409ق.
ابو السعود، ارشاد العقل إلى مزايا القرآن الكريم، بيروت، دار احياء التراث العربي.
أبو ضابا، هيثم، الوصايا العشر من مفهوم مسيحي، القاهرة، مكتبة البابا شنودة، بلا تا.
أبو خازن، جورج، التطويبات شريعة العهد الجديد، الموسوعة الالكترونية الكاثوليكية، جمعية التعليم المسيحي.
الأردبيلي، احمد بن محمد، زبدة البيان في براهين احكام القرآن، ايران، الطبعة الثانية، دار المؤمنين، 1378ش.
الازهري، محمد ابن محمد، تهذيب اللغة، الدار المصرية للتأليف والترجمة، بلا تا.
الآلوسي البغدادي، شهاب الدين، تفسير روح المعاني، بيروت، دار احياء التراث العربي 2000م.
( 141 )
البابا شنودة الثالث، الوصايا العشر في المفهوم المسيحي، الطبعة الأولى، القاهرة، بلا تا.
باشا، حبيب وآخرون، التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، منشورات المكتبة البولسية، لبنان، 1999.
البخاري، محمد بن اسماعيل، الادب المفرد، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت، لبنان، 1986م.
البخاري، محمد بن اسماعيل، صحيح البخاري، تحقيق الشيخ بن باز، الطبعة الأولى، بيروت، دار الفكر، 1418ق.
البروجردي، حسين، جامع احاديث الشيعة في احكام الشريعة، الطبعة الأولى، ايران، المطبعة العلمية، 1423ق.
بطرس عبد الملك، قاموس الكتاب المقدس، الطبعة التاسعة، القاهرة، دار الثقافة، 1994م.
التهانوي، محمد علي، كشاف اصطلاحات الفنون، الطبعة الأولى، بيروت، لبنان ناشرون، 1997م.
الثعالبي، عبد الرحمن بن محمد، تفسير الثعالبي، الطبعة الأولى، بيروت، دار إحياء التراث العربي، 1997م.
الثعلبي، احمد بن محمد، تفسير الثعلبي، تحقيق الإمام أبي محمد بن عاشور، مراجعة وتدقيق الأستاذ نظير الساعدي، الطبعة الأولى، بيروت - لبنان - دار إحياء التراث العربي 2002م.
الجرجاني، علي بن محمد، التعريفات، تحقيق إبراهيم الابياري، الطبعة الأولى، بيروت، دار الكتاب العربي، 1405ق.
( 142 )
الحر العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة، ايران، مؤسسة اهل البيت 1412ق.
حلاق اليسوعي، الاب سامي، مجتمع يسوع تقاليده وعاداته، بيروت، دار المشرق، 1999م.
الحلبي، علي بن برهان الدين، السيرة الحلبية، بيروت، دار المعرفة، بلا تا.
الخوئي، أبو القاسم، البيان في تفسير القرآن،، انوار الهدى، الطبعة الثامنة، 1401ق.
الخوئي، محمد تقي، كتاب النكاح (تقريرات دروس السيد أبو القاسم الخوئي،) منشورات مدرسة دار العلم، بلا تاريخ.
الخوّام، منير المسيح في الفكر الإسلامي الحديث وفي المسيحية، بيروت، دار المشرق، 1994م.
الديلمي، أبو شجاع، الفردوس بمأثور الخطاب، دار الكتب العلمية، بيروت، 1406.
الرازي، فخرالدين محمد بن عمر، التفسير الكبير، بيروت، الطبعة الأولى، دار الفكر 1401ق.
الراغب الاصفهاني، حسين بن مفضل، المفردات في غريب القرآن، الطبعة الأولى، دمشق، دار القلم، 1412ق.
رافدنس، فرنس وآخرون، تفسير الكتاب المقدس، الطبعة الثالثة، بيروت، دار منشورات التفسير، 1986م.
الرضي، محمد بن حسين، نهج البلاغة، صبحي صالح، الطبعة الأولى، طهران، دار الأسوة، 1415ق.
( 143 )
الزركشي، عبد الله، البحر المحيط، دار الكتب العلمية، بيروت، 1422ق.
الزمخشري، محمود بن عمر، تفسير الكشاف، الطبعة الثانية، ايران، دار البلاغة، 1415ق.
الزيلعي، جمال الدين، تخريج الاحاديث والآثار، تحقيق عبد الله بن عبد الرحمن السعد، الطبعة الأولى الرياض، دار ابن خزيمة، 1414 ق.
السبزواري، عبد الاعلى، مواهب الرحمن في تفسير القرآن، الطبعة الثانية، بيروت، دار المعرفة 1428- 2007م.
سقال، الاب منير، الوصايا العشر والوصية الجديدة، الموسوعة الإلكترونية الكاثوليكية.
السلمي، ابو عبدالرحمن، حقائق التفسير، بيروت، دار الفكر العربي، 1986.
سليم بسترس، المطران كيرلس، المسيحية في أخلاقياتها، بيروت، المكتبة البولسية، 1999م.
السيوطي، جلال الدين، الإتقان في علوم القرآن، بيروت، دار الكتب العلمية، ط 1، 1407ق.
السيوطي، جلال الدين، الجامع الصغير، بيروت، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، 1981م.
السيوطي، جلال الدين، الدر المنثور في التفسير بالمأثور، بيروت، دار الفكر، 1414ق.
السيوطي، جلال الدين، تاريخ الخلفاء، تحقيق علي شيري، بيروت، دار الأضواء، 1410/1990.
( 144 )
الشعراني الحنفي، عبد الوهاب، اليواقيت والجواهر، الطبعة الأولى، بيروت، دار احياء التراث العربي 1997م.
شمس الدين، محمد مهدي، أحكام الجوار في الشريعة الإسلامية قضايا اسلامية معاصرة، بيروت 2007.
الشيخ، علي، الصحيح من إنجيل المسيح في أناجيل العهد الجديد، الطبعة الأولى، ايران، مؤسسة الكوثر، 2003م.
الشيخ، علي، لاهوت المسيح في المسيحية والإسلام، الطبعة الأولى، ايران، دار الغدير، 2009م.
الشيرازي، ناصر مكارم، تفسير الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، طهران، دار الكتب الإسلامية، 1427ق.
الصدوق، محمد بن بابويه، الخصال، ايران، مؤسسة النشر الإسلامي 1403ق.
الصدوق، محمد بن بابويه، علل الشرائع، بيروت، الأعلمي، 1408ق.
الطباطبائي، محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، الطبعة الثالثة، بيروت، الأعلمي، 1393ق.
الطبرسي، فضل بن الحسن، تفسير جوامع الجامع، الطبعة الأولى، بيروت، دار الاضواء، 140ق.
الطبرسي، فضل بن الحسن، مجمع البيان في تفسير القرآن، بيروت، در المعرفة، 1406ق.
الطوسي، محمد بن الحسن، التبيان في تفسير القرآن، بيروت، دار احياء التراث العربي، 1426.
( 145 )
ظاظا، حسن، الفكر الإسرائيلي اطواره ومذاهبه، بيروت، دار الكتب العلمية، 2004م.
عبد الله الشامي، رشاد، الوصايا العشر في اليهودية مقارنة في المسيحية والإسلام، الطبعة الأولى، بيروت، دار الزهراء للنشر، 1993م.
العروسي الحويزي، عبد علي بن جمعة، تفسير نور الثقلين، الطبعة الرابعة، طهران، اسماعيليان، 1373ش.
عقيل، محسن، ينابيع الحكمة الدليل المعين للواعظين والمتعظين، الطبعة الأول، بيروت، مؤسسة الأعلمي 2000م.
الفراهيدي، خليل بن احمد، كتاب العين، الطبعة الثانية، ايران، مؤسسة دار الهجرة، 1409ق.
الفغالي، الخوري بولس، المجموعة الكتابية من سيناء إلى مؤاب، بيروت، دار المشرق، بلا تا.
الفغالي، الخوري بولس، المجموعة الكتابية، من العبودية إلى العبادة، بيروت، دار المشرق، بلا تا.
الفغالي، الخوري بولس، المحيط الجامع في الكتاب المقدس و الشرق القديم، بيروت، دار المشرق، بلا تا.
فكري، الاب انطونيوس، تفسير الكتاب المقدس، الموسوعة الإلكترونية الكاثوليكية.
فيليبس، الف، الوصايا العشر في منظور جديد، بيروت، دار المشرق، 2007م.
القرطبي، محمد بن احمد، الجامع لأحكام القرآن، بيروت، دار التراث العربي 14025هـ 1985م.
( 146 )
الكتاب المقدس، جمعيات الكتاب المقدس في المشرق، الطبعة السابعة، بيروت، دار المشرق، 2004م.
كزافيية ليون دوفو، معجم اللاهوت الكتابي، مجموعة من المترجمين، بيروت، دار المشرق، 1986م.
الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، الطبعة الثالثة، بيروت، دار التعارف، 1401ق.
كوسا، الأب اوغسطينوس، الوصايا العشر، اكرم ابك وامك، الموسوعة الإلكترونية الكاثوليكية.
المجلسي، محمد باقر، بحار الانوار، بيروت، مؤسسة الوفاء، الطبعة الثانية 1403- 1983.
مسلم بن حجاج النيشابوري، صحيح مسلم، الطبعة الأولى، بيروت، دار الكتب العلمية، 1415ق.
معرفة، هادي، صيانة القرآن من التحريف، ايران، مطبعة الشريف الرضي، 1426ق.
ملطي، القمص تادرس يعقوب، تفسير الكتاب المقدس، الموسوعة الإلكترونية الكاثوليكية.
منيس، عبدالنور وآخرون، دائرة المعارف الكتابية، بيروت، دار منشورات التفسير، 1993م.
الموردي، أبي الحسن، أعلام النبوة، بيروت، دار الكتاب العربي الطبعة الأولى، 1987.
ميخائيل مدني، القس بسام، وحي الكتاب المقدس، بيروت، المكتبة البولسية، 1998م.
( 147 )
النراقي، محمد مهدي، جامع السعادات، الطبعة الثانية، بيروت، الأعلمي، 1408ق.
النسائي، ابو عبد الرحمن احمد، سنن النسائي، بيروت، دار الفكر، 1415ق.
النسفي، عبد الله، مدارك التنزيل وحقائق التأويل، بيروت، دار التراث العربي، 1987.
Arthur Jeffrey, The Foreign Vocabulary in the Quran, Baroda, Oriental institute, 1938.
Toshihiko Izutsu, Ethico - Religious Concepts in the Quran, McGill - Queens University Press, 2002.
Toshihiko Izutsu, God and Man in the Quran، capture 3, Islamic Book Trust، 2002.
( 148 )