صادق حسن علي العوادي
المدرسة الأصولية لدى السيد الخوئي وتطبيقاتها الفقهية
أطروحة قدّمها الطالب
صادق حسن عليإلى مجلس كلية الفقه/ جامعة الكوفة وهي جزء
من متطلّبات نيل درجة الدكتوراه في الشريعة والعلوم الإسلامية
بإشراف
الأستاذ المساعد الدكتور هادي حسين الكرعاوي
١٤٣٣هـ ٢٠١٢م
( ١ )
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
﴿... يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ((المجادلة: ١١))
( ٢ )
الإهداء
إلى أهل بيت العصمة والطهارة، إلى فاطمةَ وأبيها وبعلها وبنيها (عليهم السلام)
وإلى والديَّ وأخي الشهيد فلاح، أهدي جهدي المتواضع
راجياً القبول والشفاعة
( ٣ )
شكر وعرفان
الحمد لله أولاً وآخراً
روي عن الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) أنّه قال:
((مَنْ لمْ يَشْكرْ المُنْعِمَ مِنَ المخلوقين لمْ يشكر اللهَ عزَّ وجلّ))(١)
أتقدّم بالشكر الجزيل والثناء الجميل لكلِّ يدٍ كريمة أسهمت في إنجاز هذا البحث، وذلّلت العقبات، وأسدت الخدمات، سائلاً المولى لهم وافر الخيرات وأوسع الجنّات بخالص الدعوات، وأخصُّ بالذكر والشكر أستاذي المشرف الأستاذ المساعد الدكتور هادي حسين الكرعاوي الذي شملني برفيع خُلُقه، وغاية تواضعه، وسعة علمه، وسديد توجيهاته، سائلاً المولى له مزيداً من التوفيق.
كما وأتقدم بالشكر لعمادة كلية الفقه المتمثّلة بالأستاذ المساعد الدكتور علي كاظم سميسم ولجميع أساتذتي الأفاضل الذين انتهلت من علومهم ورفيع خُلقهم.
وأتقدّم بالشكر أيضاً لأساتذتي وزملائي الكرام في الحوزة العلمية لما أسْدوا من ملاحظات وتوجيهات.
وشكري المتواصل لمؤسسة الشهداء في النجف الأشرف لدعمها طلبة الدراسات العليا والأولية من ذوي الشهداء، ولإدارة وكادر مكتبة الروضة الحيدرية ومكتبة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام العامة ومكتبة الإمام الحسن عليه السلام في النجف الأشرف لجزيل خدماتهم وسعة رعايتهم واهتمامهم.
وأثمّن جميع من سعى في إخراج هذا الجهد إلى النور، داعياً المولى العليَّ القدير أنْ يشملهم جميعاً برعايته ولطيف إحسانه.
______________________________
(١) الصدوق، محمد بن علي، عيون أخبار الرضا: ٢/٢٤.
( ٤ )
المحتويات
الموضوع - الصفحة
الإهداء – شكر وعرفان
المقدمة - ص ٧
التمهيد: المدرسة الأصولية والحياة العلمية للسيد الخوئي
المطلب الأول: مفهوم «المدرسة الأصولية» - ص ١٤
امطلب الثاني: الحياة العلمية للسيد الخوئي - ص ١٦
الفصل الأول: مباحث الألفاظ عند السيد الخوئي - ص ٣١ - ١٣٤
المبحث الأول: الوضع - ص - ص ٣١
المطلب الأول: نظرية التعهّد في وضع الألفاظ - ص ٣١
المطلب الثاني: المعنى الحرفي - ص ٦٢
المبحث الثاني: الإطلاق - ص ٨٩
المطلب الأول: الإطلاق لغةً واصطلاحاً - ص ٨٩
المطلب الثاني: أقسام الإطلاق - ص ٩١
المطلب الثالث: مقدمات الحكمة - ص ٩٣
المطلب الرابع: التقابل بين الإطلاق والتقييد - ص ٩٨
المطلب الخامس: مختار الخوئي في الإطلاق والأخبار العلاجية - ص ١٠٢
المبحث الثالث: مفهوم الوصف - ص ١٠٧
المطلب الأول: ضابط المفهوم - ص ١٠٧
المطلب الثاني: آراء الأصوليين في مفهوم الوصف - ص ١٠٩
المطلب الثالث: مفهوم الوصف عند السيد الخوئي - ص ١١١
المبحث الرابع: تطبيقات فقهية - ص ١٢٠
المطلب الأول: تطبيقات التعهد - ص ١٢٠
المطلب الثاني: تطبيقات المعنى الحرفي - ص ١٢٢
المطلب الثالث: تطبيقات الإطلاق - ص ١٢٥
( ٥ )
المطلب الرابع: تطبيقات مفهوم الوصف - ص ١٢٩
الفصل الثاني: مباحث الظن - ص ١٣٥ - ١٨١
المبحث الأول: حجية الإجماع - ص ١٣٥
المطلب الأول: الإجماع لغةً واصطلاحاً - ص ١٣٥
المطلب الثاني: حجية الإجماع المنقول - ص ١٣٧
المطلب الثالث: أدلة حجية الإجماع المحصّل - ص ١٤٠
المبحث الثاني: حجية الشهرة - ص ١٤٦
المطلب الأول: الشهرة لغةً واصطلاحاً - ص ١٤٦
المطلب الثاني: أدلة الشهرة بأقسامها ومناقشتها - ص ١٤٨
المبحث الثالث: تطبيقات فقهية - ص ١٦١
المطلب الأول: تطبيقات الإجماع - ص ١٦١
المطلب الثاني: تطبيقات الشهرة - ص ١٦٨
الفصل الثالث: مباحث الاستصحاب - ص ١٨٢ - ٢٣٦
المبحث الأول: أمارية الاستصحاب - ص ١٨٢
المطلب الأول: الاستصحاب لغةً واصطلاحاً - ص ١٨٣
المطلب الثاني: الفرق بين الأصل والأمارة - ص ١٨٥
المطلب الثالث: تقديم الأمارات على الاستصحاب - ص ١٩١
المبحث الثاني: عدم جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية - ص ١٩٨
المطلب الأول: تبنّي الخوئي لرأي النراقي - ص ١٩٨
المطلب الثاني: مناقشة الإشكالات الواردة على رأي النراقي - ص ٢٠٣
المطلب الثالث: استثناء الأحكام غير الإلزامية والشبهات الحكمية الوضعية - ص ٢٠٩
المبحث الثالث: استصحاب الكلي - ص ٢١٢
المطلب الأول: أقسام استصحاب الكلي - ص ٢١٣
المطلب الثاني: مناقشات القسم الرابع من استصحاب الكلي - ص ٢١٦
المبحث الرابع: تطبيقات فقهية - ص ٢٢٢
الخاتمة ونتائج البحث - ص ٢٣٨
ثبت المراجع والمصادر - ص ٢٤٢
ترجمة خلاصة البحث - ص ٢٦٢
( ٦ )
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
مقدمة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد المصطفى وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحبه المنتجبين، وبعد:
فقد امتازت الشريعة الإسلامية بأنّها خاتمة الشرائع الإلهية، وشموليتها لكل جوانب الحياة، ومواكبتها لكل عصرٍ، شريعةٌ متكاملة بأحكامها، محفوظةٌ بدستورها، لأمةٍ عزيزةٍ بنبيّها، فنبيّها خاتم الأنبياء، وأوصياؤها سادات الأوصياء، وعلماؤها أفضل العلماء، فهموا علومها فوعوها، وانتهلوا منها ما وسعهم دهرهم، فتركوا آثاراً دلّت على عمقهم، ودقّة منهجيتهم، نظروا في كتاب الله وسنة نبيّهم وآله، نظرة إمعان وإتقان، بقلوب ملؤها الإيمان، فاستنبطوا قواعد الأحكام في الحلال والحرام، فكانت أصول الفقه هي النظرية، وعلم الفقه هو التطبيق.
وتُعد النجف الأشرف في ماضيها وحاضرها رافداً معطاءً للعلم والمعرفة، مذ حلّ بها باب مدينة علم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أمير المؤمنين وسيد الموّحدين علي ابن أبي طالب عليه أفضل صلوات المصلين، ومن بعده حفيده جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام)، وتوالت الأيام حتى نزل بها الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي (ت:٤٦٠هـ)، واتخذها للعلم موطنا، فصارت الحوزة العلمية للنجف موئلا، فاستقطبت طلاب العلم من كل حدبٍ وصوب، وأنجبت الرجال الأفذاذ على مرّ السنين والأيام، ومن بين أولئك السيد أبي القاسم الخوئي (ت:١٤١٣هـ)، الذي حضر دروس أعاظم عصره كالمحقق العراقي والنائيني والأصفهاني وغيرهم، ساعدته عبقريته الفذّة لأن يكون علماً يُشار إليه بالبنان، ترك آثاراً علمية واسعة، وتخرّجت على يديه عشرات الطلبة، صاروا مراجع دين، ومجتهدين ومفكّرين.
سبب اختيار البحث
رغبةً من الباحث في إبراز الجهود العلمية -لاسيّما الأصولية والفقهية منها- للسيد أبي القاسم الخوئي، مركزاً على موارد الإبداع الأصولي عنده التي ذكرها مجموعة من تلامذته وغيرهم من طلبة العلوم الدينية في مقابلات
( ٧ )
اُجريتها معهم(١)، لاسيّما ما ذكره الشيخ إسحاق الفياض(٢)، وما تضمّنته مؤلفات السيد الخوئي الأصولية والفقهية، فضلاً عن أنّه لم يُدرَس في دراسةٍ أكاديميةٍ على مستوى الدراسات العُليا في مجال أصول الفقه(٣).
أهمية البحث
يجيب البحث على تساؤلات عدة أهمها: ما هي موارد الإبداع الأصولي عند السيد أبي القاسم الخوئي؟ وهل يُعد السيد الخوئي صاحب مدرسةٍ في أصول الفقه؟ وما هي معالم مدرسته الأصولية وهل طبّق ما أبدعه من أصول فقهية في بحثه الفقهي أو لا؟.
صعوبات البحث
تتجلّى صعوبات البحث في ما يلي:
١- الدقة العلمية لأسلوب البحث الأصولي عند السيد الخوئي؛ لأنّه يمثّل -بمعية أساتذته وتلامذته- قمّة ما وصل إليه علم أصول الفقه عند الإمامية؛ لانفتاح باب الاجتهاد عندهم، مما يؤدي إلى ديمومة البحث الأصولي ونضوجه حيناً بعد حين، وهذا يستلزم بطبيعة الحال الدقة في التركيز وسعة الاطلاع في العلوم الحوزوية، لاسيّما وأن أسلوب أساتذة السيد الخوئي كالمحقق الأصفهاني يمتاز بالأسلوب العقلي والفلسفي.
٢- نقل السيد الخوئي لآراء أساتذته وغيرهم من العلماء بالمضمون في الأعم الأغلب دون النص؛ لأنّه يعتمد على حفظه عند إلقاء دروسه على تلامذته، فيركّز على مضمون الرأي والفكرة؛ وهذا يستوجب جهداً إضافياً للباحث من أجل تخريج الرأي من مصادره.
______________________________
(١) أمثال: الشيخ باقر الإيرواني في ٢٠١٠/١/٢٥م والشيخ محمد أمين المامقاني في ٢٠١١/٢/٨م والشيخ غالب الناصر بتاريخ ٢٠١١/٢/٨م والشيخ محمد هادي آل راضي في ٢٠١٠/٢/١٧م والشيخ إسحاق الفياض في ٢٠١٠/٢/٢١م، والشيخ بشير النجفي في ٢٠١٠/٣/٢م.
(٢) ظ: المختصر في الحياة العلمية لزعيم الطائفة السيد الخوئي..
(٣) نعم هناك دراسات جامعية حول السيد الخوئي في مجال علم الرجال وعلوم القرآن، ظ: الخفاجي، محمود شاكر، منهج السيد الخوئي في معجم رجال الحديث، رسالة ماجستير، وخميس، محمد عبد الحمزة، البحث القرآني في كتاب البيانللإمام الخوئي، رسالة ماجستير.(ب).
( ٨ )
٣- في كثير من الأحيان يذكر السيد الخوئي إشكالات ودعاوى ونقوض دون أن ينسبها إلى قائلها، كأن يقول: قد يقال..، أو ولا يُنتقض بـ...، وهكذا؛ وهذا يستوجب جهداً ووقتاً في سبيل نسبة الإشكالات والدعاوى إلى أصحابها.
٤- كثرة ودقة المؤلفات الأصولية والفقهية للسيد الخوئي، سواءً أكان بقلمه أم بقلم تلامذته -أي تقريرات بحثه الأصولي والفقهي- ومؤلفات أساتذته وتلامذته؛ من أجل مقارنة رأيه برأيهم، وملاحظة مناقشات تلامذته لرأيه الأصولي؛ كل ذلك أعطى للبحث صعوبة إضافية.
٥- عدم استمرارية مجال البحث في مرحلة الماجستير للباحث عنها في مرحلة الدكتوراه، فقد كانت مرحلة الماجستير في علم الكلام (١)، والآن في علم أصول الفقه.
منهج البحث
١- تبويب الأطروحة على أساس موارد الإبداعات الأصولية البارزة للسيد الخوئي والتي يُشار إليه بها عند مَنْ عاصره من العلماء.
٢- أورد البحث آراء السيد الخوئي بأسلوبٍ أكاديمي ضمن محاور ونقاط في أغلب الأحيان، من خلال التصرف بعبارته من دون الإخلال بقوة عبارته الأصولية.
٣- مقارنة رأي السيد الخوئي برأي أساتذته، وبيان ما أضافه في علم أصول الفقه.
٤- الإشارة إلى منشأ الآراء التي تبنّاها السيد الخوئي، لاسيّما في مبحث التعهّد ومباحث الاستصحاب.
٥- نسبة الأقوال والإشكالات إلى أصحابها والتي ذكرها السيد الخوئي دون أن ينسبها إليهم.
٦- أورد الباحث مناقشات بعض تلامذة السيد الخوئي لآرائه الأصولية، مركزاً على ما ذكره السيد محمد باقر الصدر والسيد كاظم الحائري والشيخ إسحاق الفياض، مع إبداء ما يلحظه الباحث على مناقشاتهم أحياناً.
٧- ذكر الباحث التطبيقات الفقهية للآراء الأصولية للسيد الخوئي بعضها على نحوالتفصيل والآخر على نحو الإجمال روماً للاختصار وضمن فصول الأطروحة.
٨- محاولة تطبيق ما ذكره البحث من ضابط لمفهوم المدرسة على الآراء الأصولية للسيد الخوئي.
______________________________
(١) رسالة الماجستير للباحث هي: البحث الكلامي عند الشيخ الأميني في كتابه الغدير..
( ٩ )
٩- اكتفى البحث بذكر اسم المؤلف والكتاب في الهامش؛ لأنّ هوية الكتاب كاملة ستذكر في ثبت المصادر والمراجع، مع الاكتفاء بذكر سنة الوفاة في ترجمة الأعلام المذكورين في الأعم الأغلب؛ كل ذلك طلباً للاختصار، وبحسب توجيهات الأستاذ المشرف.
خطة البحث
انتظم البحث بعد مقدمةٍ وتمهيدٍ في ثلاثة فصول:
عنى المبحث التمهيدي ببيان مفهوم «المدرسة» ومحاولة وضع الضابط والمناط فيها، ضمن المطلب الأول، وجاء المطلب الثاني لتسليط الضوء على الحياة العلمية للسيد الخوئي.
واشتمل الفصل الأول على مباحث الألفاظ وضمن أربعة مباحث:
المبحث الأول: تحت عنوان الوضع، والبحث فيه بمطلبين:
المطلب الأول: عنى بنظرية التعهّد في وضع الألفاظ.
والمطلب الثاني: في المعنى الحرفي، ذُكر فيه آراء الأصوليين فيالمعاني الحرفية وبيان مختار السيد الخوئي وهو التحصيص في وضع الحروف.
أما المبحث الثاني: فهو مبحث الإطلاق تضمن خمسة مطالب:
المطلب الأول: الإطلاق لغةً واصطلاحاً
والمطلب الثاني: في أقسام الإطلاق
والمطلب الثالث:في بيان مقدمات الحكمة
والمطلب الرابع: في التقابل بين الإطلاق والتقييد
والمطلب الخامس: مختار الخوئي في الإطلاق والأخبار العلاجية.
أما المبحث الثالث: فهو مفهوم الوصف، لبيان التفصيل الذي ذكره السيد الخوئي في حجية مفهوم الوصف، وانتظم في ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: ضابط المفهوم
المطلب الثاني: آراء الأصوليين في مفهوم الوصف
المطلب الثالث: مفهوم الوصف عند السيد الخوئي
( ١٠ )
المبحث الرابع: تطبيقات فقهية، تضمّن ثلاثة عشر تطبيقاً لما تقدّم من مطالب أصولية لمباحث الألفاظ وفي أربعة مطالب:
المطلب الأول: تطبيقات التعهد
المطلب الثاني: تطبيقات الإطلاق
المطلب الثالث: تطبيقات المعنى الحرفي
المطلب الرابع: تطبيقات مفهوم الوصفأما الفصل الثاني: في مباحث الظن، وقد انطوى في ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: في حجية الإجماع، وذكر وجوه وأدلة حجية الإجماع المنقول والمحصّل، وقد تضمن ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: الإجماع لغةً واصطلاحاً
المطلب الثاني: حجية الإجماع المنقول
المطلب الثالث: أدلة حجية الإجماع المحصّل
أما المبحث الثاني: حجية الشهرة، وقد انتظم في مطلبين:
المطلب الأول: الشهرة لغةً واصطلاحاً
المطلب الثاني: أدلة الشهرة بأقسامها ومناقشتها
المبحث الثالث: التطبيقات الفقهية، تضمّن اثنتان وستين تطبيقاً لما تقدّم من مطالب أصولية في مطلبين:
المطلب الأول: تطبيقات الإجماع
المطلب الثاني: تطبيقات الشهرة
أما الفصل الثالث: في مباحث الاستصحاب؛ لبيان ما ذهب إليه في أمارية الاستصحاب، وعدم جريانه في الشبهات الحكمية ولإضافته قسماً جديداً في أقسام استصحاب الكلي، ولذا جاء هذا الفصل في أربعة مباحث:
المبحث الأول: أمارية الاستصحاب، لأن السيد الخوئي يرى أنّ الاستصحاب أمارة وليس أصلا، وقد تضمن ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: الاستصحاب لغةً واصطلاحاً
( ١١ )
المطلب الثاني: الفرق بين الأصل والأمارة
المطلب الثالث: تقديم الأمارات على الاستصحاب
المبحث الثاني: عدم جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية؛ باعتباره من
معالم البحث الأصولي عند السيد الخوئي، وانتظم في مطالب ثلاثة:
المطلب الأول: تبنّي الخوئي لرأي النراقي.
المطلب الثاني: مناقشة الإشكالات الواردة على رأي النراقي.
المطلب الثالث: استثناء الأحكام غير الإلزامية والشبهات الحكمية الوضعية
المبحث الثالث: استصحاب الكلي، وقد انتظم هذا المبحث في مطلبين:
المطلب الأول: أقسام استصحاب الكلي
المطلب الثاني: الإشكالات على أقسام استصحاب الكلي
المبحث الرابع: التطبيقات الفقهية، تضمّن خمسا وثلاثين تطبيقاً لما تقدّم من آراءٍ أصولية في مباحث الاستصحاب.
ثم النتائج وخلاصة البحث
وثبت المصادر والمراجع
وفي الختام أشكر سلفا أعضاء لجنة المناقشة وأنا على يقين أنّ البحث يزدان بملاحظاتهم عُمقا ورَونقا، ولا أدّعي الكمال في بحثي هذا؛ فالكمال لله وحده سبحانه، ولكن حاولت عرضه بشكل ينسجم مع اللغة العلمية للسيد الخوئي (قدس سره)، وعملت جاهداً أن يأتي البحث بصورة تليق بمكانة كلية الفقه في الأوساط العلمية، فإن أصبت فبتوفيقٍ من الله عزّ وجل، وإن أخطأت فهو من عجزي وقلة حيلتي.
وآخر دعوانا ﴿... أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ سورة يونس: ١٠.
الباحث
( ١٢ )
التمهيد
المطلب الأول: مفهوم المدرسة الأصولية
المطلب الثاني: الحياة العلمية للسيد الخوئي
( ١٣ )
المدرسة الأصولية والحياة العلمية للسيد الخوئي
ويشمل ما يأتي:
١- مفهوم «المدرسة» بعامّة
٢- مفهوم «المدرسة الأصولية» بخاصّة
أما ١- مفهوم «المدرسة» بعامّة
فليس هناك تحديد واستعمال دقيق لمصطلح المدرسة عند قدماء فقهاء المسلمين ومتأخريهم على وجه العموم بل إنّه من مستحدثات العصر الحديث؛ فلذلك لم يحدد تحديداً قاطعاً عند من استعمله(١) بل يطلق ويراد منه المعنى اللغوي، وعليه إذا أطلق يتبادر إلى الذهن: المكان المخصّص المحاط بالبناء والذي يجتمع فيه طلاب العلم للأخذ عن العلماء على منهجٍ معينٍ وصورةٍ معينة، والظاهر أنّهم أطلقوها وأرادوا منها دراسة حقبةٍ معينةٍ من الزمن في بلدٍ معينٍ، توافر فيه علماء، درس عليهم جمع غفير من التلاميذ وقصدهم طلاب العلم من كل فجٍ، فأخذوا منهم وتأثّروا بهم ونشروا آراءهم ومناهجهم واختياراتهم العلمية ودوّنها العلماء من بعد ذلك في كتبهم(٢).
فعلى هذا يكون إطلاق المدرسة أولاً وبالذات على المكان الذي يُدرَّس فيه ثم اُستعير على حقبة زمنية معينة.
وبحدود هذا الإطلاق يمكن تعريف «المدرسة» بأنّها مجموعة من الأشخاص ينتمون إلى معلمٍ واحدٍ ويقتفون مذهبه وإنْ اختلفت نظرة كلٍ منهم في نتائج تفكيره(٣). كما أنّ هذا التعريف يُظهر أنّ إطلاق «المدرسة» يكون على الأشخاص من دون المكان.
______________________________
(١) ينظر على سبيل المثال: الهلول، بسام عبد الكريم، مدرسة الكوفة في الفقه والتشريع من٥٠- ١٥٠هـ وأمين القضاة، مدرسة الحديث في البصرة حتى القرن الثالث الهجري والشريف الكتاني، محمد بدر الدين، في مدرسة الكوفة الفقهية (دراسة مقارنة بين الإمامين إبراهيم النخعي وأبي حنيفة) والعمر، عبدالله بن محمد، الأخلاق بين المدرستين السلفية والفلسفية (مسكويه وابن القيم أنموذجا) جامعة الإمام محمد بن سعود، وبوهان، زينب خضير، مدرسة الإمام الرضا (عليه السلام) في علم الحديث..
(٢) ظ: موسى، محمد الثاني عمر، المدرسة الحديثية في مكة والمدينة وأثرها في الحديث وعلومه من نشأتها حتى نهاية القرن الثاني الهجري: ٢.
(٣) حمادة، حسين صالح، دراسات في الفلسفة الإسلامية: ١/٧٩.
( ١٤ )
وقد تطلق المدرسة ويراد منها: مجموعة من الأسس الفكرية المنتظمة التي تتكفّل ترشيد الفكر في مسيرة تكامله، لتحقيق الهدف المتوخّى من دراسته(١)، فإطلاق المدرسة هنا يكون على الأسس الفكرية المنتظمة.
ويرى أحد الباحثين أنّ للمدرسة أربعة مقوّمات: المكان، المدرّس، التلاميذ، الإنتاج الفكري(٢).
يتبيّن ممّا تقدّم أنّ كل هذه المحاولات في إيجاد تعريف لمفهوم «المدرسة» قاصرة عن الوفاء بالمعنى الدقيق لها، ولذا ينبغي بيان الضابط فيما يصدق مفهوم «المدرسة»على شيءٍ ما.
ويمكن أنْ يقال: إنّ الضابط في صدق مفهوم «المدرسة» هو أنْ تكون لها آراؤها الخاصة ومنهجها في التفكير وطريقتها في الاستدلال(٣).
ويرى الشيخ باقر الإيرواني (معاصر) أنّ العالم لكي يصح أنْ نصفه بأنّه صاحب مدرسة إذا كانت له آراءٌ في أمهات المسائل الأصولية -كمنجزيّة العلم الإجمالي وقاعدة قبح العقاب بلا بيان مثلاً- تؤثّر على المسائل الفرعية(٤).
ومما ينبغي الإشارة إليه أنّ أية مدرسةٍ لا يمكن أنْ تأتي عن فراغٍ بل لا بدّ لها من تأثّرات وإفادات من العلوم أو المدارس السابقة عليها، فتتشكّل مدرسةً ومنهجاً من التراكمات المعرفية التي انتقلت إليها عبر الزمن(٥)، وبالتالي تكون المدرسة اللاحقة امتداداً للمدرسة السابقة(٦).
وإنّ لكل مدرسةٍ رائداً يمتاز بأنّه: (حامل لواء ذلك الفن وأنّه أصلح ما رأى من الحاجة في الفن من الإصلاح وطوّر المسائل التي كان فيها خمول أو نقصان أو أضاف بعض المسائل)(٧).
٢- مفهوم «المدرسة الأصولية» بخاصّة
أما بخصوص المدرسة الأصولية فالضابط هو: الجدّة والأصالة بالمنهج الأصولي وتنقيح المباني للوصول إلى الرأي الراجح منها أو الاستقلال برأي خاص قد تنفرد به عمّا سبقها.
______________________________
(١) المبلّغي، أحمد، لمحات حول المدرسة الأصولية للإمام الخميني، بحث منشور على الإنترنت www.islamicfegh.com.
(٢) القريشي، مظاهر جاسم، مدرسة الكوفة في تفسير القرآن العظيم حتى القرن الثالث الهجري: ١١.
(٣) ظ: المظفر، محمود محمد حسن، المعتزلة مدرسة أم مذهب؟ بحث منشور في مجلة النجف الأشرف: ٢٣و المعتزلة جار الله، زهدي حسن: ٢٤١.
(٤) جاء ذلك في لقاءٍ مع سماحته بتاريخ ٩/جمادى الثانية / ١٤٣٣هـ..
(٥) ظ: زاهد، عبد الأمير، الفقه الدستوري في مدرسة النجف الأشرف مساهمة وإثراء، من بحوث المؤتمر العلمي الأول في كلية الفقه: ٩٥.
(٦) ظ: الآصفي، محمد مهدي، مقدمة الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية: ٧٣.
(٧) جاء ذلك في سؤال وجّهته إلى الشيخ بشير حسين الباكستاني النجفي بتاريخ ١/ربيع الثاني/١٤٣١هـ..
( ١٥ )
وعلم أصول الفقه على ما رجّح السيد الخوئي (قدس سره) في تعريفه أنّه: (العلم بالقواعد التي تقع بنفسها في طريق استنباط الأحكام الشرعية الكلية الإلهية من دون حاجة إلى ضميمة كبرى أو صغرى أصولية أخرى إليها)(١).
يظهر مما تقدم أنّ للمدرسة خصائصَ ومميزات، هي:
١- أنْ تمتاز بالتجديد الفكري في جانب من جوانب العلوم المتعددة سواء أكان على مستوى الإبداع والإضافة المعرفية أم على مستوى التنظيم والتبويب والمنهج.
وليس بالضرورة أنْ تكون هذه الإضافة المعرفية أفقية أي بإضافة آراء ونظريات جديدة بل قد تكون الإضافة عمودية وذلك بزيادة بيانٍ وإيضاح للمطالب العلمية الدقيقة.
٢- أنْ يكون للمدرسة رائدٌ يمتاز بالنبوغ الفكري، يُعدّ صاحب هذه المدرسة؛ بما أضافه من إضافات معرفية في أمّهات المسائل الأصولية.
٣- أنْ تُخرّج هذه المدرسة شخصية أو أكثر من الشخصيات العلمية التي يكون لها أثر واضح في الساحة العلمية، وأنْ تُثمر عن مؤلفاتٍ علميةٍ تكون معيناً للأجيال اللّاحقة.
٤- ليس بالضرورة أنْ تتصف المدرسة بالاستقلالية التامة عمّن سبقتها من المدارس بل قد تكون امتداداً واستمراراً لمن سبقتها.
ومحل البحث «المدرسة الأصولية لدى السيد الخوئي وتطبيقاتها الفقهية»
وعلى هذا الأساس ينبغي أنْ يكون موضوع البحث أو مفهوم المدرسة الأصولية عنده هو ما أضافه السيد الخوئي (قدس سره) في علم أصول الفقه من إبداعاتٍ فكريةٍ وفق منهجيةٍ امتاز بها في أبحاثه الأصولية والتي أثمرت عن مؤلفاتٍ ونتاجاتٍ لها أثرها البالغ في الحوزة العلمية، وما أفاض من تلامذةٍ بلغوا درجة الاجتهاد والمرجعية، وبذلك كله تتجلى معالم مدرسته الأصولية.
كتب السيد الخوئي سيرته الذاتية بنفسه في كتابه «معجم رجال الحديث» جرياً على عادة الرجاليين في تحرير تراجمهم عندما يصل الدورالى اسمهم(٢)، فهو أبو القاسم بن علي أكبر بن هاشم الموسوي الخوئي ولد في بلدة (خوي) من بلاد أذربيجان، في الليلة ١٥، من شهر رجب، سنة ١٣١٧ه (الموافق ١٩/ ١١/ ١٨٩٩م)، وبها نشأ مع والده وإخوته، وأتقن القراءة والكتابة وبعض المقدمات
______________________________
(١) الفياض، إسحاق، محاضرات في أصول الفقه، تقريرات أبحاث الخوئي: ١/١١.
(٢) ظ: الطوسي، محمد بن الحسن، الفهرست: ٢٤٠ والعلّامة الحلي، الحسن بن يوسف، خلاصة الأقوال: ١١٠ والحر العاملي، محمد بن الحسن، أمل الآمل: ١/١٤١.
( ١٦ )
الحوزوية، حتى حدث الاختلاف الشديد بين الأمة لأجل حادثة المشروطة*، فهاجر والده من أجلها إلى النجف الأشرف سنة ١٣٢٨ه، والتحق السيد الخوئي به في سنة ١٣٣٠ه برفقة أخيه الأكبر السيد عبدالله الخوئي، وبقية أفراد عائلته(١).
ويشارالى أنّ السيد الخوئي بقي في النجف الأشرف ثمانين عاماً، لم يخرج منها سوى ثلاث سنوات اُنتدب في أثنائها للتدريس في كربلاء المقدسة من السيد حسين القمي (ت: ١٣٦٦هـ)(٢).
عندما وصل السيد الخوئي النجف الأشرف -الجامعة الدينية للشيعة الإمامية- ابتدأ بقراءة العلوم الأدبية والمنطق، ثم قرأ الكتب الدراسية الأصولية، والفقهية، لدى كثير من أعلامها، منهم والده السيد علي أكبر الخوئي، وأنهى دراسة المقدمات والسطوح خلال ست سنوات، ثم حضر الدروس العليا «بحث الخارج» على أكابر المدرّسين في سنة ١٣٣٨ه، خصّ بالذكر منهم أساتذته الخمسة، وهم:
١- آية الله فتح الله، المعروف بـ (شيخ الشريعة الأصفهاني)(ت: ١٣٣٩هـ).
٢- آية الله الشيخ مهدي المازندراني (ت: ١٣٤٢هـ).
٣- آية الله الشيخ محمد حسين النائيني (ت: ١٣٥٥هـ).
٤- آية الله الشيخ ضياء الدين العراقي (ت: ١٣٦١هـ).
٥- آية الله الشيخ محمد حسين الأصفهاني (ت: ١٣٦١هـ).
وأشار السيد الخوئي إلى أنّ أكثر من تتلمذ عليهما فقهاً وأصولاً هما الشيخ النائيني والشيخ العراقي، وأنّ المرحوم النائيني آخر أستاذ لازمه، فقد حضر على كل منهما دورة كاملة في الأصول، وكتب عدة في الفقه ولسنين عدة، وكان السيد أبو القاسم الخوئي يقرر بحث كل منهما على جمع من الحاضرين في البحث، وفيهم غير واحد من الأفاضل وهي بدايات تدريسه للبحث الخارج،
______________________________
* وهي حركة المحقق محمد حسين النائيني التي دعا فيها إلى إقامة حكومة دستورية غير استبدادية في إيران، وأنّ نظام الحكم المنتخب ينبغي أنْ يستند على رأي الأكثرية المتمثلة بالبرلمان، وهي مصدر مشروعية النظام، وممن أيّدها المحقق الآخوند والسيد علي أكبر الخوئي، وممن عارضها السيد محمد كاظم اليزدي، في الفترة ١٩٠٤م -١٩٠٦م، ظ: الغرابي، حميد جاسم عبود، الفقة الدستوري عند الإمام النائيني: ٣١٧ والأمين، عبد الحسن، وحمادة، طراد، الإمام أبو القاسم الخوئي زعيم الحوزة العلمية: ٤٨- ٥٠.
(١) ظ: الخوئي، أبو القاسم، معجم رجال الحديث، ترجمة رقم ١٤٧٢٧: ٢٣/٢٠.
(٢) ظ: الصغير، محمد حسين علي، أساطين المرجعية العليا في النجف الأشرف: ٢٦٥.
( ١٧ )
وكان ذلك في حياة استاذه الميرزا النائيني وكان عمره الشريف آنذاك ستة وعشرين عاماً، ولدى وفاة استاذه الميرزا النائيني سنة ١٣٥٥هـ استقل بالبحث الخارج وعمره ثمانية وثلاثون عاما(١).
وقد بدأ السيد الخوئي الدورة الأولى في الأصول بشكل منظّم بثمانية تلاميذ، هم:
١- السيد موسى السيد جعفر بحر العلوم (ت: ١٤١١هـ).
٢- الشيخ علي الشيخ حسين الصغير (ت: ١٣٩٥هـ).
٣- الشيخ سلمان الشيخ عبد المحسن الخاقاني (ت: ١٤٠٨هـ).
٤- الشيخ محمد تقي الشيخ جواد الإيرواني (ت: ١٤٢٦هـ).
٥- السيد محمد السيد جعفر الشيرازي.
٦- الشيخ أحمد الشيخ هادي الطرفي.
٧- السيد محمد السيد سلطان كلانتر (ت: ١٤٢٠هـ).
٨- السيد محمد السيد محمود الروحاني (ت: ١٤١٤هـ).
لم يكتفِ السيد الخوئي (قدس سره) بدراسة علميَ الفقه والأصول وإنما درس العلوم الإسلامية الأخرى عند أساتذة وشيوخ من كبار عصره(٢)، منهم:
١- آية الله الشيخ محمد جواد البلاغي (ت: ١٣٥٢هـ): كان أستاذاً في علم الكلام والعقائد والتفسير، لا نظير له في عصره في حوزة النجف الأشرف، وقد استفاد كثيرٌ من الباحثين من آثاره العلمية في حوار المسيحيين والماديين.
٢- آية الله السيد علي القاضي (ت: ١٣٨٠هـ): عارف عصره ومعلم الأخلاق، له الدور الفاعل والأساس في مراحل سير السيد الخوئي وسلوكه.
٣- آية الله السيد حسين البادكوبي (ت: ١٣٥٨هـ): كان أستاذاً لا ينازعه أحد في الفلسفة والعرفان في حوزة النجف الأشرف، وقد درس السيد الخوئي هذين الفرعين عنده لمدة من الزمن.
٤- آية الله السيد أبو القاسم الخوانساري (ت: ١٣٥٨هـ): كان أستاذ السيد الخوئي في الرياضيات العالية.
٥- آية الله السيد عبد الغفارالمازندراني (ت: ١٣٦٥هـ): العالم الورع التقي، وقد حضر السيد الخوئي عنده درس الأخلاق.
______________________________
(١) ظ: الخوئي، أبو القاسم، معجم رجال الحديث:٢٣/٢٠- ٢١.
(٢) ظ: الأمين، عبد الحسن، وحمادة، طراد، الإمام أبو القاسم الخوئي زعيم الحوزة العلمية: ١٢٢- ١٢٣.
( ١٨ )
يقول السيد الخوئي في هذا الصدد: (ولي في الرواية مشائخ أجازوني أنْ أروي عنهم كتب أصحابنا الإمامية، وغيرهم، ولذا أروي بعدة طرق كتبنا الأربعة (الكافي -الفقيه- التهذيب - الاستبصار)، والجوامع الأخيرة (الوسائل -البحار- الوافي)، وغيرها من كتب أصحابنا (قدس الله سرهم)، فمن تلك الطرق ما أرويه عن شيخي النائيني، عن شيخه النوري، بطرقه المحررة في خاتمة كتابه (مستدرك الوسائل) المعروفة ب (مواقع النجوم)، المنتهية إلى أهل بيت العصمة والطهارة)(١).
عندما بدأ السيد أبو القاسم الخوئي الحضور في دروس البحث الخارج سنة ١٣٣٨هـ، أثبت بكفاءته العلمية أنّه من أبرز تلامذة المحقق محمد حسين النائيني (ت: ١٣٥٥هـ) حتى صار يُشار إليه بالبنان، وشهد له باجتهاده وبمقامه العلمي جمعٌ من أساطين الحوزة العلمية وفقهائها ومراجعها، أمثال: المحقق النائيني، والمحقق العراقي، والمحقق محمد حسين الأصفهاني والشيخ محمد جواد البلاغي، وذلك سنة ١٣٥٢هـ(٢)، أي بعد أربع عشرة سنة من حضور دروس البحثً الخارج.
وقد نصّ المحقق محمد حسين الأصفهاني (ت: ١٣٦١هـ) على إجازة اجتهاد السيد أبي القاسم الخوئي بقوله: (... جناب السيد أبو القاسم الخوئي النجفي دامت تأيداته وإفاداته، قد حضر على غير واحد من الأعيان وعليَّ شطراً وافياً من الزمان لتحقيق المباحث العلمية من العقلية والنقلية، وتنقيح القواعد الأصولية والمباني الفقهية... حتى فاز وله الحمد بالمراد وحاز درجة الاجتهاد... كما أنّه له التصدي لوظائف الفقيه... محمد حسين النجفي الأصفهاني في ٢٢محرم الحرام ١٣٥٠هـ)(٣).
كما نال السيد الخوئي إجازة الاجتهاد من استاذه المحقق محمد حسين النائيني جاء فيها: (... لا يخفى أنّ فضيلة صفوة المجتهدين العظام ركن الإسلام السيد أبو القاسم سلّمه الله تعالى، مضافاً إلى كونه من أجلّ وأفاضل المجتهدين العظام، فإنّه مأذونٌ ومجازٌ من قِبلي للتصدي للأمور الحسبية* التي تكون في عصر
______________________________
(١) معجم رجال الحديث: ٢٣/ ٢١.
(٢) ظ: البهادلي، علي، ومضات من حياة الإمام الخوئي: ١٧.
(٣) الأمين، عبد الحسن، وحمادة، طراد، الإمام أبو القاسم الخوئي زعيم الحوزة العلمية: ١٣٤ - ١٣٥.
* وهي الأمور القربية التي لا مناص من تحققها في الخارج، ولا يمكن للشارع إهمالها، وتكون الولاية فيها للفقيه أو وكيله، مثل التصرّف بأموال القصّر-من الأيتام والمجانين-
وتزويجهم، والتولية على الأوقاف التي لا متولّي لها، والولاية على مجهول المالك وأموال الغائب، والوصايا التي لا وصي لها، ظ: الغروي، علي، التنقيح في شرح العروة الوثقى، كتاب الاجتهاد والتقليد، تقريرات أبحاث أبي القاسم الخوئي: ١/٤٢٣ - ٤٢٥.
( ١٩ )
الغيبة على المغيّب وآبائه الطاهرين أفضل الصلاة والسلام منوطة بإذن من له الولاية عليها، ...، ١٩شهر شوال ١٣٥٣هـ. الأحقر محمد حسين الغروي النائيني)(١).
كما أنّ للسيد الخوئي (قدس سره) إجازتين بالاجتهاد من المحقق العراقي والسيد أبي الحسن الأصفهاني(٢).
بعد وفاة السيد محسن الحكيم (ت: ١٣٩٠هـ) صارت المرجعية الدينية يتقاسمها أكثر من فقيه، فقد كانت بين آية الله السيد محمود الشاهرودي (ت: ١٣٩٢هـ) وبين السيد أبي القاسم الخوئي (ت١٤١٣هـ)، إلّا أنّ زعامة السيد الشاهرودي ومرجعيته لم تنتشر على نطاق واسع ولم تمتد في أوساط المسلمين العرب مثلما امتدت زعامة ومرجعية السيد الخوئي، وحتى عند المسلمين غير العرب لم تكن نسبة المقلّدين كما هي للسيد الخوئي(٣).
تربّع السيد الخوئي على كرسي الدرس في النجف الأشرف مدة من الزمن تزيد على نصف قرن(٤)، وقد تنوّعت مجالات تدريس السيد الخوئي للعلوم الحوزوية، وفي ثلاثة محاور أساسية، هي:
في هذا الصدد يذكر السيد الخوئي في ترجمته لنفسه، مانصّه: (وقد أكثرت من التدريس، وألقيت محاضرات كثيرة في الفقه والأصول، والتفسير، وربّيت جماً
______________________________
(١) الأمين، عبد الحسن، وحمادة، طراد، الإمام أبو القاسم الخوئي زعيم الحوزة العلمية: ١٣٥.
(٢) ظ: المصدر نفسه: ١٣٦.
(٣) ظ: الواسطي، أحمد، سيرة وحياة الإمام الخوئي: ٤٩ والشاهرودي، نور الدين، كبار العلماء والمراجع في الماضي والحاضر:١٦١.
(٤) ظ: الأمين، عبد الحسن، وحمادة، طراد، الإمام أبو القاسم الخوئي زعيم الحوزة العلمية: ٢٠٠.
( ٢٠ )
غفيراً من أفاضل الطلاب في حوزة النجف الأشرف، فألقيت محاضراتي في الفقه «بحث الخارج»دورتين كاملتين لمكاسب الشيخ الأعظم الأنصاري (قدس سره). كما درّست جملة من الكتب الأخرى، ودورتين كاملتين لكتاب الصلاة، وشرعت في ٢٧ ربيع الأول سنة ١٣٧٧ ه في تدريس فروع«العروة الوثقى»لفقيه الطائفة السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي، مبتدئا بكتاب«الطهارة»، حيث كنت قد درست «الاجتهاد والتقليد» سابقا، وقطعت شوطاً بعيداً فيها -والحمد لله- حيث وصلت إلى كتاب«الإجارة»، فشرعت فيه في يوم ٢٦ربيع الأول سنة١٤٠٠ه، وقد أشرفت على إنجازه الآن في شهر صفر سنة ١٤٠١ه)(١).
ويذكر الشيخ محمد إسحاق الفياض أنّ السيد الخوئي (قدس سره) قام بإلقاء الدروس العليا (بحث الخارج) في الفقه والأصول على جمعٍ من الفضلاء ذوي الكفاءة واللياقة لا يقل عددهم عن أربعمائة أو خمسمائة نفر(٢).
وضّح السيد الخوئي تدريسه لعلم أصول الفقه بقوله: (وألقيت محاضراتي في الأصول (بحث الخارج) ست دورات كاملات، أما السابعة فقد حال تراكم أشغال المرجعية دون إتمامها، فتخلّيت عنها في مبحث الضد)(٣). وتقدّر مدّة الدورة الأصولية عند سماحته بين خمس سنين إلى ست سنوات، وهذا يعني أنّه أمضى حوالي ثلاثين عاماً مدرِّساً للأصول في البحث الخارج، مجدداً في مدرسة الأصول عند الشيعة الإمامية التي بلغت على يديه المرحلة التاسعة(٤).
وذكر الشيخ الفياض أنّ السيد الخوئي (قدس سره) شرع بتدريس البحث الخارج للأصول ولم يتجاوز عمره الشريف خمساً وعشرين سنة(٥).
شرع السيد الخوئي (قدس سره) بتدريس تفسير القرآن الكريم برهةً من الزمن وكان يودّ انتشار هذا الدرس في الحوزة وتطويره(٦). ولذا كان له الدور الريادي في إدخال مادة تفسير القرآن الكريم ضمن أبحاث الخارج في الحوزة العلمية في النجف الأشرف.
وقد واصل السيد الخوئي تدريسه لهذه العلوم في مدة تزيد على نصف قرن ولم يتوقف إلا في الضرورات كالمرض والسفر، إذ تشرّف بحج بيت الله الحرام عام
______________________________
(١) معجم رجال الحديث:٢٣/٢٠- ٢١.
(٢) ظ: الفياض، إسحاق، المختصرفي الحياة العلمية لزعيم الطائفة السيد الخوئي: ١٦.
(٣) معجم رجال الحديث:٢٣/ ٢١.
(٤) كرجي، أبو القاسم، نظرة في تطور علم الأصول: ٢٩.
(٥) ظ:الفياض، إسحاق، المختصر في الحياة العلمية لزعيم الطائفة السيد الخوئي: ١٧.
(٦) الخوئي، أبو القاسم، معجم رجال الحديث:٢٣/ ٢١.
( ٢١ )
١٣٥٣ ه، وتشرّف بزيارة الإمام الرضا (عليه السلام) عام ١٣٥٠، وعام ١٣٦٨ه(١).
إنّ للسيد الخوئي في بحثه الخارج أسلوباً جذّاباً استطاع أنْ يأخذ بمجامع قلوب تلامذته، فقد كان ذا قدرة بيانية متفوّقة؛ لأنّه كان يمتلك وسائل التعبير العربي الفصيح دونما تكلّف أو تردد، وذا قدرة وافية في العرض، من خلال إلمامه بموضوع البحث بجميع عناصره وأبعاده، ويسلسله مرتباً ترتيباً عضوياً، وهذا بدوره يُنبئ عن تضلّعه وتعمّقه في الإحاطة بمادة الدرس، وبعد أنْ يوضّح الموضوع، ويحرّر المسألة يذكر الأدلة، يحلّل ويعلّل ويوازن ويقارن، ويناقش ويحاكم، منتهياً إلى مايراه أو يختار من دليل في هوية ما يسلّمه إليه البحث، بعيداً عن الاستطراد، دقيق النظر، يصطاد النكتة العلمية بمهارة(٢).
تتلمذ السيد الخوئي (قدس سره) على أقطاب المدارس الأصولية المتعاصرة: الشيخ العراقي والشيخ الأصفهاني، والميرزا النائيني، وكان لكل واحد منهم منهجه الخاص، فقد عُرفت مدرسة الأصفهاني بطابعها الفلسفي؛ لأنّ مؤسسها كان حكيما متألّها فضلاً عن تخصّصه في الفقه والأصول، ولذا هيمنت الفلسفة على آفاقه الذهنية ومنطلقات تفكيره.
وعُرفت مدرسة المحقق العراقي بطابعها العلمي الذي نأى بها عن إخضاع الظواهر العلمية لمبادئ الفلسفة ونظرياتها.
وكانت مدرسة المحقق النائيني تجمع بين الطابعين الفلسفي والعلمي. وبمقتضى نضج المنهج طُرحت هذه المدارس الثلاث المتعاصرة كثيرا من الفكر الأصولي القديم، وأضافت كثيرا من الفكر الأصولي الحديث، ولأنّ السيد الخوئي كان من أوعى الطلاب الذين حضروا منابرهؤلاء الأقطاب الثلاثة، إذ صبّت كلها في محيطه العلمي صبّاً حيّاً، استوعبها منهجاً ومادةً، واستطاع أنْ يجمع بينها في مقارنة علمية واعية ومنتجة، كوّنت له مدرسة أصولية خاصة به، فكانت آراؤه الأصولية تُذكر في الدراسات الأصولية إلى جانب آراء أساتذته(٣).
ويقول أحد الباحثين: (لقد كان السيد الخوئي صاحب مدرسة أصولية في الفقه والأصول)(٤).
______________________________
(١) ظ: الفضلي، عبد الهادي، هكذا قرأتهم: ٦٧.
(٢) ظ: المصدر نفسه: ٨٧.
(٣) ظ: الفضلي، عبد الهادي، هكذا قرأتهم: ٨٨.
(٤) آل قاسم، عدنان فرحان، تطور حركة الاجتهاد عند الشيعة الإمامية: ٤٧٧.
( ٢٢ )
ويرى باحث آخر: إنّ السيد الخوئي امتاز بأنّه صاحب مدرسة عقلية خرّجت مجموعة كبيرة من المجتهدين ربما لم يحصل ذلك لفقيه آخر في تاريخ الزعامة الشيعية من قبل(١).
تمكّن السيد الخوئي من إعداد نخبة كبيرة من العلماء والمجتهدين الذين حضروا بحثه وانتهلوا من فيض علمه، وهذه نخبة منهم مرتبة بحسب حروف الهجاء:
١- السيد أبو القاسم الكوكبي.
٢- الشيخ أحمد البهادلي (معاصر).
٣- الشيخ محمد إسحاق الفياض (معاصر).
٤- الشيخ باقر الإيرواني (معاصر).
٥- الشيخ باقرشريف القرشي (ت: ١٤٣٣هـ).
٦- الشيخ بشير حسين الباكستاني النجفي (معاصر).
٧- الشيخ الميرزا جواد التبريزي (ت: ١٤٢٧هـ).
٨- السيد رضا الخلخالي (ت: ١٤١١هـ).
٩- الشيخ رضا اللطفي.
١٠- السيد عبد الرزاق المقرّم (ت: ١٣٩١هـ).
١١- الشيخ عبد الأمير قبلان (معاصر).
١٢- الشيخ عبد الهادي الفضلي (معاصر).
١٣- السيد علاء الدين بحر العلوم*.
١٤- السيد علي البهشتي (ت: ١٤٢٤هـ).
١٥- السيد علي الحسيني الشاهرودي (ت: ١٣٧٦هـ).
١٦- الشيخ الميرزا علي الغروي التبريزي (ت: ١٤١٩هـ).
١٧- السيد علي بن محمد باقر الحسيني السيستاني (معاصر).
١٨- الشيخ غلام رضا عرفانيان.
١٩- الشيخ فخر الدين الزنجاني (ت: ١٤١٣هـ)
٢٠- السيد كاظم الحائري (معاصر).
______________________________
(١) الواسطي، أحمد، سيرة وحياة الإمام الخوئي: ٤٩.
* أعتقل في شهر رمضان عام ١٩٩٠م، ولا تُعلم سنة وفاته، ظ: بحر العلوم، محمد علي، مصابيح الأصول، تقريات أبحاث السيد أبي القاسم الخوئي، المقدمة: ٢٣.
( ٢٣ )
٢١- السيد محمد باقر بن حيدر الصدر (ت: ١٤٠٠هـ).
٢٢- السيد محمد تقي الحكيم (ت: ١٤٢٤هـ).
٢٣- السيد محمد تقي بن أبي القاسم الخوئي (ت: ١٤١٥هـ)
٢٤- الشيخ محمد تقي الجعفري.
٢٥- الشيخ محمد تقي بن عبد الرسول الجواهري*.
٢٦- السيد محمد حسين فضل الله (ت: ١٤٣٢هـ).
٢٧- السيد محمد سَرْوَر الواعظ البهسودي (ت بحدود ١٤٠١هـ).
٢٨- الشيخ محمد علي التوحيدي (ت: ١٣٩٥هـ).
٢٩- السيد محمد بن محمود الحسيني الروحاني (ت: ١٤١٤هـ).
٣٠- السيد محمد بن محمود الشاهرودي (معاصر).
٣١- الشيخ محمد مهدي بن علي محمد الآصفي (معاصر).
٣٢- السيد محمد مهدي الخلخالي.
٣٣- الشيخ محمد مهدي شمس الدين.
٣٤- السيد محمد مهدي الخرسان (معاصر).
٣٥- الشيخ محمد هادي آل راضي (معاصر).
٣٦- السيد محمود بن علي أصغر الشاهرودي الهاشمي (معاصر).
٣٧- السيد محي الدين بن محمد جواد الغريفي البحراني (ت: ١٤١٢هـ).
٣٨- الشيخ مرتضى بن علي محمد البروجردي (ت: ١٤١٨هـ).
٣٩- الشيخ مصطفى بن محمد تقي الهرندي (معاصر).
٤٠- الشيخ حسين وحيد الخراساني (معاصر). وغيرهم.
وقد أوصل أحد الباحثين تلامذة السيد أبي القاسم الخوئي إلى ستمائة وسبعة عشر تلميذاً(١).
______________________________
* اُعتقل في ١٩٨٠م /١٤٠٠هـ على أيدي البعثيين، وانقطعت أخباره منذ ذلك التاريخ، ظ: الجواهري، حسن محمد تقي، غاية المأمول في علم الأصول، تقريرات أبحاث السيد أبي القاسم الخوئي، المقدمة: ١/ ١٨.
(١) ظ: الشريف، سعيد، تلامذة الإمام الخوئي، بحث منشور في كتاب الإمام الخوئي المرجع الشيعي الأكبر: ٦٧٧ - ٦٩٥.
( ٢٤ )
ترك السيد الخوئي (قدس سره) نتاجات علمية خالدة في الفقه والأصول والتفسير، تعبّر عن باعه الطويل وتخصّصه في العلوم الدينية، وآثاره العلمية هي:
أولا: آثاره في علم الفقه:
للسيد أبي القاسم الخوئي تأليفات عديدة في علم الفقه(١)، وهي:
١- مباني تكملة المنهاج: جزءان، في القضاء والحدود، والقصاص والديات.
٢- تكملة منهاج الصالحين.
٣- تهذيب وتتميم منهاج الصالحين.
٤- المسائل المنتخبة.
٥- مستحدثات المسائل(٢).
٦- تعليقة على العروة الوثقى.
٧- رسالة في اللباس المشكوك، طُبعت مع رسائل أخرى في الموسوعة الأخيرة للسيد الخوئي(٣).
٨- منتخب الرسائل.
٩- تعليقة على المسائل الفقهية.
١٠- منتخب توضيح المسائل للسيد حسين البروجردي.
١١- تعليقة على توضيح المسائل للسيد حسين البروجردي، طبعت مستقلة ثم اُدرجت في المتن.
١٢- تلخيص المنتخب.
١٣- مناسك الحج (عربي). مناسك الحج (فارسي).
١٤- تحرير العروة الوثقى.
١٥- رسالة في تحقيق الكر.
١٦- رسالة في حكم أواني الذهب.
١٧- رسالة «إضاءة القلوب في تحقيق المغرب والغروب»(٤).
١٨- رسالة في قاعدة التجاوز(٥).
______________________________
(١) ظ: الخوئي، أبو القاسم، معجم رجال الحديث: ٢٣/ ٢٢.
(٢) ظ: مجمع الفكر الإسلامي، موسوعة مؤلفي الإمامية: ٣/٤٦٢.
(٣) ظ: مؤسسة الخوئي الإسلامية، موسوعة الإمام الخوئي، مجمع الرسائل ج ٤٩.
(٤) ظ: الطهراني، محسن المعروف بـ أغا بزرك، الذريعة إلى تصانيف الشيعة: ٢/٢١٣.
(٥) ظ: المصدر نفسه..
( ٢٥ )
وكُتبت دروسه في البحث الخارج للفقه بيد تلامذته وتسمى بالتقريرات، وهي:
١- التنقيح في شرح العروة الوثقى:عشرة أجزاء، من تأليف الشيخ الميرزا علي الغروي، جزء في الاجتهاد والتقليد وتسعة في الطهارة.
٢- مستند العروة الوثقى: ستة عشرجزءً، تأليف الشيخ مرتضى البروجردي، في الصلاة والصوم والزكاة والخمس والإجارة.
٣- التنقيح في شرح المكاسب: خمسة أجزاء، تأليف الشيخ الميرزا علي الغروي، في البيع والخيارات.
٤- معتمد العروة الوثقى والمعتمد في شرح المناسك: أربعة أجزاء، تأليف السيد رضا الموسوي الخلخالي، في الحج.
٥- مباني العروة الوثقى: ثلاثة أجزاء، تأليف السيد محمد تقي الخوئي، في المضاربة والمساقاة والنكاح.
٦- مصباح الفقاهة: خمسة أجزاء، تأليف الشيخ محمد علي التوحيدي، وهي تقريرات أبحاث السيد أبي القاسم الخوئي في المكاسب المحرّمة والبيع والخيارات.
٧- دروس في فقه الشيعة:أربعة أجزاء، تأليف السيد محمد مهدي الخلخالي وهي تقريرات أبحاث السيد أبي القاسم الخوئي.
٨- محاضرات في الفقه الجعفري جزءان: تأليف السيد علي الحسيني الشاهرودي، في المعاملات.
٩- رسالة في الإرث: للشيخ محمد بن محمد تقي الجواهري، طُبعت في الموسوعة الأخيرة للسيد الخوئي(١).
١٠- رسالة في الرضاع: تأليف الشيخ محمد تقي الإيرواني والسيد محمد مهدي الخلخالي، طُبعت في الموسوعة الأخيرة للسيد الخوئي(٢).
١١- فقه العترة في زكاة الفطرة: جزء واحد تأليف السيد محمد تقي الجلالي (ت: ١٤٠٢هـ).
______________________________
(١) ظ: مؤسسة الخوئي الخيرية، موسوعة الإمام الخوئي، كتاب مجمع الرسائل ج ٤٩.
(٢) ظ: مجمع الفكر الإسلامي، موسوعة مؤلفي الإمامية: ٣/٤٦٢ وحرز الدين، حسن، معارف الرجال: ١/٢٨٧ والطهراني، أغا بزرك، طبقات أعلام الشيعة نقباء البشر: ١/٧١.
( ٢٦ )
ثانيا: آثاره وتقريرات أبحاثه الأصولية
ترك السيد الخوئي آثاراً عدة في مجال البحث الأصولي سواء أكان بقلمه أم بقلم تلامذته وهي(١):
١- أجود التقريرات جزءان ألفها السيد أبو القاسم الخوئي وهي تقريرات أبحاث استاذه المحقق النائيني.
أما تقريرات الأبحاث الأصولية للسيد أبي القاسم الخوئي بقلم تلامذته فهي:
٢- مصباح الأصول جزءان: ألفها السيد محمد سرور الواعظ البهسودي.
٣- محاضرات في أصول الفقه وهي دورة كاملة في مباحث الألفاظ: ألفها الشيخ إسحاق الفياض.
٤- مباني الاستنباط جزءان في مباحث الألفاظ: ألفها السيد أبو القاسم الكوكبي.
٥- دراسات في الأصول العملية: جزء واحد، تأليف السيد علي الحسيني الشاهرودي.
٦- مصابيح الأصول أجزاء: دورة أصولية كاملة ألفها السيد علاء الدين بحر العلوم.
٧- غاية المأمول من علم الأصول، دورة أصولية كاملة في جزئين ألّفها الشيخ محمد تقي بن عبد الرسول الجواهري.
٨- جواهر الأصول:جزء واحد تأليف السيد فخرالدين الزنجاني (ت:١٤١٣هـ).
٩- رسالة في الأمر بين الأمرين: تأليف الشيخ محمد تقي الجعفري، وهي تقريرات أبحاث السيد أبي القاسم الخوئي في الأمر بين الأمرين(٢).
١٠- الدرر الغوالي في فروع العلم الإجمالي: جزء واحد، تأليف الشيخ رضا اللطفي.
١١- الرأي السديد في الاجتهاد والتقليد: جزء واحد تأليف الشيخ غلام رضا عرفانيان.
وقد سُجّلت جميع دروس الدورة السادسة لبحثه الخارج في علم الأصول وكثيرٌ من أبحاثه الفقهية في أشرطة خاصة.
ثالثا: آثاره في تفسير القرآن: وقد ألّف في التفسير وعلوم القرآن ما يأتي:
١- البيان في تفسير القرآن.
٢- رسالة في نفحات الإعجازفي رد الكتاب المسمى: حسن الإيجاز*، طُبعت في الموسوعة الأخيرة للسيد الخوئي.
______________________________
(١) الأمين، عبد الحسن، وحمادة، طراد، الإمام أبو القاسم الخوئي زعيم الحوزة العلمية: ٢٦٢ - ٢٦٣.
(٢) ظ: مؤسسة الخوئي الخيرية، موسوعة الإمام الخوئي، كتاب مجمع الرسائل ج ٤٩.
* حُسن الإيجاز في إبطال الإعجاز، تأليف الأمريكي المتسمّى بالإسم المستعار: نصير الدين الظافر، ظ: الطهراني، أغا بزرك، الذريعة: ٢٤/٢٤٦.
( ٢٧ )
رابعا: آثاره في علم الرجال:
١- معجم رجال الحديث: في ثلاثة وعشرين جزءً.
٢- رسالة في كليات علم الرجال، طُبعت في الموسوعة الأخيرة للسيد الخوئي(١).
لقد أعطى السيد الخوئي اهتماماً كبيراً إلى الجانب الإصلاحي الاجتماعي والثقافي وأولاه عناية خاصة في حياته، لذا تجد كثيراً من المشاريع الدينية والتربوية والإنسانية، والتي قامت بها «مؤسسة الإمام الخوئي الخيرية» في لندن، كلها من تخطيطه ورسمه وتوجيهه، وهي تدل على نظرة قيادية رائدة لم تقتصر على مكان معين، أو فئة معينة، وإنما أكدت على شمولية أوسع وتوجه أكبر لكل طوائف العالم الإسلامي الشيعي في شتى بقاعهم، من بناء الإنسان المسلم بناءً صحيحاً وحمايته من الانحراف.
و«مؤسسة الإمام الخوئي الخيرية»-تأسست عام ١٩٨٩م- ومن أبرز مشاريعها ما يأتي:
أولا: في بريطانيا اُنجزت أربعة مشاريع هي:
١- جامع كبير تحتاج إليه الطائفة في شتى المناسبات الدينية والإرشادية.
٢- مدرسة ابتدائية للبنين وأخرى للبنات لصيانة أبناء الجيل من الانحراف.
٣- المؤسسة الثقافية: لنشر الفكر التربوي، والثقافي لمدرسة أئمة أهل البيت عليهم السلام، وقد أصدرت مجلتين: (النور) باللغة العربية و (دايلوك) باللغة الإنجليزية.
٤- تأسيس مكتب للعلاقات العامة: لطرح مشاكل المسلمين وبيان مظلوميتهم.
ثانياً: في إيران: اُنجز معهد ديني باسم (مدينة العلم) في مدينة قم، خُصّص لتدريس العلوم الإسلامية على مختلف المستويات، مع خمسمائة منزل لطلاب العلوم الدينية.
وفي مشهد الإمام الرضا (عليه السلام) بخراسان اُنجز بناء مدرسة لطلاب العلوم الدينية.
______________________________
(١) ظ: موسوعة الإمام الخوئي، كتاب مجمع الرسائل ج ٤٩.
( ٢٨ )
ثالثاً: في نيويورك: تم إنجاز مركز الإمام الخوئي الإسلامي يضم مدرسة إسلامية.
رابعاً: في الهند: تم إنجاز مجمع الإمام الخوئي الثقافي.
خامساً: في تايلاند: إنجاز مركز إسلامي للتبليغ الإسلامي.
سادساً: في إسلام آباد - باكستان: مشروع مركز ديني لطلاب العلوم الإسلامية.
سابعاً: في ديربون - مشيغان: مشروع مدرسة للطلاب المسلمين(١).
ثامناً: في النجف الأشرف: (مدرسة دار العلم) مشروع قيد الإنشاء، وبمساحة ٣٦٠٠م٢، يحدّها من الشمال شارع السور ومن الجنوب جامع الجواهري، ومن المقرر أنْ تكون المدرسة بعشر طوابق، وتتضمن مائتي غرفة لسكنى الطلاب، ومصلّى بمساحة ١٠٠٠م٢، وقاعتين للمؤتمرات، ومكتبة فيطابقين(٢).
توفي بتاريخ ٨ صفر ١٤١٣هـ (المصادف ٨/٨ /١٩٩٢م) ودفن في مقبرة الأسرة في الغرفة المجاورة لجامع الخضراء، في المكان الذي كان يلقي فيه دروسه، وبجوار ضريح الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) في النجف الأشرف، ولم تسمح السلطات العراقية حينئذ بتشييع جثمانه أو إقامة مجالس العزاء والفاتحة على روحه(٣).
الفصل الأول: مباحث الألفاظ عند السيد الخوئي
المبحث الأول: الوضع
المطلب الأول: نظرية التعهد في وضع الألفاظ
المطلب الثاني: المعنى الحرفي
______________________________
(١) ظ: بحر العلوم، محمد، مسيرة المرجعية المتطورة، بحث منشور في كتاب الإمام الخوئي المرجع الشيعي الأكبر: ١٣٢.
(٢) أخبرني بذلك المشرف على المشروع: حفيد السيد الخوئي: السيد جواد بن محمد تقي الخوئي في لقاءٍ أجريته معه بتاريخ ١٢/ ٥ / ٢٠١٢م..
(٣) مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي، رثاء القيم: ٩.
( ٢٩ )
المبحث الثاني: الإطلاق
المطلب الأول: الإطلاق لغةً واصطلاحاً
المطلب الثاني: أقسام الإطلاق
المطلب الثالث: مقدمات الحكمة
المطلب الرابع: التقابل بين الإطلاق والتقييد
المطلب الخامس: مختار الخوئي في الإطلاق والأخبار العلاجية
المبحث الثالث: مفهوم الوصف
المطلب الأول: ضابطة المفهوم
المطلب الثاني: آراء الأصوليين في مفهوم الوصف
المطلب الثالث: مفهوم الوصف عند السيد الخوئي
المبحث الرابع: تطبيقات فقهية
المطلب الأول: تطبيقات التعهد
المطلب الثاني: تطبيقات المعنى الحرفي
المطلب الثالث: تطبيقات الإطلاق
المطلب الرابع: تطبيقات مفهوم الوصف
للسيد الخوئي في مباحث الألفاظ إبداعات أصولية بارزة أهمها: نظرية* التعهّد في وضع الألفاظ، وقوله بالتحصيص في وضع المعنى الحرفي، وبيان عدم
______________________________
* النظرية: هي صياغة محكمة لمجموعة علاقات تقوم بين أجزاء ظاهرةٍ ما أو ظواهر عدة؛ بهدف وصف هذه العلاقات وشرحها، ثم تركيبها للحصول على نتيجة معينة، كما أنّ النظرية تقوم مقام الموجّه والدليل الهادي للبحوث العلمية، ظ: المنصوري، أياد عبد الحسين، نظرية التزاحم الحفظي: ١٤.
( ٣٠ )
أهلية الإطلاق للتعارض مع العام، وقوله بالتفصيل في مفهوم الوصف، ولذا تضمّن الفصل الأول أربعةَ مباحث:
يتضمن مبحث الوضع معلمين بارزين من معالم البحث الأصولي عند السيد الخوئي، انتظما في مطلبين هما:
ويتضمّن أربعة أمور:
الأمر الأول: الوضع لغةً واصطلاحاً
الأمر الثاني: بيان الآراء في حقيقة الوضع، منها: نظرية التعهّد
الأمر الثالث: منشأ نظرية التعهّد
الأمر الرابع: مناقشة نظرية التعهّد
أما الأمر الأول: الوضع لغةً واصطلاحاً
فالوضع لغةً: مصدر قولك: وضع يضع، ووضع الشيء في المكان: أثبته فيه، وقولك: وضعتها أنا، أي: ألزمتها فهي موضوعة، والوضع أيضاً: الموضوع، سمي بالمصدر، والجمع: أوضاع(١).
ولهذا أشار السيد الخوئي إلى أنّ الوضع في اللغة بمعنى: الجعل والإقرار والإثبات(٢).
أما الوضع اصطلاحاً: فقد اختلفت كلمات الأصوليين في تعريف الوضع، إذ ذكر السبكي (ت: ٧٥٦هـ) أنّ الوضع: (عبارة عن تخصيص الشيء بالشيء إذا اُطلق الأول فُهم منه الثاني)(٣)، وعرّفه الجرجاني (ت:٨١٦هـ) بأنّه: جعل اللفظ بإزاء المعنى(٤)، أما المحقق الخراساني (ت: ١٣٢٩هـ) فقد عرّفهبأنّه: (نحو اختصاص للفظ بالمعنى، وارتباط خاص بينهما، ناشيء من تخصيصه به تارة، ومن كثرة استعماله فيه أخرى)(٥)، وبهذا المعنى صح
______________________________
(١) ظ: الفراهيدي، الخليل بن أحمد، كتاب العين:٢/١٩٦و الزبيدي، محمد مرتضى الحسيني الحنفي، تاج العروس:١١/ ٥١٥، ٥١٩.
(٢) ظ: التوحيدي، محمد علي، مصباح الفقاهة، تقريرات أبحاث أبي القاسم الخوئي: ٢/٥٩.
(٣) علي بن عبد الكافي، الإبهاج في شرح المنهاج: ١/١٤٨.
(٤) ظ: علي بن محمد، التعريفات: ١١١.
(٥) محمد كاظم الآخوند، كفاية الأصول: ٩.
( ٣١ )
تقسيمه إلى التعييني والتعيّني*، كما عرّفه المحقق العراقي (ت: ١٣٦١هـ) بأنه: (نحو إضافة واختصاص خاص توجب قالبية اللفظ للمعنى وفنائه فيه فناء المرآة في المرئي بحيث يصير اللفظ مغفولاً عنه وبإلقائه كأنّ المعنى هوالمُلقى بلا توسيط أمر في البين)(١).
أما الوضع عند السيد الخوئي (قدس سره) فهو: (عبارة عن التعهّد بإبراز المعنى الذي تعلّق قصد المتكلم بتفهيمه بلفظ مخصوص)(٢).
الأمر الثاني: بيان الآراء في حقيقة الوضع
تمهيد: الدلالة الذاتية
إنّ دلالة اللفظ على المعنى إما أنْ تكون بالطبع -أي بالدلالة الذاتية- أو بالوضع أو بهما معاً.
أما كونها بالطبع: فقد ذهب عباد بن سليمان الصيمري** وغيره*** إلى أنّ دلالة الألفاظ على معانيها دلالة ذاتية، ونقل هذا الرأي عنه الرازي (ت: ٦٠٦هـ)(٣)، والمحقق أبو القاسم القمي (ت: ١٢٣١هـ)، إذ قال ما نصّه: (إنّ دلالة اللفظ على المعنى إنما نشأت من مناسبة ذاتية وإلا لتساوت المعاني بالنسبة إلى اللفظ فإما أنْ يكون هناك تخصيص وترجيح في الدلالة على المعنى أو لا، فعلى الثاني
______________________________
* التعييني: هو أنْ يكون حصول ذلك الربط والاختصاص بوضع الواضع وجعله، كأنْ يقول: وضعت هذا اللفظ بإزاء هذا المعنى.
والتعيّني: هو أنْ يكون حصوله بكثرة استعمال اللفظ في معنى بحيث لا يحتاج إلى قرينة، ظ: المشكيني، علي، اصطلاحات الأصول:٢٨٧.
(١) البروجردي، محمد تقي، نهاية الأفكار، تقريرات أبحاث أغا ضياء العراقي: ١- ٢/٢٥.
(٢) الفياض، محاضرات في أصول الفقه: ١/ ٥٢.
** وهو أبو سهل عبّاد بن سليمان الصيمري البصري المعتزلي من شيوخ المعتزلة، ومن أصحاب هشام الفوطي، ومن طبقة الجاحظ، توفي بحدود ٢٥٠هـ، ظ: محمد هارون، عبد السلام، مقدمة العثمانية للجاحظ: ١١- ١٢ والذهبي، محمد بن أحمد، سير أعلام النبلاء: ١٠ / ٥٥١.
*** وهم أهل التكسير (أي أصحاب علم الحروف والأعداد والأوفاق) وبعض من معتزلة بغداد، مثل يحيى الإسكافي وجعفر بن مبشر، ظ: المظفر، محمد رضا، أصول الفقه: ١/ ٥٤، وعلم الحروف:علم يُبحث فيه عن الحروف من حيث هي بناء مستقل بالدلالة، ظ: الأنصاري، مرتضى، المكاسب (الهامش): ٢/٢٧٤.
(٣) ظ: المحصول: ١/ ١٨٣.
( ٣٢ )
يلزم التخصّص* من غير مخصِّص وعلى الأول التخصيص** بلا مخصِّص وهما محالان)(١).
وردّ المحقق القمي هذا القول: بأنّ المرجّح هو الإرادة، وهي إما أن تكون من الله تعالى لو كان هو الواضع كخلق الحوادث في أوقاتها، أو من الخلق لو كان هو الواضع كتخصيص الأعلام بالأشخاص أو بمنع انحصار المرجح فيما ذكروه -أي الصيمري وبعض المعتزلة- إذ قد يكون المرجّح شيئا آخر مثل سبق المعنى إلى الذهن من بين المعاني في غيره تعالى، ومصلحة أخرى فيه تعالى مع أنّه يدفعه الوضع للنقيضين والضدين واقتضاء اللفظ بالذات لذلك في وقتٍ دون وقت أو شخص من دون شخص مما لا معنى له لأنّ الذاتي لايتخلّف(٢).
وردّ الشيخ النائيني الدلالة الذاتية المزعومة: (بشهادة الوجدان على عدم انسباق المعنى من اللفظ عند الجاهل بالوضع)(٣).
مناقشة الخوئي للدلالة الذاتية
جاءت مناقشة السيد الخوئي في محورين:
المحور الأول: بطلان الدلالة الذاتية بين اللفظ والمعنى.
المحور الثاني: بطلان ما اعتمد عليه في ثبوت الدلالة الذاتية.
أما المحور الأول: فقد بيّن السيد الخوئي بطلان الدلالة الذاتية بين اللفظ والمعنى وذلك؛ لأنّ ثبوت المناسبة الذاتية بين الألفاظ ومعانيها وإنْ كان ممكناً في الجملة إلا أنّه لا دليل عليه؛ لأنّ هذه المناسبة بين اللفظ والمعنى إما أنْ تكون على نحو العلّة التامة أوالإقتضاء:
فإذا كانت على نحو العلّة التامة -والذي بموجبه يكون سماع اللفظ علّة تامة لانتقال الذهن إلى معناه- فإنّ بطلانه من الوضوح بمكان لا يقبل النزاع؛ لأنّ لازم ذلك تمكّن كل شخص من الإحاطة بتمام اللغات، فضلاً عن لغةٍ واحدة.
وإذا كانت على نحو الاقتضاء -بمعنى أنْ الارتباط والمناسبة المذكورين بينهما يوجب أنْ يكون سماع اللفظ مقتضيا لانتقال الذهن إلى معناه- فإنّ ذلك وإنْ كان
______________________________
* التخصّص: عبارة عن الخروج الموضوعي التكويني الوجداني بلا إعمال دليل شرعي، ظ: البهسودي، محمد سَرْوَر الواعظ، مصباح الأصول، تقريرات أبحاث الخوئي: ٣/٢٤٧.
** التخصيص: هو رفع الحكم عن الموضوع بلا تصرف في الموضوع، ظ: المصدر نفسه.
(١) قوانين الأصول:١/١٩٤.
(٢) ظ: المصدر نفسه: ١/١٩٤.
(٣) الكاظمي، محمد علي، فوائد الأصول، تقريرات أبحاث النائيني: ١- ٢/٢٩.
( ٣٣ )
بمكان من الإمكان ثبوتاً وقابلاً للنزاع؛ إذ لا مانع عقلا من ثبوت هذا النحو من المناسبة بين الألفاظ ومعانيها، نظير الملازمة الثابتة بين أمرين، فإنّها ثابتة في الواقع والأزل، بلا توقف على اعتبار أيّ معتبرٍ أو فرض أيّ فارضٍ، وبلا فرق بين أنْ يكون طرفاها ممكنين، أو مستحيلين، أو مختلفين؛ إذ صدقها لا يتوقف على صدق طرفيها فهي صادقة مع استحالتهما كما في قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا...﴾(١).
إذن صريح كلام السيد الخوئي هو إمكانية الدلالة الذاتية في مقام الثبوت والإمكان ولكن لا دليل عليها في مقام الإثبات والاستدلال.
أما المحور الثاني: وهي مناقشة ما استند عليه عبّاد بن سليمان الصيمري وغيره -من أنّه لولا المناسبة الذاتية لكان تخصيص لفظٍ خاص بمعنى مخصوص بلا مرجّحٍ وهو محال- فقد أشكل السيد الخوئي عليه بأمرين:
الأول: إنّه لا يلزم أنْ يكون المرجِّح هي المناسبة الذاتية بل يجوز أنْ يكون المرجّح أمرا خارجيا كما هو الواقع كثيرا في الأعلام الشخصية.
الثاني: إنّ المستحيل إنّما هو الترجّح من دون ترجيح وأما الترجيح بلا مرجّح فلا استحالة فيه بل ولا قبح فيه أيضاً إذا كان هناك مرجّح لاختيار طبيعي الفعل مع عدم وجود المرجّح في شئ من أفراده، وحينئذ فالمصلحة الموجودة في طبيعي الوضع كافية في اختيار لفظ خاص وتخصيصه لمعنى مخصوص ولو من دون ربطٍ ومناسبةٍ بينهما أصلاً(٢).
ومما تقدم يتبين: بطلان دلالة الألفاظ على معانيها بالطبع (الدلالة الذاتية)على نحو الاستقلال عند مشهور الأصوليين، وقد وافقهم السيد الخوئي في ذلك.
وعليه فتنحصر دلالة الألفاظ على معانيها إما بالوضع، أو بالطبع والوضع معاً، والآراء في تفسيرها من أعلام الأصوليين هي أربعة:
الرأي الأول: مسلك التخصيص والجعل الإلهي
هذا الرأي يقول: إنّ الواضع هو الله سبحانه وتعالى، واُستدل له بقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ...﴾(٣)، إمّا بوساطة الوحي أو بأنْ يخلق الأصوات والحروف ويُسمعها لواحد أو جماعة ويخلق له أو لهم
______________________________
(١) الأنبياء: ٢٢.
(٢) ظ: الخوئي، أبو القاسم، أجود التقريرات، تقريرات أبحاث النائيني: ١/ ١٠ والجواهري، محمد تقي، غاية المأمول، تقريرات أبحاث أي القاسم الخوئي: ١/ ١٠٧ وبحر العلوم، علاء الدين، مصابيح الأصول، تقريرات أبحاث أبي القاسم الخوئي:١/ ٥١ والفياض، محاضرات في أصول الفقه: ١ /٣٨ والصافي، حسن، الهداية في الأصول، تقريرات أبحاث أبي القاسم الخوئي: ١/ ٢٤.
(٣) البقرة: ٣١.
( ٣٤ )
العلم الضروري بأنّها قُصدت للدلالة على المعاني(١)، وقد يكون وضعه تعالى للّغة بإلهامٍ منه إلى البشر أو بإيداع ذلك في طباعهم وفطرتهم وهذا ما ذهب إليه المحقق النائيني (ت:١٣٥٥هـ)، فقد صرّح بأنّ حقيقة الوضع هي التخصيص والجعل الإلهي -أي بالطبع والوضع معاً-؛ بعد أنْ ذكر أنّ الواضع هو الله سبحانه وتعالى، وذلك بقوله: (فإنا نقطع -بحسب التواريخ التي بأيدينا- أنه ليس هناك شخص أو جماعة وضعوا الألفاظ المتكثرة في لغة واحدة لمعانيها التي تدل عليها فضلا عن سائر اللغات، كما أنّ الوجدان يدل على عدم الدلالة الذاتية بحيث يفهم كل شخص من كل لفظ معناه المختص به بل الله تبارك وتعالى هو الواضع الحكيم جعل لكل معنى لفظا مخصوصا باعتبار مناسبة بينهما، وجعله تبارك وتعالى هذا واسطة بين جعل الأحكام الشرعية المحتاج إيصالها إلى إرسال رسل وإنزال كتب، وجعل الأمور التكوينية التي جُبل الإنسان على إدراكها: كحدوث العطش عند احتياج المعدة إلى الماء ونحو ذلك، فالوضع جعل متوسط بينهما، لا تكويني محض حتى لا يحتاج إلى أمر آخر، ولا تشريعي صرف حتى يحتاج إلى تبليغ نبي أو وصي، بل يلهم الله تبارك وتعالى عباده على اختلافهم كل طائفة بلفظ مخصوص عند إرادة معنى خاص)(٢).
ثم عضّد الشيخ النائيني ما يؤكّد مطلبه بأنّه: لو فرضنا جماعة أرادوا إحداث ألفاظ جديدة بقدر ألفاظ أيّ لغة لما قدروا عليه، فما ظنّك بشخص واحد فضلاً عن كثرة المعاني التي يتعذر تصورها من شخص أو أشخاص متعددة؟ فحقيقة الوضع هو التخصيص والجعل الإلهي(٣).
ويتبيّن مما تقدّم: إنّ دلالة اللفظ على المعنى عند الشيخ النائيني ليست من قبيل الدلالة الذاتية على نحو الاستقلال، وليست هي من جهة الوضع على نحو الاستقلال أيضا، بل هي وسط بين الأمور التكوينية الواقعية والأمور الجعلية؛ ولذلك تبنّى القول بالتخصيص والجعل -أي بهما معا- في تفسير الوضع.
ويتبيّن مما تقدّم : إنّ دلالة اللفظ على المعنى عند الشيخ النائيني ليست من قبيل الدلالة الذاتية على نحو الاستقلال، وليست هي من جهة الوضع على نحو الاستقلال أيضا، بل هي وسط بين الأمور التكوينية الواقعية والأمور الجعلية ؛ ولذلك تبنّى القول بالتخصيص والجعل - أي بهما معا - في تفسير الوضع .
مناقشة الخوئي للنائيني
حلّل السيد الخوئي رأي المحقق النائيني في حقيقة الوضع ورتّبه في أمور ثم أخذ بمناقشتها، والأمور هي :
الأول : إنّ الواضع هو الله تبارك وتعالى، ولكن لا بطريق إرسال الرسل وإنزال الكتب كما هو الحال في إيصال الأحكام الشرعية إلى العباد، ولا بطريق جعل
______________________________
(١) ظ: الآمدي، الإحكام في أصول الأحكام: ١/٧٤ والغزالي، محمد بن محمد، المستصفى: ١٨١، والسبكي، علي عبد الكافي، الإبهاج في شرح المنهاج: ١/١٥٠.
(٢) الخوئي، أبو القاسم، أجود التقريرات: ١/ ١١.
(٣) ظ: المصدر نفسه: ١/١٢.
( ٣٥ )
الأمور التكوينية التي جُبل الإنسان على إدراكها، بل بطريق الإلهام إلى كل عنصر من عناصر البشر على حسب استعداده .
الثاني : التزامه بوجود مناسبة مجهولة بين الألفاظ والمعاني .
الثالث : إنّ وضعه تبارك وتعالى إنّما كان على طبق هذه المناسبة .
الرابع : إنّ الوضع جعل متوسط بين الجعل التكويني والجعل التشريعي .
الخامس : إنّه بعد نفي الدلالة الذاتية استند في دعوى : أنّ الله تبارك وتعالى هو الواضع الحكيم من دون غيره إلى أمرين :
١ـ إنّه لا يمكن أنْ يكون الواضع هو البشر، لعدم إمكان إحاطته بتمام ألفاظ لغة واحدة فضلا عن جميع اللغات، فإذا امتنع أنْ يكون البشر واضعا تعين أنّ الله تعالى هو الواضع الحكيم .
٢ـ على فرض أنّ البشر قادر على وضع الألفاظ لمعانيها - بمعنى أنّ شخصاً أو جماعة معينين من أهل كل لغةٍ يتمكن من وضع ألفاظها لمعانيها - إلا أنّه لم يحدثنا التاريخ عمّن تصدى لهذا الوضع في أي عصر أو زمان ؛ لأنّه لو تحقق لنقل لنا ذلك ؛ لكونه من أهم الحوادث التي تنقل بالتواتر ويتفق على تدوينها لخطورتها من جهة ولضرورتها من جهةٍ أخرى لاسيّما أنّه نُقل ما هو أدنى منها فكيف بهذا الأمر ؟ (١) .
ويبدو للباحث : أنّ الأمر الخامس هو تفصيل للأمر الأول ؛ فينبغي جعلها أربعة أمور وليست خمسة .
أما مناقشة الخوئي للأمر الأول : فقد بيّن أنّه يظهر ضعفه مما اُعتمد عليه من الوجهين :
الوجه الأول : وهو أنّ الله تبارك وتعالى هو الواضع الحكيم : فقد ناقشه في محورين :
المحور الأول : لو صحّ أنّ الله تبارك وتعالى هو الواضع الحكيم، فإنّما يتم لو كان وضع الألفاظ لمعانيها دفعياً وفي زمان واحد، إلا أنّ الأمر ليس كذلك، فإنّ سعة دائرة الوضع وضيقها تتبع سعة دائرة الغرض وضيقها . ومن الواضح أنّ الغرض منه ليس إلا أنْ يتفاهم بها وقت الحاجة، وتُبرَز بها المعاني التي تختلج في النفوس لئلا يختل نظام حياتنا المادية والمعنوية. وهذا الغرض الداعي إليه تختلف سعةً وضيقاً بمرور الأيام والعصور، ففي العصر الأول - وهو عصر آدم (عليه السلام) - كانت الحاجةُ إلى وضع ألفاظٍ قليلةً بإزاء معانٍ كذلك، لقلة الحاجة في ذلك العصر وعدم اقتضائها أزيد من ذلك، ثم ازدادت الحاجة مرةً بعد أخرى
______________________________
(١) ظ: الفياض، محاضرات في أصول الفقه: ١/٤٠ والصافي، حسن، الهداية في الأصول: ٢٩/١.
( ٣٦ )
وقرناً بعد آخر، بل وقتاً بعد وقت، فزيد في الوضع كذلك. وعليه يتمكن جماعة بل واحد من أهل كل لغةٍ على وضع ألفاظها بإزاء معانيها في أي عصرٍ وزمن، فإنّ سعة الوضع وضيقه تابعان لمقدار حاجة الناس إلى التعبير عن مقاصدهم سعة وضيقا. ولمّا كان مرور الزمن موجباً لاتساع حاجاتهم وازديادها كان من الطبيعي أنْ يزداد الوضع ويتسع. أما الذين يقومون بعملية الوضع فهم أهل تلك اللغة في كل عصر، من دون فرقٍ بين أنْ يكون الواضع واحدا منهم أو جماعة، وذلك أمر ممكن لهم، فإنّ المعاني الحادثة التي يبتلى بها في ذلك العصر إلى التعبير عنها ليست بالمقدار الذي يعجز عنه جماعة من أهل ذلك العصر أو يعجز عنه واحد منهم، فإنّها محدودة بحدٍ خاص.
وقد تلخّص ممّا تقدّم أمران:
١- إنّ أهل اللغة ليسوا بحاجة إلى وضع ألفاظٍ للمعاني التي تدور عليها الإفادة والاستفادة في جميع العصور ليُقال: إنّ البشر لا يقدر على ذلك، بل يمكن الوضع بشكل تدريجي في كل عصرٍ بحسب تدريجية الحاجة إلى التعبير عنها.
٢- إنّنا لسنا بحاجة إلى وضع جميع الألفاظ لجميع المعاني، فإنّ الوضع إذا زاد عن مقدار الحاجة فهو لغو محض.
المحور الثاني: وهو أنّ الواضع لو كان بشراً لنقل ذلك في التاريخ؛ لأنّ مثل هذا العمل يُعدّ من أعظم الخدمات للبشر، ولذلك تتوافر الدواعي على نقله، فيرد عليه: إنّ ذلك إنّما يتم لو كان الواضع شخصا واحدا أو جماعة معينة.
وأما إذا قلنا: إنّ الواضع لا ينحصر بشخصٍ واحدٍ أو جماعة معينين، بل كل مستعمل من أهل تلك اللغة واضع بشكل تدريجي فلا يبقى مجال للنقل في التواريخ. نعم، لو كان الواضع شخصاً واحداً أو جماعة معينين لنقله أصحاب التاريخ لا محالة(١).
وما ذُكر من تفسيرٍ للعلاقة الوضعية لا يفرّق فيه بين مسلك السيد الخوئي وغيره؛ فإنّ تدريجية الوضع وعدم اختصاصه بشخصٍ خاص لا تدع مجالا لما ذكره المحقق النائيني من أنّ الواضع لو كان بشراً لنقل ذلك في التواريخ، غاية الأمر: أنّه بناء على مسلك السيد الخوئي يكون كل مستعمل واضعا وإنْ كانت كلمة الواضع عند إطلاقها تنصرف إلى الواضع الأول إلا أنّه من جهة الأسبقية، وهذا بخلاف غيره من المسالك(٢).
الوجه الثاني: وهو أنّ الوضع وسط بين الأمور التكوينية والجعلية: فهو ممّا لا يرجع إلى معنى محصّل؛ وذلك لعدم وجود واسطة بينهما، ضرورة أنّ الشيء إذا كان من الموجودات الحقيقية التي لا تتوقف في وجودها على اعتبار أيّ معتبرٍ فهو من الموجودات التكوينية، وإلا فمن الأمور الاعتبارية الجعلية، ولا يُعقل ما يكون وسطاً بين الأمرين.
______________________________
(١) ظ: الفياض، محاضرات في أصول الفقه: ١/٣٨- ٤٠.
(٢) ظ:: الفياض، محاضرات في أصول الفقه: ١/٣٩.
( ٣٧ )
وأما مسألة الإلهام -وهو أنْ يُلهم الله تبارك وتعالى عباده على اختلافهم كل طائفة بلفظ مخصوص عند إرادة معنى خاص- فهو كلام صحيح، ولا اختصاص له بالوضع(١).
وقد ذكر السيد الخوئي في تفسير قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾(٢): إنّ الله تبارك وتعالى كما منَّ على عباده بهدايتهم تشريعاً، وسوقهم إلى الحياة الأبدية بإرسال الرسل وإنزال الكتب كذلك منَّ عليهم بهدايتهم تكويناً بإلهامهم إلى سيرهم نحو كمالهم، بل إنّ هذه الهداية موجودة في جميع الموجودات، فهي تسير نحو كمالها بطبعها أو باختيارها، والله هو الذي أودع فيها قوة الاستكمال، فترى الفأرة تفر من الهرّة ولا تفر من الشاة(٣).
وعلى الجملة: فإنّ مسألة الإلهام أجنبية عن تحقق معنى الوضع بالكلية، فإنّ الإلهام من الأمور التكوينية الواقعية، ولا اختصاص له بباب الوضع، والمبحوث عنه هو معنى الوضع، سواء أكان الوضع بإلهام إلهي أم لم يكن.
وأما الأمر الثاني -وهي الالتزام بوجود مناسبةٍ مجهولةٍ بين الألفاظ والمعاني- فيردّه: إنّه رجمٌ بالغيب؛ لأنّه لا دليل على وجود هذه المناسبة بين الألفاظ والمعاني، بل الدليل قائم على عدمها في الجميع.
وأما الأمر الثالث -وهي أنّ وضعه تعالى على طبق هذه المناسبة- فيرد عليه: إنّه لو سلّمنا وجود المناسبة الذاتية بين اللفظ والمعنى فلا نسلّم أنّ الواضع جعل لكل معنىً لفظاً مخصوصاً على طبق تلك المناسبة؛ وذلك لأنّ الغرض من الوضع يحصل بدون ذلك، ومعه فأيّ شيء يستدعي رعاية تلك المناسبة في الوضع؟ اللهم إلا أنْ يتمسك بقاعدة استحالة الترجيح من دون مرجّح، والثابت بطلانها.
وأما الأمران الرابع والخامس فقد تقدّم مناقشتهما في الأمر الأول آنفاً.
والنتيجة النهائية التي يراها السيد الخوئي بعد عرضه واستدلالاته ومناقشاته: إنّ المسألة تنتهي إلى أمرين:
الأول: إنّ الله تبارك وتعالى ليس هو الواضع.
الثاني: إنّ الواضع لا ينحصر بشخصٍ واحدٍ أو جماعةٍ معينةٍ على جميع المسالك في تفسير حقيقة الوضع(٤).
______________________________
(١) ظ: الجواهري، محمد تقي، غاية الآمال: ١/ ١١٢ والفياض، محاضرات في أصول الفقه: ١/٣٩ والصافي، حسن، الهداية في الأصول: ١/٢٩.
(٢) الفاتحة: ٥.
(٣) ظ: الخوئي، أبو القاسم، البيان في تفسيرالقرآن: ٤٩٣ - ٤٩٤.
(٤) ظ: الفياض، محاضرات في أصول الفقه: ١/٤٠.
( ٣٨ )
الرأي الثاني: مسلك الاعتبار
ذكر السيد الخوئي (قدس سره) ثلاثة أنحاء للاعتبار، وهي:
١- النحو الأول للاعتبار:
وهو رأي المحقق نصير الدين الطوسي (ت: ٦٧٢هـ)، جاء فيه: إنّ حقيقة الوضع عبارة عن اعتبار وجود اللفظ وجوداً تنزيلياً للمعنى، فهو هو في عالم الاعتبار وإنْ لم يكن كذلك حقيقة(١). ويعبّر عن بـ (مسلك الهوهوية).
وقد تبنّى هذا الرأي السيد حسن البجنوردي (ت: ١٣٧٩هـ)(٢).
مناقشة الخوئي للمحققق الطوسي
شرع السيد الخوئي في مناقشته للمحقق نصير الدين الطوسي بتقديم بيانٍ للتفريق بين الأمور الحقيقية والاعتبارية، بأنّ الموجود على قسمين:
أحدهما: ما له وجود تكويني خارجي: كالمقولات الواقعية من الجواهر والأعراض.
والثاني: ما له وجود اعتباري فهو موجود في عالم الاعتبار وإنْ لم يكن موجوداً في الخارج، وذلك كالأمور الاعتبارية الشرعية أو العرفية من الأحكام التكليفية والوضعية.
والمحقق الطوسي يرى: أنّ حقيقة العلقة الوضعية من قبيل القسم الثاني، بمعنى: إنّ الواضع جعل وجود اللفظ وجودا للمعنى في عالم الاعتبار، وعدّه وجوداً تنزيلياً له في ذلك العالم من دون عالم الخارج: كالتنزيلات الشرعية أو العرفية، مثل قوله ٨: (الطواف بالبيت صلاة)(٣) وقول الإمام الرضا (عليه السلام):الفقّاع* خمرٌ استصغره الناس(٤) ونحوهما. ومن ثمّ يكون نظر المستعمل إلى
______________________________
(١) ظ: منتهى الأصول: ١/١٥.
(٢) ظ: شرح الإشارات والتنبيهات لابن سينا، المنطق: ١/ ٢١- ٢٢ والفياض، محاضرات في أصول الفقه: ١/٤٧.
(٣) الدارمي، عبدالله بن بهرام، سنن الدارمي: ٢/٤٤ والأحسائي، ابن أبي جمهور، عوالي اللئالي: ١/٢١٤.
* الفُقّاع: شراب من الشعير، يُخمّر حتى يعلوه الزبد وفقاقيع الماء، وهو ما يُعرف بالبيرة أو الجعة، ظ: مركز المعجم الفقهي، المصطلحات: ١٩٧٤.
(٤) نص الرواية: عن محمد بن عيسى، عن الوشّاء قال: كتبت إليه يعني الإمام الرضا أ (عليه السلام) سأله عن الفقّاع، فكتب حرام ومن شربه كان بمنزلة شارب الخمر، قال: وقال أبو الحسن عليه السلام: لو أن الدار داري لقتلت بايعه ولجلدت شاربه، قال: وقال أبو الحسن الأخير (عليه السلام): حدّه حدّ شارب الخمر. وقال (عليه السلام):هي خمرة استصغرها الناس، ظ: العاملي، محمد بن الحسن المعروف بـ (الحرالعاملي)، وسائل الشيعة: ٢٥/ ٣٦٥.
( ٣٩ )
اللفظ آلياً في مرحلة الاستعمال، وإلى المعنى استقلالياً، بحيث لا يُرى في تلك المرحلة إلا المعنى ولا يُنظر إلا إليه(١).
وبعد بيان هذه المقدمة أخذ السيد الخوئي بمناقشته ضمن نقطتين:
الأولى: إنّ تفسيرها بهذا المعنى تفسيرٌ بمعنى دقيق بعيد عن أذهان عامة الواضعين غاية البعد، ولا سيّما القاصرين منهم: كالأطفال والمجانين الذين قد يصدر الوضع منهم عند الحاجة، بل قد يصدر الوضع من بعض الحيوانات أيضا. وكيف كان، فحقيقة الوضع حقيقة عرفية سهلة التناول والمأخذ، فلا تكون بهذه الدقة التي تغفل عنها أذهان الخاصة، فضلاً عن العامة.
والثانية: إنّ الغرض الداعي إلى الوضع: هو استعمال اللفظ في المعنى الموضوع له، لكي يدل عليه ويفهم منه معناه. فالوضع مقدمة للاستعمال والدلالة. ومن الواضح أنّ الدلالة اللفظية إنّما تكون بين شيئين: أحدهما دال، والآخر مدلول، فاعتبار الوحدة بينهما بأنْ يكون وجود اللفظ وجوداً للمعنى أيضاً لغو وعبث.
وأما ما ذُكر في كلام المحقق الطوسي من لحاظ اللفظ آلةً في مقام الاستعمال(٢)، فإنّه يرد عليه:
إنّ لحاظ اللفظ آلة في مقام الاستعمال، لا يستلزم أنْ يكون ملحوظا كذلك في مقام الوضع للفرق بين المقامين.
وبكلمة واضحة: إنّ حال واضع اللفظ كحال صانع المرآة، ومستعمله كمستعملها، فكما أنّ صانع المرآة في مقام صنعها يلاحظها استقلالاً من حيث الكم والكيف والوضع، وفي مرحلة استعمالها تلاحظ آلياً فكذلك وضع الألفاظ واستعمالاتها من هذه الناحية.
وعلى الجملة: إنّ لحاظ اللفظ آلياً في مرحلة الاستعمال لا يلازم اعتبار وجوده وجوداً للمعنى حال الوضع بوجه(٣).
٢- النحو الثاني للاعتبار: وهو رأي المحقق العراقي (ت: ١٣٦١هـ)، جاء فيه:
إنّ حقيقة الوضع عبارة عن اعتبار ملازمة بين طبيعي اللفظ والمعنى الموضوع له، وحقيقة هذه الملازمة متقومة باعتبار من بيده الاعتبار وهو الواضع كسائر الأمور الاعتبارية من الشرعية أو العرفية. وإنّ الموجب لهذا الاعتبار والداعي إليه إنّما هو قصد التفهيم في مقام الحاجة؛ لعدم إمكانه بدونه(٤).
______________________________
(١) ظ: الفياض، محاضرات في أصول الفقه: ١/٤٧.
(٢) ظ: شرح الإشارات والتنبيهات لابن سينا، المنطق: ١/ ٢٢.
(٣) ظ: بحر العلوم، علاء الدين، مصابيح الأصول: ١/ ٥٦ والفياض، محاضرات في أصول الفقه: ١/ ٤٨.
(٤) ظ: البروجردي، محمد تقي، نهاية الأفكار: ١- ٢/٢٥- ٢٦.
( ٤٠ )
مناقشة الخوئي للعراقي
بيّن السيد الخوئي أنّ الملازمة المدّعاة بين اللفظ والمعنى تأتي ضمن احتمالين على سبيل مانعة الخلو:
الأول: إما أنْ يكون اعتبار هذه الملازمة في الواقع الخارجي: فلا تفيد بوجه ما لم تكن الملازمة بينهما في الذهن؛ ضرورة أنّه من دون الذهن لا يحصل الانتقال إلى المعنى من تصور اللفظ وسماعه. وعلى تقدير وجودها وثبوتها في الذهن فالملازمة الخارجية غير محتاجٍ إليها؛ فإنّ الغرض - وهو الانتقال إلى المعنى - يحصل بتحقّق هذه الملازمة الذهنية، سواء أكانت هناك ملازمة خارجية أم لم تكن، فلا حاجة إلى اعتبار المعنى موجوداً في الخارج عند وجود اللفظ فيه، بل هو من اللغو الظاهر.
الثاني: أو أنْ يكون اعتبار هذه الملازمة في الذهن: وهذا الافتراض لا يخلو من أمرين:
١- إما أنْ يكون اعتبار الواضع للملازمة بين اللفظ والمعنى مطلقا حتى للجاهل بالوضع: وهذا لا يمكن المصير إليه؛ لإنّه لغو محض لا يصدر من الواضع الحكيم؛ لأنّه لا أثر له بالقياس إلى الجاهل به. ولا معنى لأنْ يعتبر الانتقال إلى المعنى من سماع اللفظ له، فإنّه إنْ علم بالوضع فالانتقال من اللفظ إلى معناه ضروري له، وغير قابلٍ للجعل والاعتبار، وإنْ لم يعلم فالاعتبار يصبح لغواً.
٢- أو أنّ اعتبار الواضع للملازمة بين اللفظ والمعنى يختص بالعالم بالوضع: وهذا لا يمكن المصير إليه أيضاً؛ لأنّه تحصيل للحاصل؛ فإنّه لو كان عالماً بالوضع كان اعتبار الملازمة في حقه من قبيل: إثبات ما هو ثابت بالوجدان بالاعتبار وبالتعبّد.
وعليه: فالملازمة الذهنية أمر تكويني غير قابلةٍ للجعل والاعتبار، وليست من معنى الوضع في شيء، بل هي مترتبة عليه(١).
٣- النحو الثالث للاعتبار: وهو رأي المحقق محمد حسين الأصفهاني (ت: ١٣٦١هـ)، جاء فيه:
إنّ اعتبار كلّ معتبر قائم به بالمباشرة لا بالتسبيب؛ وذلك لأنّ تخصيص الواضع ليس إلا اعتباره الارتباط والاختصاص بين لفظٍ خاصٍ ومعنى خاص، ولا شبهة في اتحاد حيثية دلالة اللفظ على معناه، بحيث ينتقل من سماعه إلى معناه مع
______________________________
(١) ظ: الفياض، محاضرات في أصول الفقه: ١/ ٤٦.
( ٤١ )
حيثية سائر الدوال: كالعَلم المنصوب على رأس الفرسخ* فإنّه أيضا ينتقل من النظر إليه إلى أنّ هذا الموضع رأس الفرسخ، غاية الأمر أنّ الوضع فيه حقيقي، وفي اللفظ اعتباري، بمعنى أنّ كون العلم موضوعاً على رأس الفرسخ خارجي ليس باعتبار معتبر، بخلاف اللفظ، فكأنّه وضع على المعنى ليكون علامةً عليه، فشأن الواضع اعتبار وضع لفظٍ خاصٍ على معنى خاص(١).
مناقشة الخوئي للأصفهاني
لخّص السيد الخوئي ما أفاده أستاذه المحقق الأصفهاني في أمور ثم أخذ بمناقشتها تباعا، أما الأمور التي أفادها فهي:
الأمر الأول: إنّ حقيقة الوضع ليست أمراً تسبيبياً، بل هو أمر مباشري قائم بالمعتبر بالمباشرة.
الأمر الثاني: إنّ الارتباط والاختصاص ليسا من حقيقة الوضع في شيء، بل هما من لوازمها.
الأمر الثالث: إنّ سنخ الوضع في سائر الدوال حقيقي خارجي، وفي وضع الألفاظ جعلي واعتباري(٢).
ثم أخذ السيد الخوئي بمناقشة الأمور المذكورة:
أما الأمر الأول والثاني: فقد وصفهما أنّهما في غاية الصحة والمتانة على جميع المسالك في تفسير حقيقة الوضع.
وأما الأمر الثالث: وهو: إنّ سنخ الوضع في سائر الدوال حقيقي خارجي، وفي وضع الألفاظ جعلي واعتباري، فقد أورد عليه:
١- إنّ تفسير الوضع بهذا المعنى على فرض صحته في نفسه، تفسير بمعنى دقيق خارج عن أذهان عامة الواضعين، ولا سيما القاصرين منهم: كالأطفال والمجانين، مع إنّا نرى صدور الوضع منهم كثيرا، والحال أنّهم لا يدركون هذا المعنى الدقيق، وأنّه من قبيل: وضع العلم على رأس الفرسخ، غاية الأمرأنّ الوضع فيه حقيقي، وفي المقام اعتباري. ومن الواضح أنّه لا يكاد يمكن أنْ يكون الوضع أمراً يغفل عنه الخواص فضلاً عن العوام.
______________________________
* الفرسخ: لفظ فارسي معرّب، مقياس من مقاييس المسافات مقداره ثلاثة أميال يساوي اثنا عشر ألف ذراع يساوي ٥٥٤٤ مترا، ظ: مركز المعجم الفقهي، المصطلحات: ١٩٣٨.
(١) ظ: نهاية الدراية في شرح الكفاية:١/٣١.
(٢) ظ: الفياض، محاضرات في أصول الفقه: ١/٥٠.
( ٤٢ )
٢- إنّ وضع اللفظ ليس من سنخ الوضع الحقيقي: كوضع العلم على رأس الفرسخ؛ والوجه في ذلك: هو أنّ وضع العَلم يتقوم بثلاثة أركان:
الركن الأول: الموضوع، وهو العَلم.
الركن الثاني: الموضوع عليه، وهو ذات المكان.
الركن الثالث: الموضوع له، وهو الدلالة على كون المكان رأس الفرسخ.
وهذا بخلاف الوضع في باب الألفاظ فإنّه يتقوم بركنين:
الأول: الموضوع، وهو اللفظ.
الثاني: الموضوع له، وهو دلالته على معناه، ولا يحتاج إلى شيءٍ ثالثٍ ليكون ذلك الثالث هو الموضوع عليه، وإطلاقه على المعنى الموضوع له لو لم يكن من الأغلاط الظاهرة فلا أقل من أّنّه لم يُعهد في الإطلاقات المتعارفة والاستعمالات الشائعة، مع أنّ لازم ما أفاده: هو أنْ يكون المعنى هو الموضوع عليه(١)، أي أنّه يلزم من ذلك أنْ يكون ذات المعنى موضوعاً له وموضوعاً عليه.
الرأي الثالث: نظرية القرن الأكيد للسيد محمد باقر الصدر (ت:١٤٠٠هـ): وبيانه:
إنّ هناك سببيّة تكوينيّة، وقانوناً تكوينيّاً جعله خالق الكون الذي أوجد الطبيعة وأخضعها للقوانين المسيطرة عليها، وهو: إنّ الإنسان بحسب طبعه وفطرته التي فطره الله عليها متى ما أحسّ بشيء كان إحساسه بذلك الشيء سبباً لانتقال ذهنه إلى الصورة الذهنيّة لذلك الشيء، فالإحساس بالأسد يوجب انتقال الذهن إلى معنى الأسد مثلاً.
وهناك سببيّتان اُخريان، وقانونان ثانويّان تكوينيّان يحكمان على القانون الأوّل حكومة تكوينيّة، وكأنّهما توسيعان لذلك القانون:
الأوّل: إنّ الإحساس بما يشبه شيئاً سبب أيضاً لتصوّر معنى ذلك الشيء، فمَنْ رأى صورة الأسد مرسومةً على الورق ينتقل ذهنه إلى معنى الأسد، وكأنّ الإحساس بصورة الأسد إحساس بنفس الأسد.
الثاني: إنّ الإحساس بشيءٍ اقترن في الذهن بشيءٍ آخر اقتراناً مخصوصاً يكون أيضاً سبباً لتصوّر ذلك الشيء الآخر، فترى أنّ مَنْ أحسّ بزئير الأسد مثلاً انتقل ذهنه إلى معنى الأسد، وكأنّ الإحساس بزئير الأسد إحساس بنفس الأسد. وأقصد بالإحساس بصورة الأسد أو زئيره مثلاً ما يشمل انتقال الذهن إلى صورة الأسد
______________________________
(١) ظ: بحر العلوم، علاء الدين، مصابيح الأصول: ١/ ٦٠ والجواهري، محمد تقي، غاية الآمال: ١/١١١ والفياض، محاضرات في أصول الفقه: ١/٥٠ والصافي، حسن، الهداية في الأصول: ١/٢٦.
( ٤٣ )
أو زئيره ولو من دون إحساس خارجيّ، وأقصد بالاقتران المخصوص أنْ تكون للاقتران خصوصيّة كمّيّة من قبيل كثرة اقتران زئير الأسد بالأسد، أو خصوصيّة كيفيّة بأنْ يكون الاقتران في ظرف مؤثّر وملفت للنظر كما لو اقترن سفر شخص إلى الحلّة مثلاً بمرضٍ شديد، فمتى ما تذكّر السفر إلى الحلّة تذكّر المرض(١).
وعلى نظرية القرن الأكيد فإنّ الوضع يوجب الدلالة التصورية* ولو سُمع من جدار، ولا يوجب الدلالة التصديقة**، وإنّما الدلالة التصديقية تكون وليدة أمور أخرى من ظاهر حال أو قرائن أحوال؛ لأنّ الوضع عبارة عن الاقتران في الذهن بين اللفظ والمعنى، وإيجاد الصغرى للقانونين التكوينيينالثانويين(٢).
ويمكن للباحث إفادة ردّه من مبنى السيد الخوئي القائل: إنّ الارتباط بين اللفظ والمعنى هو ليس من الأمورالحقيقية الخارجية بل من الأمور الحقيقية النفسانية وأنّه من شؤون الوضع وتوابعه ومن الأمور المنتزعة منه(٣)، والارتباط بين اللفظ والمعنى بحسب نظرية القرن الأكيد هو من الأمور الحقيقية الخارجية.
الرأي الرابع: نظرية التعهّد
وهو مختار السيد الخوئي (قدس سره) في حقيقة الوضع: فبعد أنْ أثبت السيد الخوئي بطلان الدلالة الذاتية بين اللفظ والمعنى، وبطلان كونها بالجعل والتخصيص الإلهي أو بالاعتبار، أكّد على أنّها وضعية محضة، وأنّها من باب التعهّد والالتزام النفساني.
ويمكن للباحث أنْ يجعل نظرية التعهّد -بعد بيان تمهيدٍ لها- كالآتي:
التمهيد: بطلان الآراء الأخرى في تفسير العلاقة بين اللفظ والمعنى
______________________________
(١) ظ: الحائري، كاظم، مباحث الأصول، تقريرات أبحاث محمد باقر الصدر، القسم الأول:١/ ٨٣ ـ٩٠.
* الدلالة التصورية: بمعنى انتقاش المعنى تصوراً في ذهن السامع ولو سمعه من إصكاك حجرين، ظ: عبد الساتر، حسن، بحوث في علم الأصول، تقريرات أبحاث محمد باقر الصدر: ١/٧.
** الدلالة التصديقية: وهي دلالة اللفظ على أنّ المتكلم قصد تفهيم هذا المعنى وإخطاره في ذهن السامع، ظ: المصدر نفسه: ١/٧.
(٢) ظ: الحائري، كاظم، مباحث الأصول، القسم الأول:١/ ٨٣ ـ٩٠.
(٣) ظ: الخوئي، أبو القاسم، أجود التقريرات: ١/١٠.
( ٤٤ )
فقد ذكر السيد الخوئي: (إنّ ارتباط اللفظ بالمعنى ليس من الأمور الواقعية ولا من الأمور الاعتبارية وليس هو من حقيقة الوضع في شئ بل هو من شؤون الوضع وتوابعه ومن الأمور المنتزعة منه)(١).
بيان النظرية: وتتجلّى ضمن ثلاثة أمور، هي:
الأمر الأول: بيان الدليل الوجداني* للغرض الباعث على الوضع
فقد وضّح السيد الخوئي الغرض الباعث على الوضع بدليل وجداني وذلك بقوله:
(إن الإنسان مدنيٌ بالطبع يحتاج في تنظيم حياته -المادية والمعنوية- إلى آلاتٍ يُبرز بها مقاصده وأغراضه، ويتفاهم بها وقت الحاجة، ولمّا لم يمكن أنْ تكون تلك الآلة الإشارة أو نحوها لعدم وفائها بالمحسوسات فضلاً عن المعقولات فلا محالة تكون هي الألفاظ التي يستعملها في إبراز مراداته من المحسوسات والمعقولات، وهي وافية بهما، ومن هنا خصّ تبارك وتعالى الإنسان بنعمة البيان بقوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾**(٢).
الأمر الثاني: بيان حقيقة الوضع وأنّها التعهّد
وتضمّن ركنين، هما:
الركن الأول: إنّ قصد التفهيم لازم ذاتي للوضع بمعنى التعهّد، وعليه فالدلالة الوضعية تختص بالدلالة التصديقية، وهذا الركن هو الركن الأساس في نظرية التعهّد.
فقد فرّع السيد الخوئي على ما تقدّم من بيان الغرض الباعث على الوضع بقوله: (إنّ حقيقة الوضع هي التعهّد والتباني النفساني، فإنّ قصد التفهيم لازم ذاتي للوضع بمعنى التعهّد. وإنْ شئت قلت: إنّ العلقة الوضعية -حينئذ- تختص بصورة إرادة تفهيم المعنى لا مطلقاً، وعليه يترتب اختصاص الدلالة الوضعية بالدلالة التصديقية)(٣).
والركن الثاني: إنّ كلَّ متعهّد واضعٌ حقيقةً
وقد أثبت ذلك من خلال نقطتين:
______________________________
(١) الخوئي، أبو القاسم، أجود التقريرات: ١/١٠.
* الوجدان: ما يكون في النفس ويستحيل التحقق منه، وهو الضمير أي ما تضمره في نفسك، ظ: مركز المعجم الفقهي، المصطلحات: ١٦١٦.
** الرحمن: ٣- ٤.
(٢) الفياض، محاضرات في أصول الفقه: ١/٥١.
(٣) المصدر نفسه: ١/٥٢.
( ٤٥ )
الأولى: إنّ متعلّق هذا التعهّد أمر اختياري: وهو التكلّم بلفظٍ مخصوصٍ عند قصد تفهيم معنى خاص، وذلك بقوله: (إن تعهّد كلّ شخصٍ فعل اختياري له)(١).
والثانية: إنّ هذا التعهّد ثابت بين طبيعي اللفظ والمعنى الموضوع له بنحو القضية الحقيقية، وقد أشار إلى هذا الأمر بقوله:
(إنّ حقيقة الوضع عبارة عن التعهّد بإبراز المعنى الذي تعلق قصد المتكلم بتفهيمه بلفظ مخصوص، فكل واحد من أهل أي لغةٍ متعهّد في نفسه متى ما أراد تفهيم معنى خاص أنْ يجعل مبرزه لفظاً مخصوصاً -مثلا- التزم كل واحدٍ من أفراد الأمة العربية بأنّه متى ما قصد تفهيم جسمٍ سيالٍ باردٍ بالطبع أنْ يجعل مُبرزه لفظ الماء، ومتى قصد تفهيم معنى آخر أنْ يجعل مُبرزه لفظا آخر، ... فهذا التعهّد والتباني النفساني بإبراز معنى خاص بلفظٍ مخصوص عند تعلق القصد بتفهيمه ثابت في أذهان أهل كل لغةٍ، بالإضافة إلى ألفاظها ومعانيها بنحو القوة. نعم، في مرحلة الاستعمال يوجد المستعمل فرداً منه في استعمال، وفرداً آخر منه في استعمال آخر)(٢).
ولذا يستنتج السيد الخوئي من البيان المتقدّم: إنّ كل مستعملٍ واضعٌ حقيقةً؛ فإنّ تعهّد كل شخصٍ فعلٌ اختياري له، فيستحيل أنْ يتعهّد شخصٌ آخر تعهّده في ذمّته، لعدم كونه تحت اختياره وقدرته.
نعم، يمكن أنْ يكون شخص واحد وكيلاً من قبل طائفة في وضع لغاتهم ابتداءً لمعانيها، فيضعها بإزائها - أي يجعلها مستعدة لإبرازها عند قصد تفهيمها - ويتعهّد بذلك، ثم إنّهم تبعاً له يتعهّدون على طبق تعهّداته، أو يضع لغاتهم بلا توكيل من قبلهم، بل فضولياً، ولكنهم بعد ذلك يتّبعونه في ذلك ويتبانون على وفق تبانيه والتزاماته، ومع هذا فهم واضعون حقيقة. ومن هنا لا فرق بين الطبقات السابقة واللاحقة، غاية الأمر: أنّ الطبقات اللاحقة تتّبعها في ذلك، بمعنى: إنّهم يتعهّدون على وفق تعهّداتهم وتبانيهم، وقد تتعهّد الطبقات اللاحقة تعهّدات أخرى ابتدائية بالنسبة إلى المعاني التي يحتاجون إلى تفهيمها في أعصارهم، مع أنّ الوضع تدريجي الحصول، فيزيد تبعاً لزيادة الحاجة في كل قرنٍ وزمن؛ ومن ذلك تبيّن ملاك أنّ كل مستعملٍ واضعٌ حقيقة.
وأما إطلاق الواضع على الجاعل الأول من دون غيره فلأسبقيته في الوضع، لا لأجل أنّه واضع في الحقيقة من دون غيره(٣).
الأمر الثالث: مؤيّدات نظرية التعهّد
ذكر السيد الخوئي مؤيدات عدة تدعم رأيه بالتعهّد، وهي:
______________________________
(١) الفياض، محاضرات في أصول الفقه: ١/٥٣.
(٢) المصدر نفسه: ١/٥٣.
(٣) المصدر نفسه:١/٥٤.
( ٤٦ )
أولا: موافقة التعهّد للمعنى اللغوي للوضع: إذ قال: (وممّا يؤيّد أنّ الوضع بمعنى التعهّد: أنّه هو الموافق لمعنى الوضع لغةً*، فإنّها بمعنى الجعل والإقرار، ومنه وضع القانون بمعنى جعله وإقراره)(١).
ثانيا: موافقة التعهّد لوضع الأعلام الشخصية: إذ قال: (وضع الأعلام الشخصية، فإنّ كل شخص إذا راجع وجدانه ظهر له أنّه إذا أراد أنْ يضع اسماً لولده يتصور أولا ذات ولده، وثانيا: لفظاً يناسبه، ثم يتعهّد في نفسه بأنّه متى قصد تفهيمه يتكلم بذلك اللفظ، وليس هاهنا شئ آخر ما عدا ذلك)(٢).
ثالثا: استقرار السيرة العقلائية على التعهّد: إذ قال: (وعلى هذه الالتزامات والتعهّدات قد استقرت السيرة العقلائية في مقام الاحتجاج واللجاج، فيحتج العقلاء بعضهم على بعض بمخالفته التزامه ويؤاخذونه عليها، وكذلك الموالي والعبيد، فلو أنّ أحداً يخالف التزامه ولم يعمل على طبق ظهور كلام مولاه يحتج المولى عليه بمخالفته التزامه، ويعاقب عليها، ولا عذر له في ذلك. ولو عمل على طبق ظهوره فله حُجّة يحتج بها على مولاه، وهكذا، وعلى الجملة: إنّ أنظمة الكون كلها من المادية والمعنوية تدور مدار الجري على وفق هذه الالتزامات، ولولاه لاختلت)(٣).
ثم إنّ التعهّد المذكور ربما يكون ابتدائيا فيكون الوضع تعيينيا وقد يكون ناشئاً من كثرة الاستعمال فيكون تعيّنياً وحقيقة الوضع في كلا القسمين على نحو واحد(٤).
وممّا ينبغي أنْ يُشار إليه أنّ السيد محمد صادق الروحاني (ت: ١٤١٤هـ) تبنّى التعهّد في وضع الألفاظ، إذ قال: (والتحقيق أنّ حقيقة الوضع، ليست إلا ما اختاره جملة من أساطين المحققين، منهم صاحب تشريح الأصول** ذ الأعظم***، وهو التعهّد بذكر اللفظ عند تعلق قصد المتكلم بتفهيم المعنى وإبرازه، ويكون متعلق هذا الالتزام النفساني أمراً اختيارياً، وهو المتكلم بلفظٍ
______________________________
* ظ: الفراهيدي، الخليل بن أحمد، كتاب العين:٢/١٩٦والزبيدي، محمد مرتضى، تاج العروس:١١/ ٥١٥، ٥١٩ والخوئي، أبو القاسم، أجود التقريرات: ١/ ١٠ والفياض، محاضرات في أصول الفقه: ١/ ٥٦.
(١) ظ: الخوئي، أبو القاسم، أجود التقريرات:١/١١.
(٢) الفياض، محاضرات في أصول الفقه:١/٥٥.
(٣) المصدر نفسه: ١/٥٥.
(٤) ظ: الجواهري، محمد تقي، غاية الآمال: ١/ ١١٤ والخوئي، أبو القاسم، أجود التقريرات: ١/١٠.
** وهو الشيخ علي النهاوندي (ت:١٣٢٢هـ)، والبقية يأتي ذكرهم في منشأ القول بالتعهّد ص٣٧ - ٣٨ من البحث.
*** والمراد من الأستاذ الأعظم هو السيد أبو القاسم الخوئي، ظ: الفياض، محاضرات في أصول الفقه: ١/ ٥١ (الهامش).
( ٤٧ )
مخصوصٍ عند إرادة إبراز معنى خاص، والارتباط لا حقيقة له، وإنما ينتزع من ذلك. وهذا المعنى، مضافا إلى كونه موافقا لمعنى الوضع لغةً، وهو الجعل والإقرار، مما يساعده الوجدان والارتكاز)(١).
ومن الواضح أنّ العبارة صريحة بتبنّي السيد محمد صادق الروحاني لمسلك التعهّد وموافقته لما اختاره جملة من الأعلام -منهم استاذه السيد الخوئي- جاعلاً الوجدان والارتكاز من أدلة القول بالتعهّد فضلاً عمّا ذكره السيد الخوئي من الأدلة.
رد النقوض المفترضة
ثم أخذ السيد الخوئي بدفع الإشكالات الواردة والمحتملة التي قد ترد على القول بالتعهّد، وهي:
النقض الأول: إشكال الدور *
بتقريب: إنّ التعهّد بمعنى ذكر اللفظ عند قصد تفهيم المعنى يتوقف على العلم بأنّه وضع له. فلو فرض أنّ الوضع عبارة عن ذلك التعهّد لدار(٢)؛ لأنّ التعهّد يتوقف على العلم بالوضع وهو متوقف على التعهّد.
ومما ينبغي أنْ يُشار إليه أنّ هذا الإشكال ذكره بعض الأعلام دون أنْ يُنسب إلى قائله(٣).
جوابه: إنّ ما يتوقف على العلم بالوضع إنّما هو التعهّد الشخصي الفعلي الثابت في مرحلة الاستعمال، من دون التعهّد الكلي النفساني المتعلق بذكر طبيعي اللفظ عند إرادة تفهيم طبيعي المعنى بنحو القضية الحقيقية. هذا مع أنّ حقيقة الوضع: عبارة عن ذلك التعهّد، ومن الظاهر أنّه لا يتوقف على شيء.
وعليه يظهر: إنّ منشأ التوهم هو خلط المتوهم بين التعهّد في مرحلة الاستعمال والتعهّد في مرحلة الوضع، والذي يتوقف على الثاني هو الأول دونه.
وبتعبير آخر: إنّ حال الألفاظ حال الإشارات الخارجية، فكما قد يقصد بها إبراز المعنى الذي تعلق القصد بتفهيمه مثل: ما إذا قصد إخفاء أمر عن الحاضرين في
______________________________
(١) ظ: الروحاني، محمد صادق، زبدة الأصول: ١/ ٢٥ - ٢٦.
* الدور: أن يكون المعرّف -بالكسر -مجهولاً في نفسه، ولا يُعرف إلّا بالمعرَّف- بالفتح- وهو محال لأنّه يؤول إلى أن يكون الشيء معلوماً قبل أن يكون معلوماً، أو إلى أن يتوقف الشيء على نفسه، المظفر، محمد رضا، المنطق: ١٢٤.
(٢) ظ: الفياض، محاضرات في أصول الفقه:١/٥٣.
(٣) ظ: الحائري، محمد حسين، الفصول الغروية: ١٨ وعبد الساتر، حسن، بحوث في علم الأصول: ٢/٢٢.
( ٤٨ )
المجلس، أو قصد تصديق شخص، أو غير ذلك فيجعل مُبرزه الإشارة باليد أو بالعين أو بالرأس فكذلك الألفاظ، فإنّه يبرز بها أيضا المعاني التي يقصد تفهيمها، فلا فرق بينهما من هذه الناحية. نعم، فرق بينهما من ناحية أخرى، وهي: إنّ الإشارة على نسق واحد في جميع اللغات والألسنة من دون الألفاظ(١).
النقض الثاني: إنّ التعهّد والالتزام على ما أرتكز في الأذهان هو أمر متأخر عن الوضع ومعلول له، فإنّ العلم بالوضع يوجب تعهّد العالم به بإبراز المعنى عند قصد تفهيمه بمُبرز مخصوص، لا أنّه عينه. ومن هنا لا يصحّ إطلاق الواضع على غير الجاعل الأول، فلو كان معنى الوضع ذلك التعهّد والالتزام النفساني لصحّ إطلاقه على كل مستعمل من دون عناية، مع أنّ الأمر ليس كذلك(٢).
جوابه: لو أريد بتأخر التعهّد عن الوضع تعهّد المتصدي الأول للوضع فذاك غير صحيح، وذلك لأنّ تعهّده غير مسبوق بشيء ما عدا تصور اللفظ والمعنى، ومن الواضح أنّ ذلك التصور ليس هو الوضع، بل هو من مقدماته، ولذا لا بدّ منه في مقام الوضع بأي معنى من المعاني فُسّر. وعليه: فالمتصدي الأول له بعد تصور معنى خاص ولفظ مخصوص يتعهّد في نفسه بأنّه متى قصد تفهيمه أنْ يجعل مُبرزه ذلك اللفظ، ثم يُبرز ذلك التعهّد بقوله: «وضعت» أو نحوه في الخارج. ومما يدلنا على ذلك بوضوح: وضع الأعلام الشخصية، فإنّ كل شخص إذا راجع وجدانه ظهر له أنّه إذا أراد أنْ يضع اسماً لولده -مثلا- يتصور أولاً ذات ولده، وثانيا: يتصور لفظا يناسبه، ثم يتعهّد في نفسه بأنّه متى قصد تفهيمه يتكلم بذلك اللفظ، وليس هاهنا شئ آخر ما عدا ذلك. وإنْ أريد به تعهّد غيره من المستعملين فالأمر وإنْ كان كذلك - يعني: إنّ تعهّدهم وإنْ كان مسبوقا بتعهّده - إلا أنّه لا يمنع عن كونهم واضعين حقيقة، ضرورة أنّ تعهّد كل أحد لما كان فعلا اختياريا له يستحيل أنْ يصدر من غيره. غاية الأمر: أنّ التعهّد من الواضع الأول تعهّد ابتدائي غير مسبوق بشيءٍ، ومن غيره ثانوي، ولأجله ينصرف لفظ الواضع إلى الجاعل الأول(٣).
النقض الثالث: إنّ العلقة الوضعية لو لم تكن بين الألفاظ والمعاني على وجه الإطلاق فلا يتبادر شيء من المعاني منها فيما إذا صدرت عن شخص بلا قصد التفهيم، أو عن شخصٍ بلا شعور واختيار، فضلا عمّا إذا صدرت عن
______________________________
(١) ظ: الفياض، محاضرات في أصول الفقه:١/٥٣.
(٢) ظ: المصدر نفسه: ١/٥٤.
(٣) ظ: المصدر نفسه: ١/٥٤.
( ٤٩ )
اصطكاك جسم بجسم آخر، مع أنّه لا شبهة في تبادر المعنى منها وانتقال الذهن إليه في جميع هذه الصور(١).
جوابه: أجاب السيد الخوئي على هذا الإشكال: بأنّ تبادر المعنى فيها وانسباقه إلى الذهن غير مستندٍ إلى العلقة الوضعية، بل إنّما هو من جهة الأنس الحاصل بينهما بكثرة الاستعمال أو بغيرها، وذلك لأنّ الوضع حيث كان فعلاً اختيارياً فصدوره من الواضع الحكيم في أمثال هذه الموارد التي لا يترتب على الوضع فيها أيّ أثرٍ وغرضٍ داع إليه يصبح لغواً وعبثاً(٢).
منشأ نظرية التعهّد
هناك من الأصوليين مَنْ سبق السيد الخوئي (قدس سره) إلى القول بالتعهّد، وقد اكتفى السيد الخوئي في بحثه الخارج بما لمّح به المحقق الأصفهاني وعبّر عنهم بأجلّة العصرعند نقله لقوله: (لا حاجة إلى الالتزام بأنّ حقيقة الوضع تعهّد ذكر اللفظ عند إرادة تفهيم المعنى كما عن بعض أجلّة العصر*)(٣) وهم:
١- الشيخ علي بن فتح الله النهاوندي** (ت: ١٣٢٢هـ): يُعد هو المؤسّس لهذا الرأي؛ إذ بيّن أنّ حدّ الوضع حقيقة هو الالتزام والتعهّد بقوله: (لا ريب في كون الغرض من الوضع ليس إلا تسهيل تفهيم المعاني بالألفاظ وصيرورة اللفظ منزلة نفس المعنى في كون إراءة نفس المعنى من حيث كون إسماعه وصدوره من اللافظ مفهما للمعنى على ذلك الغير، وهذه الثمرة للوضع مشاهدة بالوجدان وهي معنى دلالة اللفظ بالوضع على المعنى المسمّاة بالدلالة اللفظية الوضعية وما ذكرناه من الواضحات وانّما هو توطئة لبيان حقيقة الوضع وهي ليست إلا تعهّد الواضع)(٤).
وأضاف الشيخ النهاوندي: إنّ غير الواضع إذا عُلم منه ذلك التعهّد وعُلم منه بتلك الإرادة المستقرة المطلقة ينكشف لغير الواضع عند تلفظ الواضع بالوضع المخصوص أنّه أراد تفهيم معناه؛ لأنّ التعهّد المذكور سبب لعدم انفكاك اللفظ
______________________________
(١) ظ: الفياض، محاضرات في أصول الفقه: ١/٥٦.
(٢) ظ: المصدر نفسه: ١/٥٦.
* المقصود به الشيخ علي بن فتح الله النهاوندي، ظ: الفياض، محاضرات في أصول الفقه: ١/٤٩ (الهامش).
(٣) المصدر نفسه:١/٤٩ والأصفهاني، محمد حسين، نهاية الدراية في شرح الكفاية: ١/٣١.
** فقيه أصولي من تلامذة الشيخ مرتضى الأنصاري (ت:١٢٨١هـ) من آثاره تشريح الأصول الصغير وتشريح الأصول الكبير، توفي غرة ربيع الثاني ١٣٢٢هـ في النجف، ظ: الطهراني، أغا بزرك، الذريعة إلى تصانيف الشيعة: ٤/١٨٥ وكحالة، عمر، معجم المؤلفين: ٧ / ١٦٥.
(٤) تشريح الأصول (طبعة حجرية): ٢٥.
( ٥٠ )
عن إرادة تفهيم المعنى وهو عين الملازمة بين اللفظ والإرادة المذكورة ولا ريب في دلالة أحد المتلازمين على الآخر ثم حصول هذا العلم سبب لحصول غرض الواضع وهو تفهيم المعنى التصديقي(١).
وأكّد على عدم إمكان كون الوضع غير التعهّد المذكور، لاسيّما بعد أنْ وضّح انتزاع تخصيص اللفظ بإرادة تفهيم المعنى بعد هذا التعهّد والالتزام، ويحدث للتعهّد المذكور عنوان ثانوي بواسطة سببيته لهذا التخصيص؛ فيصح تعريف الوضع بأنّه تخصيص شيءٍ بشيءٍ آخر، وأنّ تعريفه بأحد الأمور من التقييد والتعيين والتنزيل لا ينافي كونه تعهّداً لكونه مسبّبَاً عن التعهّد، وأنّ التعبير عن الوضع بلفظ وضعتُ تعبيرٌ عن مسببيّته وعنوانه الثانوي فإنّ الوضع والجعل بمعنى واحد، ووضعتُ هذا اللفظ لهذا المعنى يعني صيّرته اسماً لهذا المعنى وعلامة له لإرادة تفهيمه(٢).
٢- الشيخ عبد الكريم بن محمد جعفر اليزدي الحائري (ت: ١٣٥٥هـ)
فقد ذكر مسلك التعهّد في وضع الألفاظ بقوله: (أنْ يلتزم الواضع أنّه متى أراد معنى وتعقله وأراد إفهام الغير تكلم بلفظ كذا، فإذا التفت المخاطب لهذا الالتزام ينتقل إلى ذلك المعنى عند استماع ذلك اللفظ منه، فالعلاقة بين اللفظ والمعنى تكون نتيجة لذلك الالتزام...وكيف كان الدال على التعهّد تارة يكون تصريح الواضع وأخرى كثرة الاستعمال ولا مشاحة في تسمية الأول وضعا تعيينا والثاني تعيّنا)(٣).
وقال أيضاً: (وما يتعقل في المقام بناء الواضع والتزامه بأنّه متى أراد المعنى الخاص وتعلّق غرضه بإفهام الغير ما في ضميره تكلّم باللفظ الكذائي فبعد هذا الالتزام يصير اللفظ المخصوص دليلا على إرادة المعنى المخصوص عند الملتفت بهذا البناء والالتزام وكذا الحال لو صدر ذلك اللفظ من كل من يتبع الواضع فإنْ أراد القائل بكون الألفاظ موضوعة لمعانيها من حيث أنّها مرادة هذا الذي ذكرنا فهو حقٌ بل لا يُتعقّل غيره)(٤).
٣- الشيخ محمد رضا بن محمد حسين الأصفهاني النجفي (ت: ١٣٦٢هـ)
فبعد أنْ ذكرمجموعة من التعاريف للوضع على نحو الاختصاص، أو التخصيص، أو التعيين، أو الارتباط، بيّن أنّ المهم معرفة ما يحصل به ذلك، ويترتّب عليه المقصود من جعل الدلالة، إذ قال: (ولا يمكن جميع ذلك إلا بالتعهّد أعني تعهّد المتكلم للمخاطب، والتزامه له بأنّه لا ينطق بلفظ خاص إلا عند إرادته
______________________________
(١) ظ: تشريح الأصول (طبعة حجرية): ٢٧.
(٢) ظ: المصدر نفسه: ٢٩.
(٣) درر الأصول (درر الفوائد): ١/٣٥.
(٤) المصدر نفسه: / ٤١- ٤٢.
( ٥١ )
معنى خاصا، أو أنّه إذا أراد إفهامه معنى معيناً لا يتكلم إلا بلفظ معين، فمتى تعهّد له بذلك وأعلمه به حصلت الدلالة وحصل الإفهام، ولا يكاد يحصل بغير ذلك. فلنا في المقام دعويان: حصول الوضع بالتعهّد المذكور، وعدم إمكان حصوله بغيره)(١)، فهو يؤكّد حصول الوضع بالتعهّد ولا يمكن أنْ يحصل بغيره، وعليه يكون التعهّد عنده: تعهّد استعمال اللفظ في معنى، ولا معنى للاستعمال إلا الكشف عن المراد(٢).
ويبدو ممّا تقدّم أنّ الشيخ النهاوندي (ت: ١٣٢٢هـ) هو أول من ذهب إلى القول بمسلك التعهّد في وضع الألفاظ وتبنّاه من بعده الشيخ عبد الكريمالحائري (ت: ١٣٥٥هـ) والشيخ محمد رضا الأصفهاني (ت: ١٣٦٢هـ) ووافقهم السيد الخوئي (قدس سره) غاية الأمر أنّ السيد الخوئي استطاع أنْ يوضّح المسلك ببيان جديد هو أمتن وأوضح من بيان السابقين عليه، اعتمد فيه -كما اعتمد مَنْ سبقه لاسيّما النهاوندي- على الوجدان، مشيراً إلى اختصاص الدلالة الوضعية بالدلالة التصديقية، وأنّ كل متعهّد هو واضع حقيقة، وأنّ متعلق هذا التعهّد أمر اختياري، مخالفا بذلك للمشهور عند الأصوليين في المقام، مؤيداً مختاره بكونه موافقا للمعنى اللغوي للوضع، والارتكاز العقلائي والفهم العرفي، مدافعاً عنه بردّ الإشكالات المحتملة التي قد ترد عليه؛ ولذا نُسبت نظرية التعهد إلى السيد الخوئي؛ لأنّه استطاع أن يحوّل هذا الرأي إلى نظرية، وبذلك يكون قد أضاف إلى البحث الأصولي إضافة معرفية، فيكون مجدداً فيه.
رابعا: مناقشة مسلك التعهّد
وردت مناقشات عدّة على مسلك التعهّد من أساتذة وتلامذة السيد الخوئي، من أبرزها:
أولاً: مناقشة أساتذة السيد الخوئي
١- مناقشة المحقق النائيني (ت: ١٣٥٥هـ)
إنّ دلالة الألفاظ وإنْ لم تكن بالطبع، إلا أنّها لم تكن أيضا بالتعهّد من شخص خاص على جعل اللفظ قالبا للمعنى، إذ من المتيقن أنّه لم يكن هناك تعهّد من شخصٍ لذلك ولم ينعقد مجلس لوضع الألفاظ، وكيف يمكن ذلك مع كثرة الألفاظ والمعاني على وجه لا يمكن إحاطة البشر بها؟ بل لو ادعى استحالة ذلك لم تكن بالبعيد؛ بداهة عدم تناهى الألفاظ بمعانيها، مع أنّه لو سُلّم إمكان ذلك، فتبليغ ذلك التعهّد وإيصاله إلى عامّة البشر دفعةً محال عادة.
ودعوى: أنّ التبليغ والإيصال يكون تدريجاً، مما لا ينفع؛ لأنّ الحاجة إلى تأدية المقاصد بالألفاظ يكون ضرورياً للبشر، على وجه يتوقف عليه حفظ نظامهم،
______________________________
(١) وقاية الأذهان: ٦٢.
(٢) ظ: المصدر نفسه: ٦٤.
( ٥٢ )
فيُسأل عن كيفية تأدية مقاصدهم قبل وصول ذلك التعهّد إليهم، بل يُسأل عن الخلق الأول كيف كانوا يُبرزون مقاصدهم بالألفاظ، مع أنّه لم يكن بعدُ وضع وتعهّد من أحدٍ(١).
ويظهر للباحث: أنّ هذه المناقشة تستند على مبنى النائيني في أنّ الواضع لا يُعقل أنْ يكون هو الإنسان بل هو الله سبحانه وتعالى، وقد تمّت مناقشة هذا الأمر من السيد الخوئي واختار أنّ الواضع هو الإنسان بما أعطاه الله سبحانه من قدرة البيان(٢)، وعليه نستنتج أنّ هذه المناقشة غير تامة.
٢- مناقشة المحقق العراقي (ت: ١٣٦١هـ)
جاءت مناقشته ضمن محورين، هما:
المحورالأول: إنّ العلاقة بين اللفظ والمعنى على القول بالتعهّد هي من سنخ الإضافات الخارجية بين الأمرين الخارجيين مثل الفوقية والتحتية ونحوهما ممّا يتوقف تحققها على تغيير وضع في طرفيها، والحال أنّها من سنخ الاعتباريات التي تحققها يكون بالجعل: كالملكية والزوجية(٣).
ويظهر للباحث: إنّ السيد الخوئي (قدس سره) يرى أنّ العلاقة بين اللفظ والمعنى ليست من الأمور الواقعية أو الاعتبارية، وليست هي من حقيقة الوضع في شيء وإنّما هي من شؤون الوضع(٤)؛ وعليه تكون هذه المناقشة في هذا المحور غير تامةٍ بحسب مبنى السيد الخوئي.
المحور الثاني: إنّ إرجاع الوضع إلى تعهّد الواضع بذكر اللفظ عند إرادة المعنى أيضا غير مستقيمٍ فإنّه بعد أنْ كان مرجع التعهّد المذكور إلى إرادة ذكر اللفظ عند إرادة المعنى نقول: بأنّه يُسأل عنه بأنّ تلك الإرادة المتعلقة بذكر اللفظ لا تخلو من احتمالين:
١- إما أنْ تكون إرادة نفسية: وفيها احتمالان أيضاً:
اـ إما أنْ يكون الغرض من تلك الإرادة إيجاد العلقة والارتباط بين اللفظ والمعنى بنفس تلك الإرادة: فهذا وإن كان له وجه إلا أنّ هذا النحو من الإضافة والارتباط لا يحتاج تحققها إلى كثير مؤنةٍ، فيكفي في تحققها مجرد الجعل والإرادة. نعم على ذلك تكون الإرادات الاستعمالية المتحققة فيما بعد في طول تلك الإرادة الكلية ومترتبة عليها؛ لتحقق العلقة والربط بين اللفظ والمعنى بنفس
______________________________
(١) ظ: الكاظمي، فوائد الأصول:١ - ٢ / ٣.
(٢) ظ: الفياض، محاضرات في أصول الفقه: ١/٥١.
(٣) ظ:البروجردي، محمد تقي، نهاية الأفكار:١- ٢/٢٨- ٢٩.
(٤) ظ: الخوئي، أبو القاسم، أجود التقريرات: ١/١٠.
( ٥٣ )
تلك الإرادة والتعهّد الكلي، وهذا ينافي مسلك القائل: من كون الإرادات الاستعمالية المتحققة فيما بعد من شؤون تلك الإرادة الكلية وفعليتها.
ب - وإما أنْ لا يكون الغرض من توجيه الإرادة إلى ذكر اللفظ ذلك بل الغرض من توجيه الإرادة إليه هو جهة مطلوبيته ذاتا في ظرف إرادة تفهيم المعنى: فهذا ينافي ما يقتضيه الوجدان والارتكاز في مقام إرادة التلفّظ باللفظ من كونها لأجل التوصل به إلى تفهيم المعنى المقصود لا من جهة مطلوبية التلفظ به نفسا، وهو مناف أيضا لما يقتضيه الطبع والوجدان في مقام الانتقال إلى المعنى عند سماع اللفظ؛ لأنّ لازم البيان المذكور هو أنْ يكون الانتقال إلى اللفظ في عرض الانتقال إلى المعنى بحيث يكون في الذهن انتقالان: انتقال بدواً إلى اللفظ عند سماعه، وانتقال منه بمقتضى الملازمة والإناطة إلى المعنى، نظير الانتقال من اللازم إلى ملزومه، مع أنّ ذلك مما يأبى عنه الوجدان والارتكاز، فإنّه يرى بالوجدان انتقال الذهن إلى المعنى عند سماع اللفظ بدواً مع الغفلة عن جهة اللفظ بحيث كأنّ المعنى هو الملقى إليه بلا توسيط لفظٍ في البين أصلاً.
٢- وأما أنْ تكون إرادة غيرية توصلية إلى إبراز المعنى باللفظ نظراً إلى قالبية اللفظ للمعنى وفنائه فيه فناء المرآة في المرئي، فعليه نقول: بأنّ جهة مبرّزية اللفظ عن المعنى بعد أنْ لم تكن مستندة إلى اقتضاء ذات اللفظ -كما يدعيه القائل بذاتية دلالة الألفاظ على معانيها- فلا بدّ وأنْ يكون نشوؤها من أنحاءٍ عدة:
اـ إمّا من وضع الواضع وجعله.
ب - أو من تلك الإرادة الغيرية المتعلقة بذكر اللفظ: وهذا لا سبيل إليه لأنّه بديهي الاستحالة.
جـ - أو من إرادة أخرى: وهذا أيضاً لا سبيل إليه للقطع بعدم إرادة أخرى في البين، مع أنّه يجيء فيها احتمالات كونها إرادة غيرية أو نفسية.
وعليه فيتعيّن حينئذٍ المعنى الأول -أي أنّها من قبل وضع الواضع وجعله- وهو المطلوب(١).
وفي موضعٍ آخرٍ يذكر المحقق العراقي أنّه: لعلّ مَنْ قال بكون الوضع عبارة عن التعهّد قد تسامح وأراد الاختصاص والإضافة الحاصلة به، وكيف كان فلا يبعد أنْ يكون الوضع عبارة عن هذه الإضافة الحاصلة من البناء والالتزام بإفادة المعنى به عند إرادة ترك التجوّز، مع أنّها مقدمة على الوضع الذي يحصل بالتخصيص والتعيين(٢).
ويظهر للباحث: إنّ الشيخ النهاوندي (ت: ١٣٢٢هـ) -وهو المؤسس لنظرية التعهّد- قد صرّح بأنّ القول بالتعهّد لا ينافي كون الوضع هو من باب التعيين أو
______________________________
(١) ظ:البروجردي، محمد تقي، نهاية الأفكار:١- ٢/٢٩.
(٢) ظ: الطباطبائي، محمد رضا، تنقيح الأصول، تقريرات أبحاث ضياء الدين العراقي: ٢٥٢.
( ٥٤ )
التخصيص؛ لأنّه عنوانه الثانوي المتسبّب من العنوان الأولي، وهو الالتزام والتعهّد(١)، وعليه تكون مناقشة المحقق العراقي غير تامة في المقام.
وذكر المحقق العراقي أيضاً: إنّ من لوازم مسلك التعهّد انحصار الدلالة في الألفاظ بالدلالة التصديقية؛ لأنّه لا ظهور للفظ حينئذٍ حتى يكون وراء الدلالة التصديقية دلالة أخرى تصورية، بخلافه على مسلك الوضع فإنّه يكون للفظ وراء الدلالة التصديقية دلالة أخرى تصورية ناشئة من الوضع والجعل(٢).
ويظهر للباحث: إنّ مَنْ يقول بالتعهّد لا بدّ أنْ تنحصر الدلالة عنده بالدلالة التصديقية؛ وذلك من أجل أنْ يتحقق إرادة قصد تفهيم المعنى من اللفظ؛ لأنّ قصد التفهيم لازم ذاتي للوضع بمعنى التعهّد، هذا مع أنّ الدلالة التصورية بعد العلم بالوضع أمر قهري خارج عن الاختيار(٣).
ثانياً: مناقشة تلامذة السيد الخوئي لنظرية التعهّد
أورد تلامذة السيد الخوئي مناقشات عدّة على نظرية التعهّد، وهي:
١- مناقشة الصدر للخوئي
بيّن السيد محمد باقر الصدر (ت: ١٤٠٠هـ) أنّ مسلك التعهّد يرجع إلى ثلاثة محاور أساسية، ثم أخذ بمناقشتها، وهي:
المحور الأول: إنّ التعهّد عبارة عن ملازمة قائمة بين طرفين: أحدهما اللفظ، والآخر قصد تفهيم المعنى على نحو القضية الشرطية ; وهي متى ما قصد تفهيم المعنى الفلانيّ أتى باللفظ الفلانيّ؛ لأنّ هذين الأمرين هما طرفا التعهّد.
المحور الثاني: إنّ الدلالة التي نشأت ببركة هذا التعهّد ليست مجرّد دلالة تصوّريّة، بل دلالة تصديقيّة ; فإنّ الدلالة التصوّريّة هي انتقاش المعنى من اللفظ في الذهن ولو صدر عن حجرٍ، والدلالة التصديقيّة هي دلالة اللفظ على قصد تفهيم المعنى وإخطاره، وطرف الملازمة كان هو الثاني.
إذن، فالوضع يتكفّل بالدلالة التصديقيّة، ويوجد في ضمنها الدلالة التصوّريّة.
المحور الثالث: إنّ كلّ واحد من أهل اللغة هو واضع، فالمستعمل للفظٍ هو واضع أصلي ومن يأتي من بعدهم في الأجيال اللاحقة هم واضعون بالتبع والمشايعة(٤).
______________________________
(١) ظ: تشريح الأصول (طبعة حجرية): ٢٨ - ٢٩.
(٢) ظ:البروجردي، محمد تقي، نهاية الأفكار:١- ٢/٢٩- ٣٠.
(٣) ظ: الفياض، محاضرات في أصول الفقه: ١/١١٧.
(٤) ظ: الحائري، كاظم، مباحث الأصول، تقريرات أبحاث محمد باقر الصدر، القسم الأول: ١/ ٨٩.
( ٥٥ )
وقد توسّع السيد الصدر في مناقشة المحور الأول -أي القضية الشرطية- بإرجاعها إلى ثلاث صيغٍ محتملة:
١- إما أنْ يكون الشرط عبارة عن قصد تفهيم المعنى، والجزاء هو الإتيان باللفظ، وهذا هو المطابق لكلمات السيد الخوئي، وهذا أمر معقول في نفسه لكنّه لا يفيد المقصود، وهو دلالة اللفظ على المعنى؛ فإنّ التعهّد بقضية شرطية إنّما يوجب دلالة الشرط على الجزاء لا دلالة الجزاء على الشرط، والشرط هنا هو قصد تفهيم المعنى، والجزاء هو الإتيان باللفظ، فلو عرفنا أنّ هذا الإنسان قاصد لتفهيم معنىً دلّنا ذلك على أنّه سوف يأتي باللفظ، وأما الإتيان باللفظ فليس دليلاً على أنّه قصد المعنى؛ إذ قد يكون الإتيان باللفظ لازماً أعمّ لقصد المعنى.
والحاصل أنّه لم يتعهّد بأنّه متى ما أتى باللفظ قصد المعنى حتى يكون إتيانه باللفظ دليلاً على قصد المعنى(١).
ويرى الباحث: إنّ مراد السيد الخوئي هو ليس هذه الصيغة بل الصيغة الثانية بدليل قوله: (فإنّ المتكلم قد تعهّد بأنّه إذا تكلّم بلفظ فلاني فإنّه أراد المعنىالفلاني)(٢).
٢- عكس الأول، وذلك بأنْ يكون الشرط هو الإتيان باللفظ، والجزاء هو قصد تفهيم المعنى، فهو متعهّد بأنّه متى ما أتى باللفظ قصد تفهيم المعنى، وحتى لو صدر عنه اللفظ غفلة فسوف يُحدث في نفسه قصد تفهيم المعنى وفاءً بتعهّده.
وهذا يفيد المقصود ويوجب دلالة اللفظ على المعنى، لكنّه ليس أمراً عقلائياً؛ فإنّ التلفظ هو الذي يكوّن قصد تفهيم المعنى، وليس قصد تفهيم المعنى في طول اللفظ، وأيّ عاقل يُلزم نفسه بأنْ يُحدث قصد تفهيم المعنى عندما يصدر عنه اللفظ ولو غفلة؟!
ويبدو للباحث: إنّ هذه المناقشة تامة.
٣- أنْ يكون الشرط عبارة عن عدم كونه قاصداً لتفهيم المعنى، والجزاء عبارة عن عدم التلفّظ باللفظ. إلاّ أنّ هذا غير واقع خارجاً؛ فإنّ هذا لا ينسجم مع الاستعمال المجازي الذي باب من أبواب اللغة، والعاقل الباني على الاستعمال المجازي كيف يأتّى منه التعهّد بعدم استعمال كلمة (أسد) مثلاً إلاّ حين إرادة تفهيم الحيوان المفترس؟!
______________________________
(١) ظ: الحائري، كاظم، مباحث الأصول، القسم الأول: ١/ ٨٩.
(٢) التوحيدي، محمد علي، مصباح الفقاهة، الخيارات: ٥/٢٢.
( ٥٦ )
وذكر السيد الصدر هذا الإشكال على مبنى التعهّد بصيغه الثلاث مشافهة على مسامع السيد الخوئي فذكر في مقام الجواب صيغةً رابعة أو تعديلاً للصيغة الثالثة، وذلك بأنْ يُقال:
إنّ الواضع يتعهّد بأنْ لا يأتي باللفظ إلاّ إذا قصد المعنى الحقيقي، ويستثنى من ذلك فرض إقامة القرينة. وبكلمة أخرى: إنّه يتعهّد بأن يأتي بلفظة (أسد) مثلاً في إحدى حالتين:
الأولى: أنْ يقصد تفهيم الحيوان المفترس.
والثانية: أنْ يقصد تفهيم الرجل الشجاع مع انضمام القرينة، فإذا لم يأت بقرينة على المعنى المجازي تعيّن قصده لتفهيم الحقيقي(١).
وقد أورد السيد الصدر على الصيغة الرابعة ما يأتي:
أولاً: إنّه سواء اُريد بالقرينة القرينة المتصلة أم اُريد بها الأعم من القرينة المتصلة والمنفصلة لا تكفي هذه العناية -أي عناية استثناء فرض إقامة القرينة- لتصحيح مبنى التعهّد؛ لوضوح: أنّ المستعمل اللغوي قد يستعمل المجاز بلا قرينةٍ حينما يتعلّق غرضه بالإجمال أو الإهمال، فهذا التعهّد خُلف بنائه ولو احتمالاً على الاستعمال المجازي بلا قرينة، فهذا المقدار من العناية لا يفي بتصحيح التعهّد ما لم تبذل عنايات إضافية أخرى: كأنْ يُستثنى أيضاً فرض تعلّق غرضه بالإجمال أو الإهمال، ويُستعان في مقام تتميم الدلالة بالبناء على عدم إرادة الإجمال أو الإهمال على أساس ندرة هذه الحالة.
وثانياً: إنّه هل المراد بالقرينة خصوص القرينة المتصلة أو الأعم من المتصلة والمنفصلة؟ فإن اُريد خصوص القرينة المتصلة كان هذا تعهّداً ضمنياً بإلغاء القرائن المنفصلة. ومن الواضح: أنّه كثيراً ما يعتمد على القرينة المنفصلة.
وإن اُريد الأعم من القرينة المتصلة والمنفصلة لزم من ذلك أنّه متى ما سمعنا كلاماً من المتكلم واحتملنا أنّه سوف يقيم قرينة منفصلة على إرادة المعنى المجازي لم يجز حمل كلامه على المعنى الحقيقي، ولم نحرز دلالة اللفظ على معناه الموضوع له؛ وذلك لأنّ الدلالة على المعنى الموضوع له فرع التعهّد، والتعهّد بذلك قد قيّد بحالة عدم القرينة ولو المنفصلة، فمع احتمال ورود القرينة المنفصلة في المستقبل لا نجزم بالتعهّد بإرادة المعنى الموضوع له، فلا نجزم بالدلالة، مع أنّه لا إشكال في هذه الحالة في حمل الكلام على المعنى الموضوع له(٢).
______________________________
(١) ظ: الحائري، كاظم، مباحث الأصول، القسم الأول:١/٨٥.
(٢) الحائري، كاظم، مباحث الأصول، القسم الأول:١/٨٥.
( ٥٧ )
بيان ذلك: إنّ المتكلّم حينما يُنهي كلامه من دون الإتيان بقرينة متصلة فإنّه ينعقد لكلامه ظهور، وبالتالي يتم قصد تفهيم المعنى، غاية الأمر إذا جاءت القرينة المنفصلة بعد ذلك ينهدم الظهور الأولي وينعقد ظهوراً آخر يكون هو المقصود الجدّي للكلام الأول.
٢- مناقشة السيستاني للخوئي
جعل السيد علي الحسيني السيستاني (دام ظلّه) نظرية التعهّد على ثلاثة صُعدٍ محتملة، ثمّ أخذ بمناقشتها تباعاً، وهي كما يأتي(١):
أولاً: إما أن تُلحظ نظرية التعهّد على صعيد الوضع بالمعنى المصدري*:
فصياغة التعهّد في تلك المرحلة - وهي مرحلة الانتخاب والجعل - مجرد اعتبار أدبي كسائر الاعتبارات الأدبية الأخرى لكن لا يوجد له مصحّح بخصوصه، فإنّ الاعتبار الأدبي يحتاج لمصحّحٍ معيّنٍ له من بين الاعتبارات الأدبية المختلفة ولا يوجد ذلك بالنسبة لصياغة التعهّد، فإنّ الهدف من هذا الاعتبار الأدبي هو التوصل والتمهيد للعلاقة الراسخة بين اللفظ والمعنى، وهذا مصحّح مشترك بين مسلك التعهّد وغيره من الاعتبارات الأخرى.
ثانياً: أو تُلحظ على مستوى الوضع بمعنى الإسم المصدري: وهو عبارة عن الدلالة التصورية التي هي عبارة عن التلازم** أو الهوهوية ***:
فقد ذكر السيد الخوئي أنّ الدلالة التصورية منتزعة من مسلك التعهّد، أي أنّ الذهن إذا رأى واضعا يتعهّد بعدم ذكر اللفظ إلا عند إرادة المعنى فإنّه ينتزع من هذا التعهّد تصور المعنى، فالدلالة التصورية أمر انتزاعي من نفس عمليةالتعهّد(٢).
ولكن يُلحظ على ذلك: أنّ الأمر الانتزاعي واقعيته بمنشأ انتزاعه، وإذا ارتفع منشأ انتزاعه فلا وجود له، بينما نرى بالوجدان أنّ حصول الدلالة التصورية
______________________________
(١) ظ: القطيفي، منير الخبّاز، الرافد في علم الأصول: ١٧٩ ـ١٨٤.
* المعنى المصدري: يراد به الحدث باعتبار صدوره عن فاعل، أما أسم المصدر: فهو الحدث بحد ذاته بقطع النظر عن صدوره عن فاعل، ظ: الأنصاري، محمد علي، الموسوعة الفقهية الميسرة: ٣/ ٢٥٥.
** إشارة إلى رأي المحقق العراقي في الوضع، ظ: البروجردي، محمد تقي، نهاية الأفكار:١- ٢/٢٥- ٢٦
*** إشارة إلى رأي المحقق الطوسي في الوضع، ظ: المحقق الطوسي، نصير الدين، شرح الإشارات والتنبيهات لابن سينا، المنطق: ١/ ٢١ - ٢٢
(٢) ظ: الفياض، محاضرات في أصول الفقه: ١/١١٧.
( ٥٨ )
سواء أكانت هي التلازم أم الهوهوية لا تتوقف على التعهّد بل تتوقف على مرحلة الإشارة، وهي العوامل الكمية أو الكيفية المولّدة للعلاقة بين اللفظ والمعنى سواءً وجد تعهّد أم لا، فقد يوجد تعهّد ولا تحصل هذه العلاقة؛ لعدم جري المجتمع وفق ذلك التعهّد، وقد لا يوجد تعهّد لكنّها حاصلة بسبب العوامل الأخرى، فبينهما عموم من وجه، وحينئذ فلا تتوقف الدلالة التصورية على التعهّد توقف المنتزَع على المنتزع منه. وقد اعترف بذلك السيد نفسه، إذ ذكر أنّ منشأ الدلالة التصورية هو كثرة الاستعمال مع أنّه ذكر في التعليقة نفسها أنّها منتزعة من عملية التعهّد(١).
ثالثاً: أو أنْ تلحظ نظرية التعهّد على صعيد استكشاف المدلول التفهيمي:
فيرد عليه: إنّ الطريق لاستكشاف كون المتكلم قاصداً تفهيم المعنى لا ينحصر في العلم بالتعهّد بل له طريق آخر وهو قانون السببية، فهذا القانون يستكشف الإنسان به المدلول التفهيمي وكون المتكلم قاصداً للتفهيم، سواء أكان هناك تعهّد أم لم يكن.
ثم يعرض السيد السيستاني إشكالاً مقدّراً ويجيب عليه:
الإشكال: لو قصدنا بالتعهّد التعهّد الشخصي من قبل الواضع فحينئذ لا نرى تلازماً بينه وبين الدلالة التصورية كما ذكرتم في الاعتراض، لعدم توقف الدلالة التصورية على ذلك بل على العوامل الأخرى، ولكن المقصود بالتعهّد هو التعهّد العقلائي العام، أي تعهّد الواضع والمستعمل أيضا بالصياغة المذكورة، وإذا كان المقصود بالتعهّد هو هذا فهو نفس كثرة الاستعمال فإن كثرة الاستعمال عبارة أخرى عن تعهّد المجتمع بما تعهّد به الواضع، فلا تهافت بين الكلامين، ولا ينتفي بذلك كون علاقة الدلالة التصورية بالتعهّد علاقة المنتزَع بالمنتزَع منه(٢).
جواب الإشكال
١- لو سُلّم ما ذُكر لكن تبقى علاقة الدلالة التصورية بكثرة الاستعمال أو غيرها من العوامل علاقة المسبَّب بسببه لا علاقة المنتزع بالمنتزع منه كما هو واضح.
٢- إنّ السبب المُعد للعلاقة التصورية ليس هو التعهّد النفسي، سواء أكان من الواضع أم من المجتمع، بل هو نفس ذكر اللفظ مع القرينة بقصد الإشارة للمعنى فإنّ هذا هو الدخيل في حصول العلاقة التصورية، سواء أكان هناك تعهّد نفساني من المجتمع أم لم يكن، فالتعهّد نفسه لا دخالة له إطلاقاً في حصول هذه الدلالة التصورية لا على نحو الانتزاع ولا على نحو السببية.
______________________________
(١) ظ: الخوئي، أجود التقريرات: ١/ ١٠.
(٢) ظ: القطيفي، منير الخبّاز، الرافد في علم الأصول: ١٨٣.
( ٥٩ )
٣- إنّ دعوى كون التعهّد تعهّداً اجتماعياً عاماً لا نرى له شواهد وملامح في المجتمع العقلائي، بل نرى المجتمع يسير على نهج الاستعمال التابع لما حدده الواضع من دون قيامه بتعهّدٍ نفساني كما هو المدّعى.
والنتيجة التي ينتهي إليها السيد السيستاني: إنّه لا يوجد مبرّر لنظرية التعهّد على مختلف الأصعدة(١).
ويظهر للباحث: إنّ سير المجتمع على نهج الاستعمال التابع لما حدّده الواضع يستبطن قهراً التعهّد النفساني من مستعمِل اللفظ، فلا يُتم ما ذكره أخيراً.
٣- مناقشة الفياض للخوئي
نقد الشيخ محمد إسحاق الفياض (معاصر) نظرية التعهّد بوجوهٍ عدّة:
الأول: إنّ المرتكز عند العرف والعقلاء هو أنّ التعهّد والالتزام النفساني متفرّع على الوضع في المرتبة السابقة ومترتب عليه، لا أنّه هو الوضع، لوضوح أنّ تعهّد المتكلم بأنّه كلما نطق باللفظ الفلاني أراد معناه في مرتكز نفسه، مبني على الوضع مسبقاً، لا أنّه وضع؛ لأنّه تعهّد شخصي منه لا يناسب الوضع كقانون عام.
الثاني: إنّ الوضع على ضوء هذه النظرية أمر عقلائي -وهو التعهّد بأحد طرفي القضية الشرطية إلى طرفها الآخر- ولا بدّ من افتراضه في مجتمع عقلائي متكامل، مع أنّ الوضع موجود منذ نشوء ظاهرة اللغة في مجتمع الإنسان البدائي.
الثالث: إنّ لازم هذه النظرية عدم تحقق الاشتراك اللفظي في اللغات نهائياً، وواضح أنّه لا يمكن الالتزام بذلك؛ فإنّ وجود المشترك اللفظي في اللغات أمر لا يقبل الشك، وأنّه من ضروريات اللغات، وهذا دليل على عدم صحة هذه النظرية.
الرابع: إنّ لازم هذه النظرية انقلاب المستعمل واضعاً، وهذا خلاف المرتكز القطعي، إذ أنّ المرتكز لدى العرف والعقلاء كون الاستعمال فرع الوضع ومترتب عليه، لا أنّه الوضع، ويظهر ذلك بجلاء في الأعلام الشخصية.
الخامس: إنّ لازم هذه النظرية كون الدلالة الوضعية تصديقية لا تصورية، مع أنّ الأمر ليس كذلك، إذ لا شبهة في أنّ الدلالة التصورية مستندة إلى الوضع غير التعهّد(٢).
______________________________
(١) ظ: القطيفي، منير الخبّاز، الرافد في علم الأصول: ١٨٣.
(٢) ظ: المباحث الأصولية: ١/١٣٩ - ١٤٢.
( ٦٠ )
ثم ردّ الشيخ الفياض ما ذكره السيد الخوئي: من أنّ الغرض من وراء الوضع والدافع إليه هو التفهيم والتفهّم بين أهل كل لغة في جميع ما يحتاجون إليه من الأمور، والوضع يتبع الغرض وإلا كان لغواً(١)، وجاء ردّه: بأنّ الغرض من الوضع وإنْ كان ذلك، إلا أنّه ليس بمثابة العلة التامة، بحيث يدور الوضع مداره وجوداً وعدماً وسعةً وضيقاً، بل هو بمثابة الحكمة له الموجبة لخروج الوضع عن اللغوية، ولا مانع من تخلّفها في بعض الموارد، أو فقل: إنّ قصد التفهيم من الداعي للوضع هو جهة تعليلية لا تقييدية. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى إنّ تحقق هذا الغرض وحصوله يتوقف على دلالة تصورية في المرتبة السابقة، إذ أنّه لا يمكن تحقق الدلالة التصديقية بدونها، وعلى هذا فلا مانع من وضع طبيعي اللفظ للمعنى بدون أخذ أي شيء فيه ولا في العلقة الوضعية، وعليه فلا يكون هذا الوضع لغواً(٢).
ونخلص بالقول: إنّ منشأ نظرية التعهّد هو الرأي ذكره الشيخ علي بن فتح الله النهاوندي (ت: ١٣٢٢هـ) ومن ثم تبنّاه الشيخ عبد الكريم الحائري (ت: ١٣٥٥هـ) والشيخ محمد رضا الأصفهاني النجفي (ت: ١٣٦٢هـ)، وتبنّى السيد الخوئي (قدس سره) هذا الرأي وجعله في نظرية ووضّحها ببيان أصولي محكم، وأضاف فيها إضافاتٍ معرفية عمودية؛ فيكون مجدّدا فيها.
كما ردّ السيد الخوئي (قدس سره) الإشكالات التي قد ترد على ما اختاره من مسلك التعهّد في وضع الألفاظ.
______________________________
(١) ظ: المباحث الأصولية: ١/١٣٩ - ١٤٢.
(٢) ظ: الفياض، محاضرات في أصول الفقه:١/٥٢.
( ٦١ )
ذكر علماء العربية بإزاء كل حرف معنىً معيناً ف-(من) موضوعة للابتداء و (في) للظرفية و (هل) للاستفهام وهكذا. وقد لاحظ علماء الأصول أنّ هناك فرقاً واضحاً بين شرح اللغوي وتحديده لمعاني الأسماء أو الأفعال- كأنْ يقول مثلا: (الأسد) هو الحيوان المفترس أو (جلس) بمعنى قعد - وبين تحديداتهم تلك لمعاني الحروف من حيث أنّ شرح الإسم أو الفعل يُنبيء عن مرتبة من الترادف في المعنى بين الكلمة المشروحة والكلمة الشارحة، بحيث يصحّ استبدال إحداهما بالأخرى في مجال الاستعمال من دون أنْ يختل التركيب الذهني لصورة المعنى المعطاة بالكلام، بينما لا يتأتى ذلك في معاني الحروف. فالظرفية مثلا لا يمكن أنْ تستعمل بحال من الأحوال بدلاً من حرف (في) ولا الابتداء بدلاً عن (من).
ولذا استأثرت هذه الظاهرة باهتمام الأصوليين فدفعتهم إلى مواصلة البحث والتنقيب في مدلولات الحروف ليخرجوا بالتحليل النهائي الذي على أساسه يمكن تفسير واقع الفرق بين المعاني الحرفية والمعاني الإسمية(١).
ومن معالم البحث الأصولي للسيد الخوئي هو قوله بالتحصيص في وضع المعاني الحرفية، ولبيان هذه المسألة عنى هذا المطلب ببيان آراء الأصوليين للمعاني الحرفية، وبيان الفارق بينها وبين المعاني الإسمية في أقوالٍ عدة عرضها السيد الخوئي ثم أخذ بمناقشتها الواحد تلو الآخر، والآراء هي:
الرأي الأول: الآلية في المعاني الحرفية
وهو أنّ المعنى الحرفي والمعنى الإسمي متحدان بالذات والحقيقة، ومختلفان باللحاظ والاعتبار: وقد نسب المحقق حبيب الله الرشتي (ت: ١٣١٢هـ) هذا الرأي إلى المحقق رضي الدين الاسترابادي* (ت: ٦٨٨هـ)، وتبعه فيه الآخوند الخراساني (ت: ١٣٢٨هـ): فكلمة (ابتداء) وكلمة (من) مشتركتان في طبيعة معنى واحد، ولا مائز لإحداهما على الآخر إلا في أنّ اللحاظ في مرحلة الاستعمال في الأسماء استقلالي، وفي الحروف آلي، وأنّ الاستقلالية وعدمها خارجتان عن حريم المعنى، فالمعنى في نفسه لا يتصف بأنّه مستقل، ولا غير مستقل، بل هما من توابع الاستعمال وشؤونه(٢).
______________________________
(١) ظ: الهاشمي، محمود، بحوث في علم الأصول: ١ / ٢٣١.
* عالم محقّق مدقّق، له كتاب شرح الرضي على كافية ابن الحاجب، ظ: الحر العاملي، أمل الآمل: ٢/٢٥٥ والطهراني، أغا بزرك: الذريعة في تصانيف الشيعة: ٦/ ٢٣٠.
(٢) ظ: الرشتي، بدائع الأفكار (نسخة حجرية): ٤١ والاسترابادي، شرح الرضي على الكافية: ٢/ ٣٩٩ والآخوند، كفاية الأصول: ٤١ - ٤٣.
( ٦٢ )
بيان الخوئي لرأي الآخوند
بيّن السيد الخوئي الأدلة التي استدل بها المحقق الآخوند على عدم إمكان أخذ اللحاظ الآلي كاللحاظ الاستقلالي، لا في المعنى الموضوع له، ولا في المستعمل فيه، والأدلة هي:
الأول: إنّ لحاظ المعنى في مقام الاستعمال مما لا بدّ منه، وعليه فلا يخلو الحال من أنْ يكون هذا اللحاظ عين اللحاظ المأخوذ في المعنى الموضوع له، أو يكون غيره. فعلى الأول يلزم تقدّم الشيء على نفسه، والثاني خلاف الوجدان والضرورة؛ إذ ليس في مقام الاستعمال إلا لحاظ واحد، على أنّ الملحوظ بما هو ملحوظ غير قابل لتعلّق لحاظ آخر به، فإنّ القابل لطروء الوجود الذهني إنّما هو نفس المعنى وذاته، والموجود لا يقبل وجوداً آخر في المعنى الحرفي.
الثاني: إنّ أخذ اللحاظ الآلي فيما وضعت له الحروف يلزمه أخذ اللحاظ الاستقلالي فيما وضعت له الأسماء، فكيف يمكن التفرقة بينهما بأنّ الموضوع له في الحروف جزئي وفي الأسماء كلي؟.
الثالث: إنّه يلزمه عدم صحة الحمل، وعدم إمكان الامتثال من دون تجريد الموضوع والمحمول عن التقييد بالوجود الذهني، لعدم انطباق ما في الذهن على ما في العين.
فتحصّل: أنّ المعنى الحرفي وإنْ كان لا بدّ من لحاظه آليا، كما أنّ المعنى الإسمي لا بدّ من لحاظه استقلاليا إلا أنّ ذلك لم ينشأ من أخذهما في الموضوع له، بل منشأ ذلك هو اشتراط الواضع ذلك في مرحلة الاستعمال، لا بمعنى أنّه اشترط ذلك على حذو الشرائط في العقود والإيقاعات.
وهذا يعني: أنّ الوضع لما كان فعلاً اختيارياً للواضع فله تخصيصه بأيّ خصوصية شاء، فيخصّص العلقة الوضعية في الحروف بحالة، وفي الأسماء بحالة أخرى، بل له ذلك في شيء واحد بجعله علامة لإرادة أمرين أو أمور من جهة اختلاف حالاته وطوارئه، كما إذا فرض أنّ السيد قد تبانى مع عبده أنّه إذا وضع العمامة عن رأسه في وقت كذا فهو علامة لإرادته أمر كذا. وإذا وضعها عنه في الوقت الفلاني فهو علامة لإرادته الأمر الفلاني. ومن هنا كانت الآلية والاستقلالية خارجتين عن حريم المعنى، وليستا من مقوماته وقيوده، بل من قيود العلقة الوضعية ومقوماتها. فلذا كان استعمال كل واحد من الحرف والاسم في موضوع الآخر بلا علقةٍ وضعيةٍ وإنْ كان طبيعي المعنى واحداً فيهما؛ ولأجله لا يصح ذلك الاستعمال(١).
وبتعبير واضح : إنّ القيد تارة يكون من الجهات الراجعة إلى اللفظ، وأخرى من الجهات الراجعة إلى المعنى، وثالثة من الجهات الراجعة إلى الوضع نفسه .
______________________________
(١) ظ: بحر العلوم، علاء الدين، مصابيح الأصول: ١/ ٦٧- ٦٨ والفياض، محاضرات في أصول الفقه:١ / ٦٣.
( ٦٣ )
أما على الأول: -وهو كون القيد من الجهات الراجعة إلى اللفظ- فيختلف اللفظ باختلافه: كالحركات والسكنات والتقدم والتأخر بحسب الحروف الأصلية المتميّزة بالذات عمّا عداها، أو بالترتيب مثلا: كلمة (بر) تختلف باختلاف الحركات والسكنات: (بِر) بالكسر و (بُر) بالضم و (بَر) بالفتح. فللكلمة الأولى معنى، وللثانية معنى آخر، وللثالثة معنى ثالث*، مع أنّه لا تفاوت فيها بحسب حروفها الأصلية أصلا. وكلمة «علم» يختلف معناها بتقدّم بعض حروفها الأصلية على بعضها الآخر، وتأخّره عنه: ك (عمل أو لمع)، وهكذا في بقية الموارد.
وأما على الثاني: -وهو كون القيد من الجهات الراجعة إلى المعنى- فيختلف المعنى باختلافه، فإنّ هيئة (القاعد) -مثلا- هيئة واحدة، ولكنّها تختلف باختلاف الخصوصيات والحالات الطارئة عليها، فإذا كانت مسبوقة بالقيام يطلق عليها لفظ (قاعد)، وإذا كانت مسبوقة بالاضطجاع يطلق عليها لفظ (جالس)، وهكذا في غير ذلك من الموارد.
وأما على الثالث: -وهو كون القيد من الجهات الراجعة إلى الوضع- فتختلف العلقة الوضعية باختلافه: كلحاظ الآلية والاستقلالية، فإنّها إذا قيّدت بالآلية تختلف عمّا إذا قيدت بالاستقلالية، وحينئذ فلما كانت العلقة مختصة في الحروف بما إذا قصد المعنى آلة، وفي الأسماء بما إذا قصد المعنى استقلالاً فمن الواضح أنّها تكون في الحروف والأدوات غير ما في الأسماء، فتختص في كل واحدة منها بحالة تضاد الحالة الأخرى.
ومن هنا ذهب الشيخ الآخوند في مبحث المشتق إلى أنّ استعمال لفظ (الابتداء) في موضع كلمة (من) ليس استعمالٌ في غير الموضوع له، بل هو استعمال فيه، ولكنّه من دون علقة وضعية(١).
مناقشة الخوئي للخراساني
بعد أنْ بيّن السيد الخوئي الأدلة التي اعتمدها المحقق الخراساني في المعاني الحرفية ذكر أنّ رأيه ينحلّ إلى نقطتين، ثم أخذ بمناقشتهما:
أما الأولى: نقطة الاشتراك: فهي أنّ الحروف والأسماء مشتركتان في طبيعي معنى واحد، فالاستقلالية وعدمها خارجتان عن حريم المعنى، فالمعنى في نفسه لا مستقل ولا غير مستقل.
وأما الثانية: نقطة الامتياز: فهي أنّ ملاك الحرفية ملاحظة المعنى آلة، وملاك الإسمية ملاحظة المعنى استقلالاً، فبذلك يمتاز أحدهما عن الآخر.
______________________________
* البر (بالكسر) بمعنى الطاعة والصدق والإمضاء، ومنه البار بذوي قرابته، والبَر (بالفتح) خلاف البحر، والبريّة الصحراء، والبُر (بالضم) الحنطة، ظ: الفراهيدي، عبد الرحمن بن أحمد، العين: ٨/٢٥٩.
(١) ظ: كفاية الأصول: ٤٢.
( ٦٤ )
ويرد على النقطة الأولى: أنّ لازمها صحة استعمال كل من الإسم والحرف في موضع الآخر، وهذا غير صحيح؛ والوجه في ذلك:
هو أنّ استعمال اللفظ في معنىً غير المعنى الموضوع له إذا جاز فمن جهة العلقة الخارجية والمناسبة الأجنبية، ومع فرض انتفاء العلقة الوضعية بينه وبين ذلك المعنى كان مقتضاه الحكم بالصحة بطريقٍ أولى إذا كانت العلقة ذاتية وداخلية، ضرورة أنّه كيف يمكن الحكم بصحة الاستعمال إذا كانت المناسبة خارجية والعناية أجنبية، وبعدم صحته إذا كانت داخلية وذاتية؟؛ ولذا فالمعنى الحرفي والإسمي ليسا بمتحدين ذاتاً، ولا اشتراك لهما في طبيعي معنى واحد، بل هما متباينان بالذات والحقيقة، وهذا هو الموافق للوجدان الصحيح؛ ولأجله لا يصح استعمال أحدهما في موضع الآخر.
أما النقطة الثانية فيرد عليها: إنّ لازمها صيرورة جملة من الأسماء حروفاً لمكان ملاك الحرفية فيها، وهو لحاظها آلة ومرآة: كالتبيّن المأخوذ غاية لجواز الأكل والشرب في قوله تعالى: ﴿... وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ...﴾(١) فإنّه قد اُخذ مرآةً وطريقاً إلى طلوع الفجر، من دون أنْ يكون له دخل في حرمة الأكل والشرب وعدمها، فبذلك يُعلم: أنّ كون الكلمة من الحروف لا يدور على لحاظها آلياً(٢).
ولذا أشار السيد الخوئي إلى أمرين:
الأول: إذا كان الملاك في كون المعنى حرفياً تارة واسمياً أخرى هو اللحاظ الآلي والاستقلالي، وكان المعنى بحدّ ذاته لا مستقلاً ولا غير مستقل، فكل ما كان النظر إليه آلياً فهو معنى حرفي، فيلزم محذور صيرورة جملة من الأسماء حروفا و (أنّ لحاظ المعنى آلةً لو كان موجباً لكونه معنى حرفياً لزم منه كون كل معنى اسمي يؤخذ معرّفاً لغيره في الكلام وآلةً للحاظه، كالعناوين الكلية المأخوذة في القضايا معرفات للموضوعات الواقعية معنى حرفياً. كما أنّ لحاظ المعنى حالة لغيره لو كان موجباً لكونه معنى حرفياً لزم منه كون جميع المصادر معاني حرفية فإنّها تمتاز عن أسماء المصادر بكونها مأخوذات بما أنّها أوصاف لمعروضاتها، بخلاف أسماء المصادر الملحوظ فيها الحدث بما أنّه شيء في نفسه مع قطع النظر عن كونه وصفاً لغيره)(٣).
الثاني: إنّ ما هو المشهور بين متأخري الأصوليين(٤): من أنّ المعنى الحرفي ملحوظ آلة، لا أصل له؛ وذلك لأنّه لا فرق بين المعنى الإسمي والمعنى الحرفي في ذلك؛ إذ كما أنّ اللحاظ الاستقلالي والقصد الأولي يتعلقان بالمعنى الإسمي في
______________________________
(١) البقرة: ١٨٧.
(٢) ظ: الفياض، محاضرات في أصول الفقه: ١/ ٥٩- ٦٤ والصافي، حسن، الهداية في الأصول: ١/٣٦.
(٣) الخوئي، أبو القاسم، أجود التقريرات: ١/ ١٥.
(٤) ظ: الحائري، محمد حسين، الفصول الغروية في الأصول الفقهية: ١٦ والخراساني، محمد كاظم، كفاية الأصول: ٤٢.
( ٦٥ )
مرحلة الاستعمال كذلك قد يتعلقان بالمعنى الحرفي، فإنّه هو المقصود بالإفادة في كثير من الموارد، وذلك كما إذا كان ذات الموضوع والمحمول معلومين عند شخص، ولكنّه كان جاهلاً بخصوصيتهما فسأل عنها فاُجيب على طبق سؤاله، فهو والمجيب إنّما ينظران إلى هذه الخصوصية نظرة استقلالية. مثال ذلك: إذا كان مجيء زيدٍ معلوماً ولكن كانت كيفية مجيئه مجهولة عند أحدٍ فلم يعلم أنّه جاء مع غيره أو جاء وحده فسأل عنها، فقيل: إنّه جاء مع عمرو فالمنظور بالاستقلال والملحوظ كذلك في الإفادة والاستفادة إنّما هو هذه الخصوصية التي هي من المعاني الحرفية من دون المفهوم الإسمي فإنّه معلوم، بل إنّ الغالب في موارد الإفادة والاستفادة عند العرف النظر الاستقلالي والقصد الأولي بإفادة واستفادة الخصوصيات والكيفيات المتعلقة بالمفاهيم الإسمية(١).
الرأي الثاني: شأن الحروف شأن حركات الإعراب
إنّ الحروف لم توضع لمعنىً محدد، فشأنها شأن حركات الإعراب*: وهذا الرأي هو للمحقق النهاوندي (ت: ١٣٢٢هـ): فقد ذهب إلى أنّ الحروف لم توضع لمعنى، وإنّما وضعت لتكون علامة على كيفية إرادة مدخولاتها نظير حركات الإعراب التي لم توضع لمعنى، وإنّما وضعت لتكون قرينة على إرادة خصوصية من خصوصيات مدخولها من الفاعلية والمفعولية ونحوهما. فكما أنّ كل واحد من حركات الإعراب يفيد خصوصية متعلقة بمدخوله فإنّ (الفتحة) تفيد خصوصية في مدخولها، و (الكسرة) تفيد خصوصية أخرى فيه، و (الضمة) تفيد خصوصية ثالثة فيه، فكذلك كل واحد من الحروف. فإنّ كلمة (في) تفيد إرادة خصوصيةٍ في مدخولها غير ما تفيده كلمة (على) من الخصوصية، من دون أنْ تكون لها معانٍ مخصوصةٍ قد وضعت بإزائها(٢)، وقد ذكر السيد الخوئي هذا الرأي من دون نسبته لقائله(٣).
وذكر المحقق النائيني أنّه حُكي نسبة هذا القول إلى المحقق رضي الدين الاسترابادي (ت: ٦٨٨هـ) أيضاً(٤).
مناقشة الخوئي للنهاوندي
بيّن السيد الخوئي أنّ بطلان هذا القول من الواضحات الأولية؛ وذلك لأنّ الخصوصيات التي دلت عليها الحروف والأدوات هي بعينها المعاني التي وضعت الحروف بإزائها، إذ المفروض أنّ تلك المعاني ليست مما تدل عليه
______________________________
(١) ظ: الفياض، محاضرات في أصول الفقه: ١/ ٦٧.
* لم ينسب السيد الخوئي هذا الرأي لصاحبه وتبيّن للباحث أنّه للمحقق النهاوندي.
(٢) ظ: تشريح الأصول: ٤٠.
(٣) ظ: الفياض، محاضرات في أصول الفقه: ١/ ٦٧.
(٤) ظ: الكاظمي، فوائد الأصول: ١- ٢ / ٤٧.
( ٦٦ )
الأسماء؛ لعدم كونها مأخوذة في مفاهيمها، فانحصر أنْ يكون الدال عليها هو الحروف، ومن الواضح أنّ دلالتها عليها ليست إلا من جهة وضعها بإزائها، وعليه فلا معنى للقول: بأنّها لم توضع لمعنى، وإنّما وضعت لكذا، بل هذا يشبه الجمع بين المتناقضين. وبعد ثبوت بطلان هذا القول ظهر حال المقيس عليه، وهو حركات الإعراب(١).
الرأي الثالث: إيجادية المعاني الحرفية
وهو للمحقق النائيني (ت: ١٣٥٥هـ) الذي ذهب إلى أنّ المعاني الحرفية والمفاهيم الإسمية متباينتان بالذات والحقيقة، وأنّ هذا التباين بينهما هو بالإيجادية والإخطارية، بمعنى: أنّ المفاهيم الإسمية بأجمعها مفاهيم إخطارية ومتقرّرة في عالم المفهومية، ومستقلة بحد ذاتها وهويتها في ذلك العالم. والمعاني الحرفية بأجمعها معانٍ إيجاديةٍ في الكلام، ولا تقرّر لها في عالم المفهوم، ولا استقلال بذاتها وحقيقتها(٢).
وقد ذكر السيد الخوئي (قدس سره) بياناً لرأي النائيني وهو:
إنّ الموجودات في عالم الذهن كالموجودات في عالم الخارج، فكما أنّ الموجودات في عالم الخارج على نوعين، فكذلك الموجودات في عالم الذهن على نوعين أيضاً، أما الموجودات في عالم الخارج فهي:
أحدهما: ما يكون لها وجود مستقل بحدّ ذاته في ذلك العالم: كالجواهر بأنواعها من النفس والعقل والصورة والمادة والجسم، ولذا قالوا: إنّ وجودها في نفسه لنفسه يعني: لا يحتاج إلى موضوع محقّق في الخارج.
وثانيهما: ما يكون لها وجود غير مستقل كذلك في هذا العالم، بل هو متقوّم بالموضوع: كالمقولات التسع العرضية* فإن وجوداتها متقوّمة بموضوعاتها، فلا يُعقل تحقّق عرض ما بدون موضوع يتقوم به، ولذا قالوا: إنّ وجود العرض في نفسه عين وجوده لموضوعه، فكذلك الموجودات في عالم الذهن على نوعين:
______________________________
(١) ظ: الفياض، محاضرات في أصول الفقه: ١/ ٦٧- ٦٨.
(٢) ظ: الخوئي أبو القاسم، أجود التقريرات: ١/ ١٥.
* ذكروا في تاريخها أنّ أول من قال بها هو أرسطو، وهي: ١- مقولة الكم، مثل الأعداد والمقادير. ٢- مقولة الكيف، كالحرارة والبرودة. ٣- مقولة الإضافة، وهي النسبة العارضة لشيء بالقياس، إلى شيء آخر، كالأبوة والبنوة. ٤- مقولة الوضع، كالقيام والقعود. ٥- مقولة الأين، وهي نسبة الجسم إلى المكان. ٦- مقولة المتى، وهي نسبة الشيء إلى الزمان.٧- مقولة الجدة (الملك)، وهي نسبة الشيء إلى ما هو له. ٨- مقولة الفعل (التأثير)، نحو (كسرت الزجاج) أي أثرت فعل الكسر في الزجاج. ٩- مقولة الانفعال (التأثر، أو تقبل تأثير الفعل، مثل (كسرت الزجاج فانكسر) أي تأثر بفعل الكسر، ظ: الفضلي، عبد الهادي، خلاصة علم الكلام: ٣٠.
( ٦٧ )
أحدهما: ما يكون له استقلال بالوجود في عالم المفهومية والذهن: كمفاهيم الأسماء بجواهرها وأعراضها واعتبارياتها وانتزاعياتها، فإنّ مثل مفهوم الإنسان والسواد والبياض وغيرها من المفاهيم المستقلة ذاتاً، فإنّها تحضر في الذهن بلا حاجةٍ إلى أية مؤنةٍ خارجية، سواء أكانت في ضمن تركيب كلامي أم لم تكن، بل لو فرضنا: إنّه لم يكن في العالم مفهوم ما عدا مفهوم واحد -مثلا- لما كان هناك ما يمنع من خطوره في الذهن، فظهر أنّ حال المفاهيم الإسمية في عالم المفهوم والذهن حال الجواهر في عالم الخارج.
وثانيهما: ما لا استقلال له في ذلك العالم، بل هو متقوّم بالغير: كمعاني الحروف والأدوات، فإنّها بحد ذاتها وأنفسها متقوّمة بالغير، إذ لا استقلال لها في أيّ وعاءٍ من الأوعية التي فرض وجودها فيه لنقصانٍ في ذاتها، فعدم الاستقلالية من ناحية ذلك النقصان لا من ناحية اللحاظ فقط، فلذا لا تخطر في الذهن عند التكلم بها وحدها، أي: من دون التكلم بمتعلقاتها، فلو أطلق كلمة (في) وحدها من دون ذكر متعلقها فلا يخطر منها شيء في الذهن.
إذن حال المعاني الحرفية في عالم المفهوم حال المقولات التسع العرضية في عالم الخارج(١).
أي أن كل واحد من المعاني الحرفية موضوع لإيجاد معنى ربطي خاص في تركيب مخصوص، ولا واقع له سواه، فلولا وضع الحروف لم توجد رابطة بين أجزاء الكلام أبداً، بداهة أنّه لا رابطة بين مفهوم زيد ومفهوم الدار في أنفسهما؛ لأنّهما مفهومان متباينان بالذات، فلا بدّ من رابطٍ يربط أحدهما بالآخر، وليس ذلك إلا كلمة (في)- مثلاً- التي هي الرابطة بينهما، كما أن كلمة (من) رابطة بين المبتدأ به والمبتدأ منه، وكلمة (على) رابطة بين المستعلي والمستعلي عليه، وهكذا.
وعليه فالمعاني الحرفية بأجمعها معانٍ إيجادية، وليس لها واقع في أيّ وعاءٍ من الذهن والخارج وعالم الاعتبار، ما عدا التراكيب الكلامية، ونظيرها: صيغ العقود والإيقاعات بناءً على ما ذهب إليه المشهور* فيها من: أنّها آلات وأسباب لإيجاد مسبباتها: كالملكية والزوجية والرقّية ونحوها، ولكن الفرق بينها وبين المقام من ناحيةٍ أخرى، وهي: أنّها بتوسط الاستعمال توجد مسبباتها في عالم الاعتبار، فوعاؤها هو عالم الاعتبار. وأما الحروف فهي موجدة لمعانيها غير الاستقلالية في وعاء الاستعمال، على أنّ معاني صيغ العقود والإيقاعات مستقلة في موطنها دون معاني الحروف، فالفرق إذاً من جهتين:
الأولى: إنّ المعاني الإنشائية مستقلة في أنفسها من دون المعاني الحرفية.
______________________________
(١) الفياض، محاضرات في أصول الفقه: ١/ ٦٥.
* ظ: العلّامة الحلي، مختلف الشيعة: ٢/٢٣٠ والشهيد الثاني، مسالك الأفهام: ٧/١٦٢ والنراقي، أحمد بن محمد، مستند الشيعة: ١٤/ ٢٤٣ والروحاني، محمد صادق، منهاج الفقاهة: ٦/٣٨٥.
( ٦٨ )
الثانية: إنّ معانيها موجودة في عالم الاعتبار فوعاؤها ذلك العالم، دون المعاني الحرفية، فإنّ وعاءها عالم الاستعمال(١).
وذكر المحقق النائيني: إنّ المعنى الحرفي إيجادي وقد أشارت إليه الرواية المنسوبة إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وهي: (أنّ الحرف ما أوجد معنى في غيره)(٢)، معقّباً عليه: بأنّ هذا التعريف أجود تعريفات الباب من حيث اشتماله على أركان المعاني الحرفية كلها(٣).
وبهذا يتضح: إنّ المعاني إما إخطارية مستقلة بحدّ ذاتها في عالم مفهوميتها، وإما إيجادية غير مستقلةٍ كذلك في ذلك العالم، فلا ثالث لهما. فالإخطارية تلازم الاستقلالية بالذات، والإيجادية تلازم عدمها كذلك، وعليه فحكمة الوضع دعت إلى وضع الأسماء للطائفة الأولى من المعاني، ووضع الحروف والأدوات للطائفة الثانية منها لتكون رابطة بين الطائفة الأولى بعضها ببعض، وبذلك يحصل الغرض من الوضع. ومن هنا أجاد أهل العربية عندما عبّروا في مقام التفسير عن المفاهيم الحرفية بأن كلمة (في) للظرفية، ولم يقولوا بأنّ (في) هي الظرفية كما هو ديدنهم في مقام التعبير عن المفاهيم الإسمية وإنْ تسامحوا من جهة عدم التصريح بالنسبة بأنْ يقولوا: كلمة (في) للنسبة(٤).
مناقشة الخوئي للنائيني:
بعد أنْ بيّن السيد الخوئي (قدس سره) رأي الشيخ النائيني لخّص ما أفاده في أمور ثم أخذ بمناقشتها تباعاً، وهذه الأمور هي:
أولاً: إنّ المعنى الحرفي والإسمي متباينان بالذات والحقيقة، ولا اشتراك لهما في طبيعي معنى واحد.
ثانياً: إنّ المفاهيم الإسمية مفاهيم استقلالية بحد ذاتها وأنفسها، والمفاهيم الحرفية مفاهيم غير استقلالية كذلك، بل هي متقوّمة بغيرها ذاتاً وهوية.
ثالثاً: إنّ معاني الأسماء جميعا معانٍ إخطارية، ومعاني الحروف معانٍ إيجادية، ولا يعقل أنْ تكون إخطارية كمعاني الأسماء، وإلا لكانت مثلها في الافتقار إلى وجود رابطٍ يربطها بغيرها، فيلزم أنْ يكون في مثل قولنا: (زيد في الدار) مفاهيم ثلاثة إخطارية: كمفهوم (زيد) ومفهوم (الدار) ومفهوم (الظرفية) من دون أنْ تكون هناك رابطة بين هذه المفاهيم التي لا يرتبط بعضها ببعض، فلا يتحقق التركيب، ولا يصح الاستعمال، لتوقفهما على وجود الرابط بين المفاهيم الاستقلالية، ومن الواضح أنّه ليس إلا الحروف أو ما يشبهها.
______________________________
(١) ظ: الخوئي أبو القاسم، أجود التقريرات: ١/ ١٦ والفياض، محاضرات في أصول الفقه: ١/ ٦٥ - ٦٨.
(٢) المرتضى، الشريف علي بن الحسين، الفصول المختارة: ٩١.
(٣) الخوئي أبو القاسم، أجود التقريرات: ١/ ٢٢.
(٤) ظ: المصدر نفسه: ١/ ١٦ والفياض، محاضرات في أصول الفقه: ١/ ٦٥ - ٦٨.
( ٦٩ )
رابعاً: إنّ حال المعاني الحرفية حال الألفاظ في مرحلة الاستعمال، فكما أنّ الألفاظ في حال الاستعمال ملحوظة آلة والمعاني ملحوظة استقلالا فكذلك المعاني الحرفية فإنّها في مقام الاستعمال ملحوظة آلة، والمعاني الإسمية ملحوظة استقلالاً.
خامساً: إنّ جميع ما يكون النظر إليه آليا يشبه المعاني الحرفية كالعناوين الكلية المأخوذة معرفات وآليات لموضوعات الأحكام أو متعلقاتها(١).
أما مناقشة ما أفاده أولا وثانيا: من أنّ المعنى الحرفي والإسمي متباينان بالذات والحقيقة، وأنّ المعاني الإسمية مستقلة بحدّ ذاتها في عالم المفهومية، والمعاني الحرفية ليست كذلك ففي غاية الصحة والمتانة، بل لابد من الالتزام بذلك.
وأما ما ذكره ثالثا: من أنّ معاني الأسماء إخطارية، ومعاني الحروف إيجادية ففيه: إنّ المعاني الإسمية وإن كانت إخطارية تخطر في الأذهان عند التكلم بألفاظها - سواء أكانت في ضمن تركيب كلامي أم لم تكن - إلا أنّ المعاني الحرفية ليست بإيجادية؛ وذلك لأنّ المعاني الحرفية وإنْ كانت غير مستقلةٍ في أنفسها ومتعلقة بالمفاهيم الإسمية بحدّ ذاتها وعالم مفهوميتها بحيث لم يكن لها أيّ استقلالٍ في أي وعاءٍ فرض وجودها من ذهن أو خارج إلا أنّ هذا كله لا يلازم كونها إيجادية بالمعنى الذي ذكره الشيخ النائيني؛ لأنّ ربط الحروف بين المفاهيم الإسمية في التراكيب الكلامية غير المربوطة بعضها ببعض إنّما هو من جهة دلالتها على معانيها التي وضعت بإزائها، لا من جهة إيجادها المعاني الربطية في مرحلة الاستعمال والتركيب الكلامي. مثلا: كلمة (في) في قولهم: (زيد في الدار) باعتبار دلالتها على معناها الموضوع له رابطة بين جزئي هذا الكلام غير المربوط أحدهما بالآخر ذاتاً، لا أنّها توجد الربط في نفس ذلك التركيب، ولا واقع له في غير التركيب الكلامي، فكما أنّ الأسماء تحكي عن مفاهيمها الاستقلالية في حد أنفسها في عالم مفهوميتها كذلك الحروف تحكي عن المفاهيم غير المستقلة كذلك. فالكاشف في مقام الإثبات عن تعلق قصد المتكلم في مقام الثبوت بإفادة المعاني الاستقلالية هو الأسماء، والكاشف عن تعلق قصده كذلك بإفادة المعاني غير الاستقلالية هو الحروف وما يحذو حذوها.
والنتيجة التي ينتهي إليها السيد الخوئي هي: عدم الفرق بين الإسم والحرف إلّا في نقطة واحدة، وهي:
أنّ المعنى الإسمي مستقل بحدّ ذاته في عالم المعنى، وبذلك يكون إخطارياً، والمعنى الحرفي غير مستقلٍ كذلك فلا يخطر في الذهن إلا بتبع معنى استقلالي، وهذا لا يستلزم كونه إيجادياَ.
______________________________
(١) ظ: الجواهري، محمد تقي، غاية المأمول: ١/١٢٦ والفياض، محاضرات في أصول الفقه: ١/ ٧٢ والصافي، حسن، الهداية في الأصول: ١/٤٢.
( ٧٠ )
ومن هنا يظهر بطلان ما أفاده الشيخ النائيني: من أنّ المعنى إما إخطاري مستقل، وإما إيجادي غير مستقل، ولا ثالث لهما، فالأول معنى اسمي، والثاني معنى حرفي(١).
وتوضيح البطلان: إنّ المعنى الحرفي وإنْ لم يكن إخطارياً في نفسه لعدم استقلاله في نفسه إلّا أنّه ليس بإيجادي أيضا؛ لأنّ له نحو ثبوت في وعاء المفاهيم كالمعنى الإسمي.
ويستظهر السيد الخوئي مما تقدم أمرين:
الأول: بطلان القول بأنّ المعاني الحرفية إيجادية محضة، وليس لها ثبوت في أي وعاء إلّا الثبوت في ظرف الاستعمال، وأنّ المعاني الحرفية تساوي المعاني الإسمية في أنّها متقررة في عالم المفهومية والتعقل.
الثاني: إنّ عدم استقلالية المعاني الحرفية في حد أنفسها وتقومها بالمفاهيم الإسمية المستقلة لا يستلزم كونها إيجادية، لإمكان أنْ يكون المعنى غير مستقلٍ في نفسه، ومع ذلك لا يكون إيجادياً.
وأما ما ذكره رابعا - من أنّ المعاني الحرفية مغفول عنها في حال الاستعمال من دون المعاني الإسمية - فلا أصل له أيضا؛ وذلك لأنّهما من وادٍ واحدٍ من تلك الجهة، فكما أنّ اللحاظ الاستقلالي يتعلق بإفادة المعاني الإسمية عند الحاجة إلى إبرازها والتعبير عنها فكذلك يتعلق بالمفاهيم الحرفية من دون فرقٍ بينهما في ذلك، بل كثيراً ما يتعلق اللحاظ الاستقلالي بالمعاني الحرفية، وإنّما يؤتى بغيرها في الكلام مقدمة لإفادة تلك الخصوصية والتضييق، فيقال في جواب السائل عن كيفية مجيء زيد مع العلم بأصله: إنّه جاء في يوم كذا، ومعه كيف يمكن القول بأنّ المعاني الحرفية ملحوظة آلة في حال الاستعمال، ومغفول عنها في تلك الحال؟
فقد تحصّل من البيان المتقدم: أنّ الفرق بين المعنى الحرفي والإسمي في نقطةٍ واحدة، هي: استقلال المعنى بالذات في الإسم وعدم استقلاله في الحرف، وأما من بقية الجهات فلا فرق بينهما أصلاً(٢).
وبذلك يتضح بطلان ما أفاده الشيخ النائيني: من أنّ الفرق بين المعنى الحرفي والمعنى الإسمي في أركان أربعة(٣).
توضيح البطلان: إنّ الأركان التي جعلها ملاك الفرق في المقام كلها فاسدة:
أما الركن الأول: فلأنه يبتنى على المقابلة بين إيجادية المعاني وإخطاريتها فنفي الأولى يستلزم إثبات الثانية. وقد تبيّن: أنّه لا مقابلة بينهما أصلاً، ومعه لا
______________________________
(١) ظ: الخوئي أبو القاسم، أجود التقريرات: ١/ ١٦ والفياض، محاضرات في أصول الفقه: ١/ ٦٥ - ٦٨.
(٢) ظ: الفياض، محاضرات في أصول الفقه: ١/ ٧١.
(٣) ظ: الخوئي أبو القاسم، أجود التقريرات: ١/٢٠ - ٢٢.
( ٧١ )
يكون نفي الإيجادية عن المعاني الحرفية مستلزماً لإخطاريتها، فإنّ ملاك إخطارية المعنى الاستقلال الذاتي، فإذا كان كذلك يخطر في الذهن عند التعبير عنه، سواء أكان في ضمن تركيب كلامي أم لم يكن، وملاك عدم الإخطارية عدم الاستقلال كذلك، ولذا لا يخطر في الذهن عند التكلم به منفرداً، وهذا غير كونه إيجادياً، وعليه فلا مقابلة بينهما.
وأما الركن الثاني: وهو أنّه لا واقع للمعاني الحرفية بما هي معانٍ حرفية فيما عدا التراكيب الكلامية، فهو باطل أيضاً؛ لأنّ المعاني الحرفية كالمعاني الإسمية ثابتة ومتقررة في عالم المفهومية، سواء استعملت الحروف والأدوات فيها أم لم تستعمل، غاية الأمر أنّه لا استقلال لها بحسب الذات.
وأما الركن الثالث: وهو الفرق بين الإيجاد في الإنشاء والإيجاد في الحروف فيظهر فساده: من أنّ معانيها ليست إيجادية ليكون الفرق بينهما مبتنياً على ما ذكره الشيخ النائيني: من أنّه لا وعاء لها غير الاستعمال والتركيب الكلامي، وهذا بخلاف الإيجاد في الإنشاء فإنّ له وعاءً مناسباً وهو عالم الاعتبار.
وأما الركن الرابع: وهو أنّ حال المعاني الحرفية حال الألفاظ حين استعمالاتها فهو واضح البطلان أيضا.
ثم إنّ من الغريب جداً أنّ المحقق النائيني جعل هذا الركن هو الركن الوطيد في المقام، وذكر: أنّ بانهدامه تنهدم الأركان كلها، فإنّ المعنى الحرفي لو كان ملتفتاً إليه لكان إخطارياً وكان له واقع غير التركيب الكلامي؛ وذلك لأنّ المعنى الحرفي كالمعنى الإسمي - مقصود في مقام التفهيم وأنّ الملاك في إخطارية المعنى استقلاليته بالذات، لا الالتفات إليه واللحاظ الاستقلالي، ضرورة أنّ الالتفات إلى المعنى لا يجعله إخطارياً إذا لم يكن مستقلاً بحد ذاته، بحيث كلما يطلق يخطر في الذهن ولو كان وحده ولم يكن في ضمن تركيبٍ كلامي، ومن هنا قلنا -والكلام للسيد الخوئي- إنّ المعنى الحرفي مع كونه ملتفتاً إليه غير إخطاري، لعدم استقلاله في عالم مفهوميته(١).
وأمّا ما ذكره النائيني: خامساً: وهو أنّ جميع ما يكون النظر إليه آلياً يشبه المعاني الحرفية(٢)، فقد أورد السيد الخوئي عليه:
أولا: إنّ النظر إلى المعنى الحرفي كالنظر إلى المعنى الإسمي استقلالي.
ثانيا: لو تنزّلنا عن ذلك وسلّمنا أنّ النظر إليه آلي، إلا أنّه لا يكون ملاكاً لحرفية المعنى، كما أنّ اللحاظ الاستقلالي لا يكون ملاك الإسمية، بل ملاك المعنى الحرفي التبعية الذاتية وأنّها تعليقية محضة، وملاك الثانية الاستقلالية الذاتية وأنّها بحدّ ذاتها غير متقومةٍ بالغير.
______________________________
(١) ظ: الفياض، محاضرات في أصول الفقه: ١/ ٧٥.
(٢) ظ: الخوئي أبو القاسم، أجود التقريرات: ١/٢٠.
( ٧٢ )
وبتعبير آخر: إنّه على المبنى الصحيح كما هو مبنى النائيني: من أنّ المعنى الحرفي والإسمي متباينان بالذات والحقيقة، لا يدور المعنى الحرفي والإسمي بما هما كذلك مدار اللحاظ الآلي والاستقلالي، بداهة أنّ المعنى حرفيٌ وإنْ لوحظ استقلالاً، واسميٌ وإنْ لوحظ آلةً؛ لعدم كونهما متقوّمين بهما ليختلف باختلافهما(١).
مناقشة الصدر للخوئي
يرى السيد محمد باقر الصدر أنّ مناقشة السيد الخوئي للمحقق النائيني غير تامةٍ؛ وذلك لأنّ (المظنون قوياّ أنّ مقصود المحقق النائيني «قده» ملاحظة مرحلة المعنى وإيجادية المعاني الموضوعة بإزائها الحروف لا أنّها توجد الربط بين أطراف الكلام بلا أنْ تكون موضوعة لمعنى، ولكن باعتبار أنّ سنخ معانيها الموضوعة بإزائها سنخ معانٍ لا يمكن إحضارها في الذهن مستقلاً لعدم ثبوت تقرر ذاتي لها بقطع النظر عن مرحلة وجودها ضمن أشخاص أطرافها)(٢)، ولذا فالظاهر من كلام المحقق النائيني أنّه: لا يقصد إيجادية الحرف بل إيجادية معاني الحروف، فكون المعنى الحرفي كالمعنى الإسمي ثابتاً في الذهن قبل الكلام أمر بديهي مفروغ عنه، وإنّما المدّعى أنّ المعنى الحرفي سنخ معنى إيجادي والمعنى الإسمي إخطاري. وهذه الإيجادية في معاني الحروف لها ثلاثة أركان:
أولاً: إنّ المفاهيم الحرفية لا بدّ أنْ تكون عين حقيقتها عنواناً ووجوداً أي بالنظر التصديقي فضلاً عن التصوري، بخلاف المعاني الإسمية التي يتحقق الغرض من إحضارها أنْ تكون عين حقيقتها بالنظر التصوري.
ثانياً: إنّ المفاهيم الحرفية تقرّرها الماهوي والذاتي في طول عالم الوجود -ذهناً وخارجاً- بخلاف التقرر الذاتي للمفاهيم الإسمية فإنّه محفوظ في المرتبة السابقة على الوجود الذهني والاستعمال.
ثالثاً: إنّ المفاهيم الحرفية نسبتها إلى ما يوازيها من النسب في الخارج نسبة إلى المماثل وليست كنسبة الكلي إلى فرده بنحو ينطبق عليه، خلافاً للمفاهيم الإسمية التي نسبتها إلى الخارج بالنظر التصوري نسبة الكلي إلى فرده بنحو ينطبق عليه ولهذا تكون حكاية المعنى الحرفي عن الخارج بتبع حكاية المعنىالإسمي(٣).
______________________________
(١) ظ: الفياض، محاضرات في أصول الفقه: ١/ ٧٦.
(٢) الهاشمي، محمود، بحوث في علم الأصول: ١ / ٢٤٢.
(٣) ظ: الهاشمي، محمود، بحوث في علم الأصول: ١ /٢٤٣- ٢٤٤.
( ٧٣ )
الرأي الرابع: وضع الحروف للوجود الرابط:
ويذهب هذا الرأي إلى أنّ المعاني الحرفية عبارة عن النسب والروابط الخارجية التي ليس لها استقلال بالذات، بل هي عين الربط لا ذات لها الربط: وهو ما اختاره المحقق محمد حسين الإصفهاني (ت: ١٣٦١هـ)، وأفاد في وجه ذلك ما ملخّصه: إنّ المعاني الحرفية تباين الإسمية ذاتاً بدون أنْ تشتركا في طبيعي معنى واحد، فإنّ الفرق بين الإسم والحرف لو كان بمجرد اللحاظ الآلي والاستقلالي وكانا متحدين في المعنى لكان قابلاً لأنْ يوجد في الخارج على نحوين كما يوجد في الذهن كذلك، مع أنّ المعاني الحرفية: كأنحاء النسب والروابط لا توجد في الخارج إلا على نحو واحد وهو الوجود لا في نفسه(١).
وقد بيّن السيد الخوئي هذا الرأي بعد بيان مقدمة، وهي:
إنّ الفلاسفة قد قسموا الوجود على أقسام أربعة:
القسم الأول: وجود الواجب تعالى شأنه، فإنّ وجوده في نفسه ولنفسه وبنفسه، يعني: أنّه موجود قائم بذاته، وليس بمعلولٍ لغيره، فالكائنات التي يتشكل منها العالم بشتى ألوانها وأشكالها معلولة لوجوده تعالى وتقدس، فإنّه سبب أعمق، وإليه تنتهي سلسلة العلل والأسباب بشتى أشكالها وأنحائها.
القسم الثاني: وجود الجوهر، وهو وجود في نفسه ولنفسه ولكن بغيره، يعني: أنّه قائم بذاته، لكنه معلول لغيره، ولذا يقال: الجوهر ما يوجد في نفسه لنفسه.
القسم الثالث: وجود العرض، وهو وجود في نفسه ولغيره، يعني: إنّه غير قائمٍ بذاته، بل متقوم بموضوع محقق في الخارج وصفة له، فإنّ وجوده في نفسه عين وجوده لموضوعه، فلا يعقل تحقق عرض ما بدون موضوع موجود في العين، ولذا يقال: العرض ما يوجد في نفسه لغيره، ويسمى ذلك الوجود بالوجود الرابطي في الإصطلاح.
القسم الرابع: الوجود الرابط في مقابل الوجود الرابطي، وهو وجود لا في نفسه، فإنّ حقيقة الربط والنسبة لا توجد في الخارج إلا بتبع وجود المنتسبين من دون نفسية واستقلال لها أصلا، فهي بذاتها متقوّمة بالطرفين لا في وجودها، وهذا بخلاف العرض فإنّ ذاته غير متقومة بموضوعه، بل لزوم القيام به ذاتي وجوده وقد استدلوا على ذلك - أي: على الوجود الرابط في مقابل الوجود الرابطي -: بأن كثيراً ما كنّا نتيقن بوجود الجوهر والعرض، ولكن نشك في ثبوت العرض له، ومن الواضح جداً أنّه لا يعقل أنْ يكون المتيقن بعينه هو المشكوك فيه، بداهة استحالة تعلق صفة اليقين والشك بشيء في آنٍ واحد، لتضادهما غاية المضادة، وبذلك نستدل على أنّ للربط والنسبة وجوداً في مقابل وجود الجوهر والعرض، وهو مشكوك فيه من دون وجودهما. أما أنّ وجوده وجود لا في نفسه فلأنّ النسبة والربط لو وجدت في الخارج بوجودٍ نفسي لزمه أنْ لا يكون مفاد القضية الحملية ثبوت شيءٍ لشيءٍ آخر، بل ثبوت أشياءٍ ثلاثة، فيحتاج
______________________________
(١) ظ: نهاية الدراية في شرح الكفاية: ١/ ٢٨.
( ٧٤ )
-حينئذٍ- إلى الرابطة بين هذه الموجودات الثلاثة، فإذا كان موجوداً في نفسه احتجنا إلى رابطة، وهكذا إلى ما لا يتناهى. ويترتب على ذلك: أنّ الأسماء موضوعة للماهيات القابلة للوجود المحمولي (الوجود في نفسه) بجواهرها وأعراضها على نحوين، كما توجد في الذهن كذلك والتي تقع في جواب (ما هو) إذا سُئل عن حقيقتها. والحروف والأدوات موضوعة للنسب والروابط الموجودات، لا في أنفسها المتقومة بالغير بحقيقة ذاتها لا بوجوداتها فقط، ولا تقع في جواب (ما هو)، فإنّ الواقع في جواب (ما هو) ماكان له ماهية تامة، ووجود الرابط سنخ وجودٍ لا ماهية له، ولذا لا يدخل تحت شيءٍ من المقولات، بل كان وجوده أضعف جميع مراتب الوجودات(١).
ولذا يستظهر السيد الخوئي: إنّ تنظير المعنى الحرفي والإسمي بالجوهر والعرض في غير محلّه، إذ العرض موجود في نفسه لغيره. وإنّ الحروف والأدوات لم توضع لمفهوم النسبة والربط فإنّه من المفاهيم الإسمية الاستقلالية في عالم مفهوميتها، وإنّما الموضوع لها الحروف واقع النسبة والربط - أي: ما هو بالحمل الشائع نسبة وربط - الذي نسبة ذلك المفهوم إليه نسبة العنوان إلى المعنون، لا الطبيعي وفرده فإنّه متحد معه ذهناً وخارجاً دون العنوان، فإنّه لا يتعدّى عن مرحلة الذهن إلى الخارج، ومغاير للمعنون ذاتاً ووجوداً: نظير مفهوم العدم، وشريك الباري عزوجل، واجتماع النقيضين، بل مفهوم الوجود على القول بأصالة الوجود، فإنّ نسبة هذه المفاهيم إلى واقعها نسبة العنوان إلى المعنون لا الطبيعي وأفراده؛ لأنّ تلك المفاهيم لا تتعدى عن مرحلة الذهن إلى الخارج، ولأجل ذلك لا يصح حملها على واقعها بالحمل الشائع الصناعي، فمفهوم النسبة والربط نسبة وربط بالحمل الأولي الذاتي، ولا يكون كذلك بالحمل الشائع الصناعي*، فإنّ ما كان بهذا الحمل نسبة وربط معنون هذا العنوان وواقعه. ومن ثمَّ كان المتبادر من إطلاق لفظ (الربط والنسبة) واقعه لا مفهومه، فإنّ إرادته تحتاج إلى عنايةٍ زائدة، كما هو الحال في قولهم: (شريك الباري ممتنع)، و (اجتماع النقيضين مستحيل)، و (المعدوم المطلق لا يُخبر عنه)، فإنّ المحكوم به بهذه الأحكام معنونات هذه الأمور لا مفاهيمها فإنّها غير محكومةٍ بها، كيف، وأنّها موجودة وغير معدومةٍ ولا ممتنعة؟
وبهذا تكون الحروف موضوعة لأنحاء النسب والروابط مطلقاً، سواء أكانت بمفاد (هل المركبة**)، أم بمفاد (هل البسيطة***)، أم كانت من النسب
______________________________
(١) ظ: الجواهري، محمد تقي، غاية المأمول: ١/١٢٣ وبحر العلوم، علاء الدين، مصابيح الأصول: ١/٧٣- ٧٧ والفياض، محاضرات في أصول الفقه: ١/ ٧٧- ٧٨.
* ملاك الحمل الأولي الاتحاد المفهومي، مثل: الإنسان حيوان ناطق، أما الحمل الشايع فملاكه الاتحاد الوجودي، مثل: زيد إنسان، ظ: الطباطبائي، محمد حسين، نهاية الحكمة: ٥٨.
** هل المركبة: هي التي يُطلب بها وجود شيءٍ لشيء، كقولنا: هل الحركة دائمة أو لا دائمة، فإنّ المطلوب وجود الدوام للحركة أو لا وجوده لها، ظ: التفتازاني، سعد الدين، مختصر المعاني: ١٣٥.
*** هل البسيطة: هي التي يُطلب بها وجود الشيء أو لا، كقولنا: هل الحركة موجودة أو لا موجودة، ظ: المصدر نفسه: ١٣٥.
( ٧٥ )
الخاصة المقوّمة للأعراض النسبية: مثل كون الشيء في الزمان أو المكان، أو نحو ذلك. وأما الموضوع بإزاء مفاهيمها فهي ألفاظ النسبة والربط ونحوهما من الأسماء المحكية عنها بتلك الألفاظ، لا بالحروف والأدوات(١).
مناقشة الخوئي للأصفهاني:
جاءت مناقشة السيد الخوئي في مقامين:
المقام الأول: في أنّه هل للنسبة والربط وجوداً في الخارج في مقابل وجودي الجوهر والعرض، أو لا؟
المقام الثاني: وعلى تقدير وجود تلك النسبة فهل الحروف موضوعة لها؟
أما المقام الأول: فالصحيح هو أنّه لا وجود للنسبة والربط في الخارج في قبال وجود الجوهر أو العرض.
والوجه في ذلك: هو أنّه لا دليل على ذلك سوى البرهان المذكور وهو غير تام؛ وذلك لأنّ صفتي اليقين والشك وإنْ كانتا صفتين متضادتين فلا يكاد يمكن أنْ تتعلقا بشيءٍ في آنٍ واحدٍ من جهةٍ واحدةٍ، إلا أنّ تحققهما في الذهن لا يكشف عن تعدد متعلقهما في الخارج، فإنّ الطبيعي عين فرده ومتحد معه خارجاً ومع ذلك يمكن أنْ يكون أحدهما متعلقاً لصفة اليقين والآخر متعلقاً لصفة الشك، كما إذا علم إجمالاً بوجود إنسانٍ في الدار ولكن شك في أنّه زيد أو عمرو فلا يكشف تضادهما عن تعدد متعلقيهما بحسب الوجود الخارجي، فإنّهما موجودان بوجود واحد حقيقة، وذلك الوجود الواحد من جهة انتسابه إلى الطبيعي متعلق لليقين، ومن جهة انتسابه إلى الفرد متعلق للشك. أو إذا أثبتنا أنّ للعالم مُبدئ ولكن شككنا في أنّه واجب أو ممكن على القول بعدم استحالة التسلسل فرضاً، أو أثبتنا أنه واجب ولكن شككنا في أنّه مريد أو لا، إلى غير ذلك، مع أنّ صفاته تعالى عين ذاته خارجا وعينا، كما أن وجوبه كذلك. وما نحن فيه من هذا القبيل فإنّ اليقين متعلق بثبوت طبيعي العرض للجوهر، والشك متعلق بثبوت حصةٍ خاصةٍ منه له، فليس هنا وجودان: أحدهما متعلق لليقين والآخر للشك، بل وجود واحد حقيقة مشكوك فيه من جهةٍ ومتيقن من جهةٍ أخرى.
وهذا يعني: أنّ تضاد صفتي اليقين والشك لا يستدعي إلّا تعدد متعلقهما في أفق النفس، وأما في الخارج عنه فقد يكون متعدداً وقد يكون متحداً(٢).
______________________________
(١) ظ: الفياض، محاضرات في أصول الفقه: ١/ ٧٨ - ٧٩.
(٢) ظ: الجواهري، محمد تقي، غاية المأمول: ١/٢٤ والفياض، محاضرات في أصول الفقه: ١/ ٨١.
( ٧٦ )
وأما المقام الثاني: فإنّه على تقدير تسليم أنّ للنسبة والربط وجوداً في الخارج في مقابل الجوهر والعرض: فلا نسلّم أنّ الحروف والأدوات موضوعة لها؛ لأنّ الألفاظ موضوعة لذوات المفاهيم والماهيات، لا للموجودات الخارجية ولا الذهنية، فإنّ الأولى غير قابلة للإحضار في الذهن، وإلّا فلا تكون بخارجية. والثانية غير قابلةٍ للإحضار ثانياً، فإنّ الموجود الذهني لا يقبل وجوداً ذهنياً آخر، والمفروض أنّ الغرض من الوضع التفهيم والتفهّم وهو لا يجتمع مع الوضع للموجود الذهني أو الخارجي، بل لا بدّ أنْ يكون الوضع لذات المعنى القابل لنحوين من الوجود. أي: أنّ اللفظ موضوع بإزاء المعنى اللّا بشرطي، سواء أكان موجوداً في الخارج أم معدوماً، ممكنا كان أم ممتنعاً. وقد يعبّر عنه ب (الصور المرتسمة العلمية) أيضاً، وعلى ذلك فلا يمكن أنْ تكون الحروف موضوعة لأنحاء النسب والروابط؛ لأنّها سنخ وجودٍ لا ماهية لها فلا تكون قابلة للإحضار في الذهن. وأما مفاهيم نفس النسب والروابط فهي من المفاهيم الاسمية، وليست مما وضعت لها الحروف والأدوات. ولو تنزّلنا عن ذلك وسلّمنا إمكان وضع اللفظ للموجود بما هو، ولكنّا نقطع بأنّ الحروف لم توضع لأنحاء النسب والروابط؛ لصحة استعمالها بلا عنايةٍ في موارد يستحيل فيها تحقق نسبة ما حتى بمفاد (هل البسيطة) فضلاً عن المركبة، فلا فرق بين قولنا: (الوجود للإنسان ممكن) و (لله تعالى ضروري) و (شريك الباري مستحيل)، فإنّ (اللام) في جميع ذلك تستعمل في معنى واحد، وهو: تخصّص مدخولها بخصوصيةٍ ما في عالم المعنى على نسقٍ واحدٍ بلا عنايةٍ في شيءٍ منها، وبلا لحاظ أية نسبةٍ في الخارج حتى بمفاد (كان التامة*)، فإنّ تحقق النسبة بمفاد (كان التامة) إنّما هو بين ماهيةٍ ووجودها كقولك: (زيد موجود)، وأما في الواجب تعالى وصفاته وفي الانتزاعيات والاعتبارات فلا يُعقل فيها تحقق أية نسبةٍ أصلاً.
فالمتحصّل مما ذُكر: هو أنّ صحة استعمال الحروف في موارد يستحيل فيها ثبوت أية نسبةٍ خارجيةٍ كما في صفات الواجب تعالى وغيرها من دون لحاظ أية علاقةٍ تكشف كشفاً يقينياً عن أنّ الحروف لم توضع لأنحاء النسب والروابط في الخارج(١).
مناقشة الصدر للخوئي
ردّ السيد محمد باقر الصدر مناقشة السيد الخوئي المتقدّمة، بقوله:
______________________________
* مفاد كان التامة: يكون البحث فيه عن أصل وجود الموضوع وثبوته، مفاد كان الناقصة: يكون البحث فيه عن لواحق الموضوع، ظ: المظفر، محمد رضا، أصول الفقه: ٣ / ١١.
(١) ظ: الجواهري، محمد تقي، غاية المأمول: ١/٢٤ والفياض، محاضرات في أصول الفقه: ١/ ٨١ - ٨٢.
( ٧٧ )
(إنّ الوجود الخارجي لم يؤخذ في مدلول الكلمة ليُقال: إنّه لا يقبل الانتقال الذهني إليه، حيث أنّ الحرف لم يوضع للوجود الرابط الخارجي بل وضع لذات ماهية النسبة بقطع النظر عن نحوي وجودها. غير أنّ النسبة متقومة دائماً بشخص وجود طرفيها وبهذا كانت النسبة القائمة في ذهن المتكلم والنسبة القائمة في ذهن السامع ماهيتين متغايرتين وكل منهما قابلة للانتقال الذهني، وذلك بأنْ توجد في صقع الذهن تبعاً لطرفيها بالنحو المناسب لها من الوجود)(١).
وذكر السيد الصدر أيضاً: إنّ (إنكار الوجود الرابط الخارجي لا يضر بالمدّعى فضلاً عن انّه خلاف التحقيق، إذ لو اٌريد إنكار ثبوت وجودٍ ثالثٍ خارجاً على وجود المنتسبين فهو صحيح لكنه ليس هو المراد بالوجود الرابط، وإنْ اُريد إنكار ثبوت واقعيةٍ ثالثةٍ في الخارج وراء واقعية المنتسبين فهو غير صحيح؛ لوضوح أنّ هناك أمراً واقعياً ثابتاً في لوح الواقع الذي هو أوسع من لوح الوجود... وهذه الواقعية هي منشأ انتزاع مثل عنوان الظرفية أو المظروفية وهي منشأ واقعيتهما لو قيل بأنّهما من الأمورالواقعية لا الاعتبارية)(٢).
الرأي الخامس: النسبية في وضع الحروف
يرى هذا الرأي أنّ الحروف والأدوات وضعت للأعراض النسبية الإضافية، كمقولة: الأين والإضافة ونحوهما: وهذا الرأي هو للمحقق العراقي(٣).
وقد ذكر السيد الخوئي ملخّص ما أفاده المحقق العراقي، وهو أنّ الموجود في الخارج على أنحاء ثلاثة:
النحو الأول: ما يكون وجوده وجوداً لنفسه: كالجوهر بأصنافه.
النحو الثاني: ما يكون وجوده في نفسه وجوداً لغيره: كالأعراض التسع التي قد يعبّر عن وجودها بالوجود الرابطي، وهي على طائفتين:
إحداهما: ما يحتاج في تحققه إلى موضوع واحد في الخارج ويستغنى به: كالكم والكيف ونحوهما.
والثانية: ما يحتاج في تحققه إلى موضوعين ليتقوم بهما: كالعرض الأيني والإضافي وغير ذلك.
النحو الثالث: ما يكون وجوده لا في نفسه: كأنحاء النسب والروابط.
وعلى ذلك فإنّ الحاجة دعت العقلاء إلى وضع الألفاظ التي تدور عليها الإفادة والاستفادة، وبعد أنْ فحصنا وجدنا أنّهم وضعوا الأسماء للجواهر وعدة من الأعراض، ووضعوا الهيئات من المركبات والمشتقات للنسب والروابط،
______________________________
(١) الهاشمي، محمود، بحوث في علم الأصول: ١ / ٢٤٧- ٢٤٨.
(٢) المصدر نفسه: ١/ ٢٤٨.
(٣) ظ: مقالات الأصول: ١/ ٨٧ والبروجردي، محمد تقي، نهاية الأفكار: ١- ٢/٤٦- ٤٩ وبحر العلوم، علاء الدين، مصابيح الأصول: ١/٧٨.
( ٧٨ )
ووضعوا الحروف للأعراض النسبية الإضافية. فكلمة (في) -مثلا- في قولنا: (زيد في الدار) تدل على العرض الأيني العارض على موضوعه: كزيد، والهيئة تدل على ربط هذا العرض بموضوعه، وهكذا. أي: أنّ المعاني منحصرة بالجواهر والأعراض وربطها بمحلها ولا رابع لها. ومن المعلوم أنّ الحروف لم توضع للأولى، ولا لبعض الأقسام الثانية؛ لأنّ الموضوع لها الأسماء، ولا للثالثة؛ لأنّ الموضوع لها الهيئات، فلا محالة تكون موضوعة للأعراض النسبية الإضافية. فكلمة (في) وضعت للأين الظرفي، وكلمة (من) للأين الابتدائي، وهكذا، ولا فرق في ذلك بين أقسام الحروف مطلقاً من الداخل على المركبات الناقصة والداخل على المركبات التامة: كحروف التمني والترجي والتشبيه ونحوها(١).
مناقشة الخوئي للعراقي
أشار السيد الخوئي إلى أنّ مناقشة رأي المحقق العراقي تظهر ضمن نقطتين:
الأولى: إنّا نقطع بعدم كون الحروف موضوعة للأعراض النسبية الإضافية، لصحة استعمالها فيما يستحيل فيه تحقق عرض نسبي كما في صفات الواجب تعالى والاعتبارات والانتزاعيات، فإنّ العرض إنّما هو صفة للموجود في الخارج فلا يعقل تحققه بلا موضوع محقق خارجاً، وعليه فيستحيل وجوده في تلك الموارد. وكيف كان، فلا شبهة في فساد هذا القول، فإنّ صحة استعمال الحروف في الواجب والممكن والممتنع على نسق واحد بلا لحاظ عناية في شيءٍ منها تكشف كشفاً قطعياً عن أنّ الموضوع لها المعنى الجامع الموجود في جميع هذه الموارد على نحوٍ واحد، لا خصوص الأعراض النسبية الإضافية.
الثانية: إنّ ذلك أفسد من القول السابق، بل لا يُترقّب صدوره من مثله*.
والوجه فيه: هو أنّ للأعراض التسع جميعاً مفاهيم مستقلة بحد ذاتها وأنفسها في عالم مفهوميتها، من دون فرقٍ بين الأعراض النسبية وغيرها، وأنّ الأعراض النسبية تتقوم في وجودها بأمرين، وغير النسبية لا تتقوم إلا بموضوعها، فالأعراض جميعاً موجودات في أنفسها وإنْ كان وجودها لموضوعاتها؟
وقد تلخص من ذلك: إنّ الحروف والأدوات لم توضع للأعراض النسبية الإضافية، بل الموضوع لها هي الأسماء: مثل كلمة (الظرفية) و (الابتداء) و (الاستعلاء) ونحوها.
______________________________
(١) ظ: بحر العلوم، علاء الدين، مصابيح الأصول: ١/٧٨ والفياض، محاضرات في أصول الفقه: ١/ ٨٢ - ٨٣.
* أي من مثل المحقق العراقي.
( ٧٩ )
وأما ما ذكره المحقق العراقي في معاني الهيئات وأنّها موضوعة لأنحاء النسب والروابط(١)، فقد أورد السيد الخوئي عليه ما يأتي:
١- عدم الدليل على وجود النسبة في الخارج في مقابل وجود الجوهرأو العرض.
٢- عدم وضع اللفظ لها.
٣- عدم ثبوتها في جميع موارد استعمالاتها.
ونتيجة عرض الأقوال المتقدمة في المعاني الحرفية: ظهر بطلان جميع الأقوال والآراء التي سبقت، وعدم إمكان المساعدة على واحدٍ منها. وهذا الأمر هو الذي أوجب على السيد الخوئي أنْ يختار رأياً آخر في مقابل هذه الآراء(٢).
الرأي السادس: نظرية التحصيص في المعنى الحرفي
لا شبهة ولا كلام في أنّ الحروف والأدوات تباين الأسماء ذاتاً وحقيقة، ولا اشتراك لهما في طبيعي معنى واحد. وإنّما الكلام من ناحية أخرى، وهي: ما هي المعاني الحرفية التي تباين الإسمية بتمام الذات؟
ذكر السيد الخوئي(٣) أنّ الحروف على قسمين:
القسم الأول: ما يدخل على المركبات الناقصة والمعاني الأفرادية: أمثال: (من) و (إلى) و (على) ونحوها.
القسم الثاني: ما يدخل على المركبات التامة ومفاد الجملة: كحروف النداء والتشبيه والتمني والترجي وغير ذلك.
أما القسم الأول -أي ما يدخل على المركبات الناقصة والمعاني الأفرادية- فهو موضوع لتضييق المفاهيم الإسمية في عالم المفهوم والمعنى وتقييدها بقيودٍ خارجةٍ عن حقائقها، ومع هذا لا نظر لها إلى النسب والروابط الخارجية، ولا إلى الأعراض النسبية الإضافية، فإنّ التحصيص والتضييق إنّما هو في نفس المعنى، سواء أكان موجوداً في الخارج أم لم يكن.
وتوضيح ذلك: إنّ المفاهيم الإسمية بكليتها وجزئيتها وعمومها وخصوصها قابلة للتقسيمات إلى ما لا نهاية باعتبار الحصص أو الحالات التي تحتها، ولها إطلاق وسعة بالقياس إلى هذه الحصص أو الحالات، سواء أكان الإطلاق بالقياس إلى الحصص المنوّعة: كإطلاق الحيوان -مثلا- بإضافته إلى أنواعه التي تحتها،
______________________________
(١) ظ: العراقي، أغا ضياء، مقالات الأصول: ١/ ٨٧.
(٢) ظ: الفياض، محاضرات في أصول الفقه: ٣/ ٨٠ - ٨٤.
(٣) ظ: المصدر نفسه: ١/ ٨٣ - ٨٧ والخوئي، أبو القاسم، أجود التقريرات: ١/١٨.
( ٨٠ )
أم بالقياس إلى الحصص المصنّفة أو المشخصّة: كإطلاق الإنسان بالنسبة إلى أصنافه أو أفراده، أم بالقياس إلى حالات شخصٍ واحد من: كمّه وكيفه* وسائر أعراضه الطارئة وصفاته المتبادلة على مرّ الزمن. ومن البديهي أنّ غرض المتكلم في مقام التفهيم والإفادة كما يتعلق بتفهيم المعنى على إطلاقه وسعته كذلك قد يتعلق بتفهيم حصةٍ خاصةٍ منه، فيحتاج -حينئذٍ- إلى مُبرز لها في الخارج. وبما أنّه لا يمكن أنْ يكون لكل واحدٍ من الحصص أو الحالات مبرزا مخصوصا؛ لعدم تناهي الحصص والحالات، بل عدم تناهي حصصٍ أو حالات معنى واحد فضلاً عن المعاني الكثيرة، فلا محالة يحتاج الواضع الحكيم إلى وضع ما يدل عليها ويوجب إفادتها عند قصد المتكلم تفهيمها، وليس ذلك إلا الحروف والأدوات وما يشبهها من الهيئات الدالة على النسب الناقصة: كهيئات المشتقات وهيئة الإضافة والتوصيف. فكل متكلمٍ متعهّد في نفسه بأنّه متى ما قصد تفهيم حصةٍ خاصةٍ من معنى أنْ يجعل مُبرِزه حرفاً مخصوصاً أو ما يشبهه على نحو القضية الحقيقية، لا بمعنى أنّه جعل بإزاء كل حصةٍ أو حالةٍ حرفاً مخصوصاً أو ما يحذو حذوه بنحو الوضع الخاص والموضوع له الخاص؛ لأنّه غير ممكنٍ من جهة عدم تناهي الحصص. فكلمة (في) في جملة (الصلاة في المسجد حكمها كذا) تدل على أنّ المتكلم أراد تفهيم حصة خاصة من الصلاة، وفي مقام بيان حكم هذه الحصة لا الطبيعة السارية إلى كل فرد. وأما كلمتي (الصلاة) و (المسجد) فهما مستعملتان في معناهما المطلق واللّا بشرط، بدون أنْ تدلا على التضييق والتخصيص أصلا.
ومن هنا كان تعريف الحرف: بما دلّ على معنى قائم بالغير(١)، من أجود التعريفات وأحسنها، وموافقاً لما هو الواقع ونفس الأمر، ومطابقاً لما ارتكز في الأذهان من أنّ المعنى الحرفي خصوصية قائمة بالغير وحالة له(٢).
وينبغي أن يُشار إلى أنّ هذا التعريف هو التعريف المختار للحرف عند المحقق العراقي أيضاً(٣).
وأما القسم الثاني من الحروف (أي ما يدخل على المركبات التامة، أو ما في حكمها كمدخول حرف النداء): فإنّه وإنْ كان مفرداً إلا أنّه يفيد فائدة تامة، فحاله حال الجمل الإنشائية؛ لأنّ من المعلوم أنّ الجمل على قسمين:
______________________________
* الكم: العرض الذي بذاته يمكن أنْ يوجد فيه شيء واحد يعده، مثل الأعداد والمقادير.
والكيف: عرض لا يقبل القسمة ولا النسبة لذاته، مثل الحرارة والبرودة، ظ: الطباطبائي، محمد حسين، نهاية الحكمة: ١٣٨، ١٤٤.
(١) ظ: التفتازاني، سعد الدين، مختصر المعاني:١٦٢.
(٢) ظ: بحر العلوم، علاء الدين، مصابيح الأصول: ١/٧٩ والفياض، محاضرات في أصول الفقه: ١/ ٨٤ - ٨٦.
(٣) ظ: مقالات الأصول: ١/٩١.
( ٨١ )
الأول: إنشائية: والمشهور بين الأصوليين(١): إنّها موضوعة لإيجاد المعنى في الخارج، ومن هنا فسّروا الإنشاء بإيجاد ما لم يوجد.
والثاني: خبرية: والمشهور بينهم أيضا: إنّها موضوعة للدلالة على ثبوت النسبة في الواقع أو نفيها عنه(٢).
والصحيح على ما ذهب إليه جماعة(٣) منهم السيد الخوئي: إنّ الجملة الإنشائية لم توضع لإيجاد المعنى وإنّما وضعت للدلالة على قصد المتكلم إبراز أمرٍ نفساني غير قصد الحكاية عند إرادة تفهيمه. والجملة الخبرية موضوعة للدلالة على قصد المتكلم الحكاية عن الواقع ثبوتاً أو نفياً.
فالجملة الإنشائية وضعت للدلالة عندما يقصد المتكلم إبراز أمر نفساني وإرادة تفهيمه وليس المراد بها قصد الحكاية، فحروف النداء مثل (يا) وضعت لإبراز قصد النداء وتوجيه المخاطب إليه، وحروف الاستفهام موضوعة لإبراز طلب الفهم، وحروف التمنّي موضوعة لإبراز التمنّي، وحروف الترجّي موضوعة لإبراز الترجّي، وكذا حروف التشبيه ونحوها.
إنّ وضع هذا القسم من الحروف لذلك المعنى من نتائج وثمرات مسلك السيد الخوئي في مسألة الوضع؛ فإن لازم القول بالتعهّد والالتزام هو تعهّد كل متكلمٍ بأنه متى ما قصد تفهيم معنى خاص تكلم بلفظٍ مخصوص، فاللفظ مفهم له ودال على أنّه أراد تفهيمه به، فلو قصد تفهيم (التمني) يتكلم بلفظ خاص، وهو: كلمة (ليت)، ولو قصد تفهيم (الترجي) يتكلم بكلمة (لعلّ)، وهكذا، فالواضع تعهّد ذكر هذا القسم من الحروف عند إرادة إبراز أمرٍ من الأمور النفسانية من التمنّي والترجّي ونحوهما.
والنتيجة التي ينتهي إليها السيد الخوئي هي: إنّ حال القسم الثاني من الحروف حال الجمل الإنشائية ليست موضوعة لتحصيص المعاني الإسمية، كما أنّ القسم الأول منها حاله حال الهيئات الناقصة بكونها موضوعة لتحصيص المعاني الإسمية(٤).
علاقة نظرية التحصيص بنظرية التعهّد
نبّه السيد الخوئي إلى أنّ رأيه هذا في المعاني الحرفية من نتائج وثمرات مسلك التعهّد في مسألة الوضع، فإنّ القول بالتعهّد لا محالة يستلزم وضع المعاني
______________________________
(١) ظ: السبزواري، حسن، وسيلة الوصول إلى علم الأصول، تقريرا أبحاث أبي الحسن الأصفهاني: ١٨٩ والبجنوردي، حسن بن علي أصغر، منهى الأصول: ١/٢٧.
(٢) ظ: الفياض، محاضرات في أصول الفقه: ١/ ٨٩ - ٩٠.
(٣) ظ: النهاوندي، علي بن فتح الله، تشريح الأصول: ٣٠ والحائري، عبد الكريم، درر الأصول (درر الفوائد): ١/ ٧١.
(٤) ظ: الجواهري، محمد تقي، غاية المأمول: ١/١٢٦- ١٢٩ ووبحر العلوم، علاء الدين، مصابيح الأصول: ١/ ٨٠- ٨١ والفياض، محاضرات في أصول الفقه: ١/٩٠.
( ٨٢ )
الحرفية للتحصيص؛ فإنّ الغرض قد يتعلق بتفهيم الطبيعي، وقد يتعلق بتفهيم الحصة، والمفروض أنّه لا يكون على الحصة دالٌ ما عدا الحروف وتوابعها، فلا محالة يتعهّد الواضع ذكرها أو ذكر توابعها عند قصد تفهيم حصة خاصة. فلو قصد تفهيم حصة من طبيعي الماء -مثلا- كماء له مادة أو ماء البئر يبرزه بقوله: (ما كان له مادة لا ينفعل بالملاقاة) أو (ماء البئر معتصم) فـ (اللام) في الأول وهيئة الإضافة في الثاني تدلان على أنّ المراد من الماء ليس هو الطبيعة السارية إلى كل فرد، بل خصوص حصة منه. ولا فرق في ذلك بين أنْ تكون الحصص موجودة في الخارج أو معدومة، ممكنة كانت أو ممتنعة.
وبما أنّ الأغراض تختلف باختلاف الأشخاص والأزمان والحالات فالمستعملين بمقتضى تعهّداتهم النفسانية يتعهّدون أنْ يتكلموا بالحروف أو ما يشبهها عند تعلق أغراضهم بتفهيم حصص المعاني وتضييقاتها. فلو أنّ أحداً تعلق غرضه بتفهيم الصلاة الواقعة بين زوال الشمس وغروبها يبرزه بقوله: (الصلاة فيما بين الحدين حكمها كذا)، وهكذا(١).
وعليه يتبيّن: أنّ المفاهيم الاسمية وإنْ كان بعضها أوسع من بعضها الآخر، فمفهوم الممكن أوسع من مفهوم الوجود، وهو أوسع من مفهوم الجوهر، وهكذا إلى أنْ ينتهي إلى مفهوم لا يكون تحته مفهوم آخر، ولكل واحدٍ منها لفظ مخصوص يدل عليه عند الحاجة إلى تفهيمه - إلا أنّ حصصها أو حالاتها غير المتناهية لم توضع بإزاء كل واحدةٍ منها لفظ خاص كي يدل عليها عند الحاجة؛ وذلك لعدم تناهيها، فنتساءل: ما الذي يوجب إفادتها في الخارج؟ وليس ذلك إلا الحروف أو ما يشبهها؛ لأن الواضع تعهّد بذكر حرف خاص عند قصد تفهيم حصة خاصة من المعنى، ففي كل مورد قصد ذلك جعل مُبرزه حرفاً من الحروف على اختلاف الموارد والمقامات(٢).
نتيجة البحث في المعاني الحرفية
لخّص السيد الخوئي ما تعرّض إليه من بحثٍ وتحقيقٍ في المعاني الحرفية في أمور، هي:
الأمر الأول: إنّ المعاني الحرفية تباين الاسمية ذاتاً، ولا اشتراك لهما في طبيعي معنى واحد، فإنّها متدليات بها بحد ذاتها، وهي مستقلات في أنفسها، ولا جامع بين الأمرين أصلاً.
الأمر الثاني: إنّ معانيها ليست بإيجادية، ولا بنسبة خارجية، ولا بأعراض نسبية إضافية، بل هي: عبارة عن تضييقات نفس المعاني الإسمية في عالم المفهومية وتقييداتها بقيودٍ خارجةٍ عن حقائقها، بلا نظر إلى أنّها موجودة في الخارج أو
______________________________
(١) ظ: الفياض، محاضرات في أصول الفقه: ١/ ٨٤.
(٢) ظ: المصدر نفسه: ١/ ٨٧.
( ٨٣ )
معدومة، ممكنة أو ممتنعة؛ ومن هنا يكون استعمالها في الواجب والممكن والممتنع على نسقٍ واحدٍ.
والذي دعى السيد الخوئي إلى اختيار هذا الرأي أربعة أسباب:
السبب الأول: بطلان سائر الأقوال والآراء.
السبب الثاني: إنّ هذا المعنى مشترك فيه بين جميع موارد استعمال الحروف من الواجب والممكن والممتنع على نسقٍ واحد، وليس في المعاني الأخرى ما يكون كذلك.
السبب الثالث: ما تبنّاه في باب الوضع من أنّ حقيقة الوضع هي التعهّد والتباني ينتج الالتزام بذلك القول لا محالة؛ ضرورة أنّ المتكلم إذا قصد تفهيم حصةٍ خاصةٍ فبأي شيءٍ يُبرزه؟ إذ ليس المُبرز له إلّا الحرف أو ما يقوم مقامه(١).
السبب الرابع: موافقة ذلك للوجدان، ومطابقته لما ارتكز في الأذهان، فإنّ الناس يستعملونها لإفادة حصص المعاني وتضييقاتها في عالم المعنى، غافلين عن وجود تلك المعاني في الخارج أو عدم وجودها، وعن إمكان تحقق النسبة بينها أو عدم إمكانها(٢).
ودعوى المحقق النائيني: إعمال العناية في جميع ذلك(٣) يكذّبها صريح الوجدان والبداهة، فهذا يكشف قطعياً عن أنّ الموضوع له الحرف ذلك المعنى لا غيره.
الأمر الثالث: إنّ معانيها جميعاً حكائية، ومع ذلك لا تكون إخطارية؛ لأنّ ملاك إخطارية المعنى الاستقلالية الذاتية في عالم المفهوم والمعنى، وهي غير واجدةٍ لذلك الملاك، وملاك حكائية المعنى نحوٌ من الثبوت في عالم المعنى وهي واجدة له، فلا ملازمة بين عدم كونها إخطارية وكونها إيجادية كما عن المحقق النائيني(٤).
الأمر الرابع: في نقاط الامتياز بين رأي السيد الخوئي وسائر الآراء:
أولاً: يمتاز رأي السيد الخوئي عن رأي المحقق النائيني -الذي ذهب إلى أنّ معاني الحروف إيجادية- في نقطة واحدة، وهي: إنّ المعنى الحرفي على رأيه ليس له واقع في أيّ وعاءٍ، ما عدا التراكيب الكلامية.
وأما على رأي السيد الخوئي فله واقع، وهو عالم المفهوم وثابت فيه كالمعنى الإسمي، غاية الأمر بثبوتٍ تعلقي لا استقلالي.
______________________________
(١) ظ: محاضرات في أصول الفقه ١/٥١.
(٢) ظ: المصدر نفسه: ١/ ٨٧ - ٩٠.
(٣) ظ: الخوئي، أبو القاسم، أجود التقريرات: ١/ ٣٣.
(٤) هذه الدعوى هي للشيخ الآخوند وقد تبنّاها المحقق النائيني، ظ: الخراساني، محمد كاظم، كفاية الأصول: ٦٣ والخوئي، أبو القاسم، أجود التقريرات: ١/٢٠.
( ٨٤ )
ثانياً: ويمتاز عن رأي المحقق محمد حسين الأصفهاني -القائل بأنّ الحروف وضعت بإزاء النسب والروابط- في نقطة واحدة أيضا، وهي: إنّ المعنى الحرفي على هذا الرأي سنخ وجودٍ خارجي، وهو وجود لا في نفسه، ولذا يختص بالجواهر والأعراض، ولا يعمّ الواجب والممتنع.
وأما على رأي السيد الخوئي: فالمعنى الحرفي سنخ مفهومٍ ثابت في عالم المفهومية، ويعمّ الواجب والممكن والممتنع على نسقٍ واحدٍ.
ثالثاً: ويمتاز عن رأي المحقق العراقي -وهو أنّ الموضوع لها الحروف هي الأعراض النسبية- في نقطتين:
النقطة الأولى: إنّ المعنى الحرفي على رأي المحقق العراقي مستقل بالذات، وأما على رأي السيد الخوئي: فهو غير مستقلٍ بالذات.
النقطة الثانية: إنّ المعنى الحرفي على رأي المحقق العراقي سنخ معنى يخص الجواهر والأعراض، ولا يعمّ غيرهما، وأما على رأي السيد الخوئي: فهو سنخ معنى يعمّ الجميع(١).
مناقشة الصدر للخوئي
ناقش السيد محمد باقر الصدر (ت: ١٤٠٠هـ) رأي السيد الخوئي بالتحصيص في وضع الحروف بما ملخّصه: إنّ تحصيص مفهومٍ اسمي بلحاظ مفهومٍ اسمي آخر لا يعقل أنْ يكون إلا بلحاظ افتراض نسبة بين المفهومين بحيث يقع أحد المفهومين طرفاً لنسبةٍ مع المفهوم الآخر- من قبيل نسبة الظرفية بين النار والموقد- ويصبح بذلك حصة خاصة من النار، وينشأ ضيق في دائرة انطباقه يوجب امتناع انطباقه على الفاقد للنسبة، وما لم تفرض في المرتبة السابقة نسبة بين مفهومين لا يعقل أنْ يتضيق أحدهما بلحاظ الآخر(٢).
ثم أخذ السيد الصدر ببيان الاحتمالات المتوقعة في المقام وهما احتمالان:
الاحتمال الأول: إن اُريد بالوضع للتحصيص كون الحرف موضوعاً لما هو ملاك التحصيص أي النسب التي بها تتحصص المفاهيم الإسمية بعضها بالبعض الآخر فهذا نفس المدّعى بالقول بالنسبية في وضع الحروف* وليس شيئاً آخر.
الاحتمال الثاني: وإنْ اُريد كون الحرف موضوعا لنفس التحصيص، فيرد عليه: أولا: إنّ التحصيص والضيق لمّا كان في طول أخذ نسبةٍ بين المفهومين لا محالة فلا بدّ من دال على تلك النسبة، فإنّ لم يكن هناك دال عليها بقي المدلول ناقصاً، وحيث لا يتصور دال غير الحرف فيتعين كون الحرف دالاً عليها، ومعه يكتمل مدلول الكلام ولا معنى لأخذ التحصيص في مدلول الحرف حينئذ.
______________________________
(١) ظ: الفياض، محاضرات في أصول الفقه: ١/٥١.
(٢) ظ: الهاشمي، محمود، بحوث في علم الأصول: ١ / ٢٤٩- ٢٥٠.
* وهو رأي المحقق العراقي، ظ: ص ٦٥ من البحث.
( ٨٥ )
وثانيا: إنّ التحصيص في طول النسبة ومما يستتبعه المعنى الحرفي لا أنّه بنفسه المعنى الحرفي وفي طول المعنى الحرفي، ولهذا نجد أنّه ليس مساوقاً مع جميع المعاني الحرفية بل أنّ بعض المعاني الحرفية لا يشمل على التحصيص وهذا شاهد على عدم إمكان دعوى كون الحروف موضوعة للتحصيص ابتداءً، كما في معاني حرف العطف والاستثناء والتفسير والإضراب. فمثلا في حرف العطف حينما يقال: (جاء إنسان وحصان) لا يدل الواو على الحصة الخاصة.
فإنْ توهم: إنّه أيضا يدل على التحصيص وإنّ الجائي هو الحصة الخاصة من الإنسان المقترنة بالحصان، قلنا فماذا يُقال في مثل قولنا: ((الحرارة والبرودة لا تجتمعان)) فإنّه من الواضح أنّ المقصود من هذا الكلام ليس أنْ نقول: إنّ الحصة الخاصة منهما لا تجتمعان فأين التحصيص؟ وكذلك في مثل قولنا: ((أكرم العشرة إلا واحداً))فإنّ مفهوم العشرة لم يكن تحته حصتان إحداهما التسعة والأخرى التسعة زائداً واحد ليكون الحرف دالاً على تحصيصه الأولى(١).
أما بخصوص علاقة القول بالتحصيص في وضع الحروف مع مبنى السيد الخوئي من التعهّد في وضع الألفاظ، فقد ذكر السيد الصدر ما نصّه : (إنّه لا ارتباط بين البحثين بوجهٍ ؛ لأنّ المبحوث عنه في المقام هو الفارق بين ما هو المدلول التصوري للحروف والأسماء وأنّهما من سنخ واحدٍ أو سنخين سواء أكانت حقيقة الوضع تخصيص اللفظ بإزاء نفس هذا المدلول التصوري أو الالتزام بقصد تفهيم ذلك المعنى للغير. وكما أنّ التعهّدات العقلائية لا بدّ أنْ تكون مستوعبة ووافية بإشباع كل الحاجات اللغوية كذلك حكمة الوضع تقتضي إشباعها على حدٍ واحد . و بتعبيرٍ آخر: إنّ الخلاف في حقيقة الوضع بين أصحاب التعهّد وأصحاب الاعتبار ليس في تشخيص حكمة الوضع وإنّ الغرض من الاعتبار تمكين المستعمل من حاجته، بل في أنّ طريق سد هذه الحاجة ما هو؟ فإذا كانت الحاجة تقتضي جعل ما يدل على الحصة الخاصة فهذا ما يقتضي الوضع لذلك مهما كان معنى الوضع) (٢).
______________________________
(١) ظ: الهاشمي، محمود، بحوث في علم الأصول: ١ / ٢٤٩- ٢٥٠.
(٢) المصدر نفسه: ١ / ٢٤٩- ٢٥٠.
( ٨٦ )
الوضع في الحروف حسب نظرية التحصيص
يرى السيد الخوئي أنّ الوضع في الحروف عام والموضوع له خاص وفاقاً للمشهور، بخلاف المحقق الآخوند الذي يرى أنّ الوضع فيها عام والموضوع له عام أيضا(١).
والسبب في ذلك:
أما في القسم الأول من الحروف (ما يدخل على المركبات الناقصة والمعاني الأفرادية)؛ فلأنّها لم توضع بإزاء مفاهيم التضييقات والتحصصات، لأنّها من المفاهيم الإسمية الاستقلالية في عالم مفهوميتها، بل لواقعها وحقيقتها - أي ما هو بالحمل الشائع - تضييق وتحصص، ومفاهيمها ليست بهذا الحمل تضييقاً وإنْ كان كذلك بالحمل الأولي الذاتي. نعم، لا بدّ من أخذ تلك المفاهيم بعنوان المعرّف والآلة للحاظ أفرادها ومصاديقها إجمالاً حتى يمكن الوضع بإزائها.
وهذا يعني: إنّه كما لا يمكن أنْ يكون وضعها خاصاً كالموضوع له - لأنّ حصص المعنى الواحد غير متناهية، فضلاً عن المعاني الكثيرة، فلا يمكن تصور كل واحدٍ منها على وجه التفصيل - كذلك لا يمكن أنْ يكون الموضوع لها عاماً كالوضع، فإنّه لا يعقل ذلك إلّا أنْ توضع لمفاهيم الحصص والتضييقات، والمفروض أنّها من المفاهيم الإسمية، وليست من المعاني الحرفية في شيءٍ، ولا جامع مقولي بين أفراد التضييق وأنحائه لتوضع بإزائه، فلا بدّ -حينئذٍ- من أنْ نلتزم بكون الموضوع له فيها خاصاً والوضع عاماً، بأنْ نقول: إنّ كل واحدٍ من هذه الحروف موضوع لسنخ خاص من التضييق في عالم المعنى، فكلمة (في) لسنخٍ من التضييق، وهو سنخ التضييق الأيني، وكلمة (على) لسنخ آخر منه، وهو سنخ التضييق الاستعلائي، وكلمة (من) لسنخ ثالثٍ منه، وهو سنخ التضييق الابتدائي، وهكذا سائر هذه الحروف.
ولذا يستظهر السيد الخوئي: أنّ الموضوع له في الهيئات الناقصة كهيئات المشتقات، وهيئة الإضافة والتوصيف يكون الوضع فيها عاماً والموضوع له خاصاً، لعدم الفرق بينهما(٢).
وأما القسم الثاني من الحروف (ما يدخل على المركبات التامة ومفاد الجملة: كحروف النداء والتشبيه والتمنّي والترجّي وغير ذلك) فالوضع فيها عام والموضوع له خاص؛ ضرورة أنّ الحروف في هذا القسم لم توضع لمفهوم التمنّي والترجّي والتشبيه ونحوه، لأنّها من المفاهيم الإسمية الاستقلالية على أنّ لازمه أنْ تكون كلمة (لعلّ) مرادفة للفظ (الترجي)، وكلمة (ليت) مرادفة للفظ (التمنّي)، وهو باطل يقيناً. كما أنّها لم توضع بإزاء مفهوم إبراز هذه المعاني، فإنه أيضا من المفاهيم الاسمية، بل وضعت لما هو بالحمل الشائع إبرازاً للتمنّي والترجي والاستفهام ونحو ذلك، ولا جامع ذاتي بين مصاديق الإبراز وأفراده ليكون موضوعاً بإزاء ذلك الجامع، ولأجل ذلك في هذا القسم
______________________________
(١) ظ: كفاية الأصول: ١١ والفياض، محاضرات في أصول الفقه: ١ / ٩١.
(٢) ظ: الفياض، محاضرات في أصول الفقه: ١/ ٩١ - ٩٢.
( ٨٧ )
أيضا يكون الموضوع له خاصاً والوضع عاماً، بمعنى: أنّ الواضع تصور مفهوماً عاماً: كإبراز التمني مثلاً فوضع كلمة (ليت) بإزاء أفراده ومصاديقه، وتعهّد بأنّه متى ما قصد تفهيم التمنّي يتكلم بكلمة (ليت)(١).
ويمكن للباحث تلخيص ما ذكره السيد الخوئي (قدس سره) حول نظريته في أنّ المعنى الحرفي موضوع لإفادة التضييق في المفاهيم الإسمية عن طريق ذكر مقدمات لتلك النظرية:
المقدمة الأولى: إنّ الحروف قسمان:
القسم الأول: ما يدخل في المركبات الناقصة مثل (زيد على السطح).
القسم الثاني: ما يدخل في المركبات التامة مثل (ألا ليت الشباب يعود يوماً*).
المقدمة الثانية: إنّ المفاهيم الإسمية كأسماء الأجناس والأعلام وسيعة بسعة أفرادها وحالاتها.
المقدمة الثالثة: إنّ غرض المتكلم قد يتعلّق بفهم خصوصيات المعنى وقد يتعلّق بفهم المعنى على عمومه، فقد يقال: الصلاة في المسجد أفضل، فيفيد حصة خاصة من الصلاة، وقد يقصد طبيعي الصلاة فيقال: الصلاة خير عبادة.
ويترتب على هذه المقدمات أنّه بحسب رأيه في الوضع وهو نظرية التعهّد، إنّ القسم الأول من الحروف وهو المركبات الناقصة موضوعة لتضييق المعاني الإسمية، بينما القسم الثاني موضوعة لإبراز ما في النفس من المعنى.
______________________________
(١) ظ: الفياض، محاضرات في أصول الفقه: ١/ ٩٢.
* صدر بيتٍ لأبي العتاهية: ألا ليت الشباب يعود يوماً فأخبره بما فعل المشيبُ ظ: ديوان أبي العتاهية: ٢٣.
( ٨٨ )
من معالم البحث الأصولي للسيد الخوئي أنّه بيّن أنّ الإطلاق الثابت بمقدمات الحكمة ليس مدلولاً لفظياً، بل دلالته ناشئة عن مقدمات الحكمة وهي عقلية وليست لفظية، وبالتالي يكون الإطلاق غير مؤهّلٍ للتعارض مع العام(١)، بخلاف ما يُنسب إلى المشهور من أنّ الإطلاق جزء مدلول اللفظ، فلا نحتاج في استكشاف الإطلاق إلى مقدمات الحكمة(٢)، كما أنّ السيد الخوئي ذهب إلى رأي جديد في التقابل بين الإطلاق والتقييد ولبيان هذه المسألة ينبغي التعرض إلى حقيقة الإطلاق في اللغة والإصطلاح، وأقسامه، وبيان مقدمات الحكمة في كلمات الأصوليين، ومختار السيد الخوئي في المقام؛ ولذا انتظم المبحث في خمسة مطالب:
الإطلاق لغةً: الإطلاق مصدر أطلق بمعنى التخلية والإرسال، يقال: أطلقت الأسير إذا حللت إساره وخلّيت عنه، ومنه طلاق المرأة؛ وذلك أنّهم يقولون للزوجة إنّها في حبال الزوج، فإذا فارقها قيل: طلّقها كأنّه قطع حبلها، وكذا إطلاق الناقة بمعنى إرسالها وتركها في المرعى ترعى حيث شاءت، ومن المجاز استعماله في اللفظ والكلام بمعنى عدم تقييده بشيء، يقال: أطلقت القول إذا أرسلته من غير قيدٍ ولا شرط(٣).
أما الإطلاق اصطلاحاً: فهو ما دلّ على شايع في جنسه(٤).
والإطلاق عند مشهور الأصوليين قبل سلطان العلماء* (ت ١٠٦٤هـ)هو: الماهية المقيدة بالشيوع والسريان(٥)، والإطلاق في القول: هو أنْ يصدر
______________________________
(١) ظ: الفياض، المختصر في الحياة العلمية لزعيم الطائفة السيد الخوئي: ٣٦.
(٢) ظ: الكاظمي، محمد علي، فوائد الأصول: ١- ٢ / ٥٦٥.
(٣) ظ: الفراهيدي، الخليل بن أحمد، العين: ٥/ ١٠١ والجوهري، إسماعيل بن حماد، الصحاح:٤ / ١٥٦٨ والراغب الأصفهاني، الحسين بن محمد، المفردات:٥٢٣ وابن فارس، معجم مقاييس اللغة: ٣ / ٤٥٠ وابن منظور، لسان العرب: ٨/ ١٨٨والفيومي، أحمد بن محمد، المصباح المنير: ٣٧٦.
(٤) ظ: الآمدي، علي بن محمد، الإحكام في أصول الأحكام: ٣/٣ والطهراني، أبو القاسم الكلانتري، مطارح الأنظار، تقريرات أبحاث مرتضى الأنصاري: ٢/ ٢٤١.
* سلطان العلماء هو السيد حسين بن رفيع الدين محمد بن محمود الحسيني الأصفهاني العالم المحقق الشهير ب (سلطان العلماء) لتفويض الشاه عباس الصفوي أمر الوزارة والصدارة إليه فكان خليفة السلطان وصهره على ابنته، له تآليف وتعاليق قيمة على الروضة البهية ومعالم الأصول وزبدة الأصول وغيرها في منتهى التحقيق والتدقيق، توفي في أيام الشاه عباس الثاني في مازندران توفّي سنة ١٠٦٤ه ونقل جثمانه الطاهر إلى النجف الأشرف، ظ: بحر العلوم، محمد، بلغة الفقيه: ٣ / ٣١١.
(٥) ظ: الخراساني، محمد كاظم الآخوند، كفاية الأصول: ٢٤٣ والشوشترى، محمد جعفر المروّج، منتهى الدراية في شرح الكفاية: ٣/ ٧١١.
( ٨٩ )
الكلام من المتكلم من دون قيدٍ أو شرط، مثل قولهم: (إعتق رقبة)، إذ أنّ (الرقبة) مطلقة غير مقيدةٍ بشيء، ويقال لهذا الكلام: (كلام مطلق). ويقابل الإطلاق التقييد، وهو صدور الكلام مقيداً ومشروطاً، مثل قولهم: (أعتق رقبةً مؤمنةً)، إذ تكون الرقبة مقيّدة بالإيمان، ويقال لهذا الكلام: (كلام مقيّد)(١).
أما السيد الخوئي فقد ذكر أنّ معنى الإطلاق هو: تصوّر الموضوع أو المتعلق مع لحاظ عدم خصوصيةٍ من الخصوصيات ورفضها تماماً(٢).وأنّ المراد من الإطلاق اصطلاحاً هو معناه اللغوي(٣).
أما الفرق بين العام والمطلق، فالعام: هو ما دلّ على شمول الحكم لجميع أفراد مدخوله، والمطلق: هو المرسل الذي لم يقيّد بشيء في مقابل المقيّد الذي هو مقيّد به، أي أنّ الإطلاق عبارة عن رفض القيود وعدم دخلها في الحكم.
ودلالة العام على العموم تكون بالوضع ومستفادة من أدوات العموم، ودلالة المطلق على العموم مستفادة من مقدمات الحكمة(٤).
______________________________
(١) ظ: الأنصاري، محمد علي، الموسوعة الفقهية الميسّرة: ٤/٤٩٨.
(٢) ظ: الفياض، محاضرات في أصول الفقه: ٢ / ١٧٣.
(٣) ظ: بحر العلوم، علاء الدين، مصابيح الأصول: ٢/١٥٣ والجواهري، محمد تقي، غاية المأمول من علم الأصول: ١/ ٦٨٩.
(٤) ظ: الفياض، محاضرات في أصول الفقه: ٥/١٥١، ٣٤١، ٣٤٤.
( ٩٠ )
ذكر الأصوليون أنّ للإطلاق أقساماً عدّة، وهي:
١- الإطلاق الشمولي والبدلي
فالإطلاق الشمولي: هو الذي يدل على استيعاب وشمول جميع أفراد المطلق، مثل: قوله تعالى: ﴿... وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا...﴾(١)، فإنّ الإطلاق في (الْبَيْعَ) شمولي؛ لأنّه يشمل جميع أفراد البيع ويستوعبها. وكذا في مثل (أكرم العالم)، فإن الإطلاق بلحاظ أفراد العالم إطلاق شمولي، فيجب إكرام كل مَنْ صدق عليه عنوان (العالم)، ومثله: (لا تكذب).
والإطلاق البدلي: هو الذي يدل على فردٍ واحدٍ من بين جميع الأفراد، لكن على نحو البدل، مثل: (إعتق رقبة)، فإنّ ذلك دال على لزوم عتق رقبةٍ واحدةٍ من بين الرقاب على نحو البدل، ومثله: (أكرم عالماً). هذا، ويمكن أنْ يكون للكلام الواحد إطلاقان، فيكون له إطلاق شمولي من جهةٍ، وإطلاق بدلي من جهةٍ أخرى. ففي مثال: (أكرم العالم) المتقدم، يمكن أنْ نفرض للكلام إطلاقاً بدلياً أيضاً؛ لأنّ للإكرام حالات مختلفة، فيمكن أنْ يكون بالإطعام، أو بإرسال هديةٍ، أو رسالةٍ، أو غير ذلك، ولمّا لم يجب الإكرام بجميع أنواعه قطعاً، فيكتفى بنوعٍ واحد. فالإطلاق في موضوع المثال المتقدم -أي العالم- إطلاق شمولي، وإلى متعلقه -أي الإكرام- إطلاق بدلي(٢).
وذكر المحقق الآخوند ما حاصله: إنّ مقتضى مقدمات الحكمة يختلف باختلاف المقامات، فتارةً تقتضي هذه المقدمات العموم الشمولي والاستغراقي، وتارة العموم البدلي، وذلك بحسب اختلاف القرائن الحالية والمقالية(٣).
ويُشار إلى أنّه قد ذكرت توجيهات عدّة لما ذكره المحقق الآخوند(٤).
٢- الإطلاق اللفظي والمقامي
وينقسم الإطلاق أيضا على قسمين لفظي ومقامي:
فالإطلاق اللفظي: هو الإطلاق المستفاد من أنّ كلّ متكلمٍ يكون في مقام بيان تمام مراده باللفظ، فإذا لم يذكر قيداً في كلامه عُلم منه أنّه أراد الإطلاق، مثل: ﴿...وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ...﴾(٥)، و (أكرم العالم)، و (أعتق رقبة)، ونحوها.
وأما الإطلاق المقامي: فهو الإطلاق المستفاد من كون المتكلم في مقام بيان جميع أجزاء الواجب المركب مثلا، فإذا أقتصر على ذكر بعض الأمور ولم يذكر
______________________________
(١) البقرة: ٢٧٥.
(٢) ظ: الهاشمي، محمود، بحوث في علم الأصول: ٣ / ٤٢٨ والفياض، محاضرات في أصول الفقه: ٥/ ٣٤١.
(٣) ظ: كفاية الأصول: ١٠٦.
(٤) ظ: الهاشمي، محمود، بحوث في علم الأصول ٣: ٤٢٨.
(٥) البقرة: ٢٧٥.
( ٩١ )
غيرها مما شككنا في كونه جزء ً لذلك الواجب، اقتضى الإطلاق المقامي عدم وجوبه. ومعرفة أنّ المتكلم بصدد بيان تمام حقيقة المركب وبيان أجزائه، لا بدّ أنْ يُستفاد من دالٍ آخر غير ما تقدم في الإطلاق اللفظي الذي كان يستفاد فيه ذلك من ظهور حال المتكلم في كونه بصدد بيان تمام مراده؛ لأنّ صرف تعداد بعض أجزاء المركب ليس له ظهور في أنّ المتكلم بصدد بيان جميع جزئياته، وإنّما يحتاج في ذلك إلى دالٍ آخر، كقرينةٍ حاليةٍ أو لفظيةٍ أو غيرهما(١). ومثال الإطلاق المقامي: ما جاء في صحيحة حماد بن عيسى، إذ أمره الإمام الصادق (عليه السلام) الصلاة فلم يحسنها، فقام (عليه السلام) فوقف فصلى، وبذلك أتى بكل ما يجب في الصلاة(٢)، فإنّه (عليه السلام) كان بصدد بيان ماهية الصلاة - وهذا ما استفدناه من المحاورة التي جرت بين الإمام (عليه السلام) وبين حمّاد - فلذلك لو شككنا في جزئية شيءٍ في الصلاة ولم يرد ذلك في صحيحة حماد فنتمسك بالإطلاق المقامي لدفع احتمال جزئيته(٣).
٣- الإطلاق الأفرادي والأحوالي
إن الإطلاق قد يُلحظ إلى الأفراد، وقد يُرى بالنسبة إلى حالات الأفراد، بل حالات فردٍ واحدٍ. فالأول هو الإطلاق الأفرادي، والثاني هو الإطلاق الأحوالي. مثال الأول: (إعتق رقبة)، أو (أكرم العالم)، ونحو ذلك. ومثال الثاني: (أكرم زيداً)، ف (زيد) لا إطلاق له من حيث الأفراد، لأنّه علم شخصي فهو واحد، لكن له إطلاق أحوالي، فالمطلوب إكرامه في جميع حالاته، سواء أكان في السفر أم في الحضر، أو كان معتمّاً - أي لابس العمّة - أو لا، وقد يجتمع الإطلاقان في موردٍ واحدٍ، مثل: (إعتق رقبة)، فإنّ له إطلاقاً أفرادياً، كما تقدم آنفاً، وله إطلاق أحوالي، أي مهما كان حال الرقبة، سواء أكانت مؤمنةً أم كافرةً، صحيحةً أو سقيمةً، ونحو ذلك(٤).
وإنّ الإطلاق تارةً يكون في الحكم وتارةً في الموضوع وأخرى في المتعلق:
أما الإطلاق الذي يكون في الحكم، فمثل قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ...﴾(٥)، فإنّ الوجوب المستفاد من (أَقِيمُوا) مطلق غير مقيّدٍ بخلاف المشروط بشيءٍ، مثل قوله تعالى: (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ
وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا)(٦)، فإنّ الوجوب مقيّد بدلوك الشمس، أي زوالها، وهو المعبّر عنه ب (الواجب المشروط) مقابل (الواجب المطلق).
______________________________
(١) الصدر، محمد باقر، دروس في علم الأصول، (الحلقة الثانية) ١: ٢١٢ والمشكيني، علي، اصطلاحات الأصول: ٢٤٦.
(٢) ظ: العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة: ٥/ ٤٥٩.
(٣) الخوئي، أبو القاسم، أجود التقريرات: ١/ ١١٧.
(٤) المشكيني، علي، اصطلاحات الأصول: ٢٤٧.
(٥) البقرة: ٤٣.
(٦) الإسراء: ٧٨.
( ٩٢ )
وأما الإطلاق الذي يكون في الموضوع، فمثل: (يجب عليك عتق رقبة)، فالموضوع هو المكلف المشار إليه بالضمير -كاف الخطاب- وهو مطلق وإطلاقه أحوالي، أي سواء أكان مسافراً أم حاضراً، أو كان صحيحاً أو سقيماً، وهكذا وأما الإطلاق الذي يكون في المتعلق، فمثل: (إعتق رقبة) في المثال المتقدم، فإنّها مطلقة من حيث الأفراد والأحوال(١).
ذكر الأصوليون مقدمات الحكمة على النحو الآتي:
المقدمة الأولى: أنْ يكون المتكلم متمكناً من التقييد وعدمه
من مقدمات الحكمة التي اعتمدها السيد الخوئي: قدرة المتكلم على الإطلاق والتقييد والإتيان بالقيد؛ وإلّا فلا يكون لكلامه إطلاق في مقام الإثبات، حتى يكون كاشفاً عن الإطلاق في مقام الثبوت(٢).
وبيان ذلك: إنّ الإطلاق والتقييد تارة يلحظان في مقام الواقع والثبوت، وتارة في مقام الإثبات والدلالة:
١- أما في مقام الثبوت، فالمتكلم إما أنْ يريد الإطلاق أو التقييد، ولا ثالث لهما، فاستحالة التقييد عند السيد الخوئي تستلزم ضرورة الإطلاق أو التقييد بغيره لاستحالة الإهمال في الواقع، خلافاً لشيخه النائيني الذي يرى أنّ المورد إذا لم يكن قابلاً للتقييد لم يكن قابلاً للإطلاق(٣).
٢- وأما في مقام الإثبات: فإنْ تمكّن المتكلم من البيان وكان في مقامه ومع ذلك لم يأت بقيدٍ في كلامه، كان إطلاقه في هذا المقام كاشفاً عن الإطلاق في مقام الثبوت، وأنّ مراده في هذا المقام مطلق، وإلا لكان عليه البيان. وأما إذا لم يتمكن من الإتيان بقيدٍ في مقام الإثبات، فلا يكشف إطلاق كلامه في هذا المقام عن الإطلاق في ذاك المقام والحكم: بأنّ مراده الجدي في الواقع هو الإطلاق؛ لوضوح أنّ مراده لو كان في الواقع هو المقيّد لم يتمكن من بيانه والإتيان بقيد. إذن إطلاق الكلام في مقام الإثبات لا يكشف عن الإطلاق في مقام الثبوت(٤).
وبناءً على هذا فاستحالة التقييد تستلزم استحالة الإطلاق، وبالعكس.
______________________________
(١) ظ: الأنصاري، محمد علي، الموسوعة الفقهية الميسّرة: ٤/٥١٠ والفياض، محاضرات في أصول الفقه: ١/١٩٩.
(٢) ظ: الفياض، محاضرات في أصول الفقه: ٥/٣٦٤.
(٣) الخوئي، أبو القاسم، أجود التقريرات: ١/ ١٠٣.
(٤) ظ: بحر العلوم، علاء الدين، مصابيح الأصول: ٢/١٦٨ والجواهري، محمد تقي، غاية المأمول: ١/٦٩٦ - ٦٩٧ والفياض، محاضرات في أصول الفقه: ٥ / ٣٦٦- ٣٦٧.
( ٩٣ )
المقدمة الثانية: أنْ يكون المتكلم في مقام البيان:
وهذه المقدمة اتفق عليها علماء الأصول من الإمامية(١)، فإنّ المتكلم تارة يكون في مقام الإهمال والإجمال*، وتارة يكون في مقام البيان من جهةٍ خاصة، والإهمال من جهةٍ أخرى. فإنْ كان المتكلم في مقام الإهمال والإجمال وليس بصدد بيان الخصوصيات - كأكثر الخطابات الواردة لبيان أصل التشريع مثل: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ...﴾(٢) ونحوهماـ فلا يصح التمسك بإطلاق الكلام لنفي شرطٍ أو قيد، بأنْ يقال: (أَقِيمُوا الصَّلَاةَ) مطلق فإنْ شككنا في اشتراط طهارة لباس المصلي أو مكانه فنتمسك بإطلاق الآية لنفي الشرطية؛ لأنّ الآية ليست في مقام بيان شروط وقيود المأمور به -أي الصلاة- كي يدل عدم ذكرها على إرادة الإطلاق، بل الآية في مقام بيان أصل التشريع، فهي أهملت ذكر القيود بالكلية.
وإنْ كان المتكلم في مقام الإهمال من جهة وفي مقام البيان من جهة أخرى، أمكن التمسك بالإطلاق من تلك الجهة التي يكون فيها في مقام البيان مثل قوله تعالى: ﴿... فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ...﴾(٣)، فإنّ الآية واردة لبيان حلّية ما يصطاده الكلب المعلّم، وليست واردة لبيان طهارة محل عضّ الكلب ونجاسته، فلذلك لو شككنا في اشتراط كون العضّ في موضع الحلقوم في الحلّية، جاز أنْ نتمسك بإطلاق الآية ونقول بعدم الاشتراط؛ لأنّ الآية كانت بصدد بيان هذه الجهة -أي الحلّية- ولم تذكر هذا القيد. بخلاف ما لو شككنا في طهارة موضع العضّ، فلا يصح أنْ نتمسك بالآية لإثبات الطهارة؛ لعدم كون الآية بصدد بيان هذه الجهة.
وأما إذا كان المتكلم في مقام البيان من جهاتٍ عدة، فيجوز التمسك بإطلاق كلامه فيها جميعاً. أمثال الروايات الواردة في بيان خصوصيات الواجبات والمحرمات ونحوهما.
وذكر السيد الخوئي: أنّ المراد من كونه في مقام البيان، ليس كونه في مقام البيان من جميع الجهات؛ ضرورة أنّ مثل ذلك لم يتفق في الآيات والروايات، ولو اتفق لكان نادراً، بل المراد أنْ يلقي كلامه على نحو ينعقد له ظهور في الإطلاق، ويكون حجة على المخاطب على سبيل القاعدة(٤).
أما الوظيفة في صورة الشك فيما لو شككنا في أنّ المتكلم في مقام البيان أو لا؟ فالمعروف والمشهور بين الأصوليين هو: استقرار بناء العقلاء على حمل كلام
______________________________
(١) ظ: الخراساني، محمد كاظم، كفاية الأصول: ٢٤٧ والكاظمي، محمد علي، فوائد الأصول:١- ٢ / ٥٧٢ والفياض، محاضرات في أصول الفقه: ٥/٣٦٤.
* أي عدم ملاحظة شيء من الخصوصيات المتعينة معها، ظ: الفياض، محاضرات في أصول الفقه: ٥ /٣٦٦.
(٢) البقرة: ١١٠.
(٣) المائدة: ٤.
(٤) ظ: الجواهري، محمد تقي، غاية المأمول: ١/٦٩٥ والفياض، محاضرات في أصول الفقه: ٥/٣٦٤.
( ٩٤ )
المتكلم على كونه في مقام البيان(١)؛ ولذلك قالوا: الأصل في كل كلامٍ صادرٍ عن متكلم هو كونه في مقام البيان، ولكن خصّ السيد الخوئي ذلك بما إذا كان الشك في أصل كون المتكلم في مقام البيان، لا في الشك في سعته وضيقه(٢) كما في آية ﴿... فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ...﴾(٣).
المقدمة الثالثة: عدم وجود قرينة على التقييد:
اعتمد السيد الخوئي هذه المقدمة، وهي ألّا يأتي المتكلم بقرينةٍ لا متصلة ولا منفصلة وإلا فلا يمكن التمسّك بإطلاق كلامه؛ لوضوح أنّ إطلاقه في مقام الإثبات إنّما يكشف عن الإطلاق في مقام الثبوت إذا لم ينصب قرينةً على الخلاف، وأمّا مع وجودها، فإنْ كانت متصلةً فهي مانعة عن أصل انعقاد الظهور، وإنْ كانت منفصلةً فالظهور وإنْ انعقد إلا أنّها تكشف عن أنّ الإرادة الاستعمالية لا تطابق الإرادة الجدّية، وأمّا إذا لم يأت بقرينةٍ كذلك فيثبت لكلامه إطلاق كاشف عن الإطلاق في مقام الثبوت؛ لتبعيّة مقام الإثبات لمقام الثبوت؛ ضرورة أنّ إطلاق الكلام أو تقييده في مقام الإثبات معلول لإطلاق الإرادة أو تقييدها في مقام الواقع والثبوت(٤).
وتبنّى هذه المقدمة أيضاً المحقّقان الآخوند والعراقي والشيخ محمد رضا المظفر(٥).
المقدمة الرابعة: اشتراط عدم وجود القدر المتيقن في مقام التخاطب:
إنّ المحقق الآخوند الخراساني وتلميذه المحقق العراقي اشترطا في تحقق الإطلاق ألّا يكون هناك قدر متيقن في مقام التخاطب والمحاورة؛ لأنّه يكون بمنزلة القرينة اللفظية على التقييد، فلا ينعقد للفظ ظهور في الإطلاق مع فرضوجوده؛ وذلك لأنّ كون المتكلم في مقام البيان يتصور على نحوين:
١- أنْ يكون المتكلم بصدد بيان تمام موضوع حكمه، بأنْ يتوقف غرض المتكلم على أنْ يبين للمخاطب ويفهمه إنّ ما ذكره ما هو تمام الموضوع.
______________________________
(١) ظ: الطباطبائي، محمد رضا، تنقيح الأصول: ١٨٤ والحائري، عبد الكريم، درر الفوائد: ٢/٥٩١ والكاظمي، محمد علي، فوائد الأصول: ١- ٢/ ٤٨٣.
(٢) ظ: الفياض، محاضرات في أصول الفقه: ٥/٣٦٧.
(٣) المائدة:٤.
(٤) ظ: بحر العلوم، علاء الدين، مصابيح الأصول: ٢/١٧١ والجواهري، محمد تقي، غاية المأمول: ١/ ٦٩٨ والفياض، محاضرات في أصول الفقه: ٥ / ٣٦٧.
(٥) ظ: كفاية الأصول:٢٤٧ والبروجردي، محمد تقي، نهاية الأفكار: ١- ٢/ ٥٦٧ وأصول الفقه: ١/ ٢٣٨.
( ٩٥ )
٢- أنْ يكون المتكلم بصدد بيان تمام موضوع الحكم واقعاً، ولو لم يفهم المخاطب أنّه تمام الموضوع. فعلى الأول لا يضر وجود القدر المتيقن في مقام المحاورة والتخاطب في الأخذ بإطلاق الكلام؛ لأنّه لو كان مراد المتكلم القدر المتيقن لوجب عليه بيانه؛ إذ أنّه في مقام بيان تمام موضوع الحكم، والإتكال على القدر المتيقن لبيان أنّه تمام الموضوع، إخلال بالغرض؛ لأنّه لا يفي به. وعلى الثاني يضرّ وجود القدر المتيقن؛ لأنّ المتكلم بصدد بيان تمام موضوع الحكم واقعاً لكن لا بوصف التمامية، والقدر المتيقن هو تمام الموضوع وإنْ لم يعلم المخاطب بأنّه كذلك. وبناءً على ذلك لو لم يكن القدر المتيقن هو تمام الموضوع عند المتكلم لكان اللّازم عليه بيانه، وحيث لم يبيّنه علم أنّه تمام الموضوع، وعندئذٍ لا ينعقد للكلام إطلاق. والأصل في كل متكلم أنْ يكون كلامه على النحو الثاني، فإذن: يضر القدر المتيقن في انعقاد الإطلاق في كلام كل متكلم، إلا أنْ يعلم أنّ كلامه على النحو الأول. ومثال ذلك: ما لو قال الأب لولده: «اشتر اللحم»، وكان القدر المتيقن في مقام المحاورة والتخاطب هو لحم الغنم، فيجوز للأب أنْ يتّكل على هذا القدر المتيقن، لأنّ غرضه شراء لحم الغنم، وهو يعلم أنّ ولده يذهب لشرائه بمجرد قوله: «اشتر اللحم»، فلو أراد يوماً لحماً غير لحم الغنم لوجب عليه بيانه(١).
ولكنّ المحقق النائيني ناقش هذه المقدمة: بأنّ القدر المتيقن في مقام التخاطب لا أثر له ولا يمنع من انعقاد الإطلاق(٢)، وتبعه في هذه المناقشة كلٌ من: السيد الخوئي، والسيد محمد باقر الصدر(٣).
المناقشة
ناقش السيد الخوئي هذه المقدمة بأنّه: تارة يقصد المحقق الخراساني من القدر المتيقن، القدر المتيقن الخارجي يعني أنّه متيقن بحسب الإرادة خارجاً من جهة القرائن منها مناسبة الحكم والموضوع. ومن الواضح أنّ مثل هذا المتيقن لا يمنع عن التمسك بالإطلاق؛ ضرورة أنّه لا يخلو مطلق في الخارج عن ذلك الّا نادراً فلو قال المولى: (أكرم عالماً) فإنّ المتيقن منه هو العالم الورع التقي؛ إذ لا يحتمل أنْ يكون المراد منه غيره، وأما احتمال أنْ يكون المراد منهذلك دون غيره فهو موجود، ومن هذا القبيل قوله تعالى: ﴿... وأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ...﴾(٤) فإنّ القدر المتيقن منه هو البيع الموجود بالصيغة العربية الماضوية، إذ لا يحتمل أنْ يكون المراد منه غيره.
______________________________
(١) ظ: كفاية الأصول: ٢٤٧ والبروجردي، نهاية الأفكار: ١- ٢/ ٥٦٧.
(٢) ظ: الكاظمي، فوائد الأصول:١- ٢/٥٧٢.
(٣) ظ: الفياض، محاضرات في أصول الفقه: ٥ / ٣٦٨ والهاشمي، محمود، بحوث في علم الأصول: ٣ / ٤٢٥.
(٤) البقرة: ٢٧٥.
( ٩٦ )
وأخرى يريد به القدر المتيقن بحسب التخاطب، وهذا هو مراد صاحب الكفاية دون الأول، وقد ادعى منعه عن التمسك بالإطلاق، ولكن الظاهر أنّه لا يمكن المساعدة على هذه الدعوى؛ لأنّ المراد بالقدر المتيقن بحسب التخاطب هو أنْ يفهم المخاطب من الكلام الملقى إليه أنّه مراده جزماً. ومنشأ ذلك أمور: عمدتها كونه واقعاً في مورد السؤال، ولكن الكلام إنّما هو في منعه عن التمسك بالإطلاق والظاهر أنّه غير مانع عنه. والسبب فيه أنّ ظهور الكلام في الإطلاق قد انعقد، ولا أثر له من هذه الناحية. ومن الطبيعي أنّه لا يجوز رفع اليد عن الإطلاق ما لم تقم قرينة على الخلاف، ولا قرينة في البين، أما القرينة المنفصلة فهي مفروضة العدم وأما القرينة المتصلة فهي أيضاً كذلك بعد فرض أنّ القدر المتيقن المذكور لا يصلح أنْ يكون مانعاً عن انعقاد الظهور في الإطلاق. وعليه فلا مناص من التمسك به، وبما أنّ مقام الإثبات تابع لمقام الثبوت فالإطلاق في الأول الكاشف عنه كاشف عن الإطلاق في الثاني، ولذا لو سُئل عن مجالسة شخصٍ معينٍ في الخارج وأجيب بعدم جواز مجالسة الفاسق لم يحتمل بحسب الفهم العرفي اختصاصه بذاك الشخص المعين في الخارج فلا محالة يعمّ غيره أيضاً(١).
المقدمة الخامسة: قابلية الموضوع للإطلاق والتقييد:
لم يعتمد السيد الخوئي هذه المقدمة ولم يتعرّض إليها(٢)، وذكرها المحقق النائيني والشيخ المظفر، وهي تبتني على القول بأنّ التقابل بين الإطلاق والتقييد من نوع تقابل الملكة وعدمها كالعمى والبصر، فإنّ الأعمى إنّما يصدق على مَنْ أمكن في حقه صدق البصير كالإنسان، ولا يصدق على مثل الحائط الذي لا يصدق في حقه عنوان البصير. فكذا الإطلاق، فإنّه إنّما يصدق فيما أمكن فيه التقييد، وأما إذا لم يمكن التقييد فلا يمكن الإطلاق أيضا، ولكنّ المحقق النائيني والشيخ محمد رضا المظفر صرّحا بأنّ هذه المقدمة لا تُعد من مقدمات الحكمة بل هي محققة لموضوع الإطلاق والتقييد(٣).
يبدو مما تقدم أنّ مقدمات الحكمة التي اعتمدها السيد الخوئي هي:
١- أنْ يكون المتكلم متمكناً من التقييد وعدمه.
٢- أنْ يكون المتكلم في مقام البيان.
٣- عدم إتيان المتكلم بقرينة متصلة أو منفصلة.
______________________________
(١) ظ: بحر العلوم، علاء الدين، مصابيح الأصول: ٢/١٧٣- ١٧٤ والجواهري، محمد تقي، غاية المأمول: ١/ ٦٩٨ والفياض، محاضرات في أصول الفقه: ٥ / ٣٧٠ - ٣٧٢.
(٢) ظ: الفياض، محاضرات في أصول الفقه: ٥ / ٣٦٤ - ٣٧٠.
(٣) ظ: الكاظمي، فوائد الأصول: ١- ٢/٥٧٢ وأصول الفقه: ١/ ٢٣٨.
( ٩٧ )
وقد ناقش المقدمتين: الرابعة والخامسة ولم يعتمدهما، أما المحقق النائيني فقد اعتمد على مقدمتين فقط من مقدمات الحكمة: هما الثانية والثالثة.
ذهب مشهور الأصوليين قبل سلطان العلماء (ت:١٠٦٤هـ) إلى أنّ التقابل بين الإطلاق والتقييد يكون من قبيل تقابل التضاد؛ لأنّ كلاً منهما أمر وجودي يمتنع اجتماعه مع الآخر في موضوعٍ واحد، وأما على تقدير خروج الإطلاق عن الموضوع له كما ذهب إليه سلطان العلماء (ت: ١٠٦٤هـ)(١) ومن تبعه من المحققين المتأخرين فلا محالة يكون الإطلاق أمراً عدمياً أي عدم التقييد(٢)، ولذا اختلفت أقوال الأصوليين في التقابل بين الإطلاق والتقييد إلى أقوال عدّة، وهي:
الأول: تقابل النقيضين
ذهب إلى هذا الرأي المحقق العراقي إذ قال: (إنّ جعل التقابل بين الإطلاق والتقييد مطلقاً من باب تقابل التضاد أو العدم والملكة منظور فيه، لأنّ ما به قوام هذا الإطلاق هو عدم لحاظ التقييد ولو من جهة استحالته فيكون التقابل بينهما من باب الإيجاب والسلب محضاً، قبال الإطلاق والتقييد اللحاظي الراجع فيه التقابل إلى تقابل التضاد أو العدم والملكة)(٣).
وهذا التقابل بين الإطلاق والتقييد هو عبارة أخرى عن تقابل النقيضين وإنْ عبّر عنه المحقق العراقي بتقابل السلب والإيجاب، وعليه إذا أمكن إطلاق أحد اللفظين المتناقضين على شيءٍ استحال إطلاق نقيضه عليه(٤)؛ ويترتب على ذلك أنّه إذا أمكن الإطلاق في لفظٍ استحال التقييد؛ لاستحالة ارتفاع النقيضين.
وقد اختار هذا القول السيد محمد باقر الصدر معللاً ذلك بقوله: (لأنّ الإطلاق نريد به الخصوصية التي تقتضي صلاحية المفهوم للانطباق على جميع الأفراد، وهذه الخصوصية يكفي فيها مجرد عدم لحاظ أخذ القيد الذي هو نقيض للتقييد؛ لأنّ كل مفهومٍ له قابلية ذاتية للانطباق على كلّ فردٍ يحفظ فيه ذلك المفهوم، وهذه القابلية تجعله صالحاً لإسراء الحكم الثابت له إلى أفراده شمولياً أو بدلياً، وهذه القابلية
______________________________
(١) ذكر ذلك في حاشيته على معالم الدين، ظ: العاملي، حسن ابن الشهيد الثاني، معالم الأصول (معالم الدين وملاذ المجتهدين) بحاشية سلطان العلماء: ٢٠٨.
(٢) ظ: الخوئي، أبو القاسم، أجود التقريرات:١/ ٥٢٠ والحكيم عبد الصاحب، منتقى الأصول، تقريرات أبحلث محمد الحسيني الروحاني: ٢ / ٤٣٠.
(٣) ظ: البروجردي، محمد تقي، نهاية الأفكار: ٣/ ١٧.
(٤) ظ: الحسيني، جعفر، معجم مصطلحات المنطق: ٩٦.
( ٩٨ )
بحكم كونها ذاتية لازمة له ولا تتوقف على لحاظ عدم أخذ القيد، ولا يمكن أنْ تنفك عنه، والتقييد لا يفكّك بين هذا اللّازم وملزومه، وإنّما يحدث مفهوماً جديداً مبايناً للمفهوم الأول - لأنّ المفاهيم كلها متباينة في عالم الذهن حتى ما كان بينهما عموم مطلق في الصدق - وهذا المفهوم الجديد له قابلية ذاتية أضيق دائرة من قابلية المفهوم الأول، وهكذا يتضح أنّ الإطلاق يكفي فيه مجرد عدم التقييد)(١).
وقد ذهب إلى هذا الرأي الشيخ الفياض أيضا إذ قال: (إنّ الرأي القائل بأنّ التقابل بين الإطلاق والتقييد من تقابل الإيجاب والسلب، هو الرأي الصحيح الموافق للطبع الأولي والوجدان العقلي، والنكتة في ذلك: أنّ انطباق الطبيعة على تمام أفرادها من العرضية والطولية وسريانها إليها بمختلف أشكالها وأصنافها ذاتي وقهري ولا يتوقف على أي عنايةٍ زائدةٍ غير عدم لحاظ القيد فيها الذي هو نقيض لحاظ القيد، فلذلك يكون التقابل بينهما من تقابل الإيجاب والسلب لا العدم والملكة ولا التضاد)(٢).
الثاني: تقابل العدم والملكة
ذهب إلى هذا الرأي الشيخ النائيني مبيّناً: أنّ الإطلاق إنّما يستفاد حينئذٍ من مقدمات الحكمة، وليس نفس اللفظ متكفلاً له -كما هو مقالة من يقول: بأنّ التقابل بينهما تقابل التضاد، وعليه يُبتنى كون التقييد مجازاً- ومن مقدمات الحكمة عدم بيان القيد مع أنّ المتكلم كان بصدد البيان، وأنّ هذه المقدمة إنّما تصح فيما إذا أمكن بيان القيد حتى يُستكشف من عدم بيانه عدم اعتباره، لا فيما إذا لم يمكن ذلك، فإنّ عدم بيان ذلك إنّما يكون لعدم إمكانه لا لعدم اعتباره.
بل لو قلنا: إنّ التقابل بين الإطلاق والتقييد هو التضاد - كما هو مسلك منتقدّم* على سلطان العلماء (ت: ١٠٦٤هـ) - كان الأمر كذلك، فإنّ الإطلاق يكون حينئذ عبارة عن الإرسال والتساوي في الخصوصيات، وهذا إنّما يكون إذا أمكن التقييد بخصوصيةٍ خاصة، وإلّا فلا يمكن الإرسال(٣).
وعلى هذا الرأي يكون الإطلاق أمر عدمي والتقييد أمر وجودي.
وذهب إلى هذا القول السيد حسين البروجردي والشيخ محمد رضا المظفر والسيد محمد جعفر الشوشتري(٤).
______________________________
(١) الصدر، محمد باقر، دروس في علم الأصول (الحلقة الثانية): ٢/ ٨٣.
(٢) محمد إسحاق، المباحث الأصولية: ٣/ ٢٩٧ - ٢٩٩.
* لم أعثر على القائلين بهذا القول ممّن تقدّم على سلطان العلماء.
(٣) ظ: الخوئي، أبو القاسم، أجود التقريرات: ١/ ١٠٣ والكاظمي، فوائد الأصول: ١ - ٢ / ١٥٥.
(٤) ظ: المنتظري، حسين، نهاية الأصول، تقريرات أبحاث حسين البروجردي: ٣٣١ وأصول الفقه: ١ / ٢٢٥ والشوشتري، محمد جعفر، منتهى الدراية: ٣ / ٧٦٨.
( ٩٩ )
مناقشة الخوئي للنائيني
إنّ التقابل بين الإطلاق والتقييد ليس من تقابل العدم والملكة، وإنْ أصرّ عليه المحقق النائيني وإنّما هو من تقابل التضاد، فإنّ معنى الإطلاق ليس هو الجمع بين القيود ولحاظها بأجمعها، بل معناه رفض القيود برمّتها وعدم دخالة شيءٍ من الخصوصيات في متعلق الحكم بحيث لو أمكن بفرض المحال وجود الطبيعة معرّاة عن كل خصوصية لكفى، فالحاكم إما أنْ يلحظ القيد أو يرفضه ولا ثالث، وعلى تقدير تسليم كونه من تقابل العدم والملكة فالأمر أيضا كذلك. أي لا ملازمة بين الأمرين، وإنْ اُعتبرت معه قابلية المحل فإنّ قابلية كل شيءٍ بحسبه، والقابلية الملحوظة هنا نوعية لا شخصية وإلّا لإتّجه النقض في موارد عدّة مثل: العلم والجهل، والغنى والفقر، والقدرة والعجز، فإنّ التقابل بين هذه الأمور من العدم والملكة مع أنّ استحالة بعضها تستلزم ضرورة الآخر، فإنّ علمنا بذات الباري مستحيل والجهل به ضروري، وغنانا عنه تعالى مستحيل والفقر ضروري، كما أنّ القدرة على الطيران إلى السماء مستحيل والعجز ضروري(١).
الثالث: تقابل التضاد بتفصيلٍ بين مقامي الإثبات والثبوت
وهو رأي السيد الخوئي القائل: بأنّ التقابل بين الإطلاق والتقييد تقابل التضاد ولكن بتفصيلٍ بين مقامي الإثبات والثبوت:
أما في مقام الإثبات: فلا ينبغي الشك في أنّ التقابل بينهما من تقابل العدم والملكة؛ وذلك لأنّ الإطلاق في هذا المقام: عبارة عن عدم التقييد بالإضافة إلى ما هو قابل له، كما إذا فرض أنّ المتكلم في مقام البيان وهو متمكن من الإتيان بالقيد ومع ذلك لم يأت به فعندئذٍ تحقق إطلاق لكلامه، ومن الطبيعي أنّ مردّ هذا الإطلاق ليس إلّا إلى عدم بيان المتكلم القيد، فالإطلاق في هذا المقام ليس أمرا وجوديا، بل هو أمر عدمي. وهذا بخلاف التقييد فإنّه أمر وجودي وعبارة عن خصوصيةٍ زائدةٍ في الموضوع أو المتعلّق.
وعلى الجملة: فالمتكلم إذا كان في مقام البيان فإنْ نَصَبَ قرينةً على اعتبار خصوصيةٍ زائدةٍ فيه فلا إطلاق لكلامه من هذه الناحية، وإنْ لم ينصب قرينة على اعتبارها فله إطلاق، ولا مانع من التمسك به، ومنه يستكشف الإطلاق في مقام الثبوت، ومن الواضح أنّ الإطلاق بهذا المعنى أمر عدمي، كما أنّ التقييد المقابل له أمر وجودي.
فالنتيجة: إنّ استحالة التقييد في هذا المقام تستلزم استحالة الإطلاق، وبالعكس.
______________________________
(١) ظ: الخوئي، أبو القاسم، أجود التقريرات: ١/ ١٠٣ والبروجردي، مرتضى، مستند العروة الوثقى، كتاب الصوم، تقريرات أبحاث أبي القاسم الخوئي:١/ ٤٨١.
( ١٠٠ )
وأما في مقام الثبوت: فالمقابلة بينهما مقابلة الضدين لا العدم والملكة؛ وذلك لأنّ الإطلاق في هذا المقام: عبارة عن رفض القيود والخصوصيات، ولحاظ عدم دخل شيءٍ منها في الموضوع أو المتعلق، والتقييد: عبارة عن لحاظ دخل خصوصية من الخصوصيات في الموضوع أو المتعلق، ومن الطبيعي أنّ كلاً من الإطلاق والتقييد بهذا المعنى أمر وجودي.
وبيان ذلك: إنّ الخصوصيات والانقسامات الطارئة على الموضوع أو المتعلق سواء أكانت تلك الخصوصيات من الخصوصيات النوعية أم الصنفية أم الشخصية فلا تخلو: من أنْ يكون لها دخل في الحكم والغرض، أو لا يكون لها دخل فيه أصلاً، ولا ثالث لهما. فعلى الأول بطبيعة الحال يتصور المولى الموضوع أو المتعلق مع تلك الخصوصية التي لها دخل فيه، وهذا هو معنى التقييد. وعلى الثاني فلا محالة يتصور الموضوع أو المتعلق مع لحاظ عدم خصوصيةٍ من هذه الخصوصيات ورفضها تماماً، وهذا هو معنى الإطلاق. ومن الطبيعي أنّ النسبة بين اللحاظ الأول واللحاظ الثاني نسبة التضاد، فلا يمكن اجتماعهما في شيءٍ واحدٍ من جهةٍ واحدةٍ(١).
وقد انتهى السيد الخوئي إلى نتيجةٍ من بحثه المتقدم جعلها في نقاطٍ عدّة:
الأولى: إنّ التقابل بين الإطلاق والتقييد في مقام الثبوت هو تقابل الضدين، لا العدم والملكة كما هو مختار المحقق النائيني.
الثانية: إنّنا لو افترضنا أنّ التقابل بينهما تقابل العدم والملكة لا التضاد إلّا أنّ ما أفاده الشيخ النائيني: من أنّ استحالة التقييد تستلزم استحالة الإطلاق خاطيء، وذلك لأنّها تقوم على أساس اعتبار القابلية الشخصية في العدم والملكة، ولكن القابلية المعتبرة أعم من أنْ تكون شخصية أو صنفية أو نوعية.
الثالثة: إنّ استحالة التقييد بشيءٍ تستلزم ضرورة الإطلاق أو التقييد بغيره، لاستحالة الإهمال في الواقع(٢).
وأشار السيد الخوئي إلى نقطة الامتياز بين رأيه ورأي النائيني في المسألة، وهي: إمكان التمسك بالإطلاق على الأول، وعدم إمكانه على الثاني. هذا إذا كان هناك إطلاق. وأما إذا لم يكن فالأصل العملي يقتضي البراءة؛ وذلك لأنّ تعلّق الوجوب بالجامع معلوم، وإنّما الشك في تعلقه بخصوص الحصة المقدورة. ومن الطبيعي أنّ المرجع في ذلك هو أصالة البراءة عن وجوب خصوص تلك الحصة(٣).
ويترتب على ما تقدم أنّه: إذا كانت دلالة أحد الدليلين بالوضع والآخر بالإطلاق فإنّ ما بالوضع يتقدم على غيره ويكون بياناً له؛ لأنّ المطلق يتوقف على جريان
______________________________
(١) ظ: الفياض، محاضرات في أصول الفقه: ٢/ ١٧٢ - ١٧٣.
(٢) ظ: المصدر نفسه: ٢/١٧٩.
(٣) ظ: الفياض، محاضرات في أصول الفقه: ٢ /١٧٩.
( ١٠١ )
مقدمات الحكمة فيه التي من جملتها عدم البيان والعام يصلح أنْ يكون بياناً له فيقدّم عليه(١).
ومما ينبغي أن يُشار إليه أنّ السيد محمد صادق الروحاني قد تبنّى رأي السيد الخوئي بالتفصيل المتقدم(٢).
ذكر السيد الخوئي: إنّ الترجيح بالكتاب إنّما هو فيما إذا كانت دلالة الكتاب دلالةً لفظية، وأما إذا كانت الدلالة بالإطلاق فقاعدة الترجيح بالكتاب غير جاريةٍ؛ إذ ليس ذلك مدلولاً لفظياً للكتاب؛ لأنّ الإطلاق مستفاد من قيد عدمي، والعدمي ليس من القرآن ليكون مرجعاً أو مرجّحاً لأحد الطرفين.
وهذا يعني أنّ مورد الرجوع إلى القرآن والترجيح به إنّما هو فيما إذا كان عدم العمل بالقرآن منافياً للظهور اللفظي بحيث يصدق أنّه قال الله تعالى كذا في الكتاب، وهذا المعنى لا يصدق على مجرد الإطلاق المستفاد من مقدمات الحكمة(٣).
بيان ذلك: إنّ الإطلاق ليس لفظاً وكلاماً حتى يكون كتاباً أو سنّة، بل هو دلالة ناشئة إما عن السكوت في مقام البيان، أو عن مقدمات الحكمة، ويترتب على ذلك أمور:
الأول: إنّ الرواية المخالفة لإطلاق الكتاب لا تكون مشمولةً للرواية الدالة على أنّ المخالف للكتاب زخرف أو باطل باعتبار أنّ عنوان المخالف له لا ينطبق عليها، لأنّ الإطلاق ليس مدلولاً للفظ لكي يكون المخالف له مخالفاً للكتاب، بل مخالف لحكم العقل.
الثاني : إنّ الروايتين المتعارضتين إذا كانت أحداهما موافقة لإطلاق الكتاب والأخرى مخالفة له فلا تكونا مشمولتين للروايات الدالة على ترجيح الرواية الموافقة للكتاب على الرواية المخالفة له ؛ وذلك لأنّ إطلاق الكتاب ليس من الكتاب فلا تكون الرواية الموافقة له موافقةً للكتاب لكي تكون مشمولةً لها. الثالث : إنّ التعارض بين الروايتين إذا كان بالإطلاق فلا مجال للرجوع إلى مرجّحات باب المعارضة بل لا موضوع له ؛ فإنّ ما دلّ من النصوص على الترجيح بها إنّما هو في مورد كانت المعارضة بين مدلوليهما لفظاً، وأما إذا لم تكن معارضة بينهما وكانت بين إطلاقيهما فلا تصدق المعارضة بين الروايتين
______________________________
(١) ظ: المصدر نفسه: ٣/٣١٦، ٥/٢٩٦ والخوئي، أجود التقريرات: ١/ ٥١٣.
(٢) ظ: زبدة الأصول: ٣/٣٨.
(٣) ظ: الخلخالي، رضا، شرح العروة الوثقى كتاب الحج، تقريرات أبحاث أبي القاسم الخوئي: ٢/ ٢٠٣.
( ١٠٢ )
لكي تكون مشمولة لتلك النصوص، فمن أجل ذلك يسقط كلا الإطلاقين معاً من جهة المعارضة في المسألة، فالمرجع هو العام الفوقي إنْ كان، وإلّا فالمرجع حينئذٍ الأصل العملي (١).
مناقشة الصدر للخوئي
أشارالسيد محمد باقر الصدر (ت:١٤٠٠هـ) إلى أنّ ما ذكره السيد الخوئي في الإطلاق والأخبار العلاجية غير صحيح؛ إذ فضلاً عن عدم تمامية التفصيل المذكور بين العموم والإطلاق، فإنّ تطبيقه في المقام على موافقة السنّة قياساً على الكتاب في غير محله؛ إذ الإطلاق ومقدمات الحكمة في الكتاب لو سُلّم أنّه ليس قرآناً فلا ريب في أنّ الإطلاق في السنّة سنّة أيضاً إذ السنّة تعمّ القول والفعل والسكوت كما هو واضح(٢).
وناقش السيد الصدر مبنى السيد الخوئي: القائل بأنّ التقابل بين الإطلاق والتقييد هو من تقابل التضاد مبنيٌ على أنّ الإطلاق واللّا بشرط القسمي عبارة عن لحاظ عدم القيد كما أنّ التقييد عبارة عن لحاظ دخله فهما أمران وجوديان لا يجتمعان وهو معنى التضاد(٣).
وبيّن السيد الصدر أنّ الصحيح هو أنّ اللّا بشرط القسمي لا يمكن جعله من أقسام لحاظ الماهية في التعقل الأول؛ لأنّه لو كان المقصود لحاظ أنّ القيد غير دخيلٍ في ترتب الحكم على الماهية فإنّه يرد عليه:
أولاً: إنّ هذا أجنبي عن محل الكلام بالمرة؛ فإنّ محل الكلام عن اعتبارات الماهية في نفسها وبقطع النظر عن كيفية ترتّب الحكم عليها.
وثانياً: إنّ لحاظ عدم دخل القيد مستدرك حتى في مقام ترتب الحكم، إذ من الواضح أنّ ترتب الحكم على تمام أفراد موضوعه من نتائج عدم لحاظ القيد لا من نتائج لحاظ عدم القيد، فإنّ الطبيعة في نفسها صادقة على كل أفرادها إذ لم يلحظ معها قيد.
ولو كان القصد لحاظ عدم تقييد الماهية بما هي هي وبقطع النظر عن ثبوت حكم لها فحينئذٍ نسأل ما المقصود من لحاظ عدم التقييد؟ فلو كان المقصود التصديق بأنّ هذه الماهية التي تصورناها قد وجدت في ذهننا غير مقيدة، فمن الواضح أنّ هذا خارج عن محل البحث، فإنّنا نتكلم عن أطوار اللحاظ التصوري للماهية مع أنّ اللحاظ التصديقي في طول اللحاظ التصوري، فكيف يمكن أنْ يكون من أطواره وبلحاظٍ واحد؟.
______________________________
(١) ظ:الفياض، المختصر في الحياة العلمية لزعيم الطائفة الخوئي: ٣٦.
(٢) ظ: شرح العروة الوثقى: ٣/١٧.
(٣) ظ: الهاشمي، محمود، بحوث في علم الأصول: ٣/ ٤٠٤.
( ١٠٣ )
ولو كان المقصود اللحاظ التصوري لعدم التقييد بأنّ يتصور مفهوم الإنسان الذي لم يقيد بالقيد وجوداً وعدماً فمن الواضح أنّ هذا يكون من التعقّل الثاني لا من التعقّل الأول فإنّ دخل القيد وعدم دخله من شؤون الملحوظ فهو في طول أصل اللحاظ فيكون من التعقل الثاني(١).
مناقشة الفياض للخوئي
ردّ الشيخ الفياض ما ذكره السيد الخوئي: من أنّ الإطلاق بما أنّه غير داخلٍ في مدلول اللفظ وأنّ الحاكم به إنّما هو العقل ببركة مقدمات الحكمة فلا يكون مدلولاً للكتاب فلا تصدق على موافقته موافقة الكتاب، ولا على مخالفته مخالفة الكتاب حتى تكون مرجحة(٢).
وجاء ردّه بقوله: (إنّ الإطلاق عبارة عن الظهور التصديقي للكلام المنعقد بسبب تمامية مقدمات الحكمة فتكون المقدمات حيثية تعليلية له. وإنْ شئت قلت: إنّ الإطلاق ليس مدلولاً لحكم العقل ومقدمات الحكمة، بل المقدمات منشأ لظهور اللفظ فيه، على أساس أنّها عبارة عن تحليل حال المتكلم في مقام كشف تمام مراده من كلامه الصادر منه، وهي كونه شاعراً وملتفتاً وفي مقام البيان ولم ينصب قرينة على تقييد الحكم فيه بحصةٍ خاصة، فإنّ مجموع ذلك بما هو المجموع يوجب ظهور كلامه في الإطلاق، أي ثبوت الحكم للمطلق لا لحصةٍ خاصة فيكون الإطلاق مدلولاً للفظ مباشرة، ويكون منشأه مقدمات الحكمة لا أنّه مدلول لها، فإذن ليس الإطلاق عبارة عن السكوت في مقام البيان وعدم ذكر القيد، فإنّه منشأ له لا أنّه عينه، كما هو الحال في العام الوضعي، فإنّ دلالته على المدلول التصوري مستندة إلى الوضع، وأما دلالته على المدلول التصديقي فلا تكون مستندة إليه، بل هي مستندة إلى ظهور حال المتكلم الناشيء من سكوته عن الإتيان بمخصصٍ متصلٍ وإنْ كانت دلالته أقوى من دلالة المطلق لدى العرف، باعتبار أنّ سكوته فيه بمثابة عدم المانع عنها، وأما في المطلق فهو بمثابة المقتضى لها. فالنتيجة أنّه لا شبهة في أنّ الإطلاق مدلول لنظر كالعموم، فلا فرق بينهما من هذه الناحية)(٣).
وقال الشيخ الفياض أيضاً في موضع آخر: (إنّ الإطلاق وإنْ كان يثبت بمعونة مقدمات الحكمة إلّا أنّ ذلك لا يوجب كون الإطلاق مدلولاً عقلياً لا لفظياً؛ وذلك لأنّ الإطلاق لدى العرف عبارة عن ظهور اللفظ في معنى بلا قيدٍ، غاية الأمر أنّ ظهوره فيه لا يمكن أنْ يكون بلا سببٍ ومنشأ، فالسبب له قد يكون هو الوضع كما في ظهور العام في العموم أو نحوه، وقد يكون مقدمات الحكمة، فمقدمات الحكمة تؤهل اللفظ للدلالة على الإطلاق والظهور فيه. لا أنّه مدلول المقدمات
______________________________
(١) ظ: الهاشمي، محمود، بحوث في علم الأصول: ٣/ ٤٣١.
(٢) ظ: الخلخالي، رضا، شرح العروة الوثقى، كتاب الحج: ٢/ ٢٠٣.
(٣) الفياض، تعاليق مبسوطة: ٧ / ٢٠٩و ظ: الأراضي: ٢٢٨.
( ١٠٤ )
نفسها، كما أنّ الوضع يؤهل اللفظ للدلالة على العموم. فتكون النتيجة: إنّ الإطلاق مدلول اللفظ كالعموم، ونسبة الإطلاق إلى مقدمات الحكمة بنكتة أنّها حيثية تعليلية له كالوضع الذي هو حيثية تعليلية لدلالة اللفظ على المعنى الموضوع له. فإذن مخالفة إطلاق الكتاب مخالفة له، ومشمولة لما دل على أنّ المخالف للكتاب باطل وغير معتبر)(١).
ويرى الباحث: إنّ مناقشة الشيخ الفياض غير تامةٍ؛ لشهادة الوجدان بأنّ الألفاظ المطلقة وإنْ كانت ألفاظ بالبداهة ولكن مدلولها عقلي؛ للاعتماد فيها على مقدمات الحكمة وهي عقلية، ولازم كلامه عدم تقديم العام على الإطلاق في حالات التعارض؛ لأنّ كليهما مدلول لفظي، وهذا خلاف ما يلتزم به الأصوليون من تقديم العام على الإطلاق في حالات التعارض.
أما قوله: إنّ الإطلاق لدى العرف عبارة عن ظهور اللفظ في معنى بلا قيدٍ، فهذا صحيح ولكن نظر العرف بما هم عقلاء، فلا تخرج دلالة الإطلاق عن الدلالة العقلية.
وممّا ينبغي أنْ يُشار إليه أنّ مختار السيد الخوئي في المقام مطابق لمختار استاذه المحقق النائيني في التطبيقات الفقهية، وذلك فيما إذا تعارض العام الأصولي والإطلاق الشمولي ودار الأمر بين تقييد المطلق أو تخصيص العام؛ والسبب في ذلك أنّ شمول العام الأصولي لمورد الاجتماع أظهر من شمول المطلق له؛ لأنّ شمول العام لمادة الاجتماع يكون بالوضع وشمول المطلق له يكون بمقدمات الحكمة، ومن
جملتها عدم ورود ما يصلح أنْ يكون بياناً للتقييد، والعام الأصولي يصلح لأنْ يكون بياناً لذلك، فلا تتم مقدمات الحكمة في المطلق الشمولي، ولا بدّ حينئذٍ من تقديم العام الأصولي وتقييد المطلق بما عدا مورد الاجتماع(٢).
يبدو مما تقدّم أنّ السيد الخوئي في مسألة التقابل بين الإطلاق والتقييد يذهب إلى القول بالتفصيل بين مقامي الإثبات والثبوت:
ففي مقام الثبوت: يرى أنّ التقابل بينهما تقابل الضدين.
أما في مقام الإثبات: فالتقابل بينهما تقابل العدم والملكة.
وتُعدّ هذه الإضافة إضافة أفقية على ما تبنّاه البحث في ضابط المدرسة؛ لأنّه أضاف رأياً جديداً في المقام وهو القول بالتفصيل.
بينما يرى المحقق النائيني أنّ التقابل بينهما تقابل العدم والملكة، ويرى المحقق العراقي والسيد الصدر والشيخ الفياض أنّ التقابل بينهما تقابل النقيضين.
______________________________
(١) الفياض، الأراضي: ٢٢٨.
(٢) ظ: الكاظمي، فوائد الأصول: ٤/ ٧٣٠.
( ١٠٥ )
وتبيّن أيضاً: إنّ مختار السيد الخوئي في المقام لم يسلم من المناقشات من قبل تلامذته. ولكنّه قد أضاف بياناً جديداً في المقام يؤكد على أنّ الإطلاق الثابت بمقدمات الحكمة ليس مدلولاً لفظياً، بل دلالة ناشئة عن مقدمات الحكمة وهي عقلية وليست لفظية، وبالتالي فالرواية المخالفة لإطلاق الكتاب لا تكون زخرفاً أو باطلاً؛ لأنّ عنوان المخالف له لا ينطبق عليها، لأنّ الإطلاق ليس مدلولاً للفظ لكي يكون المخالف له مخالفاً للكتاب، بل مخالف لحكم العقل.
وتُعد هذه الإضافة إضافة عمودية على ما تبنّاه البحث في ضابط المدرسة.
من معالم البحث الأصولي للسيد الخوئي هو أنّ القيد في القضية الوصفية يدل على المفهوم لكن لا بمعنى دلالته على انتفاء سنخ الحكم بانتفائه، بل بمعنى أنّه يدل على أنّ موضوع الحكم -أي الموصوف- في القضية الوصفية ليس هو الطبيعي
( ١٠٦ )
على نحو الإطلاق، بل حصة خاصة منه، على أساس ظهور القيد في الاحتراز، فلو لم يدل على التحصيص كان لغواً محضاً(١).
ومن أجل بيان هذا المسألة، ينبغي التعرّض لمعنى المفهوم وبيان المناط أو الضابط فيه، وبيان آراء الأصوليين في مفهوم الوصف، وبيان رأي السيد الخوئي فيه؛ ولذا انتظم المبحث في ثلاثة مطالب:
عرّف المفهوم بتعريفات عدّة:
١- ما دلّ عليه اللفظ لا في محلّ النطق، بأنْ يكون حكماَ لغير المذكور وحالاَ من أحواله، في مقابل المنطوق وهو: ما دلّ عليه اللفظ في محل النطق(٢).
٢- وعرّفه الشيخ مرتضى الأنصاري (ت: ١٢٨١هـ) بأنّه: حكمٌ اُفيد لغير المذكور، والمراد من غير المذكور هو الموضوع الذي سيق له الحكم(٣).
٣- وعرّفه المحقق النائيني بأنّه: المدرك العقلاني الذي يدركه العقل عند الالتفات إلى الشيء، وأشار إلى أنّ المراد من محل النطق وعدمه هو المدلول المطابقي والمدلول الالتزامي(٤).
أما المفهوم عند السيد الخوئي: (يُطلق على معنى يُفهم من اللفظ بالدلالة الالتزامية نظراً إلى العلاقة اللزومية البيّنة بالمعنى الأخص أو الأعم* بينه وبين المنطوق، فتكون دلالة اللفظ على المنطوق أولاً وبالذات وعلى المفهوم ثانياً وبالتبع)(٥).
أما ضابط المفهوم للكلام فإنّه يتوقف على ظهوره في أمرين:
الأول: ظهوره في دخل القيد المذكور في ترتّب الحكم على موضوعه، بمعنى عدم كون ذات الموضوع مجرّدةً عن القيد تمام الموضوع للحكم، بل تمام الموضوع للحكم هو الموضوع المقيّد بذلك القيد بما هو مقيّد.
______________________________
(١) ظ: الفياض، المختصر في الحياة العلمية لزعيم الطائفة الخوئي: ٤١.
(٢) ظ: الجصّاص، أحمد بن علي الرازي، الفصول في الأصول: ١/٢٨٩ والقمي، أبو القاسم، قوانين الأصول: ١٦٧ والرازي، محمد تقي، هداية المسترشدين: ٢/ ٤٠٩.
(٣) ظ: الطهراني، أبو القاسم الكلانتري، مطارح الأنظار: ٢/١٧.
(٤) ظ: الكاظمي، فوائد الأصول: ١- ٢ / ٤٧٦، ٤٧٨.
* لازم بيّن بالمعنى الأخص: ما يلزم من تصوّر ملزومه تصوره بلا حاجة إلى توسّط شيء آخر، مثل: زيد عادل، لازمه أنّه غير فاسق، أما اللازم البيّن بالمعنى الأعم: فهو ما يلزم من تصوره وتصور الملزوم وتصور النسبة بينهما الجزم بالملازمة، مثل: الإثنان نصف الأربعة، ظ: المظفر، محمد رضا، المنطق: ١٠٤.
(٥) الفياض، محاضرات في أصول الفقه: ٥/ ٥٥.
( ١٠٧ )
الثاني: ظهوره في كون القيد المذكور منحصراً في السببية، بأنْ يدل على عدم دخل شيءٍ آخر -غير القيد المذكور- في ترتّب الحكم على موضوعه.
وعمدة الملاك في ثبوت المفهوم للكلام هو الأمر الثاني، وعليه فكل خطابٍ وكلامٍ تحقق فيه هذا الملاك، بأنْ كان ظاهراً فيه يثبت له المفهوم وإلّا فلا(١).
وإلى ذلك أشار السيد عبد الأعلى السبزواري (ت: ١٤١٤هـ) وأنّ الضابط الكلي في تحقق المفهوم هي: تحقق العلية التامة المنحصرة لما ذُكر موضوعاً في المنطوق، فمع تحققها لا شبهة في تحقق المفهوم، ومع عدم العلية، أو عدم التمامية، أو عدم ثبوت العلية التامة المنحصرة لموضوع الحكم المذكور في المنطوق بالنسبة إليه وعدمه، فلا وجه للمفهوم أصلاً، واستظهار ذلك لا بدّ أنْ يكون من العرف والمحاورات(٢).
ويرى السيد الخوئي أنّ المناط في ثبوت المفهوم لقضيةٍ من دون أخرى هو رجوع القيد المذكور في القضية إلى الحكم من دون المادة، والقضايا الشرطية حيث إنّها ظاهرة في رجوع القيد إلى الحكم الثابت في الجزاء فلها مفهوم لا محالة، أمّا غيرها مثل: «أكرم عالماً عادلاً» أو «أكرم عالماً يوم الجمعة» أو «أكرم عالماً حال كونه راكباً» أو «أكرم عالماً في المسجد» وغير ذلك من القيود، فلا يدل على المفهوم، وأنّ الحكم منتفٍ بانتفاء القيد المأخوذ في موضوعه؛ إذ ظاهر هذه القضايا وأمثالها أنّ القيود راجعة إلى الموضوع لا إلى الحكم، وإلى المادة لا الهيئة(٣).
اختلف علماء الإمامية في مفهوم الوصف بين قائلٍ: إنّ للوصف مفهوماً(٤)، وبين قائلٍ: بعدم المفهوم للوصف، وهو رأي مشهور الأصوليين(٥)، وكذا
______________________________
(١) ظ: المازندراني، علي أكبر السيفي، بدائع البحوث في علم الأصول: ٢/١٥٧.
(٢) ظ: السبزواري، عبد الأعلى، تهذيب الأصول: ١/١٠٨.
(٣) ظ: الصافي، حسن، الهداية في الأصول: ٢ / ٢٨١.
(٤) ظ: الطوسي، محمد بن الحسن، العدّة في أصول الفقه: ٢/ ٤٦٧- ٤٧٤ والعاملي، محمد بن جمال الدين مكي (الشهيد الأول): ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة: ٢/ ٩٦ والعاملي، حسن بن زين الدين (ابن الشهيد الثاني)، معالم الدين وملاذ المجتهدين: ٨٢.
(٥) ظ: المرتضى، الشريف علي بن الحسين، الذريعة إلى أصول الشريعة: ٣٩٦، الحلي، جعفر بن الحسن المعروف بـ (المحقق الحلّي)، معارج الأصول: ٧٠ والحلّي، الحسن بن يوسف المعروف بـ (العلّامة الحلي)، نهاية الوصول إلى علم الأصول: ٦٣ وأصول الفقه: ١/١٧٢.
( ١٠٨ )
متأخري الأصوليين مثل المحقق العراقي والسيد أبي الحسن الأصفهاني والشيخ النائيني والشيخ المظفر:
فقد ذكر المحقق العراقي ما نصّه: (فالظاهر هو عدم ثبوت المفهوم لنحو هذه القضايا الوصفية بحسب طبعها ما لم يكن في البين قرينة عليه من حال أو مقال، إذ لا دلالة للقضية بطبعها على كون الحكم المعلق على الوصف هو السنخ كي يقتضي انتفائه عند انتفاء القيد، بل وإنما غايتها الدلالة على مجرد ثبوت الحكم للمقيد بنحو الطبيعة المهملة غير المنافي لثبوت فردٍ آخر مثله في غير مورد القيد، كما كان ذلك هو الشأن أيضا في القضايا اللقبية حيث لا فرق بينهما من هذه الجهة إلّا من جهة كون الموضوع في القضايا الوصفية عبارة عن أمرٍ خاص مقيد بقيدٍ خاص)(١).
وقال السيد أبو الحسن الأصفهاني (ت: ١٣٦٥هـ): (بعد تسليم كون تعليق الحكم على الوصف دليلاً على علية مأخذ الاشتقاق كون عليته بنحو الانحصار، بحيث لو دل دليل على ثبوت الحكم في غير مورد الوصف ممنوع، مثلا لو قال: «أكرم العالم» نفس تعليق الحكم عليه يدل على أنّ العلم له دخل في الإكرام بحيث لو قال: أكرم الجاهل لكان معارضا له، فلو كان مراد القائل بالمفهوم هذا المقدار فهو مسلّم، إلا أنّه ليس من باب المفهوم، بل من جهة عدم المقتضي للحكم، ولو كان مراده أنّه لو قال: «أكرم الشاعر» وانطبق عنوان الشاعر على الجاهل كان معارضاً ل: «أكرم العالم» فهو ممنوع، ففي المثال المذكور نقول بعدم وجوب إكرام الجاهل لا من جهة المفهوم، بل من جهة عدم ثبوت المقتضي لوجوب إكرامه، ولا نقول بعدم وجوب إكرام الجاهل الشاعر لو كان دليل على وجوب إكرام الشاعر، وبمعارضته مع أكرم العالم كما هو لازم قول من يدعي المفهوم، وأما التمسك للقول بالمفهوم بأنّ الأصل في القيد الاحترازية فهو أصل لا أصل له؛ إذ القيد يمكن أنْ يكون احترازياً وغير احترازي، وما وردت آية ولا رواية على أنّ الأصل في القيد الاحترازية)(٢).
أما المحقق النائيني فقد صرّح أنّ الحق هو عدم دلالة الوصف على المفهوم، بعد أنْ ذكر أنّ محل الكلام في المقام هو الوصف المعتمد على موصوفه، وبيّن حالات الوصف، أردف ذلك بقوله: (فدلالة الوصف على المفهوم تتوقف على كونه قيداً لنفس الحكم لا لموضوعه ولا لمتعلقه وبما أنّ الظاهر في الأوصاف أنْ تكون قيوداً للمفاهيم الأفرادية يكون الأصل فيها عدم الدلالة على المفهوم كما هو الحال في اللقب عيناً غاية الأمر أنّ الموضوع أو المتعلق في اللقب أمر واحد
______________________________
(١) البروجردي، محمد تقي، نهاية الأفكار: ١- ٢ / ٤٩٩.
(٢) السبزواري، حسن السيادتي، وسيلة الوصول إلى حقائق الأصول، تقريرات أبحاث أبي الحسن الأصفهاني: ٣٤٦.
( ١٠٩ )
يمكن التعبير عنه بلفظٍ واحد بخلافهما في المقام فإنّه لا يمكن التعبير عنهما غالباً إلا بلفظين وهذا لا يكون فارقاً بين الموردين بعد اشتراكهما في ملاك عدم الدلالة على المفهوم أعني به كون الحكم غير مقيدٍ بشيءٍ فكما أنّ قولنا أكرم رجلاً لا دلالة له على عدم وجوب إكرام المرأة أو الصبي كذلك قولنا أكرم الإنسان البالغ الذكر لا دلالة له على نفى الوجوب عن غير الرجل من أفراد الإنسان، وأما ما اشتهر من أنّ تعليق الحكم على الوصف مشعرٌ بالعلية فهو على تقدير تسليمه لا يثبت دلالة الوصف على المفهوم؛ لأنّ الإشعار ما لم يصل إلى مرتبة الظهور لا يكون حجة، نعم إذا قامت قرينة خارجية على كون مبدأ الوصف علة للحكم أو على أنّ القيد المذكور في الكلام إنّما أخذ قيداً لنفس الحكم لا لمتعلقه أو موضوعه دلّت القضية حينئذٍ على انتفاء الحكم عند انتفاء الوصف المزبور لكن هذا أجنبي عما نحن فيه)(١).
مناقشة للخوئي للنائيني
ناقش السيد الخوئي ذيل عبارة المحقق النائيني المتقدمة بقوله: (لا يخفى أنّ توصيف متعلق الحكم أو موضوعه بقيد ما في الكلام مع اعتباره قيداً لنفس الحكم في مقام اللب ومقام الثبوت خارج عن قانون المحاورة عرفاً فلا معنى لقيام القرينة عليه من الخارج وأما كون القيد علّة لثبوت الحكم على المقيد فهو وإنْ كان أمراً ممكناً في نفسه وقابلاً لقيام القرينة عليه من الخارج إلا أنّ مجرد ذلك لا يكفي في دلالة القضية على المفهوم ما لم تقم قرينة على كون العلة علة منحصرة كما هو ظاهر)(٢).
ويظهر للباحث: إنّ ما ذكره السيد الخوئي من مناقشةٍ لا يخلو من المناقشة؛ لأنّ المحقق النائيني لم يدّعِ كون هذه القرينة غير خارجة عن قانون المحاورة، نعم هو قائل بأنّ قيامها لا يمنع ثبوت المفهوم للوصف، وهذا ما يلتزم به السيد الخوئي نفسه فيما لو قامت قرينة كذلك وإنْ خرجت عن قانون المحاورة.
تعرّض السيد الخوئي في مقام بحثه عن مفهوم الوصف إلى ثلاثة أمور، أذكرها تباعاً، وهي:
أولاً: تنقيح محل النزاع
إنّ محل الكلام بين الأصوليين في دلالة الوصف على المفهوم وعدم دلالته عليه إنّما هو في: الوصف المعتمد على موصوفه في القضية بأنْ يكون مذكوراً فيها كقولنا: (أكرم إنساناً عالماً) أو (رجلاً عادلاً) أو ما شاكل ذلك. وأما الوصف
______________________________
(١) الخوئي أبو القاسم، أجود التقريرات: ١/ ٤٣٥.
(٢) المصدر نفسه: ١/ ٤٣٥.
( ١١٠ )
غير المعتمد على موصوفه كقولنا: (أكرم عالماً أو عادلاً) أو نحو ذلك فهو خارج عن محل الكلام ولا شبهة في عدم دلالته على المفهوم، ضرورة أنه لو كان داخلا في محل الكلام لدخل اللقب فيه أيضا، لوضوح أنّه لا فرق بين اللقب وغير المتعمد من الوصف من هذه الناحية، فكما أنّ الأول لا يدل على المفهوم من دون خلاف فكذلك الثاني(١).
ثم دفع السيد الخوئي إشكالاً ورد في المقام(٢) على وفق ما ذهب إليه المحققان الخراساني والعراقي في بساطة المفاهيم:
إنّ انحلال الوصف بتعمّل من العقل إلى شيئين: ذات، ومبدأ كما هو الحال في جميع العناوين الاشتقاقية لا يوجب فارقاً بينه وبين اللقب في هذه الجهة، حيث أنّ هذا الانحلال لا يتعدى عن أفق النفس إلى أفق آخر فلا أثر له في القضية في مقام الإثبات والدلالة أصلا حيث إنّ المذكور فيها شيءٌ واحد، وهو الوصف من دون موصوفه.
وجاء رد السيد الخوئي بقوله: الظاهر أنّه لا خلاف ولا إشكال في عدم دلالة الوصف على المفهوم؛ لأنّ الحكم الثابت في القضية هو للعنوان الاشتقاقي أو الذاتي، فلا تدل القضية إلا على ثبوت هذا الحكم لهذا العنوان وكونه دخيلاً فيه، وأما انتفاؤه عن غيره فلا إشعار فيها فضلاً عن الدلالة، بل لو دل على المفهوم لكان الوصف الذاتي أولى بالدلالة نظراً إلى أنّ المبدأ فيه مقوم للذات وبانتفائه تنتفي الذات جزماً، وهذا بخلاف الوصف غير الذاتي فإنّ المبدأ فيه جعلي غير مقوم للذات فلا محالة لا تنتفي الذات بانتفائه. فالنتيجة أنّه لا فرق بين اللقب وغير المعتمد من الوصف، فإنّ ملاك عدم الدلالة فيهما واحد(٣).
ثانياً: حالات الوصف
ذكر السيد الخوئي أنّ للوصف أربع حالات:
١- أنْ يكون الوصف مساوياً لموصوفه كقولنا: (أكرم إنساناً ضاحكاً) وما شاكله.
٢- وأخرى يكون الوصف أعم من الموصوف مطلقاً كقولنا: (أكرم إنساناً ماشياً).
٣- أو يكون الوصف أخص من الموصوف كذلك كقولنا: (أضف إنساناً عالماً).
______________________________
(١) ظ: بحر العلوم، علاء الدين، مصابيح الأصول: ١/٣٥ والفياض، محاضرات في أصول الفقه: ٥/١٢٧.
(٢) لم ينسب السيد الخوئي الإشكال إلى قائله، وتبيّن للباحث أنّه للمحقق الخراساني ومال إليه المحقق العراقي، ظ: محمد كاظم، كفاية الأصول: ٥٥ والنائيني، مقالات الأصول: ١٩٠.
(٣) ظ: بحر العلوم، علاء الدين، مصابيح الأصول: ١/٣٥ والفياض، محاضرات في أصول الفقه: ٥/١٢٧ - ١٢٨.
( ١١١ )
٤- أو يكون الوصف أعم من الموصوف من وجه كقول الإمام الباقر (عليه السلام): (في الغنم السائمة زكاة)(١).
أما الأول والثاني فلا إشكال في خروجهما عن محل النزاع والوجه فيه ظاهر وهو أنّ الوصف في هاتين الصورتين لا يوجب تضييقاً في ناحية الموصوف حتى يكون له دلالة على المفهوم؛ إذ أنّ معنى دلالة الوصف على المفهوم هو انتفاء الحكم عن الموصوف المذكور في القضية بانتفائه وهذا فيما لا يوجب انتفائه انتفاء الموصوف، والمفروض أنّ في هاتين الصورتين يكون انتفاؤه موجباً لانتفاء الموصوف فلا موضوع لدلالته على المفهوم.
وأما الثالث فلا إشكال في دخوله في محل الكلام، فإنّ ما ذُكر من الملاك للدلالة على المفهوم موجود فيه.
وأما الرابع فهو أيضاً داخل في محل الكلام إذ إنّه يفيد تضييق دائرة الموصوف من جهة فيقيّد الغنم في المثال المتقدم بخصوص السائمة، فعلى القول بدلالة الوصف على المفهوم يدل على انتفاء وجوب الزكاة عن الموضوع المذكور في القضية بانتفائه، فلا زكاة في الغنم المعلوفة. نعم لا يدل على انتفائه عن غير هذا الموضوع كالإبل المعلوفة كما نُسب ذلك إلى بعض الشافعية(٢)، وجوب الزكاة عن الإبل المعلوفة استناداً إلى دلالة وصف الغنم بالسائمة على انتفاء حكمها يعني وجوب الزكاة عن فاقد هذا الوصف مطلقاً ولو كان موضوعاً آخر، ووجه عدم دلالته على ذلك واضح؛ لأنّ معنى دلالته على المفهوم هو انتفاء الحكم عن الموصوف المذكور في القضية بانتفائه، وأما غير المذكور فيها فلا يكون فيه تعرض لحكمه لا نفياً ولا إثباتاً، فما نسب إلى بعض الشافعية لا يرجع إلى معنى محصل أصلا(٣).
وأشار السيد الخوئي إلى الفارق بين القضية الوصفية والقضية الشرطية هو: أنّ الشرط في القضية الشرطية راجع إلى الحكم من دون الموضوع فيكون الحكم مطلقا عليه فلأجل ذلك تدل على انتفائه عند انتفاء الشرط وهذا بخلاف الوصف في القضية الوصفية فإنّه راجع إلى الموضوع فيها من دون الحكم(٤).
______________________________
(١) لفظ الرواية هو: عن عمر بن اُذينة عن زرارة قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن صدقات الأموال قال: في تسعة أشياء ليس في غيرها شيء من الذهب والفضة والحنطة والشعير والتمر والزبيب والإبل والبقر والغنم السائمة وهي الراعية وليس في شيء من الحيوان غير هذه الثلاثة أصناف شيء، ظ: الطوسي، محمد بن الحسن، الاستبصار: ٢/ ١١.
(٢) ظ: الشافعي، محمد بن إدريس، الأم: ٢/ ٥ والغزالي، محمد بن محمد، المنخول في علم الأصول: ٢٢٢.
(٣) ظ: الفياض، محاضرات في أصول الفقه: ٥/١٢٧ - ١٢٨.
(٤) ظ: الفياض، محاضرات في أصول الفقه: ٥/١٢٨.
( ١١٢ )
فالنتيجة إنّ دلالة الوصف على المفهوم ترتكز على أنّ يكون قيداً لنفس الحكم لا لموضوعه أو متعلقه وإلّا فلا دلالة للوصف على المفهوم أصلاً(١).
ثالثاً: أدلة القائلين بثبوت المفهوم للوصف
ذكر السيد الخوئي أدلة القائلين بثبوت المفهوم للوصف(٢)، وأخذ بمناقشتها تباعاً، وهي:
الدليل الأول: إنّ الوصف لو لم يدل على المفهوم لكان الآتي به لاغياً وهو مستحيل في حق المتكلم الحكيم، فلا مناص من الالتزام بدلالته على المفهوم.
المناقشة: إنّه مبني على إحراز أنّ الداعي للآتي به ليس إلا دخله في الحكم نفياً وإثباتاً، حدوثاً وبقاءً بمعنى انّه علة منحصرة له، فإذا كان كذلك فبطبيعة الحال ينتفي الحكم عن الموصوف بانتفائه، ومن المعلوم أنّ هذا الإحراز يتوقف على:
١- كون الوصف قيداً للحكم من دون الموضوع أو المتعلق، مع أنّ الأمر بالعكس تماماً.
٢- الالتزام بأنّ إثبات حكم لموضوعٍ خاص يدل على انتفائه عن غيره، مع أنّه لا يدل على ذلك، بل لا يكون فيه إشعار به فضلاً عن الدلالة.
٣- أنْ لا يكون الداعي له أمراً آخر لأنّ فائدته لا تنحصر بما ذكروا.
٤- أنّه لا يكفي في الخروج عن كونه لغواً الالتزام بدلالته على اختصاص الحكم بحصةٍ خاصة من موصوفه وعدم ثبوته له على نحو الإطلاق، والمفروض أنّه يكفي في ذلك ولا يتوقف على الالتزام بدلالته على المفهوم، وهو الانتفاء عند الانتفاء.
فالنتيجة: إنّ هذا الوجه ساقط فلا يمكن الاستدلال به على إثبات المفهوم للوصف(٣).
الدليل الثاني: إنّ الوصف الموجود في الكلام مشعر بعليته للحكم عند الإطلاق.
______________________________
(١) ظ: المصدر نفسه: ٥/١٢٨.
(٢) ظ: المرتضى، الشريف علي بن الحسين، الذريعة إلى أصول الشريعة: ٣٩٦، الحلي، جعفر بن الحسن المعروف بـ (المحقق الحلّي)، معارج الأصول: ٧٠ والحلّي، الحسن بن يوسف المعروف بـ (العلّامة الحلي)، نهاية الوصول إلى علم الأصول: ٦٣ وأصول الفقه: ١/١٧٢.
(٣) ظ: بحر العلوم، علاء الدين، مصابيح الأصول: ١/٣٧ والفياض، محاضرات في أصول الفقه: ٥/١٣٠ والصافي، حسن، الهداية في الأصول: ٢/٢٨٢.
( ١١٣ )
المناقشة: إنّ مجرد الإشعار على تقدير ثبوته لا يكفي لإثبات المفهوم جزماً، لأنّه لا يكون من الدلالات العرفية التي تكون عندهم، بل لا بدّ في إثبات المفهوم له من إثبات ظهور القضية في كون الوصف علة منحصرة للحكم المذكور فيها، ومن الطبيعي أنّ إثبات ظهورها في كونه علة في غاية الإشكال، بل دونه خرط القتاد* فما ظنّك بظهورها في كونه علة منحصرة، إذ أنّ مردّ هذا الظهور إلى كون الوصف قيداً للحكم من دون الموضوع أوالمتعلق وأنّه يدور مداره وجوداً وعدماً وبقاءً وارتفاعاً، وقد ثبت أنّ القضية الوصفية ظاهرة في كون الوصف قيداً للموضوع أو المتعلق من دون الحكم.
فالنتيجة إنّ مجرد الإشعار بالعلية غير مفيد وما هو مفيد - وهو الظهور فيها - فهو غير موجود(١).
الدليل الثالث: إنّ القضية الوصفية لو لم تدل على المفهوم وانحصار التكليف بما فيه الوصف لم يكن موجباً لحمل المطلق على المقيد إذ أنّ السبب في هذا الحمل هو دلالة المقيد على انحصار التكليف به وعدم ثبوته لغيره، ومن الطبيعي أنّ هذا السبب موجود بعينه في دلالة الوصف على المفهوم.
المناقشة: إنّ السبب في حمل المطلق على المقيد غيره في دلالة الوصف على المفهوم؛ هو دلالة القيد على المفهوم، وهذه الدلالة غيرمتوفرةٍ في الوصف، وأما حمل المطلق على المقيد فلا يتوقف على ذلك السبب المتقدّم، فإنّه بحسب رأي المشهور(٢): يتوقف على أنْ يكون التكليف في طرف المطلق متعلقاً بصرف وجوده، فإذا تعلق التكليف في دليل آخر بحصةٍ خاصةٍ منه وعلم من القرينة أنّ التكليف واحد حمل المطلق على المقيد؛ نظراً إلى أنّ المقيّد قرينة بنظر العرف على التصرف في المطلق، ومن المعلوم أنّه لا صلة لهذا الحمل بدلالة القيد على المفهوم أي نفي الحكم عن غير مورده، ضرورة أنّ المقيّد لا يدل إلا على ثبوت الحكم لموضوع خاص من دون دلالة له على نفيه عن غيره بوجه، ومع ذلك يحمل المطلق على المقيد.
______________________________
* خرط الورق: حتّه، وهو أن تقبض على أعلاه ثم تمر يدك عليه إلى أسفله، والقتاد: شجر له شوك يصعب خرطه، ولذا جاء المثل: من دونه خرط القتاد، ظ: الفراهيدي، الخليل بن أحمد، العين: ٥/١١٢ والجوهري، إسماعيل بن حماد، الصحاح: ٣/١١٢٢.
(١) ظ: الجواهري، محمد تقي، غاية المأمول: ١/ ٦٠٦ وبحر العلوم، علاء الدين، مصابيح الأصول: ١/٣٧- ٣٨ والفياض، محاضرات في أصول الفقه: ٥/١٣٠.
(٢) ظ: المرتضى، الشريف علي بن الحسين، الذريعة إلى أصول الشريعة: ٣٩٦، المحقق الحلي، جعفر بن الحسن، معارج الأصول: ٧٠ والعلّامة الحلي، الحسن بن يوسف، نهاية الوصول إلى علم الأصول: ٦٣.
( ١١٤ )
وأما إذا كان التكليف في طرف المطلق متعلقاً بمطلق وجوده المستلزم انحلاله بانحلال وجوداته وأفراده خارجاً ففي مثل ذلك لا يحمل المطلق على المقيد؛ لعدم التنافي بينهما، وذلك كما إذا ورد في دليل: (أكرم كل عالم) ورد في دليل آخر: (أكرم كل عالم عادل) فلا موجب لحمل الأول على الثاني أصلا لأنّ العلة التي توجب حمل المطلق على المقيد غير متوفرة هنا فلا مانع من أنْ يكون كل منهما واجباً، غاية الأمر يحمل المقيد هنا على أفضل أفراد الواجب(١).
وأما بناءً على ما اختاره السيد الخوئي من عدم الفرق في حمل المطلق على المقيد بين ما كان التكليف واحداً أو متعدداً فأيضاً لا يتوقف هذا الحمل على دلالة القيد على المفهوم ونفي الحكم عن غير مورده، بل يكفي فيه دلالته على عدم ثبوت الحكم للطبيعي على نحو الإطلاق، ولا شبهة في دلالته على ذلك كما أنّه لا شبهة في عدم دلالته على نفي الحكم عن غير مورده.
وعلى الجملة إنّ ظهور المطلق في الإطلاق كما يتوقف حدوثاً على عدم دليل صالح للتقييد فكذلك يتوقف بقاءً على عدم الدليل؛ إذ أنّ ظهوره يتوقف على جريان مقدمات الحكمة، ومن الواضح أنّها لا تجرى مع وجود الدليل الصالح للتقييد، والمفروض أنّ دليل المقيد يكون صالحا لذلك عرفا، ومما يدل على أنّ حمل المطلق على المقيّد لا يبتني على دلالة القضية الوصفية على المفهوم هو أنّه يحمل المطلق على المقيّد حتى في الوصف غير المعتمد على موصوفه كما إذا ورد في دليل: (أكرم عالماً) وورد في دليل آخر: (أكرم فقيهاً) يحمل الأول على الثاني مع أنّه لا يدل على المفهوم أصلا(٢).
وينتهي السيد الخوئي إلى نتيجةٍ، مفادها: إنّ الضابط الذي ذُكر في القضية الشرطية لدلالتها على المفهوم عرفاً - وهي تعليق الحكم فيها على الشرط تعليقاً مولوياً - غير متوفرة في القضية الوصفية؛ إذ أنّ الحكم فيها غير معلّق على الوصف، فالوصف ليس قيداً للحكم كالشرط بل هو قيد للموضوع أو المتعلق،
ومن المعلوم أنّ ثبوت الحكم لموضوعٍ خاص لا يدل على انتفائه عن غيره(٣).
هكذا قرّر المشهور ثبوت المفهوم للوصف.
رابعاً: رأي السيد الخوئي في مفهوم الوصف
______________________________
(١) ظ: بحر العلوم، علاء الدين، مصابيح الأصول: ١/٣٨ والفياض، محاضرات في أصول الفقه: ٥/١٣٠.
(٢) ظ: الفياض، محاضرات في أصول الفقه: ٥/١٣٠.
(٣) ظ: بحر العلوم، علاء الدين، مصابيح الأصول: ١/٤٠ والفياض، محاضرات في أصول الفقه: ٥/١٣١.
( ١١٥ )
بعد أنْ ذكر السيد الخوئي أدلة القائلين بثبوت المفهوم للوصف وناقشها، بيّن أنّ الصحيح في مفهوم الوصف هو التفصيل؛ وذلك لأنّ النزاع في دلالة الوصف على المفهوم على نحوين:
١- بمعنى أن تقييد الموضوع أو المتعلق به يدل على انتفاء الحكم عن غيره، فلو ورد في الدليل: (أكرم رجلاً عالماً) فإنّه يدل على انتفاء وجوب الإكرام عن غير مورده يعني عن الرجل العادل أو الفاسق أو الفقير أو ما شاكل ذلك ولو بسببٍ آخر.
٢- أو يكون بمعنى دلالته على نفي الحكم عن طبيعي موصوفه على نحو الإطلاق وأنّه غير ثابتٍ له كذلك.
فإنْ كان النزاع في المعنى الأول فلا شبهة في عدم دلالته على المفهوم بهذا المعنى، ضرورة أنّ قولنا: (أكرم رجلا عالما) لا يدل على نفي وجوب الإكرام عن حصة أخرى منه كالرجل العادل أو الهاشمي أو ما شاكل ذلك؛ لوضوح أنّه لا تنافي بين قولنا: (أكرم رجلاً عالماً) وقولنا: (أكرم رجلاً عادلاً) مثلا بنظر العرف أصلاً فلو دلت الجملة الأولى على المفهوم - أي نفي الحكم عن حصص أخرى منه - لكان بينهما تناف.
وإنْ كان النزاع في المعنى الثاني فالظاهر أنّه يدل على المفهوم بهذا المعنى؛ ونكتة هذه الدلالة هي ظهور القيد في الاحتراز ودخله في موضوع الحكم أو متعلقه إلّا أنْ تقوم قرينة على عدم دخله فيه، ففي مثل قولنا: (أكرم رجلاً عالماً) يدل على أنّ وجوب الإكرام لم يثبت لطبيعي الرجل على الإطلاق ولو كان جاهلاً، بل ثبت لخصوص حصةٍ خاصةٍ منه - وهي الرجل العالم - وكذا قولنا: (أكرم رجلا هاشمياً) أو (أكرم عالماً عادلاً) وهكذا.
والمناط فيه: إنّ كل قيدٍ أتي به في الكلام فهو في نفسه ظاهر في الاحتراز ودخله في الموضوع أو المتعلق يعني أنّ الحكم غير ثابتٍ له إلا مقيداً بهذا القيد، لا مطلقاً وإلا لكان القيد لغواً، فالحمل على التوضيح أو غيره خلاف الظاهر فيحتاج إلى قرينة. فقولنا: (أكرم رجلاً عالماً) وإنْ لم يدل على نفى وجوب الإكرام عن حصةٍ أخرى من الرجل كالعادل أو نحوه ولو بملاكٍ آخر إلا أنّه لا شبهة في دلالته على أنّ وجوب الإكرام غير ثابتٍ لطبيعي الرجل على نحو الإطلاق(١).
والنتيجة التي ينتهي إليها السيد الخوئي في نهاية بحثه هي:
إنّ النزاع في دلالة القضية الوصفية على المفهوم إنْ كان في دلالتها على نفي الحكم الثابت فيها عن غير موضوعها ولو بسببٍ آخر فإنّها لا تدل على المفهوم بوجه، بل لا إشعار فيها على ذلك فضلاً عن الدلالة.
______________________________
(١) ظ: الفياض، محاضرات في أصول الفقه: ٥/ ١٣٣.
( ١١٦ )
وإنْ كان في دلالتها على نفي الحكم عن طبيعي الموصوف على إطلاقه فإنّها تدل على ذلك جزماً إذ لا شبهة في ظهورها فيه إلّا فيما قامت قرينة على خلافه.
ومن هنا يظهر الفرق بين الوصف المعتمد على موصوفه، وغير المعتمد عليه كقولنا: (أكرم عالما) مثلا، فإنه لا يدل على المفهوم بهذا المعنى وأن انحل بحسب مقام اللب والواقع إلى شيءٍ له العلم إلا أنه لا أثر له في مقام الإثبات بعدما كان في هذا المقام شيئا واحدا لا شيئان: أحدهما موصوف، والآخر صفة له(١).
ثم إن هذه النقطة التي ذكرها السيد الخوئي -أي الفرق بين الوصف المعتمد على موصوفه، وغير المعتمد عليه- صرّح بأنّها قد اُهملت في كلمات الأصحاب ولم يتعرّضوا لها في المقام لا نفياً ولا إثباتاً مع أنّ لها ثمرة مهمة في الفقه منها ما في مسألة حمل المطلق على المقيد حيث أنّ المشهور(٢) قد خصّوا تلك المسألة فيما إذا كانا مثبتين أو منفيين بما إذا كان التكليف فيهما واحداً وأما إذا كان متعدداً فلا يحملوا المطلق على المقيد، وأما على ضوء ما ذكره السيد الخوئي من النقطتين فيحمل المطلق على المقيد ولو كان التكليف متعدداً كما إذا ورد في دليل (لا تكرم عالماً) وورد في دليل آخر (لا تكرم عالماً فاسقاً) فإنه يحمل الأول على الثاني مع أن التكليف فيهما انحلالي، وكذا إذا ورد في دليل (أكرم العلماء) ثم ورد في دليل آخر (أكرم العلماء العدول) فيحمل الأول على الثاني، والسبب في ذلك هي ظهور القيد في الاحتراز يعني أنّه يدل على أنّ الحكم - وهو وجوب الإكرام - لم يثبت للعالم على نحو الإطلاق وإنّما ثبت لحصةٍ خاصةٍ منه - وهو العالم العادل في المثال من دون العالم مطلقاً ولو كان فاسقاً - ومن الواضح أنّه لا فرق في دلالة القيد على ذلك بين كون التكليف واحداً أو متعدداً.
النتيجة: لخّص السيد الخوئي البحث في مفهوم الوصف في ضمن نقاط عدة(٣)، هي:
الأولى: أن محل الكلام هنا إنما هو في الوصف المعتمد علي موصوفه وأما غير المعتمد فيكون حاله حال اللقب في عدم الدلالة على المفهوم.
الثانية: إنّ ملاك الدلالة على المفهوم هو أنْ يكون القيد راجعاً إلى الحكم، وأما إذا كان القيد راجعاً إلى الموضوع أو المتعلق فلا دلالة له على المفهوم، وبما أنّ الوصف من القيود الراجعة إلى الموضوع أو المتعلق من دون الحكم فلا يدل على المفهوم.
الثالثة: إنّه قد استدل على المفهوم بأدلة ثلاث وقد تم مناقشتها جميعا.
______________________________
(١) ظ: المصدر نفسه: ٥/ ١٣٣.
(٢) ظ: الحلي، ابن إدريس، السرائر: ٢/٣٠٢ والحلي، محمد بن الحسن (ابن العلّامة)، إيضاح الفوائد في شرح إشكالات القواعد: ٤/٤٢٤.
(٣) ظ: الفياض، محاضرات في أصول الفقه: ٥/١٣٥.
( ١١٧ )
الرابعة: إنّ الحق في المقام هو التفصيل.
الخامسة: إنّ لهذه الدلالة ثمرة مهمة تظهر في الفقه(١).
يبدو ممّا تقدّم: تأثر السيد الخوئي بأسلوب عرض اُستاذه المحقق النائيني لمفهوم الوصف؛ إذ ذكر مقدمتين ومن ثمّ رد الأدلة التي اُعتمدت للقول بمفهوم الوصف، فضلاً عن اعتماد السيد الخوئي على المعنى العرفي في بيان المطالب الأصولية، بخلاف أساتذته فإنّهم يعتمدون على الدقة العقلية والفلسفية البعيدة عن النظر العرفي.
ويبدو أيضاً تبنّى السيد الخوئي رأياً جديداً في مفهوم الوصف وهو: إنّ النزاع في دلالة القضية الوصفية على المفهوم إنْ كان في دلالتها على نفي الحكم الثابت فيها عن غير موضوعها فإنّها لا تدل على المفهوم بوجه، بل لا إشعار فيها على ذلك فضلاً عن الدلالة.
وإنْ كان في دلالتها على نفي الحكم عن طبيعي الموصوف على إطلاقه فإنّها تدل على المفهوم جزماً إذ لا شبهة في ظهورها فيه إلّا فيما قامت قرينة على خلافه.
وتُعدّ هذه الإضافة عرضية على ما تبنّاه البحث في ضابط المدرسة.
كما أضاف السيد الخوئي في بحثه لمفهوم الوصف مسألة بيان الفارق الدقيق بين الوصف المعتمد على موصوفه وغير المعتمد عليه، وهذه المسألة لم يشر إليها مَنْ سبقه من الأصوليين، وذكر أنّ لها آثاراً فقهيةً مهمة في مسألة حمل المطلق على المقيّد، والفارق هو:
إنّ الوصف المعتمد على موصوفه يدلّ على نفي الحكم عن طبيعي الموصوف على إطلاقه جزماً حيث لا شبهة في ظهورها فيه إلّا فيما قامت قرينة على خلافه. بخلاف الوصف غير المعتمد على موصوفه فإنّه لا يدل على المفهوم بهذا المعنى وإنْ انحلّ بحسب مقام اللب والواقع إلى شيءٍ له العلم إلّا أنّه لا أثر له في
______________________________
(١) ظ: على سبيل المثال:١- استحباب الإتيان بصلاة الصبح قبل الإسفار، ظ: الغروي، علي التنقيح في شرح العروة الوثقى، كتاب الصلاة: ١/٣٤٧.
٢- جواز تقديم صلاة الليل للمسافر والشاب الذي يصعب عليه نافلة الليل في وقتها، ظ: المصدر نفسه: ١/٣٩٤.
٣- رفع اليدين حيال الأذن أثناء التكبير في الصلاة، ظ: البروجردي، مرتضى، مستند العروة الوثقى: ٣/١٧٧.
٤- جوازإمامة غير البالغ لغير البالغ، ظ: المصدر نفسه: ج٥ ق٢ /٤٣٦.
٥- عدم الكفارة على المُحرم لو خرج الدم بالاستياك، ظ: الخلخالي، رضا، المعتمد في شرح المناسك: ٤/٢٥٠.
( ١١٨ )
مقام الإثبات بعدما كان في هذا المقام شيئاً واحداً لا شيئان: أحدهما موصوف، والآخر صفة له.
وتُعدّ هذه الإضافة عرضية أيضاً على ما تبنّاه البحث في ضابط المدرسة.
( ١١٩ )
للسيد الخوئي في بحثه الفقهي تطبيقات كثيرة لقوله بعدم تعارض الإطلاق للعام، وقوله بالتحصيص في المعاني الحرفية، وما اختاره من تفصيلٍ في مفهوم الوصف، كل ذلك أعرضه تباعاً وفي ثلاثة مطالب، هي:
لنظرية التعهّد عند السيد الخوئي (قدس سره) تطبيقات عدّة، منها:
أولاً: فتح الحمامي باب الحمام
إنّه ربما يصدر عن المالك فعل يُبرز عن رضاه الباطني بتصرفٍ خاص بحيث يكون طريقاً مجعولاً وأمارة نوعية وحكاية عملية وهذا كفتح الحمامي باب الحمام، فإنه بمثابة الإذن العام لكل من يريد الاستحمام ولا شكّ حينئذٍ في صحة الاعتماد على ذاك المُبرز من دون حاجةٍ إلى تحصيل العلم بالرضا لاستقرار بناء العقلاء بمقتضى التعهّد الوضعي على كشف ما في الضمير بمطلق المُبرز فعلاً كان أم لفظاً. ويترتب على ذلك صحة المعاطاة* لعدم الفرق في إبراز الإنشاء بين الفعل أو القول. فمثل هذا الفعل ملحق بالإذن اللفظي الصريح في الكشف عما في الضمير أعني الرضا بالتصرف الذي جُعل اللفظ أو الفعل كاشفاً عنه نوعاً(١).
وقد تقدّم أنّ السيد الخوئي جعل استقرار السيرة العقلائية على التعهّد من مؤيدات نظرية التعهّد**، كما أنّ هذا التطبيق في تسرية التعهّد من الألفاظ إلى الأفعال.
ثانيا: أخذ الثمن من المشتري
إنّ الكاشفية النوعية إنّما هي في باب حجية الظواهر، إذ أنّ الألفاظ تدل على المعاني التي وضعت عليها الألفاظ بحسب الكاشفية النوعية العقلائية، وظاهرة في ذلك لا من جهة التعبّد ببناء العقلاء بل من جهة تعهّد الواضع، على أنّه متى أطلق اللفظ الفلاني فقد أراد المعنى الفلاني ويكون ذلك التعهّد سبباً؛ لكون الظواهر كواشف عن المداليل وهي مرادة للمتكلم، وأما في مقام أخذ الثمن من
______________________________
* بيع المعاطاة: أن يناول المشتري الثمن للبائع فيناوله البائع السلعة من دون إيجاب ولا قبول، ظ: مركز المعجم الفقهي (مجموعة باحثين)، المصطلحات: ٦٧٦.
(١) ظ: البروجردي، مرتضى، مستند العروة الوثقى، كتاب الصلاة، تقريرات أبحاث الخوئي: ٢/ ٥٨ - ٥٩.
** انظر ص ٤٤ من البحث.
( ١٢٠ )
المشتري فلم يتعهّد البايع بأنّه متى أخذ الثمن فإنّه رضي بالمعاملة؛ ليكون الأخذ كاشفاً نوعياً عن الرضا بالعقد. وعليه فلا كاشفية للأخذ عن ذلك.
إذن فلا بدّ من الاقتصار بالعلم أو الظن الإطمئناني بأنْ تقوم القرينة على الكاشفية وحصول القطع وإلّا فلا أقل من الإطمئنان على ذلك الذي هو حجة عقلائية، ومن هنا ظهر أنّ مطالبة البايع بالثمن أيضا يكشف عن رضاه بالعقد، فإنّ المطالبة أعم من الأخذ، وإنّ الأخذ أعم من الرضا بالعقد وعدمه، فكيف تكون المطالبة كاشفة عن الرضا؟(١).
ويلحظ في هذا التطبيق أنّه بخلاف التطبيق الأول؛ إذ لم تكن هناك تسرية للتعهّد من الألفاظ إلى الأفعال.
ثالثاً: سقوط الخيار بالتصرف إجمالا
إذا كان التصرف تصرفاً خارجياً من غير أنْ يكون مغيراً للعين، فهذا على أقسام ثلاثة:
١- كون التصرف بشخصه كاشفاً عن الرضا بالعقد وكونه مُسقطاً للخيار.
٢- ما يكون بنوعه كاشفاً عنه، مثل دلالة الألفاظ.
والقسمان المتقدمان هما محل إشكال عند السيد الخوئي(٢)،
٣- ما لم يكن بنفسه كاشفاً عن الرضا بالعقد ولا بنوعه بل يكون مجرد تصرف خارجي، فهل هذا مسقط للخيار أو لا؟ وقد صرّح العلّامة الحلي بسقوط الخيار بالتصرف(٣).
وعلّق السيد الخوئي على القسم الثالث بقوله:
(ولكن الظاهر أنّ هذا الكلام لا يمكن المساعدة عليه، للفرق الواضح بين اللفظ والفعل في ذلك، فإنّ اللفظ إنّما يكون كاشفاً عن إرادة المتكلم مدلول ذلك بحسب التعهّد، فإنّ المتكلم قد تعهّد بأنّه إذا تكلم بلفظ فلاني فإنّه أراد المعنى الفلاني. وعليه فيكون الظن الحاصل من كاشفية اللفظ نوعاً حجة ومتبعاً بحسب قيام بناء العقلاء على ذلك، وهذا بخلاف الفعل الفلاني، فإنّه أراد المعنى الفلاني ليكون كاشفية متبعة، غاية الأمر أنّه يحصل الظن من ذلك فهو ليس بحجة لعدم الدليل على اعتباره من بناء العقلاء وغيره كما لا يخفى، وهذا هو الفرق بين اللفظ والفعل في الكاشفية وعدمها)(٤).
______________________________
(١) ظ: التوحيدي، محمد علي، مصباح الفقاهة، الخيارات: ٤/٥٢٠ - ٥٢٢.
(٢) ظ: المصدر نفسه: ٥/ ٢٥.
(٣) ظ: تذكرة الفقهاء: ١١/٢١.
(٤) التوحيدي، مصباح الفقاهة، الخيارات: ٥/ ٢٥.
( ١٢١ )
أولاً: وجوب مسح بعض الوجه واليدين في التيمم
استدل السيد الخوئي بقوله تعالى: ﴿...فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ...﴾(١)على وجوب مسح بعض الوجه واليدين في التيمم الوارد لوجود الباء في «وُجُوهِكُمْ»والمعطوف عليها«أَيْدِيكُم»، إذ قال: (إنّ لفظ الباء الجارة في «بِوُجُوهِكُمْ» دلّتنا على إرادة بعض الوجه وعدم لزوم مسح تمام الوجه في التيمم، كذلك تدلّنا على إرادة البعض في «أَيْدِيكُم»)(٢) مستدلاً بالروايات الواردة في هذا الباب مثل صحيحة زرارة: (محمد بن علي بن الحسين بإسناده، عن زرارة قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): ألا تخبرني من أين علمت وقلت، أنّ المسح ببعض الرأس وبعض الرجلين؟ فضحك فقال: يا زرارة قاله رسول الله ٨، ونزل به الكتاب من الله عز وجل؛ لأنّ الله عز وجل قال: (...فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ...)(٣) فعرفنا أنّ الوجه كله ينبغي أنْ يغسل ثم قال: ﴿...وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ...﴾(٤) فوصل اليدين إلى المرفقين بالوجه فعرفنا أنّه ينبغي لهما أنْ يُغسلا إلى المرفقين، ثم فصل بين الكلام فقال: (...وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ...)(٥) فعرفنا حين قال: (بِرُؤُوسِكُمْ) أنّ المسح ببعض الرأس لمكان الباء، ثم وصل الرجلين بالرأس كما وصل اليدين بالوجه فقال: ﴿...وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ ...﴾*(٦) فعرفنا حين وصلهما بالرأس أنّ المسح على بعضهما ثم فسّر ذلك رسول الله ٨للناس فضيّعوه)(٧).
______________________________
(١) النساء: ٤٣.
(٢) الغروي، علي، التنقيح في شرح العروة الوثقى، كتاب الطهارة، تقريرات أبحاث الخوئي: ١٠ / ١٤٥.
(٣) المائدة: ٦.
(٤) المائدة: ٦.
(٥) المائدة: ٦.
* قراءة أرجلكم بالنصب هي لـ (نافع وابن عامر والكسائي)، وهي تفيد المسح وذلك لأن موضع الرؤوس موضع نصب؛ بوقوع الفعل الذي هو المسح عليه، وعلى هذا لا يُنكر أن تُعطف الأرجل على موضع الرؤوس، والعطف على الموضع جائز مشهور في لغة العرب؛ ألا ترى إنهم يقولون: (لست بقائم ولا قاعدا) ومنه قوله تعالى: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (الأعراف: ١٨٦) بالجزم على موضع قوله هادي لأنه في موضع جزم، ومنه قول الشاعر عقيبة بن هبيرة الأسدي: (معاوي إننا بشر فاسجح... فلسنا بالجبال ولا الحديدا) فنصب الحديدا على موضع بالجبال أما القراءة بالجر فهي لـ (ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وعاصم) بالعطف على الرؤوس، ظ: الجصاص، أحمد بن علي الرازي، أحكام القرآن: ٢/٤٣٣ والطوسي، محمد بن الحسن، تهذيب الأحكام: ١/٧١، وللمزيد من الإطلاع، ظ: الميلاني، علي، حكم الأرجل في الوضوء.
(٦) المائدة: ٦.
(٧) الحر العاملي، وسائل الشيعة: ٣/ ٣٦٤.
( ١٢٢ )
وفي بيان المراد من كلمة «من»في قوله تعالى (وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ) ذكر السيد الخوئي: إنّ كلمة«من» تدل على الابتداء وإنّ المسح في التيمم لا يمكن أنْ يكون مثل الغسل في الوضوء لأنّه في الوضوء تغسل الأعضاء بتمامها بالماء وليست أعضاء التيمم تمسح بالتراب بل لا بدّ في التيمم من مسح الأعضاء باليدين مبدوءاً بالتراب فهو مسح نشأ وابتداء بالتراب لا أنّ المسح ببعضالتراب(١).
فوجود الباء في قوله تعالى: (...بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم...) في آية التيمم أفاد وجوب المسح لبعض الوجه واليدين أي لحصةٍ منه، وكذا وجود الباء في قوله تعالى: (... بِرُؤُوسِكُمْ...) في آية الوضوء أفاد أيضاً وجوب غسل حصةٍ خاصة من الرأس، وهذا تطبيق لما تبنّاه السيد الخوئي من قوله في التحصيص في المعنى الحرفي وإنْ اتفقت نتيجته مع باقي فقهاء الإمامية في الآيتين الكريمتين(٢).
ثانياً: الحكم بحيضية المرأة القرشية والنبطية إلى ستين
ورد في الروايات* أنّ كل امرأة تحيض إلى خمسين إلا القرشية والنبطية**(٣) وأشار السيد الخوئي إلى أنّ الحكم إما أنْ يثبت لها على نحو الط المهملة، أو الطبيعة المطلقة، أو الطبيعة المقيدة. والأول ممتنع لامتناع الحكم على الطبيعة المهملة. والثاني غير معقول؛ إذ لازمه ثبوت الحكم للمستثنى منه، والمستثنى معا، فيتعين أنْ يكون الحكم ثابتاً لها على نحو الطبيعة المقيّدة بغير الخاص والمستثنى لا محالة وهو ليس إلا التنويع، والتحصيص، فإنّ الحكم بالحيض إلى خمسين، يثبت لنوع ذي حصةٍ من المرأة -وهي غير القرشية والنبطية- في حين أنّ الحكم بعدم الحيض لحصةٍ أخرى من المرأة: وهي غير القرشية والنبطية التي اجتازت الخمسين(٤).
فالسيد الخوئي يرى أنّ المعنى الحرفي يفيد التحصيص ولذا أفاد مما ورد في الروايات (إلى خمسين) حصةً خاصة من المرأة.
______________________________
(١) ظ: الغروي، علي، التنقيح في شرح العروة الوثقى، كتاب الطهارة: ١٠ / ٤٣.
(٢) ظ: الحلبي، أبو الصلاح، غُنية النزوع: ٦٣ والعلّامة الحلي، الحسن بن يوسف، تذكرة الفقهاء: ٢/ ١٩٠ والعاملي، حسين بن عبد الصمد، الحبل المتين: ٨٥.
* محمد بن محمد بن النعمان المفيد قال: قد رُوي أنّ القرشية من النساء والنبطية تريان الدم إلى ستين سنة، ظ: المُقنعة: ٥٣٢ والحر العاملي، وسائل الشيعة: ٢/ ٣٣٧.
** منسوبة إلى النَبَط وهو قوم من العجم ينزلون بين العراقين (أي الكوفة والبصرة)، سُمّوا نبطاً لاستنباطهم ما يخرج من الأرض (الفلّاحون) ثم اُستعمل في أخلاط الناس وعوامهم، ظ: الفراهيدي، الخليل بن أحمد، العين: ٧/٤٤٠ والعيني، محمود بن أحمد، عمدة القاري: ١٩/٥٦.
(٣) ظ: الحر العاملي، وسائل الشيعة: ٢/٣٣٧ و٢٢/١٨٢.
(٤) ظ: الخوئي، محمد تقي، مباني العروة الوثقى، تقريرات أبحاث أبي القاسم الخوئي، كتاب النكاح: ١/ ١١٨.
( ١٢٣ )
ثالثاً: بطلان الصلاة عند التكلّم بحرف واحد
ذكر السيد اليزدي أنّ الظاهر عدم البطلان بحروف المعاني مثل (ل) إذ إنّه لمعنى التعليل، أو التمليك، أو نحوهما وكذا مثل (و) حيث يفيد معنى العطف، أو القسم، ومثل (ب) فإنّه حرف جر وله معان، وإنْ كان الأحوط استحباباً البطلان مع قصد هذه المعاني، وفرق واضح بينهما وبين حروف المباني*(١).
وعلّق السيد الخوئي على ما تقدّم بقوله: (فإنّ هذه الحروف وإنْ افترقت عن حروف المباني في كونها موضوعة لمعنىً ما إلا أنّ ذلك المعنى لمّا كان من المعاني الحرفية التي هي غير مستقلةٍ ولا تفيد إلا لدى الإنضمام مع الغير فلا جرم كانت عند الانفراد من مصاديق المهمل وبذلك تفترق عن مثل الأمر من (وعى) أو (وقى) لكونها مفيدة للمعنى باستقلالها، بل أنّها لدى التحليل مركبة من حروف ثلاثة لكون موضوع المركب أعم من المذكور والمقدر. هذا كله بناءً على اختصاص المبطل بما تركب من حرفين، وأما على المختار من كفاية الحرف الواحد فالأمر واضح)(٢).
ويتبيّن أنّ السيد الخوئي قد أفتى ببطلان الصلاة عند التكلم عمداً ولو بحرفٍ واحدٍ سواء أكان هذا الحرف مفهم لمعنى مثل (قِ) من الوقاية أم غير مفهمٍ
لمعنى كحروف المعاني أو المباني لصدق عنوان التكلم في الصلاة(٣)؛ لأنّها من المعاني الحرفية التي هي غير مستقلة ولا تفيد إلا لدى الإنضمام مع الغير، بخلاف السيد اليزدي الذي يرى الأحوط استحباباً بطلان الصلاة عند التكلم بحروف المعاني مع القصد، بينما يرى عدم البطلان في حالة التكلم بحروف المباني.
للسيد الخوئي في مبحث عدم أهلية الإطلاق الثابت بمقدمات الحكمة للتعارض مع العام الثابت بالوضع تطبيقات عديدة منها:
______________________________
* حروف المباني وهي الحروف التي تتألف منها الكلمة، ظ: الخوئي، أبو القاسم، منهاج الصالحين، منافيات الصلاة مسألة ٦٧٠: ١/ ١٨٩.
(١) محمد كاظم، العروة الوثقى: ٣ / ١١.
(٢) ظ: البروجردي، مرتضى، مستند العروة الوثقى، كتاب الصلاة: ٤/ ٤٦٨.
(٣) ظ: الخوئي، أبو القاسم، منهاج الصالحين، العبادات، مسألة ٦٧٠: ١/ ١٨٩.
( ١٢٤ )
أولا: عدم اعتبار العصر أو التعدد في طهارة الثوب أو الفراش النجس إذا تقاطر عليه المطر ونفذ في جميعه
إنّ الثوب أو الفراش النجس إذا تقاطر عليه المطر ونفذ في جميعه يطهر ولا يحتاج إلى العصر أو التعدد، وإذا وصل إلى بعضه من دون بعض طهر ما وصل إليه، إذا لم يكن فيه عين النجاسة، وإلا فلا يطهر إلا إذا تقاطر عليه بعد زوال عينها(١)، ذكر السيد الخوئي أنّه: (إذا كان المتنجس مما يعتبر في غسله العصر كالثياب أو التعدد كما في أواني الخمر حيث ورد الأمر بغسلها ثلاث مرات، فهل يعتبر ذلك في غسله بالمطر أيضا؟ فإنْ قلنا بصحة المراسيل* واعتبارها ولو بدعوى انجبارها بعمل الأصحاب فلا نعتبر في الغسل بالمطر شيئاً من العصر والتعدد؛ وذلك لأنّ النسبة بين مرسلة الكاهلي** وما دل على اعتبار التعدد أو العصر*** عموم من وجه، إذ المرسلة بعمومها دلت على أنّ كل شيءٍ رآه المطر فقد طهر سواء أكان ذلك الشيء مما يعتبر فيه العصر أو التعدد أم لم يكن، كما أنّ مقتضى إطلاق ما دل على اعتبار العصر أو التعدد عدم الفرق في ذلك بين أنْ يصيبه المطر وأنْ يغسل بماءٍ آخر فيتعارضان في مثل غسل آنية الخمر بالمطر. والترجيح مع المرسلة لما قررناه في محله**** من أن العموم مقدم على الإطلاق في المتعارضين. فإن دلالة المرسلة بالوضع والعموم لمكان لفظة (كل) فلا يعتبر في إصابة المطر شيءٌ من التعدد والعصر بل نكتفي في تطهيره بمجرد رؤية المطر)(٢).
______________________________
(١) ظ: اليزدي، محمد كاظم، العروة الوثقى: ١/ ٨٩.
* المرسلة: الرواية التي لم تذكر فيها الوسائط أو بعضهم بين الراوي والمروي عنه، ظ: فتح الله، أحمد، معجم ألفاظ الفقه الجعفري: ٣٨٠.
** وهي: عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن الكاهلي، عن رجل، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قلت: يسيل عليّ من ماء المطر أرى فيه التغير، وأرى فيه آثار القذر، فتقطر القطرات على، وينتضح علي منه والبيت يتوضأ على سطحه، فيكف على ثيابنا؟ قال: ما بذا بأس، لا تغسله كل شيء يراه ماء المطر فقد طهر، ظ: الحر العاملي، وسائل الشيعة: ١/ ١٤٦.
*** وهي روايات باب ٥١ و٥٢ من أبواب النجاسات، في الأواني المتنجسة بالخمر فإنّه ورد فيها أنّها تُغسل بالماء ثلاثا سواء أكان بماء المطر أم غيره، ظ: الحر العاملي، وسائل الشيعة: ٣/ ٤٩٣ - ٤٩٦ والفياض، محاضرات في أصول الفقه: ٢ /١٧٩، ٣ /٣١٦، ٥/٢٩٦ والخوئي، أبو القاسم، أجود التقريرات: ١/ ٥١٣.
**** ظ: الفياض، محاضرات في أصول الفقه: ٢ /١٧٩و ٣ /٣١٦، ٥/٢٩٦ والخوئي، أبو القاسم، أجود التقريرات: ١/ ٥١٣.
(٢) الغروي، علي، التنقيح في شرح العروة الوثقى، كتاب الطهارة، تقريرات أبحاث الخوئي: ١/ ٢٦٥ - ٢٦٦.
( ١٢٥ )
ثانيا: القيام الاضطراري في الصلاة مقدّم على الجلوس
في مسألة: القيام الاضطراري في الصلاة بأقسامه من كونه مع الانحناء أو الميل إلى أحد الجانبين أو مع الاعتماد أو مع عدم الاستقرار، أو مع التفريج الفاحش بين الرجلين مقدم على الجلوس(١).
وذكر السيد الخوئي أنّه لا بدّ من مراعاة قواعد باب التعارض بتقديم الدليل اللفظي على اللبي*، وإذا كانا لفظيين يقدّم ما كان بالوضع على ما كان بالإطلاق، وإذا كانا بالإطلاق كما هو الغالب فيتساقطان ويرجع إلى الأصل العملي، ومقتضاه في المقام هو التخيير لأصالة البراءة عن كل من الخصوصيتين(٢).
وأما التطبيق على المقام فهو: إذا دار الأمر بين ترك القيام رأساً وبين ترك الانتصاب فمقتضى القاعدة حينئذٍ بعد سقوط الإطلاقين هو التخيير لكن في خصوص المقام يتعين الثاني فيصلي عن قيامٍ انحنائي، ولا ينتقل إلى الصلاة جالساً، وذلك لتقييد هذا الانتقال في غير واحدٍ من الأخبار مما ورد في تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ...﴾(٣)، وغيرها ولعل أوضحها قوله (عليه السلام) في ذيل صحيحة جميل: (إذا قوى فليقم)(٤)، بالعجز عن القيام الظاهر بمقتضى الإطلاق في إرادة الطبيعي منه، فمتى كان قادراً على طبيعي القيام صلى قائماً، وإنْ كان عاجزاً عن بعض الخصوصيات المعتبرة فيه التي منها الانتصاب. ولأجله يتقيد قوله صلى الله عليه وآله: (لا صلاة لمن لم يقم صلبه)(٥) بالمتمكن من ذلك.
وبعبارة أخرى: صحيحة جميل حاكمة** على دليل وجوب الانتصاب إذ النظر في دليل الوجوب مثل قوله (عليه السلام): (لا صلاة لمن لم يقم صلبه) مقصور على مجرد اعتبار إقامة الصلب في الصلاة سواء أكانت عن قيام أم عن جلوس على ما هو
______________________________
(١) ظ: اليزدي، محمد كاظم، العروة الوثقى، مسألة ١٤ من مسائل القيام: ٢/ ٤٧٩.
* وهو الإجماع المدعى في المقام على عدم الانتقال إلى الجلوس إلّا بعد فرض العجز عن القيام.
(٢) ظ: البروجردي، مرتضى، مستند العروة الوثقى، كتاب الصلاة: ٣ / ٢٢٠- ٢٢٣.
(٣) آل عمران: ١٩١.
(٤) ظ: الحر العاملي، وسائل الشيعة: ٥/ ٤٩٥.
(٥) ظ: المصدر نفسه: ٥/ ٤٨٩.
** الحكومة: أنْ يكون أحد الدليلين بمدلوله اللفظي متعرضاً لحال الدليل الآخر ورافعاً للحكم الثابت بالدليل الآخر عن بعض أفراد موضوعه، فيكون مبيناً لمقدار مدلوله، مسوقاً لبيان حاله، متفرعاً عليه، ظ: الأنصاري، مرتضى، فرائد الأصول:٤ /١٣.
( ١٢٦ )
الحق تبعاً للمشهور* من اعتباره فيهما معاً من غير أنْ يكون لهذا الدليل نظر إلى تعيين الوظيفة، وأنّها الصلاة قائماً أو جالساً وإنّما يستفاد ذلك من دليل آخر. وبما أنّ صحيحة جميل قد دلت على أنّ الوظيفة عند التمكن من مطلق القيام إنّما هي الصلاة قائماً فلا جرم لم يبق موضوع لدليل وجوب الانتصاب؛ إذ المفروض عدم التمكن منه إلا مع الجلوس وقد دلت الصحيحة على أنّه لا تصل النوبة إلى الصلاة جالساً. ومما يدل على ذلك صحيحة علي بن يقطين الواردة في الصلاة في السفينة. فقد روى الشيخ في الصحيح عنه عن أبي الحسن -الإمام الكاظم-(عليه السلام) قال: سألته عن السفينة لم يقدر صاحبها على القيام يصلي فيها وهو جالس يوميء أو يسجد؟ قال يقوم وإن حنى ظهره(١) وهي صريحة في المدّعى، وإنّ من تمكن من الصلاة عن قيامٍ ولو بغير الانتصاب تعين وقدم على الصلاة جالسا. وفيما إذا دار الأمر بين الصلاة جالساً وبين الصلاة قائماً من غير استقلال قدم الثاني أيضا بلا إشكال:
أما أولا: فلأنّ وجوب الاستقلال مقيد بالتمكن وحالة الاختيار، فإنّ عمدة الدليل عليه هو صحيحة ابن سنان(٢) وموثقة** ابن بكير(٣) وكل منهما مقيّد بذلك.
وثانيا: لو لم نبنِ على الانصراف فأيضاً لا تكون موافقة السنة مرجّحة في أمثال المقام، لأنّ موافقة الكتاب والسنة إنّما توجب الترجيح فيما إذا كان عمومها لفظيا. وأما إذا كان بالإطلاق ومقدمات الحكمة فلا أثر لموافقتهما؛ لأنّ الإطلاق ليس من الكتاب والسنة فالموافقة معه ليست موافقة لهما(٤).
ثالثاً: حكم الحج لمن كان من أهل مكة وخرج إلى بعض الأمصار ثم رجع إليها:
ذكر اليزدي في مسألة: من كان من أهل مكة وبعد عنها ثم أراد الحج فهل يحج تمتعاً أو إفراداً؟(٥)، وبيّن السيد الخوئي(٦) أنّ في المسألة رأيين:
الأول: للمشهورالذي ذهب إلى جواز حج التمتع له وإمكان إجراء حكم النائي عليه.
______________________________
* ظ: الصدوق، محمد بن علي، الهداية: ١٤٨والطوسي، محمد بن الحسن، الخلاف: ١/٣٤١ والحلبي، ابن زهرة، غُنية النزوع: ٩٢.
(١) الطوسي، محمد بن الحسن، الاستبصار: ١/ ٤٥٥.
(٢) ظ: الحر العاملي، وسائل الشيعة: ٥/ ٤٨٧.
** الموثقة: وهي التي في سندها من هو غير إمامي لكنه ثقة عند علماء الإمامية، ظ: مركز المعجم الفقهي، المصطلحات: ٢١١٢.
(٣) ظ: المصدر نفسه: ٥/ ٤٨٧.
(٤) ظ: البروجردي، مرتضى، مستند العروة الوثقى، كتاب الصلاة: ٣ / ٢٢٠- ٢٢٣.
(٥) ظ: محمد كاظم، العروة الوثقى:٤/ ٦٠٣.
(٦) ظ: الخلخالي، رضا، معتمد العروة الوثقى، كتاب الحج: ٢ / ٢٠٣.
( ١٢٧ )
الثاني: لابن أبي عقيل العماني* الذي ذهب إلى عدم جواز ذلك له وأنّه يتعيّن عليه فرض المكي(١)، فبعد أنْ ذكر أدلة الطرفين وهي: الصحيحتين، الأولى: صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: (سألته عن رجل من أهل مكة يخرج إلى بعض الأمصار ثم يرجع إلى مكة، فيمر ببعض المواقيت أله أن يتمتع؟ قال: ما أزعم أن ذلك ليس له لو فعل وكان الإهلال أحبّ إلي**)(٢)، والثانية عن عبد الرحمن بن الحجاج وعن عبد الرحمن بن أعين قالا: سألنا أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل من أهل مكة خرج إلى بعض الأمصار، ثم رجع فمر ببعض المواقيت التي وقت رسول الله (صل الله عليه وآله) له أن يتمتع؟ فقال:ما أزعم أنّ ذلك ليس له، والإهلال بالحج أحب إليّ)(٣)، فما ورد من أنّه: لا متعة للحاضر وليس لأهل مكة متعة(٤) يخصَّص بهاتين الصحيحتين. فبعد أنْ ذكر السيد الخوئي ذلك علّق عليه:
بأنّ ظاهر الخبرين الصحيحين هو الحج الواجب وبهما تقيد العمومات المانعة؟ عن المتعة لأهل مكة، فالنتيجة جواز التمتع له وإنْ كان الأفراد أفضل وأحب. وأنّه لو سلّمنا عدم ظهور الصحيحين في الحج الواجب فلا أقل من إطلاقهما للواجب والمندوب لاسيّما الصحيحة التي رواها الكليني(٥) مع اختصاصهما بإرادة الحج من الخارج، كما لا ريب في إطلاق ما دل على المنع من التمتع الواجب لأهل مكة من جهة إرادة الحج من مكة أو من خارجها فمقتضى إطلاق الصحيحين جواز التمتع له حتى في الحج الواجب من الخارج كما أنّ مقتضى إطلاق ما دل على أنّه لا متعة لأهل مكة عدم جواز التمتع له وإنْ حج من الخارج، ويتعارض الإطلاقان من الطرفين ويتساقطان، ولا يمكن الرجوع إلى إطلاق الآية الكريمة: ﴿... ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ...﴾(٦)؛ لأنّها في جانب الأخبار المعارضة، وحينئذ لا يكون إطلاق الآية مرجعاً ولا مرجّحاً لأحد الطرفين كما توهمه السيد اليزدي (ت: ١٣٣٧هـ)(٧)؛ وذلك لأنّ الترجيح بالكتاب العزيز إنّما هو فيما إذا كانت دلالته دلالة لفظية، وأما إذا كانت الدلالة بالإطلاق فقاعدة الترجيح بالكتاب غير جارية، إذ ليس ذلك مدلولا لفظيا
______________________________
* هو أبو علي الحسن بن علي، إمامي المذهب، ومن جملة المتكلمين، له كتب منها: «المتمسك بحبل آل الرسول» في الفقه، وكتاب «الكرّ والفرّ في الإمامة»، وغيره، ظ: الطوسي، محمد بن الحسن، الفهرست: ١٠٧.
(١) ظ: العلّامة الحلي، الحسن بن يوسف، مختلف الشيعة:٤/٥٩.
** أي أنّ العدول عن التمتع للحج أفضل، ظ: الكليني، محمد بن يعقوب، الفروع من الكافي:٤ / ٣٠١ (الهامش)، والمراد من الإهلال هو التلبية برفع الصوت للحج.
(٢) الحر العاملي، وسائل الشيعة: ١١/ ٢٦٣.
(٣) المصدر نفسه: ١١/ ٢٦٣.
(٤) ظ: المصدر نفسه: ١١/ ٢٦٣.
(٥) الكليني، محمد بن يعقوب، الفروع من الكافي: ٤/ ٣٠١.
(٦) البقرة: ١٩٦.
(٧) ظ: العروة الوثقى: ٤/ ٦٠٠.
( ١٢٨ )
للكتاب، لأنّ الإطلاق مستفاد من قيد عدمي، والعدمي ليس من القرآن الكريم ليكون مرجعاً أو مرجّحاً لأحد الطرفين.
إنّ مورد الرجوع إلى القرآن الكريم والترجيح به إنّما هو فيما إذا كان عدم العمل بالقرآن منافيا للظهور اللفظي بحيث يصدق أنّه قال الله تعالى كذا في الكتاب، وهذا المعنى لا يصدق على مجرد الإطلاق المستفاد من مقدمات الحكمة.
وعليه فلا مجال للرجوع إلى إطلاق الكتاب ولسقوطه بالتعارض، فالمرجع إطلاق ما دل على أصل وجوب الحج المقتضي للتخيير بين الأقسام الثلاثة، فإنّ الواجب إنّما هو طبيعي الحج، والتقييد ببعض الأقسام قد سقط بالمعارضة على الفرض(١).
أولاً: حرمة أكل الدم المتخلّف في الذبيحة وإنْ كان طاهراً
ذكر السيد الخوئي الوجوه التي اعتمدها المحقق البحراني في عدم حرمة الدم المتخّلف في الذبيحة، والتي منها قوله تعالى: ﴿قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً...﴾(٢)، بدعوى أنّه يقتضي حلية أكل الدم المتخلّف في الذبيحة(٣)، ثم أخذ السيد الخوئي بمناقشة هذا الوجه بقوله: (وإنْ كان نظره (قدس سره) إلى توصيف الدم في الآية المباركة بكونه مسفوحاً وإنّ مفهوم الوصف يقتضي حلية غير المسفوح منه فيتوجه عليه: إنّا وإنْ التزمنا بمفهوم الوصف أخيراً إلا أنّ مفهومه على ما شرحناه في محله* أنّ الحكم لم يترتب على طبيعة الموضوع أينما سرت لاستلزام ذلك لغوية التوصيف إلا فيما إذا كان له فائدة ظاهرة، فيستفاد منه أنّ الحكم مترتب على حصةٍ خاصةٍ منها، مثلا: إذا ورد (أكرم الرجل العادل) يدل توصيف الرجل بالعدالة على أنّ طبيعيّه على إطلاقه غير واجب الإكرام وإلا لم يكن وجه لتقييده بالعدالة بل إنّما يجب إكرام حصة خاصة منه وهو الرجل المتصف بالعدل، ولكن لا دلالة له على أنّ فاقد الوصف أعني المتصف بصفةٍ أخرى غير محكوم بذلك الحكم ولو بسبب وصف آخر، وعلى الجملة أنّ التوصيف وإنْ كان ظاهراً في الاحتراز إلا أنّه لا يدل على نفي الحكم عن غير موصوفه فالآية لا دلالة لها على عدم حرمة الدم غير المسفوح)(٤).
______________________________
(١) ظ: الخلخالي، رضا، معتمد العروة الوثقى، كتاب الحج:٢/ ٢٠٣.
(٢) الانعام: ١٤٥.
(٣) ظ: الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة: ٥ / ٤٥.
* ظ: الفياض، محاضرات في أصول الفقه: ٥ /١٣٣.
(٤) الغروي، علي، التنقيح في شرح العروة الوثقى، كتاب الطهارة: ٢ / ١٩.
( ١٢٩ )
ثانياً: يجوز للمريض الاقتصار على الفاتحة وحدها في الصلاة
يذهب السيد الخوئي إلى الأحتياط في وجوب السورة الأخرى غير سورة الفاتحة، ولذا لا ريب في سقوطها في بعض الحالات مثل حالتي المرض والاستعجال(١).
وفي سقوط السورة الأخرى في حالة المرض ذكر السيد الخوئي روايات، منها:
صحيحة عبدالله بن سنان عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: (يجوز للمريض أنْ يقرأ في الفريضة فاتحة الكتاب وحدها، ويجوز للصحيح في قضاء صلاة التطوّع بالليل والنهار)(٢)، فإنّ التقييد بالمريض يدل على عدم جواز الاقتصار على الفاتحة في حال الصحة.
وأورد عليه: بأنّ مفهوم الوصف ليس بحجة، ومن الجائز أنْ تكون النكتة في التعرض للمريض بخصوصه عدم تأكد الاستحباب في حقه(٣).
وبيّن السيد الخوئي أنّ هذا الإيراد يندفع بما حقّقه في الأصول* من ثبوت المفهوم للوصف لا بالمعنى المصطلح، أعني انتفاء الحكم عند انتفاء الوصف، بل معنى عدم كون الطبيعي على إطلاقه وسريانه موضوعا للحكم وإلا كان التقييد لغواً محضاً، وعليه فتدل الصحيحة بمقتضى المفهوم على أنّ الموضوع لجواز الاقتصار على الفاتحة ليس هو مطلق المكلفين وأنّ السورة واجبة على بعضهم في الجملة وهو المطلوب إذ لا ندّعي وجوبها على الإطلاق، ولذا تسقط لدى الاستعجال.
ويؤيد ذلك - أعني عدم الوجوب على الإطلاق والسقوط في بعض الأحوال - ما في ذيل الصحيحة من جواز الاقتصار على الفاتحة أيضاً للصحيح في قضاء صلاة التطوع، أي في النوافل الليلية والنهارية والمراد بالقضاء معناه اللغوي، أعني مطلق الإتيان بالشيء من دون المعنى المصطلح، فإنّ سقوط وجوب السورة عن النوافل تعم الأداء والقضاء(٤).
ثالثاً: إذا شكّ المصلي في القيام المتصل بالركوع
إذا شك المكلّف في الركوع بعد الدخول في السجود فلا إشكال في عدم الاعتناء لقاعدة التجاوز الجارية في المقام، أما إذا كان في حال الهوي قبل الدخول في السجود، فإذا كان المراد من القيام الواجب بعد الركوع خصوص المتصل من
______________________________
(١) ظ: البروجردي، مرتضى، مستند العروة الوثقى، كتاب الصلاة: ٣/ ٣٠٧.
(٢) الحر العاملي، وسائل الشيعة: ٦/ ٤٠.
(٣) ظ: البروجردي، مرتضى، مستند العروة الوثقى، كتاب الصلاة: ٣/ ٣٠٧.
* ظ: الفياض، محاضرات في أصول الفقه: ٥ / ١٣٣.
(٤) ظ: البروجردي، مرتضى، مستند العروة الوثقى، كتاب الصلاة: ٣/ ٣٠٧.
( ١٣٠ )
غير تخلل الفصل، فلا إشكال أيضاً في عدم الاعتناء، لعدم إمكان التدارك بعد فرض تخلل الفصل بالهوي إلى السجود.
وإنْ كان المراد بالقيام الواجب بعد الركوع مطلق القيام، سواء أكان موصولاً أم مفصولاً فيبتني عدم الاعتناء على جريان قاعدة التجاوز عند الدخول في مقدمات السجود، والهوي منها، فبناءً على تعميم الغير-أدى المكلف واجباً ودخل في غيره- الذي يعتبر الدخول فيه في جريان قاعدة التجاوز للمقدمات يُحكم بجريان القاعدة، أما بناءً على الاختصاص بالدخول في الأجزاء نفسها كما هو الأقوى عند السيد الخوئي فلا تجري القاعدة ولا بدّ من الاعتناء لكونه من الشك في المحل(١).
ويمكن استفادة عدم كفاية الدخول في المقدمات من جملة من النصوص، إذ قيّد فيها عدم الاعتناء بالشك في الركوع فيما إذا كان ذلك بعد الدخول في السجود، الظاهر في لزوم الاعتناء قبله، ولو كان في حال الهوي. ومن هذه النصوص:
صحيحة إسماعيل بن جابر قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): إنْ شكّ في الركوع بعد ما سجد فليمض وإنْ شكّ في السجود بعد ما قام فليمض، كل شيءٍ شكّ فيه مما قد جاوزه ودخل في غيره فليمض عليه(٢).
وقرّب السيد الخوئي الاستدلال بهذه الصحيحة على عدم كفاية الدخول في الهوي من جهة مفهوم الوصف بقوله: (حيث قيّد عدم الاعتناء بالشك في الركوع بما إذا كان ذلك بعد الدخول في السجود، وقد ذكرنا في الأصول* أنّ الوصف وإنْ لم يكن له مفهوم بالمعنى المصطلح أعني العلية المنحصرة المساوقة للانتفاء عند الانتفاء لكنّها تدل على أصل العلية أعني عدم كون الطبيعة على إطلاقها وسريانها موضوعاً للحكم، وإلا كان التقييد بالوصف لغواً محضاً، فالتقييد في المقام يدل على أنّ طبيعي الشك في الركوع أينما سرى وحيثما تحقق ولو كان في حال الهوي ليس موضوعا لعدم الاعتناء، وإلا كان التقييد بما بعد السجود لغواً)(٣).
رابعاً: بطلان بيع الفضولي
ذكر الشيخ الأنصاري (ت: ١٢٨١هـ) أنّه: اُستدل على بطلان بيع الفضولي وعدم صحته بالإجازة اللّاحقة بوجوهٍ عديدة من الأدلة الأربعة: أما الكتاب،
______________________________
(١) ظ: المصدر نفسه: ٣/١٩٨ - ١٩٩.
(٢) ظ: الطوسي، محمد بن الحسن، تهذيب الأحكام: ٢ / ١٥٣ والحر العاملي، وسائل الشيعة: ٦/ ٣١٨.
* ظ: الفياض، محاضرات في أصول الفقه: ٥ / ١٣٣.
(٣) ظ: البروجردي، مرتضى، مستند العروة الوثقى، كتاب الصلاة: ٣/١٩٨- ١٩٩.
( ١٣١ )
فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ...﴾(١)، ووجه الاستدلال بها على المقصود بوجهين:
١- إنّها قد دلّت على انحصار أكل مال الناس بالتجارة عن تراضٍ، فالمعنى أنّه لا يتصرف بعضكم في أموال بعضكم الآخر بوجهٍ من الوجوه، فإنّه باطل إلا بوجه التجارة عن تراض فإنه جائز، ولا شبهة في أنّه لو لم يقصد هذا المعنى لزم الإجمال، وقلة الارتباط بين المستثنى والمستثنى منه. ومن الظاهر أنّ بيع الفضولي ليس تجارة عن تراض فيكون أكل المال به أكلاً له بالباطل.
٢- سياق التحديد، فإنّ كل وصفٍ ورد في مقام التحديد يدل على اختصاص الحكم بمورد الوصف وإنْ لم نقل بمفهوم الوصف، فإنّ البحث عن ذلك إنّما هو في ورود الوصف في غير مورد التحديد وإلا فلا شبهة في ثبوت مفهومه، ومن الظاهر أنّ قيد التراضي وصف ورد في مورد التحديد فيدل على انحصار جواز الأكل بمورد القيد فقط(٢).
أما الوجه الأول فقد ناقشه الشيخ مرتضى الأنصاري، بأنّ دلالة الآية على الحصر متوقفة على كون الاستثناء متصلاً مع أنّه منقطع، إذ لا يصح استثناء التجارة الصحيحة من التجارة الفاسدة، فلا يستفاد حصر أكل المال بالتجارة عن تراض لكي يستفاد منه بطلان بيع الفضولي(٣).
وقد ناقش السيد الخوئي كلامَ الشيخ الأنصاري المتقدم بأنّه: يتوجه على الوجه الأول أنّه لا شبهة في ثبوت مفهوم الوصف وإلا لكان القيد لغواً، ولكن فائدة القيد ليست انتفاء الحكم عند انتفائه بل فائدته إنّما هي الدلالة على عدم ثبوت الحكم للطبيعة السارية. ولو سلّمنا عدم دلالة الوصف على المفهوم ولكن ذلك فيما لا قرينة على انتفاء الحكم عند انتفاء القيد، وإلا فلا شبهة في ثبوته، كما إذا ذكر الوصف في مقام التحديد؛ لأنّ وقوعه في مقام التحديد قرينة مقامية على اختصاص الحكم بمورد الوصف، ولو قلنا بعدم ثبوت المفهوم له. والوجه في ذلك هو أنّ الحدّ لا بدّ وأنْ يكون جامعاً للأفراد ومانعاً عن الأغيار، ومن الظاهر أنّه لو لم يكن مفهوم للوصف لما كان كذلك، ومن هذا القبيل قوله (عليه السلام): (كرٌ من الماء)(٤)، في جواب السائل عن الماء الذي لا ينجّسه شيء، فإنّ الإمام (عليه السلام) ذكره في مقام تحديد الماء الذي لا ينفعل، فيدل على انتفاء الحكم عند انتفاء القيد، وذكر التراض في الآية الكريمة من القبيل المذكور؛ لأنّه متوجّه إلى فصل الأسباب الصحيحة للمعاملة عن الباطلة لها وحصر أسبابها الصحيحة بالتجارة
______________________________
(١) النساء: ٢٩.
(٢) ظ: التوحيدي، محمد علي، مصباح الفقاهة: ٢/ ٧٠٨.
(٣) ظ: المكاسب (كتاب البيع): ٣/ ٣٦٤.
(٤) الحر العاملي، وسائل الشيعة: ١/ ١٥٩.
( ١٣٢ )
عن تراض فلا شبهة في قيام القرينة على كون قيد التراض مسوقاً إلى تحديد الأسباب الصحيحة للتجارة وحصرها بالتجارة عن تراض(١).
أما الوجه الثاني فقد ناقشه بأنّه: (يتوجه على الوجه الثاني أنّه لا يفرّق في دلالة الآية على اعتبار التراضي في التجارة وتقييدها به بين كون لفظ عن تراض قيداً للتجارة وبين كونه خبراً ثانياً لـ «تكون»، فإنّه على كل تقدير تدل الآية الشريفة على بطلان التجارة غير الناشئة من الرضا وطيب النفس. نعم إذا كان لفظ عن تراض خبراً بعد خبر لـ «تكون» خرج ذلك عن دائرة مفهومالوصف)(٢).
______________________________
(١) ظ: التوحيدي، محمد علي، مصباح الفقاهة: ٢/ ٧١٢- ٧١٣.
(٢) المصدر نفسه:٢/ ٧١٣.
( ١٣٣ )
الفصل الثاني: مباحث الظن
المبحث الأول: حجيّة الإجماع
المطلب الأول: الإجماع لغةً واصطلاحاً
المطلب الثاني: حجية الإجماع المنقول
المطلب الثالث: أدلة حجية الإجماع المحصّل
المبحث الثاني: حجية الشهرة الفتوائية
المطلب الأول: الشهرة لغةً واصطلاحاً
المطلب الثاني: أدلة الشهرة بأقسامها ومناقشتها
المبحث الثالث: تطبيقات فقهية
المطلب الأول: تطبيقات الإجماع
المطلب الثاني: تطبيقات الشهرة
( ١٣٤ )
تتضمن مباحث الظن مسائل عدّة، هي: إمكان التعبد بالظن ووقوعه، حجية الظواهر، حجية قول اللغوي، الإجماع المنقول، حجية الشهرة، حجية خبر الواحد، حجية الظن المطلق، حجية الظن بالأصول الاعتقادية.
وبما أنّ السمة الواضحة للبحث الفقهي عند السيد الخوئي هي كثرة المناقشات في الإجماعات المنقولة والشهرة الفتوائية، أوصلته إلى نتائج تختلف وتخالف مًنْ سبقه من الفقهاء في موارد عديدة؛ لذا جاء هذا الفصل لبيان هاتين المسألتين الأصوليتين، مع الإعراض عن بقية المسائل الأصولية في مباحث الظن؛ لأنها لا تشكّل معلماً مميّزاً وبارزاً للبحث الأصولي عند السيد الخوئي يؤثر في بيان معالم مدرسته الأصولية.
يشتمل مبحث الإجماع على ثلاثة مطالب هي:
الإجماع لغةً: العزم والاتفاق(١).
أما الإجماع اصطلاحاً: فقد عرّف بتعريفات عدّة أهمها:
١- اتفاق أهل الحَلّ والعقد(٢).
٢- اتفاق أمة محمد صلّى الله عليه وآله خاصة على أمرٍ من الأمور الدينية(٣).
٣- اتفاق المجتهدين منهم في عصر من العصور(٤).
٤- اتفاق الصحابة(٥).
٥- اتفاق أهل المدينة(٦)، وقيل: غير ذلك(٧).
______________________________
(١) الجوهري، إسماعيل بن حماد: الصحاح: ٣/١١٩٩.
(٢) الغزالي، محمد بن محمد: المنخول في علم الأصول: ٣٩٩.
(٣) ظ: الغزالي، محمد بن محمد: المستصفى: ١٣٧.
(٤) ظ: التفتازاني، سعد الدين مسعود، شرح التلويح على التوضيح: ١/ ١٧.
(٥) ظ: السرخسي، شمس الدين أبو بكر، تمهيد الفصول في الأصول: ١/ ٣١٨.
(٦) ظ: الدسوقي، محمد بن عرفة، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير لأبي البركات أحمد الدردير: ٤/ ١٥٣.
(٧) ظ: الحكيم، محمد تقي، الأصول العامة للفقه المقارن: ٢٥٥.
( ١٣٥ )
٦- إجماع الأمة بشرط أنْ يُعلم منه دخول المعصوم فيه(١)، وقريب من تعريف المحقق القمي (ت: ١٢٣١هـ)(٢).
٧- هو اتفاق أهل الحَلّ والعقد الذين منهم الإمام الملازم لوجوده فيهم(٣).
٨- اتفاق جماعةٍ لاتفاقهم شأنٌ في إثبات الحكم الشرعي(٤).
ومال السيد الخوئي في تعريف الإجماع إلى ما ذكره الشيخ الطوسي والمحقق القمي، ويُستظهر ذلك من كلامه في بيان المناط في حجية الإجماع، إذ قال: (فمناط حجية الإجماع إنّما هو كشف أقوال المُجمعين عن قول الإمام عليه السلام بحيث تكون أقوالهم سبباً للقطع بقوله عليه السلام)(٥).
يتبيّن مما تقدم: إنّ المعنى الاصطلاحي مأخوذ من المعنى اللغوي وهو الاتفاق ولكن مع الاختلاف في نوع المتّفقين، وأنّهم: مطلق الأمة أو خصوص المجتهدين منهم، أو خصوص أهل الحَلّ والعقد، ...إلى آخر ما تقدم من الأقوال في هذه المسألة.
والأرجح في تعريف الإجماع هو ما ذكره الشيخ الطوسي والمحقق القمي ومال إليه السيد الخوئي؛ لكونه أكثر دقةً من بقية التعاريف، وتضمّنه المناط في حجية الإجماع وهو الكشف عن قول المعصوم.
مع أنّه يُلحظ عليه: عدم بيان نوع المُجمعين: أعني بذلك هل هم الفقهاء أو غيرهم؟ ومع فرض كونهم من الفقهاء هل هم من المتقدّمين على المحقق الحلي (ت: ٦٧٦هـ) - أمثال الشيخ محمد بن علي الصدوق (ت:٣٨١هـ) والشيخ المفيد (ت:٤١٣هـ) والسيد المرتضى (ت: ٤٣٦هـ) والشيخ الطوسي (ت: ٤٦٠هـ) -أو من المتأخرين- أي ما بعد المحقق الحلي والعلّامة الحلي (ت: ٧٢٦هـ) - من الفقهاء؟
ولذا يرى الباحث أنّه ينبغي تعريف الإجماع بـ: اتفاق جماعة، يكون اتفاقهم سبباً للكشف عن رأي المعصوم عليه السلام، وأنْ يقييد بـ: شريطة أنْ يكون هذا الإجماع محكياً عن المحقق الحلي أو العلّامة الحلي أو الشهيد الأول محمد بن مكي العاملي (ت:٧٨٦هـ)؛ لأنّهم يحكون نفس الفتاوى وبلسان الإجماع الكاشفة عن وجود دليلٍ معتبر، كما ذهب إلى ذلك المحقق النائيني(٦).
______________________________
(١) الطوسي، محمد بن الحسن، العدّة في أصول الفقه: ٢/ ٦٠٢.
(٢) قوانين الأصول: ٢٤٦.
(٣) العراقي، أغا ضياء، مقالات الأصول: ٢ / ٦٩.
(٤) المظفر، محمد رضا، أصول الفقه: ٢/ ٩٣.
(٥) الكوكبي، أبو القاسم، مباني الاستنباط: ١/ ٢٤٨.
(٦) الكاظمي، فوائد الأصول: ٣/ ١٥١.
( ١٣٦ )
يتفرّع البحث عن حجية الإجماع المنقول على القول بحجية خبر الواحد؛ إذ لو قلنا بعدم حجية الخبر لا تصل النوبة إلى البحث عن حجية الإجماع المنقول. نعم بعد ثبوت حجية الخبر يقع الكلام في شمول أدلتها للإجماع المنقول وعدمه، إلا أنّ السيد الخوئي تعرّض له قبل بحثه عن حجية خبر الواحد تبعاً للشيخ مرتضى الأنصاري (ت: ١٢٨١هـ) ومَن سبقه من الأصوليين(١).
والمقصود من الإجماع المنقول: هو الإجماع الذي لم يحصّله الفقيه بنفسه وإنّما ينقله له من حصّله من الفقهاء، سواء أكان النقل له بواسطةٍ أم بوسائط(٢).
ولأجل أنّ حجية الإجماع المنقول بخبر الواحد متفرعٌ على حجية خبر الواحد وبيان حال الإجماع المنقول وأنّه ينطبق على أيّ حالٍ من حالات الإخبار؟ ذكر علماء الأصول ومنهم السيد الخوئي أنّ الإخبار عن الشيء له خمس حالات(٣):
الأولى: أنْ يكون إخباراً عن حسٍ ومشاهدة: ولا إشكال في حجية هذا القسم من الأخبار ببناء العقلاء؛ فإنّ احتمال تعمّد المُخبِر بالكذب مدفوع بعدالته أو وثاقته، واحتمال غفلته مدفوع بأصالة عدم الغفلة التي استقر عليها بناء العقلاء.
الثانية: أنْ يكون إخباراً عن أمرٍ محسوس مع احتمال أنْ يكون إخباره مستنداً إلى الحدس لا إلى الحس، كما إذا أخبر عن المطر مثلا، مع احتمال أنّه لم يره، بل أخبر به استناداً إلى المقدمات المستلزمة للمطر بحسب حدسه، كالرعد والبرق مثلا: وهذا القسم أيضا ملحق بالقسم الأول؛ إذ مع كون المخبَر به من الأمور المحسوسة العين فظاهر الحال يدل على كون الإخبار إخباراً عن الحس، فيكون حجة كما ذكر في الحالة الأولى.
الثالثة: أنْ يكون إخباراً عن حدسٍ قريب من الحس، بحيث لا يكون له مقدمات بعيدة، كالإخبار بأنّ حاصل ضرب عشرة في خمسة يصير خمسين مثلا: وهذا القسم من الأخبار أيضا ملحق بالقسم الأول في الحجية؛ لأنّ احتمال الخطأ في هذه الأمور القريبة من الحس بعيد جداً، ومدفوع بالأصل العقلائي واحتمال تعمّد الكذب مدفوع بالعدالة أو الوثاقة، كما تقدم في الحالة الأولى.
______________________________
(١) ظ: فرائد الأصول: ١/ ١٧٩ والحائري، محمد حسين، الفصول الغروية: ٢٥٨ والبهسودي، محمد سَرْوَر، مصباح الأصول: ٢/ ١٣٤- ١٣٩.
(٢) ظ: المظفر، محمد رضا، أصول الفقه: ٢/ ١٢٠.
(٣) ظ: المصدر نفسه: ١/ ٢٤٦ والبهسودي، مصباح الأصول: ٢/ ١٣٦.
( ١٣٧ )
الرابعة: أن يكون إخباراً عن حدسٍ مع كون حدسه ناشئاً من سببٍ كانت الملازمة بينه وبين المخبَر به تامة عند المنقول إليه أيضاً، بحيث لو فرض إطلاعه على ذلك السبب لقطع بالمخبَر به(١):
ويرى السيد الخوئي: إنّ هذا القسم من الأخبار أيضا حجة، فإنّه إخبار عن الأمر الحسّي، وهو السبب، والمفروض ثبوت الملازمة بينه وبين المُخبَر به في نظر المنقول إليه أيضا(٢).
الخامسة: يكون إخباراً عن حدسٍ مع كون حدسه ناشئاً من سببٍ كانت الملازمة بينه وبين المُخبَر به غير تامةٍ عند المنقول إليه(٣):
بيّن السيد الخوئي أنّ هذا القسم من الإخبار لم يدل دليل على حجيته، فإنّ احتمال تعمّد الكذب، وإنْ كان مدفوعاً بالعدالة أو الوثاقة، إلا أنّ احتمال الخطأ في الحدس مما لا دافع له، إذ لم يثبت بناءٌ من العقلاء على عدم الاعتناء باحتمال الخطأ في الأمور الحدسية(٤).
وصرّح السيد الخوئي بأنّ الإجماع المنقول هو من الحالة الخامسة؛ لأنّ الناقل للإجماع لا يُخبر برأي المعصوم عليه السلام عن الحس، أو ما يكون قريبا منه، ولا عن حدسٍ ناشيءٍ عن سببٍ كان ملازماً لقول المعصوم عليه السلام، فإنّ الإجماع المدّعى في كلام الشيخ الطوسي (ت: ٤٦٠هـ) مبني على كشف رأى المعصوم عليه السلام من اتفاق علماء عصرٍ واحدٍ بقاعدة اللطف(٥)، وهي غير تامةٍ، وأوهن منه الإجماع المدّعى في كلام السيد المرتضى(٦)، فإنّه كثيراً ما ينقل الإجماع على حكمٍ يراه مورد قاعدةٍ اُجمع عليها، أو مورد أصلٍ كذلك مع أنّه ليس من موارد تلك القاعدة أو الأصل حقيقة، كدعواه الإجماع على جواز الوضوء بالمائع المضاف(٧) استناداً إلى أصالة البراءة، مع أنّه لا قائل به فيما نعلم من فقهاء الإمامية، وليس الشك في جواز الوضوء بالمائع المضاف من موارد أصالة البراءة(٨).
______________________________
(١) ظ: الخراساني، محمد كاظم، كفاية الأصول: ٢٨٩.
(٢) ظ: البهسودي، مصباح الأصول: ٢/ ١٣٥.
(٣) الخراساني، محمد كاظم، كفاية الأصول: ٢٨٩.
(٤) ظ: البهسودي، مصباح الأصول: ٢/ ١٣٥.
(٥) ظ: الطوسي، محمد بن الحسن، العدّة في أصول الفقه: ٢/ ٦٠٣.
(٦) انظر على سبيل المثال: المرتضى، الشريف علي بن الحسين، الانتصار: ٨٧، ٩٥، ١٠١، ١٠٤، ١٠٦، ١١٥، ١١٥، ١١٧، ١١٨، ١٢٠، ١٢٢، ١٢٥، ٢٦٦.
(٧) ظ: المرتضى، الشريف علي بن الحسين، الناصريات: ٧٣، ١٠٣.
(٨) ظ: البهسودي، مصباح الأصول: ٢/ ١٣٥.
( ١٣٨ )
وكذا الحال في الإجماع المدّعى في كلمات جماعةٍ من المتأخرين(١) المبني على الحدس برأي المعصوم من اتفاق جماعةٍ من الفقهاء؛ إذ لا ملازمة بين هذا الاتفاق ورأي المعصوم بوجه.
نعم لو علم استناد ناقل الإجماع إلى الحس، كما إذا كان معاصراً للإمام عليه السلام، وسمع منه الحكم، فنقله بلفظ الإجماع، فلا مجال للتوقف في الأخذ به وكان مشمولاً لأدلة حجية الخبر بلا إشكال، إلا أنّ الصغرى لهذه الكبرى غير متحققة، بل نقطع بعدمها، فإنّا نقطع بأنّ الإجماعات المنقولة في كلمات الأصحاب غير مستندةٍ إلى الحس، ونرى أنّ ناقلي الإجماع ممن لم يدرك زمان الحضور. وأما زمان الغيبة فإدّعاء الرؤية فيه غير مسموعٍ مع أنّهم أيضا لم يدّعوها(٢).
رأي المحقق العراقي
وهو التزام حجية الإجماع المنقول في كلمات القدماء؛ بدعوى أنّه يحتمل أنْ يكون مستند القدماء هو السماع من المعصوم عليه السلام ولو بالواسطة، لقرب عصرهم من زمان الحضور، فضمّوا إلى قول المعصوم أقوال العلماء، ونقلوه بلفظ الإجماع، فيكون نقل الإجماع من المتقدمين من القسم الثاني من الإخبار -وهو ما كان الإخبار عن أمرٍ حسي- مع احتمال أنْ يكون الإخبار به مستنداً إلى الحدس(٣).
ولم ينسب السيد الخوئي هذا الرأي إلى قائله بل اكتفى بالتعبير عنه بـ (بعض الأعاظم)، وتبيّن للباحث أنّه للمحقق العراقي (ت:١٣٦١هـ)(٤).
المناقشة
ناقش السيد الخوئي رأي المحقق العراقي في محورين:
المحور الأول: إنّ هذا الاحتمال - أي استناد القدماء في نقل الإجماع إلى الحس - احتمال موهوم جداً، بحيث يكاد يلحق بالتخيّل فلا مجال للاعتناء به، وأما ما ذُكر من أنّ احتمال كون الإخبار مستنداً إلى الحس كافٍ في حجية، فهو فيما إذا كان الاحتمال عقلائياً، لا الاحتمال البعيد غاية البعد الملحق بأمرٍ خيالي.
ووجه بُعد هذا الاحتمال وكونه موهوماً أمران:
______________________________
(١) ظ: القمي، أبو القاسم، قوانين الأصول: ٣٥٥، ٣٨٨ والبروجردي، محمد تقي، نهاية الأفكار: ٣/ ٩٧.
(٢) ظ: البهسودي، مصباح الأصول: ٢/ ١٣٦.
(٣) ظ: البروجردي، محمد تقي، نهاية الأفكار: ٣/ ٩٧.
(٤) ظ: المصدر نفسه: ٢/ ١٣٦والشاهرودي، علي الحسيني، دراسات في الأصول العملية: ٣/٨٧.
( ١٣٩ )
أولا: تتبّع إجماعات القدماء كالسيد المرتضى والشيخ الطوسي، واستناد الثاني في دعوى الإجماع إلى قاعدة اللطف لا إلى الحس من المعصوم عليه السلام ولو بالواسطة، واستناد الأول إلى أصلٍ أو قاعدةٍ كان تطبيقهما بنظره، فلو لم ندّع القطع بعدم استنادهما إلى الحس من المعصوم عليه السلام ولو بالواسطة، لا أقل من عدم الاعتناء باحتمال الاستناد إلى الحسّ.
ثانيا: إنّه لو كان الأمر كذلك كان المتعيّن هو النقل عن المعصوم (عليه السلام)، كبقية الروايات، لا نقل الإجماع، فإنّ نقل الإجماع - بعد كونه كاشفاً عن قول المعصوم (عليه السلام) مع كون نفس قول المعصوم محسوساً له ولو بالواسطة - يكون شبيها بالأكل من القفاء.
المحور الثاني: إنّه على فرض التنزّل وتقدير تسليم ذلك وإنّ إجماع القدماء مستند إلى الحس بالواسطة فيكون الإجماع المنقول منهم بمنزلة رواية مرسلة، فإنه لا يصح الاعتماد عليه؛ لعدم المعرفة بالواسطة بينهم وبين المعصوم (عليه السلام)، وعدم ثبوت وثاقتها.
فتحصّل مما ذُكر في المقام أنّه لا ملازمة بين حجية خبر الواحد وحجية الإجماع المنقول بوجه.
الإجماع المحصّل: هو الإجماع الذي يحصّله الفقيه بنفسه بتتبّع أقوال أهل الفتوى، وهو أحد الأدلة الأربعة(١).
وقد تعرّض السيد الخوئي إلى الأدلة المدعاة في حجية الإجماع المحصّل، وهي:
الدليل الأول: الملازمة العقلية بين الإجماع وقول المعصوم (عليه السلام)
وتقريب هذه الملازمة بوجهين:
الوجه الأول: قاعدة اللطف
وهو ما استند إليه الشيخ الطوسي (ت:٤٦٠هـ) من أنّه يجب على المولى سبحانه وتعالى اللطف بعباده، بإرشادهم إلى ما يقرّبهم إليه تعالى من مناهج السعادة والصلاح، وتحذيرهم عمّا يبعّدهم عنه تعالى من مساقط الهلكة والفساد. وهذا هو الوجه في إرسال الرسل وإنزال الكتب ونصب الإمام (عليه السلام) وهذه القاعدة تقتضي - عند اتفاق الأمة على خلاف الواقع في حكمٍ من الأحكام - أنْ يُلقي الإمام
______________________________
(١) ظ: المظفر، محمد رضا، أصول الفقه: ٢/ ١١٢.
( ١٤٠ )
المنصوب من الله تعالى الخلافَ بينهم، فمن عدم الخلاف يُستكشف موافقتهم لرأي الإمام عليه السلام(١).
المناقشة
ناقش السيد الخوئي الوجه الذي ذكره الشيخ الطوسي في حجية الإجماع والمستند على قاعدة اللطف*، وكانت مناقشته في ثلاث نقاط(٢)، هي:
الأولى: عدم تمامية القاعدة في نفسها، إذ لا يجب اللطف عليه تعالى بحيث يكون تركه قبيحاً يستحيل صدوره منه سبحانه، بل كل ما يصدر منه تعالى مجرد فضل ورحمة على عباده.
الثانية: إنّ قاعدة اللطف على تقدير تسليمها لا تقتضي إلا تبليغ الأحكام على النحو المتعارف، وقد بلّغها وبيّنها الأئمة عليهم السلام للرواة المعاصرين لهم، فلو لم تصل إلى الطبقة اللّاحقة لمانعٍ من قبل المكلفين أنفسهم ليس على الإمام (عليه السلام) إيصالها إليهم بطريق غير عادي إذ أنّ قاعدة اللطف لا تقتضي ذلك، وإلا كان قول فقيهٍ واحدٍ كاشفاً عن قول المعصوم (عليه السلام)، إذا فرض انحصار العالم به في زمان. وهذا واضح الفساد.
الثالثة: إنّه إنْ كان المراد إلقاء الخلاف وبيان الواقع من الإمام (عليه السلام) مع إظهار أنّه الإمام، بأنْ يعرّفهم بإمامته، فهو مقطوع العدم، وإنْ كان المراد هو إلقاء الخلاف مع إخفاء كونه إماماً فلا فائدة فيه؛ إذ لا يترتب الأثر المطلوب من اللطف، وهو الإرشاد على خلاف شخصٍ مجهولٍ كما هو ظاهر.
الوجه الثاني: القطع الناشيء من الملازمة بين اتفاق الفقهاء ورأي الإمام
يستند هذا الوجه إلى أنّ اتفاق جميع الفقهاء يستلزم القطع بقول الإمام (عليه السلام) عادةً؛ إذ من قول فقيهٍ واحدٍ يحصل الظن ولو بأدنى مراتبه بالواقع، ومن فتوى الفقيه الثاني يتقوى ذلك الظن ويتأكد، ومن فتوى الفقيه الثالث يحصل الإطمئنان، ويضعف احتمال مخالفة الواقع، وهكذا إلى أنْ يحصل القطع بالواقع كما هو الحال في الخبر المتواتر، فإنّه يحصل الظن بإخبار شخصٍ واحد، ويتقوى ذلك الظن بإخبار شخصٍ ثانٍ وثالث، وهكذا إلى أنْ يحصل القطع بالمُخبَر به(٣).
______________________________
(١) ظ: الطوسي، محمد بن الحسن، العدة في أصول الفقه: ٢/ ٦٠٣.
* الإجماع اللطفي: اتفاق طائفة يستحيل بحكم العادة خطأهم وعدم وصولهم إلى حكم الإمام عليه السلام، ظ: الأنصاري، مرتضى، فرائد الأصول: ١/ ١٨٩.
(٢) ظ: الشاهرودي، علي الحسيني، دراسات في الأصول العملية: ٣/ ٨٨- ٨٩ والبهسودي، مصباح الأصول: ٢/ ١٣٨-١٤١ والصافي، حسن، الهداية في الأصول: ٣/ ١٥٤- ١٥٥.
(٣) ظ: البهسودي، مصباح الأصول: ٢/ ١٣٩.
( ١٤١ )
وقد ذكر السيد الخوئي هذا الوجه من دون أنْ ينسبه إلى قائله، وتبيّن للباحث أنّه للمحقق العراقي (ت:١٣٦١هـ)(١).
وأشار السيد محمد باقر الصدر (ت:١٤٠٠هـ) إلى هذا الوجه وفق مبناه في حساب الاحتمالات، إذ أنّ (بتراكم الفتاوى تتجمّع القرائن الاحتمالية لإثبات الدليل الشرعي بدرجةٍ كبيرةٍ تتحول بالتالي إلى يقين لتضاؤل احتمال الخلاف)(٢).
المناقشة
أخذ السيد الخوئي بمناقشة هذا الوجه بأنّ ذلك مسلّم في الإخبار عن الحسّ كما في الخبر المتواتر؛ لأنّ احتمال مخالفة الواقع في الخبر الحسي إنّما ينشأ من احتمال الخطأ في الحس أو احتمال تعمّد الكذب، وكلا الاحتمالين يضعف بكثرة المخبرين إلى أنْ يحصل القطع بالمُخبَر به وينعدم الاحتمالان. وهذا بخلاف الإخبار الحدسي المبني على البرهان، كما في المقام، فإنّ نسبة الخطأ إلى الجميع كنسبته إلى الواحد، إذ احتمال كون البرهان غير مطابقٍ للواقع لا يفرّق فيه بين أنْ يكون الاستناد إليه من شخصٍ واحدٍ أو أكثر، إلا ترى أنّ اتفاق الفلاسفة على أمرٍ برهاني كامتناع إعادة المعدوم مثلاً لا يوجب القطع به؟
نعم لو تم ما نُسب إلى النبي ٨: من قوله: (لا تجتمع أمتي على الخطأ)(٣) على فرض أنّ المراد من الأمة هو خصوص الإمامية، ثبتت الملازمة بين إجماع علماء الإمامية وقول المعصوم (عليه السلام)، ولكنّه غير تام سنداً ودلالة:
أما من حيث السند فلكونه من المراسيل الضعاف(٤).
وأما من حيث الدلالة فلعدم اختصاص الأمة بالإمامية كما هو ظاهر في نفسه، ويظهر أيضاً من قوله صلى الله عليه وآله: (ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة)(٥).
______________________________
(١) ظ: البروجردي، محمد تقي، نهاية الأفكار: ٣/ ٩٧.
(٢) الصدر، دروس في علم الأصول (الحلقة الثالثة): ٣/ ١٢٩.
(٣) نص الحديث هو: لا تجتمع أمتي على ضلالة، ظ: الحراني، الحسن بن علي المعروف بـ «ابن شعبة»، تحف العقول عن آل الرسول صلى الله عليهم: ٤٥٨ والهيثمي، علي بن أبي بكر، مجمع الزوائد: ٧ / ٢٢٢ والعجلوني، إسماعيل بن محمد، كشف الخفاء ومزيل الإلباس، ح ٢٩٩٩: ٢ / ٣٥٠.
(٤) لوجود أبي خلف الأعمى في سند الحديث، ذكر الذهبي عنه: أنّه متروك الحديث، وقال عنه ابن حجر: إنّه منكر الحديث ليس بالقوي، ظ: ميزان الاعتدال في نقد الرجال، ترجمة رقم ١٠٣٦٣: ٤ / ٥٤٥ والعسقلاني، أحمد بن علي، تهذيب التهذيب، ترجمة رقم ٨٤١٩: ١٢ / ٧٨.
(٥) ظ: ابن حنبل، أحمد، مسند أحمد: ٢/ ٣٣٢ وابن ماجة، محمد بن يزيد، سنن ابن ماجة: ٢ / ١٣٢١ والكليني، محمد بن يعقوب، الروضة من الكافي: ٨ / ٢٢٤ والحر العاملي، وسائل الشيعة: ٢٧ / ٤٩.
( ١٤٢ )
الدليل الثاني: الملازمة العادية بين الإجماع وقول المعصوم (عليه السلام)
إنّ العادة تحكم بأنّ اتفاق المرؤوسين على أمرٍ لا ينفكّ عن رأي الرئيس، فإنّ اتفاق جميع الوزراء وجميع أركان الحكومة على أمرٍ لا ينفكّ عن موافقة رأي السلطان بحكم العادة(١).
وقد ذكر هذا الدليل أكثر المتأخرين من الأصوليين(٢) وعبّر المحقق العراقي (ت:١٣٦١هـ) عن رأيه في هذا الدليل بأنّه ليس ببعيد؛ لكونه من الحدس القريب إلى الحس(٣).
المناقشة
بيّن السيد الخوئي في مناقشة هذا الدليل: إنّ ذلك إنّما يتم فيما إذا كان المرؤوسون ملازمين لحضور رئيسهم كما في المثال، وأنّى ذلك في زمان الغيبة.
نعم الملازمة الاتفاقية - بمعنى كون الاتفاق كاشفاً عن قول الإمام (عليه السلام) أحياناً من باب الاتفاق - مما لا سبيل إلى إنكارها إلا أنّه لا يثبت بها حجية الإجماع بنحو الإطلاق، فإنّ استكشاف قول الإمام عليه السلام من الاتفاق يختلف باختلاف الأشخاص والأنظار، فرب فقيهٍ لا يرى الملازمة أصلاً، وفقيهٍ آخر لا يرى استكشاف رأي المعصوم إلا من اتفاق علماء جميع الأعصار، وفقيهٍ ثالث يحصل له اليقين من اتفاق الفقهاء في عصرٍ واحد، أو من اتفاق جملةٍ منهم. وقد شاهدنا بعض الأعاظم* أنّه كان يدّعي القطع بالحكم من اتفاق ثلاثة نفرٍ من العلماء، وهم الشيخ الأنصاري (ت: ١٢٨١هـ) والسيد محمد حسن الشيرازي الكبير (ت:١٣١٢هـ) والمرحوم الميرزا محمد تقي الشيرازي (ت: ١٣٣٨هـ)؛ لاعتقاده بشدّة ورعهم ودقّة نظرهم(٤).
______________________________
(١) ظ: الصافي، حسن، الهداية في الأصول: ٣/ ١٥٧ والبهسودي، مصباح الأصول: ٢/ ١٣٩.
(٢) ظ: الكاظمي، محمد علي، فوائد الأصول: ٣/١٥٠ والمظفر، محمد رضا، أصول الفقه: ٢/ ١١٢ والروحاني، محمد صادق، زبدة الأصول: ٣/١١٣.
(٣) ظ: البروجردي، محمد تقي، نهاية الأفكار: ٣/ ٩٧.
* التعبير بـ «بعض الأعاظم»عند السيد الخوئي بحسب تتبع الباحث يُراد منه إما المحقق النائيني أو المحقق العراقي أو كليهما.
(٤) ظ: البهسودي، مصباح الأصول: ٢/ ١٣٩.
( ١٤٣ )
الدليل الثالث: كاشفية الإجماع عن الدليل المعتبر
إنّ الإجماع كاشف عن وجود دليلٍ معتبر، بحيث لو وصل إلينا لكان معتبراً عندنا أيضا(١).
وينبغي أنْ يشار إلى أنّ المحقق النائيني (ت: ١٣٥٥هـ) مال إلى هذا الدليل ولكن بشرط أنْ يكون الإجماع منقولاً عن المحقق الحلي أو العلّامة الحلي أو الشهيد الأول محمد بن مكي العاملي (ت:٧٨٦هـ)؛ وذلك (لأنهم يحكون نفس الفتاوى وبلسان الإجماع الكاشفة عن وجود دليلٍ معتبرٍ مع عدم وجود أصلٍ أو قاعدةٍ أو دليلٍ في البين)(٢)، وكذا مال إلى هذا الدليل كل من: المحقق العراقي (ت:١٣٦١هـ) والسيد أبي الحسن الأصفهاني (ت: ١٣٦٥هـ)(٣)، أما المحقق محمد حسين الأصفهاني (ت: ١٣٦١هـ) فقد ذكر أنّه لا يُراد من الإجماع المنقول إلا المقدار الكاشف عن حجة معتبرة؛ لجلالة المفتين وعلوّ قدرهم علماً وعملاً(٤).
المناقشة
أخذ السيد الخوئي بمناقشة هذا الدليل مبيّناً أنّ الإجماع وإنْ كان كاشفاً عن وجود أصل الدليل كشفاً قطعياً؛ إذ الإفتاء بغير الدليل غير محتملٍ في حقّهم فإنّه من الإفتاء بغير العلم وهو حرام، وعدالتهم مانعة عنه، إلا أنّه لا يستكشف منه أنّ الدليل معتبرعندنا؛ إذ من المحتمل أنْ يكون اعتمادهم على قاعدةٍ أو أصلٍ لا نرى تمامية القاعدة المذكورة أو الأصل المذكور، أو عدم انطباقهما على الحكم المجمع عليه، كما هو الحال في الإجماع المدّعى في كلام السيد المرتضى(٥).
يظهر للباحث: إنّ هذه المناقشة قد اتفق فيها السيد الخوئي مع اُستاذه المحقق النائيني(٦).
ويمكن أن يُقال: لمّا كان الإفتاء بغير دليلٍ غير محتملٍ في حقّهم كان وجود الدليل لابدياً، وحينئذٍ يكون احتمال اعتمادهم على قاعدةٍ أو أصلٍ بعيداً في نفسه لاسيّما إذا لاحظنا أنّهم مختلفون في الأنظار والمشارب فضلاً عن التطبيق.
______________________________
(١) ظ: البهسودي، مصباح الأصول: ٢/ ١٣٩.
(٢) الكاظمي، فوائد الأصول: ٣/ ١٥١.
(٣) ظ: البروجردي، محمد تقي، نهاية الأفكار: ٣/ ٩٧ والسبزواري، حسن السيادتي، وسيلة الوصول إلى حقائق الأصول: ٥٦٣.
(٤) ظ: نهاية الدراية في شرح الكفاية: ٢/ ١٨٤.
(٥) ظ: البهسودي، مصباح الأصول: ٢/ ١٣٩والصافي، حسن، الهداية في الأصول: ٣/ ١٥٨والانتصار: ٨٧، ٩٥، ١٠١، ١٠٤.
(٦) ظ: الكاظمي، فوائد الأصول: ٣/ ١٥١.
( ١٤٤ )
مناقشة الصدر للخوئي
ناقش السيد محمد باقر الصدر مناقشة السيد الخوئي المتقدّمة: بأنّ المأخذ ليس هو استكشاف مدرك روائي وصلهم ولم يصل إلينا ليُلحظ عليه بما تقدم آنفاً، بل استكشاف ما هو أقوى من الرواية وهو الارتكاز الكاشف تكويناً وقطعاً عن رأي المعصوم(١).
ويظهر للباحث: إنّ ما ذكره السيد الصدر قوي متين؛ إذ أنّ المستكشف عن طريق الإجماع هو أعم من الرواية وهو الارتكاز، فما ذكره السيد الخوئي أخصّ من المدّعى.
وبعد أنْ ناقش السيد الخوئي جميع الأدلة المدّعاة لحجية الإجماع المحصّل والمنقول انتهى إلى نتيجة، هي:
إنّه لا مستند لحجية الإجماع أصلاً، فلا يكون حجة(٢).
إلا أنّه استدرك على هذه النتيجة التي توصّل إليها بقوله: (إلا أنّ مخالفة الإجماع المحقَّق من أكابر أصحاب وأعاظم الفقهاء مما لا نجتريء عليه فلا مناص في موارد تحقق الإجماع من الالتزام بالاحتياط اللازم كما التزمنا به في بحث الفقه*)(٣).
ويرى الباحث: إنّه لمّا كان الإجماع بأقسامه ليس بحجة معتبرة عند السيد الخوئي، إذن لماذا يلتزم بالاحتياط اللازم تجنباً لمخالفة الإجماع المحقّق؟ صحيح أنّ الاحتياط حسن على كل حال، أما كونه لازماً فهو بلا مدرك.
______________________________
(١) ظ: الهاشمي، محمود، بحوث في علم الأصول: ٤ / ٣١٤.
(٢) ظ: البهسودي، مصباح الأصول: ٢/ ١٤٠.
* على سبيل المثال: الاحتياط الوجوبي بنجاسة الكتابي، ومنجّسية المتنجّس لملاقيه، ظ: الغروي، علي، التنقيح في شرح العروة الوثقى، كتاب الطهارة: ٢ / ٥٧، ٢٢٣.
(٣) البهسودي، مصباح الأصول: ٢/ ١٤١.
( ١٤٥ )
من المسائل الأصولية التي تُعد معلماً من معالم البحث الفقهي للسيد الخوئي هي كثرة المناقشة في الشهرة العملية والفتوائية، ممّا أثّر بشكل جلي على فتاواه في البحث الفقهي؛ ولذا انعقد هذا المبحث في بيان الشهرة في اللغة، وبيان المعنى الاصطلاحي لكافة أقسام الشهرة، وعرض الأدلة المذكورة لكل قسمٍ منها، مع بيان مناقشات السيد الخوئي لها، وانتظم في مطلبين:
أولاً: الشهرة لغةً
الشهرة: ظهور الشيء في شنعة حتى يشهره الناس، وشهر سيفه إذا انتضاه(١)، وهي بمعنى وضوح الأمر، ولفلان فضيلة اشتهرها الناس(٢)، والشهر في كلام العرب: الهلال ثمّ سُمّي كل ثلاثين يوماً باسم الهلال(٣).
فالشهرة لغةً بمعنى مطلق ظهور الشيء ووضوحه وذيوعه، كما أشار إليه السيد الخوئي(٤).
ويرى الباحث لا داعي لتقييدها بظهور الشيء في شنعة أو فضيلة.
ثانياً: الشهرة اصطلاحاً
وقد أطلقت الشهرة باصطلاح أهل الحديث على كل خبرٍ كثُر راويه على وجهٍ لا يبلغ حد التواتر(٥). والخبر يُقال له حينئذ: «المشهور» كما قد يُقال له:
«مستفيض». وكذلك يطلقون «الشهرة» باصطلاح الفقهاء على ما لا يبلغ درجة الإجماع من الأقوال في المسألة الفقهية. فهي عندهم لكل قول كَثُر القائل به في مقابل القول النادر. والقول يقال له: «مشهور» كما أنّ المفتين الكثيرين أنفسهم يُقال لهم: «المشهور» فيقولون: ذهب المشهور إلى كذا، وقال المشهور بكذا(٦).
ويختلف تعريف الشهرة عند الأصوليين ومنهم السيد الخوئي(٧)؛ وذلك بحسب أقسامها؛ فإنّ الشهرة على ثلاثة أقسام:
______________________________
(١) ظ: الفراهيدي، الخليل بن أحمد، العين: ٣ / ٤٠٠.
(٢) ظ: الجوهري، إسماعيل بن حماد، الصحاح: ٢ / ٧٠٥.
(٣) ظ: ابن زكريا، أحمد، مجم مقاييس اللغة: ٣ / ٢٢٢.
(٤) ظ: البهسودي، مصباح الأصول: ٢ /١٤٢.
(٥) ظ: مجموعة باحثين (مركز المعجم الفقهي)، المصطلحات: ٩٧٥.
(٦) ظ: المظفر، محمد رضا، أصول الفقه: ٣ /١٦٧.
(٧) ظ: البهسودي، مصباح الأصول: ٢/ ١٤١- ١٤٣والكوكبي، أبو القاسم، مباني الاستنباط: ١/ ٢٥٩ - ٢٧٠.
( ١٤٦ )
١- الشهرة الروائية
وهي في الإصطلاح: اشتهار الرواية بكثرة نقلها، وتكررها بين الرواة والمحدّثين، ويقابلها الشذوذ والندرة، بمعنى قلة الناقل لها. وهذه الشهرة من المرجّحات عند تعارض الخبرين على المسلك المشهور(١).
وذكر السيد الصدر في تعريفها أنّها: (تعدّد رواة الحديث بدرجةٍ دون التواتر)(٢).
٢- الشهرة العملية
وهي عبارة عن اشتهار عمل الفقهاء على روايةٍ واستنادهم إليها في مقام الفتوى، ولذا يُعبّر عنها بالشهرة في الاستناد.
والنسبة بين الشهرة بهذا المعنى والشهرة بمعناها الأول -أي الشهرة الروائية- بحسب الأثر هي التباين؛ فإنّها بهذا المعنى توجب ترجيح إحدى الروايتين في مقام التعارض بعد تمامية حجيتها في أنفسهما بخلافها بالمعنى الأول فإنّها بذاك المعنى توجب ثبوت أصل الحجية لها بعد عدم حجيتها في نفسها مع قطع النظر عنها، كما أنّ النسبة بحسب المورد عموم من وجه؛ فإنّ الرواية قد تكون مشهورة بحسب العمل من دون النقل، وقد تكون مشهورة بحسب النقل والعمل معاً(٣).
٣- الشهرة الفتوائية
عبارة عن اشتهار الفتوى بحكمٍ من الأحكام من دون أنْ يُعلم مستند الفتوى، إما لعدم الرواية رأساً أو عدم إحراز استنادهم إليها في مقام الفتوى.
والفرق بين الشهرة بهذا المعنى وبينها بالمعنيين الأولين هو أنّ لها بالمعنيين الأولين مساس بالرواية أمّا من جهة نقلها في مقام الرواية، أو من جهة الاستناد إليها في مقام الفتوى بخلافها بهذا المعنى إذ لا مساس لها حينئذٍ بالرواية فلا تكون جابرة لضعف روايةٍ واردةٍ على طبقها وإنْ قلنا بأنّ عمل المشهور على طبق روايةٍ يوجب جبر ضعفها، نعم هي بهذا المعنى بناءً على كون إعراض المشهور عن رواية موجباً لوهنها - تشترك مع الشهرة بمعناها السابق في كونها موجبة لوهن الرواية الواردة على خلافها(٤).
______________________________
(١) ظ: البهسودي، مصباح الأصول: ٢/ ١٤١والكوكبي، مباني الاستنباط: ١/ ٢٥٩ والصافي، حسن، الهداية في الأصول: ٣/١٦١.
(٢) دروس في علم الأصول (الحلقة الثالثة): ٣ /١٥٠.
(٣) ظ: الكوكبي، أبو القاسم، مباني الاستنباط: ١/٢٦٤والصافي، حسن، الهداية في الأصول: ٣/١٦١ وبحر العلوم، علاء الدين، مصابيح الأصول: ٣/ ٣٥٢.
(٤) ظ:البهسودي، مصباح الأصول: ٢/ ١٤٣ والكوكبي، مباني الاستنباط: ١ / ٢٦٥.
( ١٤٧ )
وعرّفها السيد الصدر بأنّها: (انتشار الفتوى بين الفقهاء وشيوعها بدرجةٍ دون الإجماع)(١).
أولاً: أدلة الشهرة الروائية ومناقشة السيد الخوئي لها
ذكر السيد الخوئي ما اُستدل به على الشهرة الروائية(٢)، وهما دليلان:
الدليل الأول: ما ورد في مقبولة* عمر بن حنظلة** من قول الإمام الصادق (عليه السلام): (يُنظر إلى ما كان من روايتهما عنّا في ذلك الذي حكما به المُجمع عليه بين أصحابك فيؤخذ به)(٣)، بدعوى أنّ المراد بالمُجمع عليه فيها المشهور لا الإجماع الاصطلاحي، بقرينة المقابلة في نفس الرواية بقوله (عليه السلام): (ويترك الشاذّ الذي ليس بمشهورٍ عند أصحابك)(٤).
وهذه الشهرة توجب جبر ضعف سند الرواية لو كانت ضعيفة السند، كما إنّ إعراض المشهور يوجب ضعف الرواية الصحيحة باعتبار أنّ عمل المشهور بروايةٍ مع علمهم بضعفها كاشف عن كونها محتفّةً بقرينةٍ أوجبت صيرورتها
______________________________
(١) دروس في علم الأصول (الحلقة الثالثة): ٣ /١٥٠.
(٢) ظ: البهسودي، مصباح الأصول: ٢/ ١٤٣ والكوكبي، مباني الاستنباط:١ / ٢٦٥.
* المقبولة اصطلاحاً: الرواية التي يتلقاها العلماء بالقبول مع عدم توفر سندها على شروط الاعتبار ويعملون بمضمونها، ظ: فتح الله، أحمد، معجم ألفاظ الفقه الجعفري: ٤٠١.
** هو عمر بن حنظلة العجلي البكري الكوفي، يُكنّى أبا صخر، من أصحاب الإمام الباقر والإمام الصادق عليهما السلام، لم يُنصّ على وثاقته ولكن المشهور عملوا بروايته، ظ: الخوئي، أبوالقاسم، معجم رجال الحديث: ١٤ / ٣١.
(٣) نص الرواية هو: عن عمر بن حنظلة، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما - إلى أنْ قال: فإنْ كان كل واحد اختار رجلاً من أصحابنا فرضيا أنْ يكونا الناظرين في حقهما واختلف فيهما حكما وكلاهما اختلفا في حديثكم؟ فقال الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما، ولا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر قال: فقلت: فإنّهما عدلان مرضيان عند أصحابنا لا يفضل واحد منهما على صاحبه؟ قال: فقال: ينظر إلى ما كان من روايتهما عنا في ذلك الذي حكما به المجمع عليه عند أصحابك فيؤخذ به من حكمنا ويترك الشاذ الذي ليس بمشهور عند أصحابك فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه، وإنّما الأمور ثلاثة: أمر بيّن رشده فيتبع، وأمر بيّن غيّه فيجتنب، وأمر مشكل يُردّ حكمه إلى الله، قال رسول الله ٨: حلال بيّن وحرام بيّن وشبهات بين ذلك، فمن ترك الشبهات نجا من المحرمات ومن أخذ بالشبهات ارتكب المحرمات وهلك من حيث لا يعلم... قال: إذا كان ذلك فارجئه حتى تلقى إمامك فإنّ الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات، ظ: الكليني، محمد بن يعقوب، الأصول من الكافي: ١/ ٦٨ والحر العاملي، وسائل الشيعة: ٢٧ / ١٠٦.
(٤) الكليني، الأصول من الكافي: ١/ ٦٨ والحر العاملي، وسائل الشيعة: ٢٧ / ١٠٦.
( ١٤٨ )
موثوقاً بها عندهم، وإلا لم يعملوا بها، كما أنّ إعراضهم عن روايةٍ مع علمهم بصحة سندها كاشف عن كونها ضعيفة عندهم بوجهٍ لا نعلمه.
نعم لا بدّ من علمهم بالضعف في الرواية في حالة عمل المشهور بها، ولا بد من علمهم بالقوة بها في حالة إعراضهم عنها؛ لكونها بمرأى ومسمع منهم وإلا لا تكون جابرة أو كاسرة(١).
المناقشة
أخذ السيد الخوئي بمناقشة الدليل الأول للمشهور على الشهرة الروائية، ويمكن جعل مناقشته في نقطتين:
١- مناقشة سند الرواية
عدم ثبوت وثاقة عمر بن حنظلة؛ فإنّه لم يذكر له توثيق في كتب الرجال(٢).
نعم وردت رواية في باب الوقت* تدل على توثيق الإمام (عليه السلام) له ونعم التوثيق، فإنّ توثيق الإمام إمام التوثيقات، وهي ما نقله في الوسائل عن الكافي عن علي بن إبراهيم عن محمد بن عيسى عن يونس عن يزيد بن خليفة، قال قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): (إنّ عمر بن حنظلة أتانا عنك بوقتٍ، فقال (عليه السلام) إذا لا يكذب علينا)(٣). إلا أنّ هذه الرواية بنفسها ضعيفة من حيث السند، فلا يمكن إثبات وثاقة عمر بن حنظلة(٤).
٢- مناقشة متن الرواية
أنّ المراد بالمجمع عليه في المقبولة هو الخبر الذي أجمع على صدوره من المعصوم، فيكون المراد منه الخبر المعلوم صدوره، لقوله (عليه السلام): (فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه)(٥)، وقوله (عليه السلام) بعد ذلك: (الأمور ثلاثة: أمر بيّن رشده فيتبع، وأمر بيّن غيّه فيُجتنب، وأمر مشكل يُردّ حكمه إلى الله)(٦) فإنّ الإمام عليه السلام طبّق الأمر البيّن رشده على الخبر المجمع عليه، وحينئذٍ يكون الخبر المعارض له ساقطاً عن الحجية في نفسه، لما دلّ على طرح الخبر المخالف للكتاب والسنّة، والمراد بالسنّة كل خبرٍ مقطوع الصدور لا خصوص النبوي.
______________________________
(١) ظ: الصافي، حسن، الهداية في الأصول: ٣/١٦١ - ١٦٢.
(٢) الخوئي، أبو القاسم، معجم رجال الحديث: ١٤/ ٣١.
* أي في تحديد وقت الصلاة.
(٣) الحر العاملي، وسائل الشيعة: ٤/ ١٥٦.
(٤) ظ:البهسودي، مصباح الأصول: ٢/ ١٤١- ١٤٢و الكوكبي، أبو القاسم، مباني الاستنباط: ١/ ٢٦٢ - ٢٦٣و الفياض، محاضرات في أصول الفقه: ٣ / ٢٣٠.
(٥) الحر العاملي، وسائل الشيعة: ٢٧ / ١٠٦.
(٦) المصدر نفسه: ٢٧/ ١٠٦.
( ١٤٩ )
ولا ينافي ما ذُكر آنفاً فرض الراوي الشهرة في كلتا الروايتين بعد أمر الإمام (عليه السلام) بالأخذ بالمجمع عليه؛ وذلك لأنّ القطع بصدور أحدهما لا يستلزم القطع بعدم صدور الآخر، بل يمكن أنْ يكون كلاهما صادراً من المعصوم (عليه السلام)، ويكون أحدهما صادراً لبيان الحكم الواقعي، والآخر للتقية(١).
الدليل الثاني: ما ورد في مرفوعة* زرارة بن أعين من قول الإمام الباقر (عليه السلام): (خُذْ بما اُشتهر بين أصحابك ودع الشاذّ النادر)(٢).
المناقشة
ناقش السيد الخوئي الاستدلال بهذه المرفوعة، ويمكن جعل مناقشته ضمن ثلاثة نقاط(٣):
١- مناقشة سند الرواية
إنّ هذه المرفوعة هي من المراسيل التي لا يصحّ الاعتماد عليها، فإنّها مروية
في كتاب عوالي اللئالي(٤) عن العلّامة الحلي (ت: ٧٢٦هـ) مرفوعة إلى زرارة. فضلاً عن أنّها لم توجد في كتب العلّامة ولم يثبت توثيق راويها، بل طعن فيه** وفي كتابه*** مَنْ ليس دأبه الخدشة في سند الرواية، كالمحدّث البحراني (ت: ١١٨٦هـ)(٥).
______________________________
(١) ظ: البهسودي، مصباح الأصول: ٢/ ١٤١- ١٤٢و الكوكبي، أبو القاسم، مباني الاستنباط: ١/ ٢٦٢ - ٢٦٣و الفياض، محاضرات في أصول الفقه: ٣ / ٢٣٠.
* المرفوعة اصطلاحاً: الرواية التي رفعها راويها إلى المعصوم من دون أنْ يذكر الوسائط بينهما، ظ: فتح الله، أحمد، معجم ألفاظ الفقه الجعفري: ٣٨١.
(٢) نص الرواية هو: عن زرارة بن أعين، قال: سألت الباقر (عليه السلام)، فقلت: جعلت فداك، يأتي عنكم الخبران أو الحديثان المتعارضان، فبأيّهما آخذ؟ فقال (عليه السلام): «يا زرارة، خذ بما اشتهر بين أصحابك ودع الشاذ النادر»، ظ: الإحسائي، ابن أبي جمهور، عوالي اللئالي: ٤/ ١٣٣ والنوري، حسين، مستدرك الوسائل: ١٧ / ٣٠٣.
(٣) ظ: البهسودي، مصباح الأصول: ٢/ ١٤١-١٤٢ والكوكبي، أبو القاسم، مباني الاستنباط: ١ / ٢٦٢- ٢٦٣و الفياض، محاضرات في أصول الفقه: ٣ / ٢٣١٠.
(٤) ظ: الإحسائي، ابن أبي جمهور: ٤/١٣٣.
** أي ابن أبي جمهور الأحسائي.
*** أي عوالي اللئالي.
(٥) ظ: الحدائق الناضرة: ١ / ٩٩.
( ١٥٠ )
٢- مناقشة متن الرواية
عدم صحة الاستدلال بالمرفوعة؛ إذ المراد من قوله (عليه السلام): (خذ بما اُشتهر بين أصحابك) هو الشهرة بالمعنى اللغوي، أي الظاهر الواضح، كما يقال: شهر سيفه وسيفٌ شاهر، فيكون المراد به الخبر الواضح صدوره، بأنْ كان مقطوع الصدور أو المطمأنّ بصدوره، ويكون حينئذ الخبر المعارض له ساقطاً عن الحجية في نفسه.
٣- مناقشة المبنى
ردّ دعوى انجبار المرفوعة بعمل المشهور: ذكر السيد الخوئي أنّ هذه الدعوى ممنوعة صغرىً وكبرىً:
أما من حيث الصغرى فلأنّه لم يثبت استناد المشهور إليها، بل لم نجد عاملاً بما في ذيلها* من الأمر بالاحتياط.
وأما من حيث الكبرى فلعدم كون عمل المشهور جابراً لضعف السند.
النتيجة: عدم كون الشهرة الروائية من المرجّحات عند تعارض الخبرين(١).
بينما يرى المحقق النائيني أنّه لا إشكال في كون الشهرة الروائية موجبة لأقوائية تلك الرواية وترجيحها على الرواية المعارضة(٢).
ثانيا: أدلة الشهرة العملية ومناقشتها
ذهب مشهور الأصوليين(٣) إلى أنّ الشهرة العملية للرواية موجبة لجبر ضعف سند الرواية؛ إذ أنّ عملهم بها يكشف عن وجود قرينةٍ فيها تدل على صدورها
______________________________
* وهو قوله عليه السلام في آخر مرفوعة زرارة: إذن فأرجه حتى تلقى إمامك فتسأله، ظ: النوري، حسين، مستدرك الوسائل: ١٧ / ٣٠٣.
(١) ظ: البهسودي، مصباح الأصول: ٢/ ١٤٢ والكوكبي، أبو القاسم، مباني الاستنباط: ١ / ٢٦٣و الفياض، محاضرات في أصول الفقه: ٣ / ٢٣١٠.
(٢) ظ: الكاظمي، محمد علي، فوائد الأصول: ٣/ ١٧٣.
(٣) ظ:الوحيد البهبهاني، محمد باقر، حاشية مجمع الفائدة والبرهان: ٤٤٢ والنجفي، حسن، جواهر الكلام:٤٣/٢٧٣ والهمداني، رضا، مصباح الفقيه: ٣/١٢٨.
( ١٥١ )
عن المعصوم (عليه السلام) وقد خفيت علينا، كما أنّ إعراض المشهور عن العمل بروايةٍ ما يكشف -لو كانت تامّة سنداً- عن وجود خللٍ فيها وقد خفي علينا.
ويترتب على هذا القول الاستغناء عن علم الرجال وعدم الحاجة إلى معرفة أحوال الرواة بدعوى أنّ كل رواية عمل بها المشهور يُعمل بها وإنْ كانت ضعيفة لانجبار ضعفها بعملهم، وكل رواية أعرض عنها المشهور يُعرض عنها وإنْ كانت صحيحة لأنّ إعراضهم يكشف عن وجود خللٍ فيها، ويترتّب على ذلك أنّه لا تبقى حاجة إلى معرفة أسانيد الروايات(١).
المناقشة
بيّن السيد الخوئي: إنّ جعل عمل المشهور على رواية جابراً لضعفها وإعراضهم عنها موجباً لوهنها مما لا يسعنا الالتزام به؛ فإنّ الرواية بعد فقد شرائط الحجية عنها لا يمكن العمل بها لكونه عملاً بالظن فإنّ عمل المشهور بها لا يزيد على الظن شيئاً وقد نُهينا عن العمل به والاعتماد عليه*، كما أنّه بعد اجتماع شرائط الحجية فيها لا يمكن طرحها والعمل بغيرها؛ لأنّه طرحٌ لما أوجب الشارع العمل بها.
نعم لو أعرض الكل عنها ولم يكن في الفقهاء من عمل بها فحينئذٍ يُقطع أو يُطمأن بعدم صدورها بداعي بيان الحكم الواقعي، لكن أين هذا من إعراض مشهورهم عنها؟ وعليه فلا غناء لنا من علم الرجال ومعرفة أسانيد الروايات(٢).
ويظهر للباحث: إنّ كلام السيد الخوئي المتقدّم: لو أعرض الكل عن رواية... يستدعي أنْ يقيّد دليل حجية خبر الواحد بما لو أعرض الكل عن الرواية؛ لأنّ الدليل الدال على حجية خبر الواحد هو السيرة فهو من البداية لا يشمل صورة إعراض الكل؛ لأنّ السيرة دليل لبّي وهو غير قابل للتقييد، وإنْ كان الدليل الدال على الحجية هو الأدلة اللفظية فلا بأس بما أفاده (قدس سره) وإنْ لم يكن الدليل المقيّد للإطلاق لفظياً بأنْ كان لبّياً.
ويضيف الباحث إلى كلام السيد الخوئي المتقدّم: فلا غناء لنا من علم الرجال...
______________________________
(١) ظ: الكوكبي، أبو القاسم، مباني الاستنباط: ١/ ٢٦٤ والصافي، حسن، الهداية في الأصول: ٣/١٦٢.
* إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ الإسراء٣٦، وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنّاً إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً إِنَّ اللّهَ عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ يونس٣٦.
(٢) ظ: الكوكبي، أبو القاسم، مباني الاستنباط: ١/ ٢٦٤و الصافي، حسن، الهداية في الأصول: ٣/١٦٢.
( ١٥٢ )
إنّ الحاجة إلى علم الرجال تظهر حتى لو لم تكن هناك شهرة روائية من القدماء في حكم من الأحكام، كما هو الحال في المسائل المستحدثة، وكذا فيما لو انقسم المشهور إلى قسمين: بعضهم يعمل برواية والآخر يعمل برواية أخرى، فالحاجة باقية إلى علم الرجال على أيّ حال.
وقد فصّل السيد الخوئي القول في ردّ كون الشهرة العملية جابرة لضعف الرواية أو أنّ إعراض المشهورعن الرواية كاسرة لها، وذلك عند تعرّضه لمسألة حجية خبر الواحد(١).
مناقشة الكبرى: إنّ عمل المشهور موجب لانجبار ضعف الخبر
أما ردّ كون الشهرة جابرة: قد ذكرها في معرض ردّه لقول المحقق النائيني: بأنّ الخبر الضعيف المنجبر بعمل المشهور حجة بمقتضى منطوق آية النبأ*: إذ أنّ مفاده حجية خبر الفاسق مع التبيّن، وعمل المشهور من التبيّن(٢).
وبيّن السيد الخوئي أنّ التبيّن عبارة عن الاستيضاح واستكشاف صدق الخبر، وهو تارة يكون بالوجدان، كما إذا عثرنا بعد الفحص والنظر على قرينة داخلية أو خارجية موجبة للعلم أو الإطمئنان بصدق الخبر وهذا ممّا لا كلام في حجيّته، وأخرى يكون بالتعبّد، كما إذا دل دليل معتبر على صدقه فيؤخذ به أيضا، فإنّه تبيّن تعبّدي وحيث أنّ فتوى المشهور لا تكون حجة، فليس هناك تبيّن وجداني ولا تبيّن تعبّدي يوجب حجية خبر الفاسق.
وهذا يعني أنّ الخبر الضعيف لا يكون حجة في نفسه على هذا الفرض: وكذلك فتوى المشهور غير حجة أيضا، وانضمام غير الحجة إلى غير الحجة لا يوجب الحجية، فإنّ انضمام العدم إلى العدم لا ينتج إلا العدم(٣).
نقض مفترض
ثم ذكر السيد الخوئي إشكالاً قد يرد في المقام وهو: إنّ عمل المشهور بخبرٍ ضعيف توثيق عملي للمخبر به فيثبت به كونه ثقة، فيدخل في موضوع الحجية(٤).
______________________________
(١) ظ: البهسودي، مصباح الأصول: ٢/٢٠١ - ٢٠٣.
* وهو قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾، الحجرات: ٦.
(٢) ظ: الخوئي، أبو القاسم، أجود التقريرات: ٢/١٠٩.
(٣) ظ:البهسودي، مصباح الأصول: ٢/٢٠١.
(٤) ظ: البهسودي، مصباح الأصول: ٢/٢٠٢.
( ١٥٣ )
جواب النقض
إنّ العمل مجمل لا يعلم وجهه، فيُحتمل أنْ يكون عملهم به لما ظهر لهم من صدق الخبر ومطابقته للواقع بحسب نظرهم واجتهادهم، لا لكون المخبِر ثقة عندهم، فالعمل بخبرٍ ضعيف لا يدل على توثيق المخبِر به، ولا سيما أنّهم لم يعملوا بخبرٍ آخر لنفس هذا المخبِر(١).
هذا كله من حيث الكبرى وأنّ عمل المشهور موجب لانجبار ضعف الخبر أو لا.
مناقشة الصغرى: استناد المشهور إلى الخبر الضعيف في مقام العمل والفتوى
وأما الصغرى فإثباتها أشكل من إثبات الكبرى؛ لأنّ مراد القائلين بالإنجبار هو الإنجبار بعمل المتقدّمين من الأصحاب باعتبار قرب عهدهم بزمان المعصوم (عليه السلام) والقدامى لم يتعرضوا للاستدلال في كتبهم ليعلم استنادهم إلى الخبر الضعيف، وإنّما المذكور في كتبهم مجرد الفتوى والمتعرض للاستدلال إنّما هو الشيخ الطوسي(٢)، وتبعه مَنْ تأخر عنه في ذلك*، من دون المتقدّمين من الأصحاب، فمن أين يُستكشف عمل قدماء الأصحاب بخبرٍ ضعيفٍ واستنادهم إليه؟ والحال إنّنا نجد فتوىً منهم مطابقةً لخبرٍ ضعيفٍ، ومجرد المطابقة لا يدل على أنّهم استندوا في هذه الفتوى إلى هذا الخبر، إذ يُحتمل كون الدليل عندهم غيره.
فتحصّل إنّ القول بانجبار الخبر الضعيف بعمل المشهور غير تامٍ صغرىً وكبرىً.
أما ردّ كون الشهرة كاسرة
بمعنى أنّ الخبر إنْ كان صحيحاً أو موثقاً في نفسه هل يكون إعراض المشهور عنه موجباً لوهنه وسقوطه عن الحجية أو لا؟
وقد ذهب المشهور إلى كون الشهرة كاسرة(٣)، بل صرّحوا بأنه كلّما ازداد الخبر صحةً ازداد ضعفاً ووهناً بإعراض المشهور عنه.
وردّ السيد الخوئي هذا المبنى: بأنّ التحقيق عدم تمامية ذلك أيضا؛ إذ بعد كون الخبر صحيحاً أو موثقاً يكون مورداً لقيام السيرة ومشمولاً لإطلاق الأدلة اللفظية، فلا وجه لرفع اليد عنه لإعراض المشهور عنه.
نعم إذا تسالم جميع الفقهاء على حكم مخالفٍ للخبر الصحيح أو الموثّق في نفسه، يحصل لنا العلم أو الاطمئنان بأنّ هذا الخبر لم يصدر من المعصوم (عليه السلام) أو صدر عن تقيةٍ فيسقط الخبر المذكور عن الحجية لا محالة، ولكنّه خارج عن محل الكلام. وأما إذا اختلف العلماء على قولين، وذهب المشهور منهم إلى ما يخالف
______________________________
(١) ظ: المصدر نفسه: ٢/٢٠٢.
(٢) ظ: المبسوط: ١/ ٣١٩، ٥ / ٢٨٩.
* على سبيل المثال: المحقق الحلي، المعتبر: ١ / ٦٠.
(٣) ظ: ابن بابويه، علي بن الحسين، فقه الرضا: ٥٠ والمحقق الحلي، المعتبر: ٣٠ والمحقق البحراني، يوسف، الحدائق الناضرة: ٦/ ٢٤٤ و٧/ ٣٩١.
( ١٥٤ )
الخبر الصحيح أو الموثق، وأعرضوا عنه. واختار غير المشهور منهم ما طابق الخبر المذكور فلا دليل لرفع اليد عن الخبر الذي يكون حجة في نفسه لمجرد إعراض المشهور عنه(١).
ثالثا: أدلة الشهرة الفتوائية ومناقشتها
في حجية الشهرة الفتوائية ذُكرت ثلاثة من الأدلة، تعرّض إليها السيد الخوئي مع مناقشتها:
الدليل الأول: إنّ مقبولة عمر بن حنظلة* ومرفوعة زرارة** تدلان على حجيتها، بتقريب أنّ المراد من المُجمع عليه في المقبولة ليس هو الإجماع المصطلح بل المراد منه المشهور بقرينة المقابلة في قوله (عليه السلام): (واترك الشاذ النادر)(٢) وإطلاقه يشمل الشهرة الفتوائية أيضا، وكذا قوله (عليه السلام): (يُنظر إلى ما كان من روايتهما عنّا في ذلك الذي حكما به المُجمع عليه بين أصحابك فيؤخذ به)(٣) في المرفوعة، فإنّ الموصول*** من المبهمات ومعرِّفه الصلة، وإطلاقها يشمل الشهرة الفتوائية أيضا.
المناقشة
ناقش السيد الخوئي هذا الدليل ضمن نقاط ثلاثة(٤):
١- ما تقدم عند مناقشة الشهرة الروائية: من عدم تمامية المقبولة والمرفوعة من حيث السند فلا يصح الاستدلال بهما.
٢- ما تقدم أيضا من أنّ المراد بالمجمع عليه هو الخبر المقطوع صدوره، لإنّ الإمام (عليه السلام) قد أدخله في أمر بيّن رشده، وكذا المراد بالمشهور في المرفوعة هو المشهور اللغوي، أي الظاهر الواضح، فالمراد بهما هو الأخذ بالمقطوع، فلا ربط لهما بالشهرة الفتوائية.
٣- إنّه مع الغضّ عمّا تقدّم لا إطلاق لهما ليشمل الشهرة الفتوائية؛ لأنّ المراد من الموصول هو خصوص الخبر المشهور، بقرينة أنّ السؤال إنّما هو عن الخبرين المتعارضين، ولا مانع من أنْ يكون معرّف الموصول ومبيّن المراد منه غير
______________________________
(١) ظ: البهسودي، مصباح الأصول: ٢/ ٢٠٣.
* تقدّم ذكرها في هامش ص ١٣٤.
** تقدّم ذكرها في هامش ص ١٣٦.
(٢) ظ: الكليني، محمد بن يعقوب، الأصول من الكافي: ١/ ٦٨ والحر العاملي، وسائل الشيعة: ٢٧ / ١٠٦.
(٣) ظ: الكليني، محمد بن يعقوب، الأصول من الكافي: ١/ ٦٧ والطوسي، محمدبن الحسن، تهذيب الأحكام: ٦ / ٣٠٢.
*** أي «ما» في مرفوعة زرارة.
(٤) ظ: البهسودي، مصباح الأصول: ٢/ ١٤٣ - ١٤٤.
( ١٥٥ )
صلته، والسؤال عن الخبرين قرينة على أنّ المراد منه خصوص الخبر المشهور لا مطلق المشهور، كما يظهر بالتأمل في نظائره من الأمثلة.
فإذا قيل: أي المسجدين تحب، فقال في الجواب: ما كان الاجتماع فيه أكثر. كان ظاهرا في خصوص المسجد الذي كان الاجتماع فيه أكثر، لا مطلق المكان الذي كان الاجتماع فيه أكثر، وكذا لو قيل: أي الرمانتين تريد؟ فقال في الجواب: ما كان أكبر، كان ظاهرا في أن المراد هو الأكبر من الرمانتين لا مطلق الأكبر. وهذا ظاهر، فحينئذ لا إطلاق للصلة ليشمل مطلق المشهور.
ومما ينبغي أن يُشار إليه أنّ السيد الخوئي قد اتفق في رد هذا الدليل مع استاذيه المحقق النائيني والمحقق العراقي(١).
الدليل الثاني: إنّ الظن الحاصل من الشهرة أقوى من الظن الحاصل من خبر الواحد، فالذي يدل على حجية الخبر يدل على حجية الشهرة بالأولوية.
المناقشة
ناقش السيد الخوئي المبنى الذي استند عليه هذا الدليل: بأنّه مبني على أن يكون ملاك حجية الخبر إفادته الظن، وعليه وجب الالتزام بحجية كل ظن مساوٍ للظن الحاصل من الخبر أو أقوى منه، سواءً حصل من الشهرة أم من فتوى جماعةٍ من الفقهاء، أم من فتوى فقيهٍ واحد، أو غير ذلك، فاللازم ذكر هذا الدليل في جملة أدلة حجية الظن المطلق لا أدلة الشهرة.
ولكن المبنى المذكور-بأنّ ملاك حجية الخبر إفادته الظن- غير تام، نقضاً وحلاً
أما الجواب النقضي:
فإنّ لازم ذلك هو القول بحجية فتوى فقيه واحد أو أكثر إذا حصل منها ظن مساوٍ للظن الحاصل من الخبر الواحد أو أقوى منه مع أنه لا يمكن الالتزام به(٢).
وأما الجواب الحَلّي:
فإنّه يُحتمل أنْ يكون ملاك حجية الخبر كونه غالب المطابقة للواقع؛ لكونه إخباراً عن حس، واحتمال الخطأ في الحس بعيد جداً، بخلاف الإخبار عن حدس كما في الفتوى، فإنّ احتمال الخطأ في الحدس غير بعيد، ويحتمل أيضا دخل خصوصية أخرى في ملاك حجية الخبر. ومجرد احتمال ذلك كافٍ في منع
______________________________
(١) ظ: البروجردي، محمد تقي، نهاية الأفكار:٣/١٠٠ والكاظمي، محمد علي، فوائد الأصول: ٣/ ١٥٤و البهسودي، مصباح الأصول: ٢/١٤٣.
(٢) ظ: الكوكبي، أبو القاسم، مباني الاستنباط: ١/٢٦٧ - ٢٦٨ والصافي، حسن، الهداية في الأصول: ١/١٦٣.
( ١٥٦ )
الأولوية المذكورة؛ لأنّ الحكم بالأولوية يحتاج إلى القطع بالملاك وكل ما له دخل فيه(١).
مناقشة العراقي للدليل الثاني
ردّ المحقق العراقي (ت:١٣٦١هـ) الدليل الثاني من أدلة الشهرة الفتوائية: بأنّ مناط الحجية في الخبر الواحد ليس هو الظن الشخصي حتى يقال: بأولوية الشهرة في الحجية لأقوائية الظن الحاصل منها من الظن الحاصل من الخبر الواحد، وإنما ذلك من جهة قيام دليل بالخصوص على حجيته من السيرة وغيرها ولو من جهة كونه مفيداً للظن النوعي ولذلك نقول: بحجيته حتى في مورد قيام الظن الشخصي على خلافه(٢).
مناقشة الصدر للخوئي
ناقش السيد محمد باقر الصدر كلامَ السيد الخوئي المتقدّم بقوله: (وهذا الكلام غير صحيح إذ لو فرض أنّ الشهرة تفيد الظن وأنّه ظن نوعي عقلائي لا شخصي وأنّه يساوي فى درجة كشفه لدرجة كشف الخبر فلا محالة يكون درجة مطابقة مجموع الشهرات للواقع بمقدارها فى مجموع الأخبار، وهذا مضافاً إلى أنّه وجداني واضح مبرهن عليه فى منطق الاستقراء وحساب الاحتمالات فالتفكيك بين درجة الكشف النوعي وغلبة المطابقة للواقع غير فني. نعم يمكن دعوى أنّ الشارع بعلمه الغيبي ربما أحرز أنّ مجموع أخبار الآحاد أكثر مطابقة للواقع من مجموع الشهرات)(٣).
ثم يذكر السيد الصدر جواباً لهذا الدليل بقوله: فالجواب عنه إما أنْ يكون على أساس إحراز الشارع بعلمه الغيبي أغلبية مطابقة الخبر للواقع من الشهرة وهذا إنّما يتجه إذا كانت حجية الخبر تأسيسية شرعية لا إمضائية عقلائية. أو إنكار إفادة الشهرة الحدسية للظن بمقدار خبر الثقة الحسي. أو أنّ التزاحم الحفظي الذي هو ملاك جعل الحجية والحكم الظاهري يكفي فيه فى نظر الشارع أو العقلاء جعل الحجية بمقدار خبر الثقة وأما في غيره من الدوائر فيرجع إلى القواعد والأصول الأخرى، فالملاكات المتزاحمة يستوفى الأهم منها بمقدار جعل الحجية للخبر بلا حاجة إلى جعلها للشهرة أيضا(٤).
______________________________
(١) ظ: البهسودي، مصباح الأصول: ٢/ ١٤٤.
(٢) ظ: البروجردي، محمد تقي، نهاية الأفكار:٣/١٠٠.
(٣) الهاشمي، محمود، بحوث في علم الأصول: ٤ /٣٢٥.
(٤) ظ: الهاشمي، محمود، بحوث في علم الأصول: ٤ / ٣٢٥.
( ١٥٧ )
الدليل الثالث:عموم التعليل الوارد في ذيل آية النبأ، وهو قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾(١)، بتقريب: إنّ المراد بالجهالة فيها السفاهة والإقدام على ما لا يُحسن الأقدام عليه عند العقلاء، كما في مورد العمل بخبر الفاسق فإنّه لا يُحسن عند العقلاء لعدم وجود رادع في الفاسق عند التعمّد بالكذب؛ ولذا نهى سبحانه وتعالى عن العمل به قبل تبيّن ما يخبره، فيكون مفهومه جواز العمل وعدم لزوم التبيّن فيما لم يكن العمل به سفاهة، إذ التعليل قد يكون مخصِّصاً للحكم المعلل به، كما في قولنا: لا تأكل الرمان لأنّه حامض، وقد يكون معمِّماً له كما في قولنا: لا تشرب الخمر لأنّه مسكر، فإنّه يحكم بحرمة كل مسكر ولو لم يكن خمراً.
ومفاد التعليل في الآية الشريفة:عدم لزوم التبيّن في كل ما ليس العمل به سفاهة، والعمل بالشهرة لا يكون سفاهة، فلا يجب فيها التبيّن بمقتضى عموم التعليل(٢).
المناقشة
ناقش السيد الخوئي هذا الدليل بمنع الصغرى والكبرى فيه:
أما منع الصغرى فلأنّ المراد من الجهالة في الآية الشريفة إما السفاهة بمعنى العمل بشيءٍ بلا لحاظ مصلحة وحكمة فيه، المقابل للعمل العقلائي الناشيء من ملاحظة المصلحة، وإما الجهل المقابل للعلم، ولفظ الجهالة قد استعمل في كل من المعنيين، فإن كان المراد منها السفاهة كان العمل بالشهرة من السفاهة؛ إذ العمل بما لا يؤمّن معه من الضرر المحتمل أي العقاب يكون سفاهة بحكم العقل، فإنّ العقل يحكم بتحصيل المؤمِّن من العقاب، والعمل بالشهرة بلا دليل على حجيتها لا يكون مؤمّناً، فيكون سفاهةً وغير عقلائي، وإنْ كان المراد منها الجهل بمعنى عدم العلم، فالأمر أوضح، إذ الشهرة لا تفيد العلم فيكون العمل بها جهالة لا محالة.
وأما منع الكبرى فلأنّ التعليل وإنْ كان يقتضي التعميم، إلا أنّه لا يقتضي نفي الحكم عن غير مورده مما لا توجد فيه العلة، إذ لا مفهوم له؛ لأنّه فرع انحصار العلة، وهو لا يستفاد من التعليل ولا ربط له بعموم التعليل، فإنّ التعدّي إلى غير الخمر من المسكرات، والحكم بحرمتها لعموم التعليل لا يوجب الحكم بحلية كل ما ليس بمسكر، بل قد يكون الشيء حراماً مع عدم كونه مسكراً كما إذا كان نجساً أو كان مال الغير مثلا. فالحكم بوجوب التبيّن - في كل ما كان العمل به
______________________________
(١) الحجرات: ٦.
(٢) ظ:البهسودي، مصباح الأصول: ٢/ ١٤٤ والكوكبي، مباني الاستنباط: ١/٢٦٩ والصافي، حسن، الهداية في الأصول: ١/١٦٣.
( ١٥٨ )
سفاهة لعموم التعليل - لا يدل على عدم وجوب التبيّن في كل ما ليس العمل به سفاهة، بل يمكن أنْ يكون التبيّن فيه واجباً مع عدم كون العمل به سفاهة(١).
ونبّه السيد الخوئي إلى أنّ المراد من الشهرة في محل الكلام هي الشهرة من المتقدّمين من الفقهاء وليس من المتأخرين(٢).
وينبغي أن يُشار إلى أنّ السيد الخوئي قد اتفق في رد هذا الدليل مع اُستاذيه المحققين النائيني والعراقي(٣).
رأي النائيني في الشهرة الفتوائية
يرى المحقق النائيني أنّه لا إشكال في كون الشهرة الفتوائية على خلاف مضمون الرواية تكون موهنة لها على كل حال؛ لأنّ إعراض الأصحاب عن الرواية أقوى موهن لها، وإنّما الإشكال في كونها مرجّحة لأحد المتعارضين أو جابرة لضعف سند الرواية ولو لم يكن لها معارض، فإنّ الترجيح والجبر يتوقف على الاستناد والاعتماد إلى الرواية.
ولا يكفي في ذلك مجرد مطابقة الفتوى لمضمون الرواية، كما لا يكفي في الترجيح والجبر عمل المتأخرين بالرواية واستنادهم إليها، فإنّ العبرة على عمل المتقدّمين من الأصحاب بالرواية، لقرب زمانهم بزمان الأئمة -عليهم السلام- ومعرفتهم بحال الرواة وتشخيصهم غث الرواية عن سمينها، فلا أثر لشهرة المتأخرين واستنادهم إلى الرواية ما لم تتصل بشهرة المتقدمين.
فإذا توافقت شهرة المتأخرين مع شهرة المتقدمين في الفتوى على خلاف ما تقتضيه القاعدة وكان فيما بأيدينا من الكتب - ولو لم تكن من الكتب المعتبرة - كدعائم الإسلام والأشعثيات والفقه الرضوي(٤) - رواية على فتوى المشهور، فهذه الشهرة تكون مرجّحة للرواية إذا كانت معارضة مع غيرها وجابرة لضعف سندها ولو مع عدم المعارضة. وأما إذا خالفت شهرة المتأخرين مع شهرة
______________________________
(١) ظ:البهسودي، مصباح الأصول: ٢/ ١٤٥ - ١٤٦.
(٢) ظ: الغروي، علي، التنقيح في شرح العروة الوثقى، كتاب الطهارة: ٧ / ٢٨٣.
(٣) ظ: البروجردي، محمد تقي، نهاية الأفكار:٣/١٠٠و الكاظمي، فوائد الأصول:٣/١٥٥و البهسودي، مصباح الأصول: ٢/١٤٣.
(٤) يوجد كتابان باسم دعائم الإسلام: أحدهما للقاضي النعمان المغربي (ت:٣٦٣هـ) والآخر للشيخ الصدوق (ت:٣٨١هـ)، وكتاب الأشعثيات والجعفريات لإسماعيل بن الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) تضمن ألف حديث ويرويه محمد بن محمد بن أشعث الكوفي عنه عن ولده موسى بن إسماعيل بن موسى بن جعفر (عليه السلام)، والفقه الرضوي هو كتاب فقه الرضا (عليه السلام) للشيخ علي بن الحسين بن موسى بابويه القمي (ت:٣٢٩هـ) والد الشيخ الصدوق (ت:٣٨١هـ)، ظ: الطهراني، أغا بزرك، الذريعة: ٥/ ١١٢، ٢٢/ ٢٩٧و بحرالعلوم، محمد مهدي، الفوائد الرجالية: ١/ ٤٢٨.
( ١٥٩ )
المتقدمين في الفتوى - كما اتفق ذلك في عدة مواضع منها جواز الصلاة في السنجاب(١) - فالعبرة إنّما تكون بشهرة المتقدمين(٢).
ويبدو ممّا تقدم: إنّه بعد أنْ ناقش السيد الخوئي جميع الأدلة المدعاة لإثبات الشهرة بأقسامها فتكون النتيجة: عدم حجية الشهرة عنده وأنّها غير جابرة للخبر الضعيف ولا كاسرة للخبر وإنْ كان صحيحاً، وليست هي من المرجّحات عند تعارض الخبرين؛ لعدم قيام الدليل على حجيتها.
ويتفق السيد الخوئي مع المحقق النائيني في أنّ الشهرة الفتوائية على خلاف مضمون الرواية تكون كاسرة، ويتفق معه أيضاً في كونها جابرة أو مرجّحة في حال التعارض إذا صدرت من المتقدّمين أو من المتأخرين بشرط موافقتها للشهرة عند المتأخرين(٣).
ويرى المحقق العراقي أنّ الشهرة الفتوائية إذا كانت من المتقّدمين تكون كاسرة وموهنة للرواية التي على خلاف الشهرة، كما أنّها ليست جابرة لضعف الرواية التي على وفاقها، بعكس الشهرة العملية الاستنادية إذ أنّها جابرة لضعف الرواية(٤).
______________________________
(١) ظ: الطوسي، محمد بن الحسن، المبسوط في فقه الإمامية: ١/٨٢ وابن بابويه، علي بن الحسين، فقه الرضا: ٣٠٢ والمحقق الحلي، جعفر بن الحسن، شرائع الإسلام: ١/٥٤ والعاملي، زين الدين الجبعي (الشهيد الثاني)، مسالك الأفهام: ١/ ٦٣.
(٢) ظ: الكاظمي، محمد علي، فوائد الأصول: ٤/ ٧٨٧.
(٣) ظ: الكاظمي، محمد علي، فوائد الأصول: ٤/ ٧٨٧ والغروي، علي، التنقيح في شرح العروة الوثقى، كتاب الطهارة: ٧ / ٢٨٣.
(٤) ظ: البروجردي، محمد تقي، نهاية الأفكار:٣/ ١٠١.
( ١٦٠ )
يُعنى هذا المبحث بالتطبيقات الفقهية لموضوعي الإجماع والشهرة الفتوائية في الكتب الاستدلالية للسيد أبي القاسم الخوئي، ويقع في مطلبين:
من أبرز معالم البحث الأصولي للسيد أبي القاسم الخوئي هي مناقشاته العديدة في الإجماعات المذكورة في كتب الفقهاء من المتقدّمين والمتأخّرين، ولذا سيعرض البحث نماذجاً من تلك المناقشات، وهي:
١- وجوب الإعادة أو القضاء عند قيام الحجة على الخلاف
فرض المسألة: لو قامت الحجة عند مجتهدٍ على خلاف ما أفتى به أو عدل المكلّف إلى مجتهدٍ آخر مختلف في الفتوى أو غير ذلك من الموارد التي يجمعها انكشاف الخلاف في الأحكام الظاهرية، فهل القاعدة تقتضي الإجزاء إلا فيما دلّ الدليل على عدمه، أو أنّ القاعدة تقتضي عدم الإجزاء في الأحكام الظاهرية وبالتالي وجوب الإعادة والقضاء إلا أنْ يدلّ دليل على عدمه؟(١).
ومن الأدلة التي اُستدلّ بها على الإجزاء هو الإجماع، وقد ردّه السيد الخوئي بقوله: إن الإجماع المدّعى لو كان محصلاً لم نكن نعتمد عليه فما ظنك بما إذا كان إجماعاً منقولاً بالخبر الواحد؛ والسبب في ذلك أنّ تحصيل الإجماع في المسألة دونه خرط القتاد*، إذ كيف يمكن استكشاف قوله -ع- في المقام ولم يتعرض أكثر الأصحاب للمسألة ولم يعنونوها في كلماتهم؟ ! هذا على أنّا لو سلّمنا اتفاقهم أيضا لم يمكننا الاعتماد عليه لأنّا نعلم أو نظن ولا أقل من أنّا نحتمل استنادهم في ذلك إلى بعض الوجوه المستدل بها في المقام ومعه لا يكون الإجماع تعبديا كاشفاً عن قوله (عليه السلام)(٢).
وقد ذهب السيد الخوئي إلى عدم الإجزاء ووجوب الإعادة أوالقضاء عند قيام الحجة على الخلاف، إلا في الصلاة إذا كان الإخلال بغير الوقت والقبلة والركوع والسجود والطهور وذلك لحديث لا تعاد(٣)على ما هو الصحيح(٤).
______________________________
(١) ظ: الغروي، علي، التنقيح في شرح العروة الوثقى، كتاب الاجتهاد والتقليد: ٤٨.
* تقدّم بيانه في هامش ص٩٩، والمراد في المقام صعوبة تحصيل الإجماع.
(٢) المصدر نفسه: ٦١.
(٣) الحديث هو:عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام)، أنّه قال: لا تعاد الصلاة إلا من خمسة: الطهور، والوقت، والقبلة، والركوع، والسجود، ظ: الحر العاملي، وسائل الشيعة: ١/٣٧٢.
(٤) ظ: الغروي، علي، التنقيح في شرح العروة الوثقى، كتاب الاجتهاد والتقليد: ٦٢.
( ١٦١ )
٢- عدم جواز تقليد الميت ابتداءً
فقد ذُكر الإجماع من ضمن أدلة هذا الحكم وقد ردّه السيد الخوئي بقوله: (إنّ الإجماع المدّعى على تقدير تحققه ليس إجماعاً تعبدياً قابلاً لاستكشاف قول المعصوم -ع- به كما إذا وصل إليهم الحكم يداً بيد عنهم -ع- لاحتمال أنْ يستندوا في ذلك إلى أصالة الاشتغال أو إلى ظهور الأدلة في اشتراط الحياة في من يجوز تقليده أو غير ذلك من الوجوه، ومعه لا يمكن الاعتماد على إجماعهم*، لوضوح أن الاتفاق بما هو كذلك مما لا اعتبار به، وإنما نعتبره إذا استكشف به قول المعصوم «ع»)(١).
٣- وجوب تقليد الأعلم
ذكر السيد الخوئي عند مناقشته للإجماع المدّعى على عدم جواز الرجوع إلى غير الأعلم: إنّ ذلك من الإجماعات المنقولة التي لا اعتبار بها. على أنّ المسألة لا يحتمل أنْ تكون إجماعية مع ذهاب جمع(٢) إلى جواز تقليد المفضول، ولو سلّمنا أنّ المسألة اتفاقية فإنّه لا يمكننا الاعتماد على ذلك الإجماع لاحتمال استناد المجمعين إلى بعض الوجوه المستدلّ بها ومعه لا يكون الإجماع تعبّدياً كاشفاً عن رأي المعصوم (عليه السلام)(٣).
٤- منجسيّة المتنجّس لملاقيه
إنّ النجاسات العينية منجّسة لملاقياتها وموجبة للسراية بحيث لا تزول النجاسة الحاصلة بملاقاتها إلا بغسلها بالماء.
والمشهور أنّ المتنجِّسات كالنجاسات منجِّسات مطلقاً: أي إذا كانت ماءً أو مائعاً أو جامداً، ومع تعدّد الواسطة وعدمه(٤).
وقد عرض السيد الخوئي أدلة المشهور في هذه المسألة في بحثٍ يطول ذكره، والذي يهم البحث الدليل الثاني وهو الإجماع على تنجيس المتنجّس، وقد جاءت مناقشة السيد الخوئي للإجماع المدّعى في المسألة ضمن محورين:
______________________________
* المراد منهم: المحقق القمي في أحد قوليه والمحدّثين، ظ: جامع الشتات:١/٢٧، ٢/٤٢٠.
(١) الغروي، علي، التنقيح في شرح العروة الوثقى، كتاب الاجتهاد والتقليد: ١٠٤.
(٢) منهم الشيخ محمد حسين الحائري (ت: ١٢٥٤هـ)، ظ: الفصول الغروية: ٤٢٣.
(٣) ظ: الغروي، علي، التنقيح في شرح العروة الوثقى، كتاب الاجتهاد والتقليد: ١٤٣.
(٤) ابن البراج، عبد العزيز الطرابلسي، جواهر الفقه: ٥ والحلبي، أبو الصلاح، الكافي في الفقه: ١٣١ والعاملي، محمد جواد، مفتاح الكرامة: ١ / ٣٢٩.
( ١٦٢ )
الأول: مناقشة كبرى حجية الإجماع
إنّ دعوى الإجماع في المسألة إنّما تتم لو قلنا بحجيته بقاعدة اللطف - التي اعتمدها الشيخ الطوسي - فإنّ الحكم بتنجيس المتنجّس قد وقع الاتفاق عليه في عصرٍ مثلا ولم يظهر خلافه الإمام (عليه السلام) في ذلك العصر فمنه يُستكشف أنّه مرضي عنده. ولكنّا قد أبطلنا هذه القاعدة وذكرنا أنّها على تقدير تماميتها في نفسها لا يمكن أنْ تكون مدركاً لحجية الإجماع بوجه(١).
على أنّ إظهاره الخلاف مما لا يكاد أنْ يترتب عليه ثمرة؛ لأنّه إنْ ظهر وعرّف نفسه وأظهر الخلاف فهو وإنْ كان موجباً لإتباع قوله (عليه السلام) إلا أنّه خلاف ما قدّره الله سبحانه حيث عيّن وقتاً لظهوره لا يتقدم عليه ولا يتأخر عنه. وأما إذا أظهر الخلاف من غير أنْ يظهر ويعرّف نفسه فأي أثرٍ يترتب على خلافهحينئذٍ؟ لأنه لم يُعرف بالعلم فضلاً عن إمامته.
وأما على طريقة المتأخرين في حجية الإجماع أعني الحدس بقوله (عليه السلام) من إجماع المجمعين(٢) فلا يتم دعوى الإجماع في المسألة فإنّه كيف يُستكشف مقالة الإمام عليه السلام من فتوى الأصحاب في المسألة مع ذهاب الحلّي ونظرائه إلى عدم تنجيس المتنجّسات؟ بل ظاهر كلامه أنّ عدم تنجيس المتنجّس كان من الأمور المسلَّمة في ذلك الزمان إذ يظهر من محكيّ كلامه أنّ المنجسية من آثار عين النجس، والمتنجّسات الخالية منها نجاسات حكميات(٣). وكيف كان فإنْ الاتفاق على حكمٍ في زمانٍ لا يوجب العلم بمقالة الإمام (عليه السلام)(٤).
الثاني: مناقشة الصغرى: تحقّق الإجماع في المسألة
إنّ دعوى الإجماع في المسألة لو تمّت فإنّما تتمّ في حقّ المتأخرين، وأما علمائنا المتقدّمون فلا تعرّض في شيءٍ من كلماتهم إلى تلك المسألة ولم يفتِ أحدٌ منهم بتنجيس المتنجّس مع كثرة الابتلاء به في اليوم والليلة وفي القرى والبلدان، ومعه كيف تتمّ دعوى الإجماع على تنجيس المتنجّسات؟.
وعليه فلا يمكن الاعتماد على الإجماعات المنقولة في المسألة؛ وذلك للقطع بعدم تحقّق الإجماع من المتقدمين.
______________________________
(١) ظ: الغروي، علي، التنقيح في شرح العروة الوثقى، كتاب الاجتهاد والتقليد: ١٤٣.
(٢) ظ: القمي، أبو القاسم، قوانين الأصول: ٣٥٥، ٣٨٨ والبروجردي، محمد تقي، نهاية الأفكار:٣/ ٩٧.
(٣) ظ: العلّامة الحلي، قواعد الأحكام: ١/ ٢٣٥ والحلي، محمد بن الحسن (ابن العلّامة)، إيضاح الفوائد: ١/ ٦٦ والأردبيلي، أحمد، مجمع الفائدة والبرهان: ١/٢١٣.
(٤) ظ: الغروي، علي، التنقيح في شرح العروة الوثقى، كتاب الطهارة: ٢ / ٢٢٣.
( ١٦٣ )
فضلاً عن أنّ الإجماع على تقدير تحققه ليس من الإجماع التعبّدي في شيء لأنّا نحتمل استناد المُجمعين على الأخبار أو غيرها من الوجوه المستدَلّ بها في المقام(١)، وبالتالي يُحتمل أن يكون الإجماع مدركياً.
وفي نهاية بحث السيد الخوئي عن أدلة منجّسيّة المتنجّس قال: (ولولا مخالفة الإجماع المدعى والشهرة المتحققة على تنجيس المتنجّس مطلقاً* لاقتصرنا في الحكم بتنجيس المتنجّس على خصوص الماء أو المائعات، ولذا استشكلنا في تعاليقنا على المتن في تنجيس المتنجّس على إطلاقه** لما عرفت من عدم دلالة الدليل على منجسية المتنجّس -في غير الماء والمائعات- مع الواسطة، ومعه فالحكم بمنجسيّته على إطلاقه مبني على الاحتياط***)(٢).
ثم يتعرّض السيد الخوئي إلى أدلة عدم منجسية المتنجس وينتهي به البحث إلى عدم تماميتها ويخلص بالقول: (فالصحيح ما ذكرناه من أنّ المتنجّس بلا واسطة مما لا مناص من الالتزام بمنجسيّته في المائعات وأما المتنجس مع الواسطة فأيضاً لا كلام في منجسيّته في المائعات، وأما في الجوامد فقدعرفت**** عدم ثبوتها بدليل وإن ذهب المشهور***** إلى منجسيّته كالمتنجّسبلا واسطة، ولكن الإفتاء بمنجسيّته مشكل ومخالفة المشهور أشكل، ومعه يكون الحكم بمنجسيّة المتنجّس مبنيٌ على الاحتياط******)(٣).
٥- اعتبار الترتيب بين الجانب الأيمن والأيسر في الغسل
بعد أنْ ذكر السيد الخوئي أدلة اعتبار الترتيب وأدلة عدم اعتباره وناقشها نقاشاً مستفيضاً، انتهى في ختام بحثه إلى نتيجة هي: إنّ الترتيب بين الجانبين مما لا
______________________________
(١) ظ: الغروي، علي، التنقيح في شرح العروة الوثقى، كتاب الطهارة: ٢ / ٢٢٤.
* أي في الماء أو المائعات أو الجوامد، ومع تعدد الواسطة وعدمه.
** ذكر في تعليقته على متن العروة الوثقى (الأقوى أنّ المتنجّس منجّس) ما نصّه: هذا في المتنجّس الأول، وأما المتنجّس الثاني فإن لاقى الماء أو مائعاً آخر فلا إشكال في نجاسته به ونجاسة ما يلاقيه، وهكذا كل ما لاقى ملاقيه من المائعات، وأما غير المائع مما يلاقي المتنجّس فضلاً عن ملاقي ملاقيه ففي نجاسته إشكال وإن كان الاجتناب أحوط، ظ: الغروي، علي، التنقيح في شرح العروة الوثقى، كتاب الطهارة: ٢/ ٢٢٣.
*** الاحتياط هنا وجوبي.
(٢) المصدر نفسه: ٢/٢٣٥.
**** ذكر السيد الخوئي رأيه في منجسيّة الجامد الرطب وهو لا خلاف في عدم منجسيته، أما الجامد المتنجس الجاف فإنّه يُشترط فيه الرطوبة المسرية، ظ: المصدر نفسه: ٢/٢٠٥، ٢٢٦.
***** تقدم ذكر رأي المشهور في الصفحة السابقة.
****** الوجوبي.
(٣) الغروي، علي، التنقيح في شرح العروة الوثقى، كتاب الطهارة: ٢ / ٢٥١.
( ١٦٤ )
دليل عليه سوى الإجماعات المنقولة والشهرة المحققة(١)، والشهرة لا نقول بحجيّتها وكذا الإجماعات المنقولة؛ لأنّها إخبارات حدسية لا يشملها أدلة اعتبار الخبر الواحد، والإجماع المحصّل غير حاصل لنا ولا سيّما مع مخالفة الصدوقين بعد مراجعة عبارته ولم نرها دالة على اعتبار الترتيب بين الطرفين(٢)، فالصحيح عدم اعتباره بين الجانبين ولكن الاحتياط* مع ذلك في محلّه(٣).
٦- حرمة ترك وطء الزوجة الشابة أكثر من أربعة أشهر
ذكر السيد الخوئي أنّ هذه الحكم في الجملة موضع وفاق، بل لم ينقل الخلاف فيه عن أحد(٤)، وأستدل له في الجواهر(٥) فضلاً عن الإجماع، وكونه مدة الإيلاء بصحيحة صفوان بن يحيى عن الرضا (عليه السلام): (أنّه سأله عن الرجل تكون عنده المرأة الشابة، فيمسك عنها الأشهر والسنة لا يقربها ليس يريد الإضرار بها يكون لهم مصيبة يكون في ذلك آثماً؟ قال: إذا تركها أربعة أشهر كان آثماً بعد ذلك إلّا أن يكون بإذنها)(٦). مؤيداً بنفي الحرج والإضرار وبالمروي عن الصادق (عليه السلام): (قال: من جمع من النساء ما لا ينكح فزنى منهن شيء فالإثم عليه)(٧). ولكن في جميع ما استدل به صاحب الجواهر باستثناء صحيحة صفوان نظر، إذ لا ينبغي الشك في عدم كون الإجماع تعبدياً، فإنّه بعد ورود الصحيحة يكون مثل هذا الإجماع مدركياً فلا يمكن الاعتماد عليه لأنّه لا يكشف عن رأي المعصوم (عليه السلام)(٨).
٧- نجاسة كل مسكرٍ مائعٍ بالأصالة
ناقش السيد الخوئي الإجماع الذي ذُكر في بداية بحثه في المسألة، وبعد ذكر الأدلة ومناقشتها انتهى إلى القول بالاحتياط، بقوله: (... إلا أنّ الإجماع التقديري
______________________________
(١) ظ: ابن البراج، القاضي عبد العزيز، المهذب:١/ ٤٦ والمحقق الحلي، جعفر بن الحسن، المعتبر: ١ / ١٨٣.
(٢) ظ: ابن بابويه، علي بن الحسين، فقه الرضا: ٨١ وما بعدها والصدوق، محمد بن علي، المقنع: ٣٩ والهداية: ٩٣و والمحقق الحلّي، جعفر بن الحسن، المعتبر: ٦١.
* الاستحبابي.
(٣) ظ: علي الغروي، التنقيح في شرح العروة الوثقى، كتاب الطهارة: ٥ / ٤٧١.
(٤) ظ: العلّامة الحلي، الحسن بن يوسف، قواعد الأحكام: ٣/ ٥٠ والعاملي، محمد بن مكي المعروف بـ (الشهيد الأول)، اللمعة الدمشقية: ١٦٠ والعاملي، زين الدين الجبعي المعروف بـ (الشهيد الثاني)، مسالك الأفهام: ١/ ٤٣٩.
(٥) ظ: النجفي، محمد حسن، جواهر الكلام: ٢٩/١١٥.
(٦) الصدوق، علي بن الحسين، من لا يحضره الفقيه: ٣/٤٠٥ والطوسي، محمد بن الحسن، تهذيب الأحكام: ٧/٤١٩.
(٧) الحر العاملي، وسائل الشيعة: ٢٠/١٤١.
(٨) ظ: الخوئي، محمد تقي، مباني العروة الوثقى، تقريرات أبحاث أبي القاسم الخوئي، كتاب النكاح: ١/ ١٤٢.
( ١٦٥ )
المتقدم في صدر المسألة وانعقاد الشهرة الفتوائية على نجاسة جميع المسكرات أوقفنا من الحكم بطهارة غير الخمر من المسكرات التي يتعارف شربها وألزمنا بالاحتياط اللازم في المقام)(١).
وهناك نماذج أخرى ذُكر فيها الإجماع -سواء أكان منقولاً أم محصّلاً- كأحد الأدلة وقد ناقشها السيد الخوئي وردّها، اُشير إلى بعضها إجمالاً طلباًللإختصار:
٨- تخيير المصلي بين إتمام الصلاة أو قطعها والمبادرة لأزالة النجاسة لو التفت إليها أثناء الصلاة(٢).
٩- عدم الفرق في الدم المعفوّ عنه في الصلاة بينما إذا كان من نفسه أو غيره، وسواء أكان في البدن أم اللباس، أم كان من الحيض أو النفاس أو الاستحاضة(٣).
١٠- يجوز للمربيّة للصبي أنْ تصلي في ثوبها النجس بشرط استلزام ذلك الحرج الشخصي مما يُعفى عنه في الصلاة(٤).
١١- جواز بيع العذرة للانتفاع بها منفعة محللة، أما الكلب غير الصيود والخنزير والخمر والميتة فإنّه لا يجوز بيعها بحال(٥).
١٢- جواز مسح القدمين مع وجود الحائل عند الضرورة* وعدم التمكن العرفي من المسح على البشرة(٦).
١٣- جواز نقل الميت إلى الأماكن المتبركة والمشاهد المقدسة(٧).
١٤- عدم ثبوت الإجماع المدّعى على إلحاق الجاهل بشرط أو جزء في الصلاة بالعامد(٨).
١٥- إتمام صلاة الليل إذا صلّى منها أربع ركعات وطلع الفجر(٩).
١٦- صحة المضاربة** بالأوراق النقدية وعدم اختصاصها بالذهب والفضة المسكوكين(١٠).
______________________________
(١) الغروي، علي، التنقيح في شرح العروة الوثقى، كتاب الطهارة: ٢/٩٨.
(٢) ظ: المصدر نفسه: ٢/٢٩١.
(٣) ظ: المصدر نفسه: ٢/٤٣٩.
(٤) ظ: المصدر نفسه: ٢/٤٧٦.
(٥) ظ: المصدر نفسه: ٢/٤٧٦.
* من برد أو مرض.
(٦) ظ: المصدر نفسه: ٤/٢٣٢- ٢٣٩.
(٧) ظ: الغروي، علي، التنقيح في شرح العروة الوثقى، كتاب الطهارة: ٩ /٢١٢- ٢١٥.
(٨) ظ: البروجردي، مرتضى، مستند العروة الوثقى، كتاب الصلاة: ٦/ ٢٢.
(٩) ظ: الغروي، علي، التنقيح في شرح العروة الوثقى، كتاب الصلاة: ١/ ٤٢٤.
** المضاربة: هو أن يدفع إنسان ماله إلى غيره ليتجر فيه على أن يكون الربح بينهما بالنصف أو الثلث ونحو ذلك، ظ: الخوئي، أبو القاسم، منهاج الصالحين: ٢/١٢٤.
(١٠) ظ: الخوئي، محمد تقي، مباني العروة الوثقى، كتاب المضاربة، الأول: ٢٠.
( ١٦٦ )
١٧- عدم انعقاد الإجماع على اشتراط امتزاج المالين في الشِّرْكة(١).
١٨- حرمة الزوج على زوجته الصغيرة دواماً أو متعةً إذا دخل بها قبل إكمالها تسع سنين وأفضاها(٢).
١٩- مَنْ زنى بذات بعلٍ دواماً أو متعةً حرمت عليه مؤبداً على الأحوطوجوباً(٣).
٢٠- عدم انعقاد الإجماع على أنّ المعاطاة لا تفيد الملكية(٤).
ويبدو مما تقدّم أنّ السيد الخوئي قد رتّب الأثر على الإجماع مع أنّه ليس بحجة عنده، ولذا نجده يقول بالاحتياط اللزومي في الموارد التي ثبت بها الإجماع*، مع أنّه حتى لو قلنا بأنّ الاحتياط حسنٌ على كلّ حال -وهو كذلك- ولكن لمَ لا يكون هذا الاحتياط استحبابياً؟ فقوله بالاحتياط اللزومي بلا مدرك.
امتاز السيد الخوئي خلال بحثه الفقهي بمناقشاته الكثيرة للشهرة الاستنادية، وانعكس ذلك على النتائج التي توصّل إليها من الإفتاء بخلاف المشهور تارة أو القول بالاحتياط حذراً من مخالفة المشهور تارة أخرى، أو موافقة المشهور أحياناً أخر. وسيعرض البحث هذه الحالات الثلاثة تباعاً.
الحالة الأولى: نماذج تطبيقية لمخالفة المشهور
١- لو قدّم المكلف صلاة العصر على الظهر أو صلاة العشاء على المغرب سهواّ
______________________________
(١) ظ: المصدر نفسه: ٢٥٥.
(٢) ظ: المصدر نفسه، كتاب النكاح: ١/ ١٥٧.
(٣) ظ: المصدر نفسه: ١/٢٨٠.
(٤) ظ: التوحيدي، محمد علي، مصباح الفقاهة، كتاب البيع: ٢/ ١١١.
* كما في المورد الرابع والخامس والثاني عشر من التطبيقات الفقهية المتقدمة.
( ١٦٧ )
فقد ذهب المشهور إلى أنّه: إنْ كان في الوقت المختص* بطلت، وإنْ كان في الوقت المشترك: فإنْ كان التذكّر بعد الفراغ صحّت، وإنْ كان في الأثناء عدل بنيّته إلى السابقة إذا بقي محل العدول، وإلا - كما إذا دخل في ركوع الركعة الرابعة من العشاء - بطلت، وإنْ كان الأحوط الإتمام والإعادة بعد الإتيان بالمغرب(١).
وذكر السيد الخوئي عند تعرّضه لهذه المسألة(٢) أنّ لها ست صور، ومحل الشاهد هو الصورة الأولى منها وهي: ما إذا أتى باللاحقة في الوقت المشترك قبل السابقة وكان التذكر بعد الفراغ عنها كما إذا أتى بصلاة العشاء قبل المغرب وبعد الفراغ عنها تذكر عدم إتيانه بالمغرب قبل العشاء فهل يحكم بصحة اللاحقة حينئذ أو لا؟.
والمعروف بين الأصحاب صحة اللّاحقة وقتئذ وذلك بمقتضى الأخبار الخاصة الواردة في ذلك (٣)، فضلاً عن حديث لا تعاد(٤) إذ لم يعد الإخلال بالترتيب فيه من جملة المستثنيات، ومعه لا حاجة في الحكم بصحة اللاحقة إلى الروايات الواردة في المقام.
وفي خصوص صلاتي الظهرين نزاعٌ آخر وهو أنّ ما أتى به المكلف من اللاحقة هل تحتسب عصراً ويجب أنْ يؤتى بعدها بصلاة الظهر أو لا بدّ من أنْ يعدل بنيّتها إلى السابقة ويجعلها ظهراً، ثم يأتي بصلاة العصر بعد ذلك؟
______________________________
* الوقت المختص لصلاة الظهر هو بعد الزوال بمقدار أدائها، ولصلاة العصر هو قبل الغروب بمقدار أدائها أيضاً، وما بينهما مشترك بينهما، أما الوقت المختص لصلاة المغرب هو أول وقتها -وهو زوال الحمرة المشرقية عن كبد السماء على الأحوط لزوما- بمقدار أدائها، وكذا الوقت المختص لصلاة العشاء هو آخر وقتها - وهو نصف الليل للمختار أو الفجر لغيره من ذوي الأعذارـ بمقدار أدائها أيضاً، وما بينهما مشترك بينهما، ظ: العلّامة الحلي، منتهى المطلب: ٤/ ٣٨ والخوئي، أبو القاسم، منهاج الصالحين: ١/١٣١.
(١) ظ: المحقق الحلي، جعفر بن الحسن، الرسائل التسع، المسائل العزية: ٢٤٦ والعلّامة الحلي، الحسن بن يوسف، تذكرة الفقهاء: ١ / ٨٢ والعاملي، حسين بن عبد الصمد المعروف بـ (الشيخ البهائي)، الحبل المتين: ١٥٣ واليزدي، محمد كاظم، العروة الوثقى: ٢/٢٥٦.
(٢) ظ: الغروي، علي، التنقيح في شرح العروة الوثقى، كتاب الصلاة: ١ / ٢٨٦ - ٢٨٨.
(٣) وهي الروايات الواردة في باب مَن نام عن الصلاة أو سهى وكذا في باب وجوب الترتيب بين الفرائض، ظ: الكليني، محمد بن يعقوب، الفروع من الكافي: ٣ / ٢٩٣ والحر العاملي، وسائل الشيعة: ٤/ ٣١٢
(٤) الحديث هو:عن محمد بن علي بن الحسين بإسناده عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لا تُعاد الصلاة إلا من خمسة: الطهور، والوقت، والقبلة، والركوع، والسجود، ظ: الحر العاملي، وسائل الشيعة: ٥ / ٤٧١.
( ١٦٨ )
والمشهور أنْ ما يأتي به يُحتسب عصراً لا محالة. وهو الذي يقتضيه حديث لا تعاد؛ لأنّه إنّما أتى بها بنية العصر، فلا مقتضي لوقوعها ظهراً أبداً، فالقول بأنّه يعدل بنيّته إلى الظهر ولو بعد الصلاة ثم يأتي بصلاة العصر شاذ غير قابل للاعتناء به.
ويستدرك السيد الخوئي قائلاً: نعم هناك صحيحتان تدلان على أنّ ما أتى به من اللاحقة تقع ظهراً ثم يصلي العصر بعدها، وهذا القول وإنْ كان شاذاً إلا أنّه تدل عليه صحيحتان:
١- صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام): (... وقال: إذا نسيت الظهر حتى صليت العصر فذكرتها وأنت في الصلاة أو بعد فراغك فأنوها الأولى ثم صل العصر فإنّما هي أربع مكان أربع...) (١).
٢- صحيحة الحلبي المضمرة* قال: سألته عن رجل نسي أنْ يصلي الأولى حتى صلى العصر قال: فليجعل صلاته التي صلى الأولى ثم ليستأنف العصر(٢).
فإنّ مقتضى هاتين الصحيحتين وجوب العدول بعد العصر إلى صلاة الظهر معينة ثم الإتيان بصلاة العصر والشهرة على خلافهما؛ لكبرى أنّ إعراض المشهور عن رواية صحيحة إذا كانت بمرئي ومسمع منهم يوجب وهنها وسقوطها عن الحجية، إذ لو لم تكن فيها مناقشة في شيء من الجهات لم يكن وجه لإعراضهم عن الرواية مع فرض صحتها وتماميتها أو أنّ أعراضهم عن رواية غير مؤثر في وهنها ولا يوجب سقوطها عن الحجية والاعتبار، وأنّ عملهم على طبق رواية ضعيفة ليس بجابر لضعفها؟
فعلى الأول تسقط الصحيحتان عن الحجية ولا مناص من الرجوع حينئذ إلى ما تقتضيه القاعدة، ومقتضى قاعدة لا تعاد احتساب ما أتى به من اللاحقة عصراً - كما أتى به - والإتيان بصلاة الظهر بعدها.
وأنّه على الثاني لا بدّ من العمل على طبق الصحيحتين والعدول بعد صلاة العصر إلى الظهر بنيته ثم الإتيان بصلاة العصر.
ويرى السيد الخوئي: إنّ العمل على طبق الصحيحتين وإنْ أعرض المشهور عنهما هو الأقوى عنده لأنّ أعراض المشهور عن رواية صحيحة غير موجب لوهنها وسقوطها عن الحجية كما أنّ عملهم على طبق رواية ضعيفة غير جابر لضعفها(٣).
______________________________
(١) المصدر نفسه: ٤ / ٢٩١.
* المضمرة: ما يُطوى فيها ذكر المعصوم عليه السلام عند انتهاء السند إليه كأن يقول صاحبه أو غيره سألته أو دخلت عليه فقال لي أو عنه، ظ: كني، الملّا علي، توضيح المقال في علم الرجال: ٢٧٥.
(٢) ظ: الحر العاملي، وسائل الشيعة: ٤ / ٢٩٣.
(٣) ظ: البهسودي، مصباح الأصول: ٢/٢٠١ - ٢٠٣.
( ١٦٩ )
مع أنّ الاحتياط يقتضي العدول بعد العصر إلى صلاة الظهر بنيته والإتيان بعدها بأربع ركعات بقصد ما في الذمة الأعم من الظهر والعصر من غير أنْ ينوي إحداهما هذا كله في الظهرين. وأما إذا أتى بالعشاء قبل المغرب - من غير عمد - فلا خلاف في أنّها تقع عشاء ولا بدّ من أنْ يأتي بالمغرب بعدها؛ وذلك لأنّه مقتضى حديث لا تعاد(١).
وبذلك يكون السيد الخوئي قد أفتى وفق الصحيحتين بعدول المصلي بنيته إلى صلاة الظهر بعد أن صلّى بنية العصر سهواّ ثم يصلي العصر، ولم يعتنِ بإعراض المشهور عن الصحيحتين، وافتائهم بأنّ الصلاة التي صلّاها هي العصر ثم يصلّي الظهر بعدها.
٢- وجوب سجود السهو عند الشك في كل زيادة أو نقيصة
أنكر مشهور الأصوليين(٢) وجوب سجدة السهو لمجرّد الشك في الزيادة، أو الشك في النقيصة عدا الصدوق والعلّامة الحلي، والشهيد الثاني(٣).
وذكر السيد الخوئي أنّه: يستدل للوجوب بطائفة من الأخبار(٤):
منها صحيحة زرارة: عن محمد بن يعقوب الكليني عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن عمر بن أذينة عن زرارة قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر أزاد أم نقص فليسجد سجدتين وهو جالس، وسمّاهما رسول الله (صل الله عليه وآله) المرغمتين(٥).
وصحيحة الحلبي: محمد بن الحسن، بإسناده عن سعد، عن أبي جعفر، عن ابن أبي عمير، عن حماد بن عثمان، عن عبيد الله بن علي الحلبي، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: إذا لم تدر أربعاً صليت أم خمساً أم نقصت أم زدت فتشهّد وسلّم واسجد سجدتين بغير ركوع ولا قراءة فتشهد فيهما تشهداً خفيفاً(٦).
______________________________
(١) ظ: الغروي، علي، التنقيح في شرح العروة الوثقى، كتاب الصلاة: ١/ ٢٨٦ - ٢٨٨.
(٢) على سبيل المثال انظر ما ذكره المحققان أحمد الأردبيلي ومحمد باقر السبزواري من الأقوال عند تعرضهما لهذه المسألة، ظ: مجمع الفائدة والبرهان: ٣/ ١٥٦ وما بعدها وذخيرة المعاد: ج١ق١/٣٨٠.
(٣) ظ: ابن بابويه، محمد بن علي بن الحسين، من لا يحضره الفقيه: ١/ ٣٤١ والعلّامة الحلي، الحسن بن يوسف، مختلف الشيعة: ٢/ ٢٢٥ والعاملي، زين الدين «الشهيد الثاني»، روض الجنان: ٣٥٤.
(٤) ظ: البروجردي، مرتضى، مستند العروة الوثقى، كتاب الصلاة: ٦ / ٣٦١.
(٥) ظ:الحر العاملي، وسائل الشيعة: ٨ / ٢٢٤.
(٦) المصدر نفسه: ٨ / ٢٢٤.
( ١٧٠ )
وصحيحة الفضيل بن يسار: محمد بن علي بن الحسين الصدوق، بإسناده عن الفضيل بن يسار، أنّه سأل أبا عبدالله (عليه السلام) عن السهو فقال: من حفظ سهوه فأتمه فليس عليه سجدتا السهو، وإنّما السهو على من لم يدر أزاد في صلاته أم نقص منها(١).
وموثقة سماعة: محمد بن يعقوب، عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة قال: قال: من حفظ سهوه فأتمه فليس عليه سجدتا السهو إنّما السهو على من لم يدر أزاد أم نقص منها(٢).
وهذه الأخبار المتحدة في المفاد مطلقة من حيث تعلق الشك بالأفعال أو بإعداد الركعات، فقالوا إنّها تدل على وجوب السجود لمجرد الشك في أنّه زاد أم لا، أو الشك في أنّه نقص أم لا، وبما أنّ سجدة السهو المجعولة لإرغام الشيطانإنّما تشرّع في صلاة محكومة بالصحة من دون البطلان، فينبغي أنْ تُحمل على فرض كون الشك بزيادة جزء غير ركني أو نقيصته كالسجدة الواحدة.
فهذه الروايات بعد التقييد المذكور ظاهرة الدلالة على الوجوب في الفرض المذكور، قوية السند، فلا مانع من الأخذ بها والحكم بوجوب سجدة السهو لدى العلم الإجمالي بالزيادة أو النقص عدا إعراض المشهور عنها، فإنْ بنينا على أنّ الإعراض مسقط للصحيح عن الاعتبار كما هو المعروف عند مشهور الأصوليين(٣) إتّجه القول بعدم الوجوب الذي عليه المشهور، وإلا كان العمل بها متعيّناً، وحيث أنّ المختار هو الثاني فالأقوى وجوب سجدة السهو لذلك(٤).
ويتبيّن مما تقدّم أنّ السيد الخوئي أفتى وفق الروايات الواردة في المقام بوجوب سجدة السهو عند الشك في الزيادة أو النقيصة، وإنْ أعرض المشهور عن هذه الروايات وأفتوا بعدم وجوب سجدة السهو؛ وذلك استناداً إلى مبناه الأصولي بأنّ إعراض المشهور عن رواية صحيحة غير كاسر لها كما أنّ عملهم على وفق رواية غير جابر لضعفها.
وبالتالي يكون السيد الخوئي قد وافق الصدوق والعلّامة الحلي والشهيد الثاني.
٣- خيار التأخير فيما يفسد من يومه
ذهب المشهور إلى أنّ من جملة الخيارات التأخير بالثمن فيما يفسد من يومه(٥).
______________________________
(١) المصدر نفسه: ٨ / ٢٣٨.
(٢) المصدر نفسه: ٨/ ٢٣٩.
(٣) ظ: الصدوق، علي بن بابويه، فقه الرضا: ٥٠ والمحقق الحلي، المعتبر: ٣٠ والمحقق البحراني، يوسف، الحدائق الناضرة: ٦/ ٢٤٤ و٧/ ٣٩١.
(٤) ظ: البروجردي، مرتضى، مستند العروة الوثقى، كتاب الصلاة: ٦ / ٣٦١.
(٥) ظ: المحقق الحلّي، جعفر، شرائع الإسلام: ٢/ ٢٧٧ والحلّي، يحيى بن سعيد، الأشباه والنظائر: ٨٧ والعلّامة الحلي، الحسن بن يوسف، مختلف الشيعة: ٥/٧٠.
( ١٧١ )
تحقيق السيد الخوئي في مدرك الحكم(١):
استدل المشهورعلى هذا الحكم بمرسلة محمد بن أبي حمزة البطائني: (عن محمد بن أبي حمزة أو غيره عمن ذكره عن أبي عبدالله وأبي الحسن (عليهما السلام) في الرجل يشتري الشيء الذي يفسد من يومه ويتركه حتى يأتيه بالثمن، قال: إنْ جاء فيما بينه وبين الليل بالثمن وإلا فلا بيع له)(٢).
وناقش السيد الخوئي الرواية من جهة السند والدلالة، مع مناقشة مبنى المشهور:
أما مناقشة السند:فالرواية مرسلة؛ بقوله: (أو غيره عمّن ذكره)، فالسند غير تام، فضلاً عن ضعف علي بن أبي حمزة البطائني*.
وأما الدلالة: فإنّ ظاهرها أنّ الخيار إنّما هو من أول الليل لا قبله، مع أنّه من اللغو الظاهر، فإنّ المفروض أنّ المبيع يفسد من يومه ففي الليل يشرع في الفساد فأيّ فائدة في كون البائع متمكناً من الفسخ، فإنّ الظاهر أنّ حكمة جعل هذا الخيار هي عدم تضرر البائع من جهة فساد المبيع، وأما ما يُذكر في المقام من أنّ الخيار يثبت للبائع من النهار فهو ممّا لا تدل عليه الرواية.
فإنْ قلنا بما هو ظاهر الرواية من جعل الخيار للبائع من الليل فهو أمر لا ثمرة له، وإنْ قلنا بما هو ظاهر بعض الأصحاب من ثبوت الخيار للبائع من النهار ممّا لا تدل عليه الرواية، ومن هنا عبّر الشهيد الأول(٣)عن هذا الخيار بخيار التأخير فيما يفسده المبيت، لحمل اليوم على اليوم وليلته الآتية كما ربما يطلق ويراد منه ذلك أعني أربعة وعشرين ساعة، وبهذا يرتفع المحذور، فإنْ جعل الخيار للبائع من الليل فيما لم يفسده النهار وإنّما يفسده المبيت ممّا لا لغوية فيه، وثمرته تمكّن البائع من فسخ المعاملة قبل فساد المبيع، وبهذا يرتفع الإشكال في دلالة الرواية وتنحصر المناقشة في السند.
أما مناقشة المبنى: فإنّ مبنى المشهور هو أنّ عملهم برواية يجبر ضعف السند فيها، مع أنّ الشهرة الاستنادية لم يثبت حجيّتها عند السيد الخوئي ولذا فإنّها لا توجب جبر ضعف الرواية المذكورة.
وعرض السيد الخوئي مدركاً آخر ذكره الشيخ الأنصاري وهو قاعدة لا ضرر(٤) وناقشه وردّه، وبذلك ينتهي السيد الخوئي إلى أنّ ثبوت الخيار في
______________________________
(١) ظ: التوحيدي، محمد علي، مصباح الفقاهة، كتاب الخيارات: ٤/ ٥٣٥ - ٥٣٩.
(٢) الكليني، محمد بن يعقوب، الفروع من الكافي: ٥/١٧٢.
* ظ: العلّامة الحلي، خلاصة الأقوال في معرفة الرجال: ٤٢١.
(٣) ظ: العاملي، محمد بن مكي (الشهيد الأول)، الدروس الشرعية في فقه الإمامية: ٣ / ٢٧٤.
(٤) ظ: القاعدة هي: لا ضر ولا ضرار في الإسلام، ظ: المكاسب (الخيارات):٥ / ٢٤٤.
( ١٧٢ )
المسألة لا مدرك له باعتبار اعتماد المشهورعلى المرسلة غير المنجبرةبعملهم.
ثم ذكر السيد الخوئي طريقاً آخر لإثبات الخيار في المقام وهو الرجوع إلى سيرة العقلاء وارتكازهم، وبذلك لا نخصّص الخيار بما إذا كان المبيع ممّا يفسد من يومه كما خصّوه، بل يُتعدّى إلى ما يفسد من ساعته كالثلج، بل إلى ما لا يعرضه الفساد أصلاً كما في الأقمشة، بل إلى ما كان التأخير موجباً لذهاب سوقه(١).
وهناك نماذج تطبيقية أخرى اُشير إليها إجمالاً طلباً للاختصار:
٤ - ماء البئرالنابع بمنزلة الماء الجاري لا يتنجّس إلا بالتغيّر(٢).
٥ - عدم اعتبار التوالي والاستمرار في دم الحيض(٣).
٦ - عدم اعتبار الدعاء بالكيفية المتعارفة في صلاة الجنائز(٤).
٧ - عدم ثبوت ولاية الوصي على تزويج الصغير(٥).
٨ - وجوب الخمس على الجائزة(٦).
٩ - جواز بيع العين المرهونة(٧).
١٠ - ثبوت خيار المجلس للوكيل(٨).
١١ - ثبوت القصاص على القاتل: لو قال أحد لغيره اقتلني فقتله(٩).
١٢ - عدم جواز إحلاف الحاكم أحداً إلا في مجلس قضائه(١٠).
١٣- ثبوت مطلق حقوق الناس بشاهد ويمين ولا يختص ذلك بالمال(١١).
١٤ - عدم اختصاص الحلف بصاحب الحق(١٢).
١٥- قبول دعوى أب المرأة المتوفاة أو غيره عارية بعض ما كان عندها من الأموال(١٣).
______________________________
(١) ظ: التوحيدي، محمد علي، مصباح الفقاهة، كتاب الخيارات: ٤/ ٥٣٩.
(٢) ظ: الغروي، علي، التنقيح في شرح العروة الوثقى، كتاب الطهارة: ١/٢٨٦.
(٣) ظ: المصدر نفسه: ٦/ ١٥١.
(٤) ظ: المصدر نفسه: ٩/ ٧٩.
(٥) ظ: الخوئي، محمد تقي، مباني العروة الوثقى، كتاب النكاح: ٢/ ٣٠٣.
(٦) ظ: التوحيدي، محمد علي، مصباح الفقاهة، المكاسب المحرمة: ١/٧٦٥.
(٧) ظ: المصدر نفسه، كتاب البيع: ٢/٤٢٢.
(٨) ظ: المصدر نفسه، الخيارات: ٤/٥١٥.
(٩) ظ: الخوئي، أبو القاسم، مباني تكملة المنهاج: ٢/ ١٦.
(١٠) ظ: المصدر نفسه: ١/ ٢٩.
(١١) ظ: المصدر نفسه: ١/٣٥.
(١٢) ظ: المصدر نفسه: ١/٤٥.
(١٣) ظ: المصدر نفسه: ١/٧٣.
( ١٧٣ )
الحالة الثانية: القول بالاحتياط حذراً من مخالفة المشهور
هناك نماذج عديدة خالف بها السيد الخوئي رأي المشهور في بحثه الفقهي من خلال النظر في أدلتهم ولكن قال بموافقة المشهور بالاحتياط حذراً عن مخالفتهم، ومن هذه الموارد:
١ - الأحوط وجوباً عدم جواز السجود على العقيق والفيروزج
يشترط الفقهاء في مسجد الجبهة من مكان المصلي فضلاً عن طهارته أنْ يكون من الأرض أو ما أنبتته غير المأكول والملبوس، فلا يصح السجود على ما خرج عن اسم الأرض.
وقد ذهب المشهور إلى عدم صحة السجود على المعادن مثل الذهب والفضة والعقيق والفيروزج لخروجها عن اسم الأرض(١).
وكان تحقيق السيد الخوئي كالآتي:
أما الذهب والفضة فلا شكّ في عدم صحة السجود عليهما؛ لخروجهما عن اسم الأرض ونباتها؛ لأنّهما ليسا من الأرض، وإنّما هما فلزّان مخصوصان يتكوّنان في الأرض بقدرته تعالى.
وأما العقيق والفيروزج ونحوهما من الأحجار الكريمة، ففي خروجها عن اسم الأرض تأمل بل منع؛ إذ لا نرى فرقاً بينها وبين بقية الأحجار كالحصاة ونحوها في صدق اسم الأرض عليها، غايته أنّها تشتمل على صفات خاصة من الصفاء والجلاء واللون الخاص الموجب لرغبة العقلاء إليها، وبذل المال بإزائها، وبذلك أصبحت من الأحجار الكريمة، فاتصاف تلك الأحجار بكونها كريمة وشرائها بأغلى الثمن لعلّه لا نعرفها لا يستوجب خروجها عن صدق اسم الأرض.
وعليه فالأقوى خلافا للمشهور جواز السجود عليها وإنْ كان الاحتياط لا ينبغي تركه، حذراً عن مخالفة المشهور(٢).
٢ - الأحوط وجوباً نجاسة أهل الكتاب
المشهور بين المتقدّمين والمتأخرين هو نجاسة أهل الكتاب(٣).
______________________________
(١) ظ: ابن بابويه، علي بن الحسين، فقه الرضا: ١١٤ والحلبي، ابن زهرة، غُنية النزوع: ٦٦ والشريف المرتضى، الناصريات: ١٥٣ واليزدي، محمد كاظم، العروة الوثقى: ٢/٣٨٩.
(٢) ظ: البروجردي، مرتضى، مستند العروة الوثقى، كتاب الصلاة: ٢ / ١٥٥.
(٣) الغروي، علي، التنقيح في شرح العروة الوثقى، كتاب الطهارة: ٨ / ١٥٥.
( ١٧٤ )
وتعرّض السيد الخوئي إلى الأدلة في المسألة مبيّناً أنّ الروايات مختلفة منها ما يُستدل بها على طهارتهم ومنها ما يُستدل بها على نجاستهم، وانتهى إلى نتيجة في ختام بحثه: (أنّ طهارة أهل الكتاب كانت ارتكازية عند الرواة إلى آخر عصر الأئمة عليهم السلام وإنّما كانوا يسألون عما يعمله أهل الكتاب أو يساوره من أجل كونهم مظنّة النجاسة العرضية، ومن هنا يشكل الإفتاء على طبق أخبار النجاسة إلا أنّ الحكم على طبق روايات الطهارة أشكل، لأنّ معظم الأصحاب من المتقدّمين والمتأخرين على نجاسة أهل الكتاب، فالاحتياط اللزومي مما لا مناص عنه في المقام)(١).
وفي موضع آخر يقول أيضا: (ولو كنّا نحن وهذه الروايات لحملنا الأخبار المانعة على التنزّه وقلنا بطهارتهم جمعاً بين ما دل على نجاسة أهل الكتاب وما دلّ على طهارتهم وإنّما لا نلتزم بذلك للشهرة العظيمة القائمة على نجاسة أهل الكتاب وارتكازها في أذهان المسلمين)(٢).
وفي موضع ثالث يقول أيضاً: (... لأنّا إنْ قدّمنا الأخبار الدالة على طهارة أهل الكتاب ولم نعمل بالأخبار الدالة على نجاستهم -وإنّما لم نفت بذلك لعدم الاجتراء على مخالفة المشهور- وقلنا أن ّنجاستهم عرضية)(٣).
وبهذا يتبيّن أنّ الذي دعا السيد الخوئي إلى القول بالاحتياط بنجاسة أهل الكتاب هو الحذرعن مخالفة المشهور وإلا لو بقي والأدلة لحكم بطهارتهم.
وهناك نماذج أخرى اُشير إلى بعضها إجمالاً:
٣- منجسيّة المتنجّس لملاقيه في الجوامد مع الواسطة(٤).
٤- إذا تعذّر السدر أو الكافور للميت فالأحوط الجمع بين التيمم والغسل بالماء القراح(٥).
٥- ترك الاعتماد على عصا أو جدار في قيام الصلاة(٦).
٦- عدم جواز أخذ الأجرة على تعليم سورة الحمد والسورة الأخرى للصلاة(٧).
٧- ضمّ الانحناء بالقدر الممكن إلى الإيماء لمنْ يعجز منه بالوجه المطلوب(٨).
______________________________
(١) ظ: الغروي، علي، التنقيح في شرح العروة الوثقى، كتاب الطهارة: ٢/ ٥٦.
(٢) المصدر نفسه: ٣ / ٣٠٦.
(٣) ظ: الشريف المرتضى، الانتصار: ٨٩ والعلّامة الحلّي، الحسن بن يوسف، منتهى المطلب: ١ /١٦٨ والعاملي، حسين بن عبد الصمد البهائي، الحبل المتين: ٩٩.
(٤) ظ: المصدر نفسه: ٣ /٢٥١.
(٥) ظ: المصدر نفسه: ٨ / ٢٥٧.
(٦) ظ: المصدر نفسه: ٣ / ٢٠٧.
(٧) ظ: البروجردي، مرتضى، مستند العروة الوثقى، كتاب الصلاة: ٣ / ٤٥٧.
(٨) ظ: المصدر نفسه:٤ / ٣٤.
( ١٧٥ )
٨- التكتّف بقصد الخضوع والعبودية مُبطل للصلاة(١).
٩- استحباب سجدة السهو للقيام موضع القعود(٢).
١٠- كفّارة خدش المرأة في المصاب*، وشقّ الرجل ثوبه على زوجته أو ولده(٣).
١١- وجوب المتابعة في صيام الكفارات(٤).
١٢- الجمع بين الإشعار** والتلبية والتقليد*** في انعقاد الإحرام(٥).
١٣- الوقوف في يوم عرفة من الزوال إلى الغروب(٦).
١٤ - جواز فسخ الإجارة المعاطاتية(٧).
الحالة الثالثة: موافقة المشهور
وافق السيد الخوئي مشهور الأصوليين في فتاوى لمسائل فقهية عديدة، وذلك بعد النظر في الأدلة التي استندوا إليها، فإذا لاحظ تماميتها إتّبع تلك الأدلة وإن كانت نتيجتها فتوىً تطابق ما ذهب إليه المشهور، ومن تلك المسائل:
______________________________
(١) ظ: المصدر نفسه: ٤ / ٤٥٤.
(٢) ظ: المصدر نفسه: ٦ / ٣٤٨.
* وهي كفارة يمين: عتق رقبة أو إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم، وعند العجز عنها صيام ثلاثة أيام، ظ: الخوئي، أبو القاسم، منهاج الصالحين: ٢/٣٢١.
(٣) ظ: البروجردي، مرتضى، مستند العروة الوثقى، كتاب الصوم: ٢ / ٢٣٣.
(٤) ظ: المصدر نفسه: ٢ / ٢٥٠.
** الإشعار: هو طعن سنام الناقة أو البعير الأيمن حتى يسيل منه دم ليُعلم أنّه هدي، ظ: مجموعة باحثين (مركز المعجم الفقهي)، المصطلحات: ٣٣٧.
*** التقليد: أن يعلّق الحاج المُقرن في رقبة الهدي نعلاً خرقاً قد صلّى فيه للإعلام بأنّه هدي، ظ: المصدر نفسه: ٧٨٩.
(٥) ظ: الخلخالي، رضا، معتمد العروة الوثقى، تقريرات أبحاث الخوئي، كتاب الحج: ٢ / ٥٣١.
(٦) ظ: الخلخالي، رضا، المعتمد في شرح المناسك، تقريرات أبحاث الخوئي: ٥ / ١٤٣.
(٧) ظ: الخلخالي، رضا، معتمد العروة الوثقى، كتاب الإجارة: ١١٢ - ١١٥.
( ١٧٦ )
١- استحباب الأذان والإقامة للفرائض اليومية
بيّن السيد الخوئي أنّ المشهور بين الفقهاء قديماً وحديثاً(١) استحباب الأذان والإقامة جماعة وفرادى، سفراً وحضراً، للرجال وللنساء، أداءً وقضاءً، فيجميع الفرائض الخمس، وإنْ كان الاستحباب في الإقامة آكد، ويتأكدان في بعض الفرائض كالمغرب والفجر(٢).
وبعد أنْ عرض السيد الخوئي الأقوال في المسألة قال: (الأقوى ما عليه المشهور)(٣).
٢- عدم جواز المسح في الوضوء على الحائل
في مسألة عدم جواز المسح على الحائل من العمامة أو القناع أو غيرهما وإنْ كان شيئاً رقيقاً لم يمنع عن وصول الرطوبة إلى بشرة الرأس عند مسح الرأس في الوضوء ذكر السيد الخوئي الروايات التي اعتمدها الفقهاء في الاستدلال وجوب المسح على مقدَّم الرأس، والتي منها صحيحة زرارة وبكير عن الإمام الباقر (عليه السلام): (... ومسح مقدم رأسه وظهر قدميه ببلّة يساره وبقية بلّة يمناه...)(٤)؛ إذ لا يطلق على الحائل عنوان المقدّم والرأس، فلا المسح عليهما مسحاً على الرأس أو المقدّم(٥).
ومرفوعة محمد بن يحيى الصريحة في عدم الجواز: (محمد بن يحيى رفعه عن أبي عبدالله عليه السلام في الذي يخضّب رأسه بالحنّاء ثم يبدو له في الوضوء، قال: لا يجوز حتى يصيب بشرة رأسه بالماء)(٦).
ثم ذكر السيد الخوئي روايتين تجوّزان المسح على الحنّاء وهما: صحيحة عمر بن يزيد قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن الرجل يخضّب رأسه بالحنّاء ثم يبدو له في الوضوء، قال: يمسح فوق الحنّاء، وصحيحة محمد بن مسلم عن الصادق عليه السلام: (في الرجل يحلق رأسه ثم يُطليه بالحنّاء ثم يتوضأ للصلاة، فقال:لا بأس بأنْ يمسح رأسه والحنّاءعليه)(٧).
______________________________
(١) ظ: الشريف المرتضى، رسائل المرتضى: ١ / ٢٧٣ والطوسي، محمد بن الحسن، الخلاف: ١ / ٢٨٤ والرسائل العشر: ١٤٤ وابن البراج، عبد العزيز، جواهر الفقه: ٢٥٤ والسبزواري، محمد باقر، كفاية الفقه: ١/ ٨٥.
(٢) ظ: البروجردي، مرتضى، مستند العروة الوثقى، كتاب الصلاة: ٢ / ٢٥٠.
(٣) ظ: المصدر نفسه: ٢ / ٢٥١.
(٤) الحر العاملي، وسائل الشيعة:١ / ٣٨٧.
(٥) ظ: الغروي، علي، التنقيح في شرح العروة الوثقى، كتاب الطهارة: ٤ / ١٥٢.
(٦) الحر العاملي، وسائل الشيعة: ١ / ٤٥٥.
(٧) المصدر نفسه: ١ / ٤٥٥.
( ١٧٧ )
وبعد ذلك علّق السيد الخوئي على هاتين الروايتين: بأنّهما متعارضتان مع الروايات المشهورة المعروفة، ولا مناص من إلغائهما لندرتهما، ويجب الأخذ بالمشهورة(١).
وبهذا يتّضح أنّ السيد الخوئي في مورد الشهرة الروائية يرجّح الروايات المشهورة على الشاذة والنادرة في مقام التعارض.
وهناك نماذج أخرى أذكر بعضها إجمالاً:
٣- تحديد الكُرّ بالوزن*: قال السيد الخوئي في هذه المسألة: (فما ذهب إليه المشهور هو الحق الصراح)(٢).
٤- عدم وجوب غسل الشعر في الغسل الواجب: صرح السيد الخوئي برأيه هذا في هذه المسألة بقوله: (فتحصّل: إنّ غسل الشعر غير واجب كما ذهب إليه المشهور إلا إذا كان خفيفاً ومعدوداً من توابعه)(٣).
٥- عدم جواز السجود على القير والزفت: ذكر السيد الخوئي ما نصّه: (الأقوى عدم جواز السجود على القير والزفت كما عليه المشهور)(٤).
٦- سقوط القضاء عمّن فاته شهر رمضان أو بعضه لمن يستمر به المرض: بعد أنْ عرض السيد الخوئي للأدلة ومناقشة الأقوال الأخرى في المسألة انتهى إلى أنّه: (الصحيح ما عليه المشهور من سقوط القضاء والانتقال إلى الفداء)(٥).
٧- عدم دخول الليلة الأولى في مدة الاعتكاف: قال السيد الخوئي في هذه المسألة: (...إنّما الكلام في الليلة الأولى، فالمشهور عدم الدخول، ...، والصحيح ما عليه المشهور، فإنّ اليوم ظاهر لغةً وعرفاً في بياض النهار في مقابل قوس الليل، قال تعالى: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً...﴾**(٦).
______________________________
(١) ظ: الغروي، علي، التنقيح في شرح العروة الوثقى، كتاب الطهارة: ٤ / ١٥٤.
* مقدار الكر بالوزن ثلاثمائة وسبة وسبعون كيلوا تقريباً، ظ: الخوئي، أبو القاسم، منهاج الصالحين: ١ / ١٨.
(٢) الغروي، علي، التنقيح في شرح العروة الوثقى، كتاب الطهارة: ١ / ١٩٣.
(٣) الغروي، علي، التنقيح في شرح العروة الوثقى، كتاب الطهارة: ٥ / ٤٥٥.
(٤) البروجردي، مرتضى، مستند العروة الوثقى، كتاب الصلاة: ٢ / ١٦١.
(٥) المصدر نفسه، كتاب الصوم: ١ / ١٨٧.
** الحاقة: ٧.
(٦) المصدر نفسه، كتاب الصوم: ٢ / ٣٤٥.
( ١٧٨ )
٨- استحباب إخراج الزكاة في الحبوب ممّا يُكال أو يوزن: قال السيد الخوئي: (فما ذهب إليه المشهور من الحكم بالاستحباب في سائر الحبوب -ما عدا الحنطة والشعير- ممّا يُكال أو يوزن هو الصحيح)(١).
٩ - جواز دفع الشاة الهرمة أو المعيبة في الزكاة إذا كان النصاب متألفاً منه فقط: ذكر السيد الخوئي في هذه الفرض من فروض المسألة أنّه: (والصحيح ما عليه المشهور، فإنّ الزكاة حقٌّ متعلّقٌ بالعين كيف ما قلنا في كيفية التعلّق، فالواجب ابتداءً الدفع من نفس العين وإنْ جاز التبديل بالقيمة، بمقتضى الدليل الثانوي)(٢).
١٠- ثبوت الولاية للجد في تزويج الصغير مطلقاً (أي مع وجود الأب أو عدمه):قال السيد الخوئي: (فالصحيح في المقام هو ما ذهب إليه المشهور من ثبوت الولاية للجد مطلقاً)(٣).
١١- المبيع يُملك بالعقد لا بانقضاء زمن الخيار: انتهى السيد الخوئي إلى نتيجة عند بحثه لهذه المسألة: (مقتضى القاعدة هو الأخذ بقول المشهور)(٤).
١٢- الحوالة* عقد وليس إيقاع: ذكر السيد الخوئي في هذه المسألة: (فالصحيح في المقام ما ذهب إليه المشهور من كون الحوالة عقداً بين المحيل والمحتال، لكونها تبديلاً لما في ذمته للمحتال بما في ذمة المحال عليه)(٥).
١٣- قبول شهادة المتبرع بها**: ذكر السيد الخوئي ما نصّه: (المشهور بين الأصحاب شهرة عظيمة القبول... وما ذكره المشهور هو الصحيح لإطلاقات الأدلة وعموماتها)(٦).
______________________________
(١) المصدر نفسه، كتاب الزكاة: ١ / ١٤٢.
(٢) المصدر نفسه: ١ / ٢٠٦.
(٣) المصدر نفسه، كتاب النكاح: ٢/ ٢٧٦.
(٤) التوحيدي، محمد علي، مصباح الفقاهة، الخيارات: ٥/٥٣٨.
* الحوالة: هي تحويل المدين ما في ذمته من الدين إلى ذمة غيره بإحالة الدائن عليه، وهي عقد لازم ليس للمحيل والمحال عليه فسخه، إلّا إذا كان المحال عليه معسراً حين الحوالة، وكان المحال جاهلاً به، جاز له الفسخ بعد علمه بالحال، ظ: الخوئي، أبو القاسم، منهاج الصالحين: ٢/ ١٨٨.
(٥) الخوئي، محمد تقي، مباني العروة الوثقى، تقريرات أبحاث أبي القاسم الخوئي، كتاب المساقاة: ٢٤٨.
** وهي المبادرة بالشهادة قبل استنطاق الحاكم، سواء كان بعد دعوى المدعي أم قبله، العاملي، زين الدين بن علي (الشهيد الثاني)، مسالك الأفهام: ١٤/ ٢١٤.
(٦) الخوئي، أبو القاسم، مباني تكملة المنهاج: ١ / ١٠٨.
( ١٧٩ )
ويبدو مما تقدّم: أنّ السيد الخوئي في تطبيقاته الفقهية لم يكن على وتيرةٍ واحدة فتارةً يوافق المشهور، لا من أجل أنّ المشهور ذهب إلى ذلك الرأي في مسألةٍ ما بل لأنّ الدليل قاده إلى ذلك الرأي ويصرّح بأنّ المتّبع هو الدليل(١)، وتارةً أخرى يخالفهم صريحاً لنفس السبب المتقدّم، وهذا هو ديدن الباحث الموضوعي، ولكن نراه في بعض المسائل الفقهية -كما مرّ آنفاً- يذهب إلى القول بالاحتياط حذراً من مخالفة المشهور، فقول المشهور إمّا أنْ يكون له اعتبار عنده أو لا؟ فإذا كان له اعتبار فليوافقهم دائماً، وإنْ لم يكن له اعتبار فليتبّع الدليل وهو الأجدر بنظر الباحث القاصر، فمسألة القول بالاحتياط -وإنْ كان حسناً على حال- حذراً عن مخالفة المشهور، تبقى ملاحظة يسجّلها البحث على السيد الخوئي على جلالة قدره وعمقه العلمي.
______________________________
(١) ظ: البروجردي، مرتضى، مستند العروة الوثقى، كتاب الصلاة: ٣ / ٢٣٩، ٢٨٧، ٤/ ٤٢٥، ٥٣٨ و٦/٣٢٧، ٣٩٣ ج٥ق١/٩ وج٥ق٢/١١٨، ٤٦٢ و٧/٣٧٧ وكتاب الصوم ٢/٦٦ وكتاب الخمس ١/٤٠، ١٧٣، ٣٣٨.
( ١٨٠ )
المبحث الثالث: استصحاب الكلي
المطلب الأول: أقسام استصحاب الكلي
المطلب الثاني: مناقشات القسم الرابع من استصحاب الكلي
المبحث الرابع: تطبيقات فقهية
الفصل الثالث: مباحث الاستصحاب
المبحث الأول: أمارية الاستصحاب
المطلب الأول: الاستصحاب لغةً واصطلاحاً
المطلب الثاني: الفرق بين الأصل والإمارة
المطلب الثالث: تقديم الأمارات على الاستصحاب
المبحث الثاني: عدم جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية
المطلب الأول: تبنّي الخوئي لرأي النراقي
المطلب الثاني: مناقشة الإشكالات الواردة على رأي النراقي
المطلب الثالث: استثناء الأحكام غير الإلزامية والشبهات الحكمية الوضعية
( ١٨١ )
تتضمّن الأصول العملية موضوعات عدة: أصالة البراءة وأصالة التخيير وأصالة الاحتياط والاستصحاب، ولم يمتاز السيد الخوئي برأي أصولي على نحو الإبداع والتجديد بحيث يُعدّ ذلك معلماً بارزاً له في مدرسته الأصولية فيما ذُكر عدا موضوع الاستصحاب على ما ذكره تلامذته(١).
ولذا عنى هذا الفصل بمباحث الاستصحاب على نحو الخصوص من دون غيرها من موضوعات الأصول العملية، وتضمن هذا الفصل ثلاثة مباحث، وهي:
يُعدّ القول بأنّ الاستصحاب أمارة وليس أصلاً من معالم البحث الأصولي عند السيد الخوئي، ولذا جاء هذا المبحث لتسليط الضوء على هذه المسألة، وقد تضمن ثلاثة مطالب:
الاستصحاب لغةً:
استفعال من مادة (صحب) التي تدل على مقارنة شيءٍ من صاحبه، وكل شيءٍ لازم شيئاً فقد استصحبه، واستصحب الشيء لازمه، ومن هنا قيل: استصحبت الحال، إذا تمسكت بما كان ثابتاً، كأنك جعلت تلك الحال مصاحبة غير مفارقة(٢).
الاستصحاب اصطلاحاً:
عرّف السيد الخوئي الاستصحاب بتعريفاتٍ عدة بناءً على اختلاف مباني الأصوليين في الاستصحاب، فبناءً على كونه من الأمارات المفيدة للظن النوعي* فقد عرّفه بأنّه: كون الحكم متيقناً في الآن السابق مشكوك البقاء في الآن اللاحق؛ فإنّ كون الحكم متيقناً في الآن السابق أمارة على بقائه ومفيدة للظن النوعي، فيكون الاستصحاب كسائر الأمارات المفيدة للظن النوعي -كخبر الثقة- ويكون المثبت منه حجة أيضاً على ما هو المعروف بين الأصوليين.
وبناءً على كونه من الأمارات المفيدة للظن الشخصي**، فقد عرّفه بأنّه: الظن ببقاء حكمٍ يقيني الحصول في الآن السابق مشكوك البقاء في الآن اللاحق.
فيكون الاستصحاب كبعض الظنون الشخصية المعتبرة شرعاً في بعض المقامات، كالظن في تشخيص القبلة والظن بالركعات في الصلوات الرباعية.
وأما على القول بكون الاستصحاب من الأصول العملية، فلا بدّ من تعريفه بأنّه: حكم الشارع ببقاء اليقين في ظرف الشك من حيث الجري العملي(٣).
______________________________
(١) أمثال: والشيخ باقر الإيرواني في ٢٠١٠/١/٢٥م والشيخ محمد أمين المامقاني في ٢٠١١/٢/٨م والشيخ غالب الناصر بتاريخ ٢٠١١/٢/٨م والشيخ محمد هادي آل راضي في ٢٠١٠/٢/١٧م والشيخ إسحاق الفياض في ٢٠١٠/٢/٢١م، والشيخ بشير النجفي في ٢٠١٠/٣/٢م.
(٢) ظ: ابن زكريا، أحمد بن فارس، معجم مقاييس اللغة، مادة صحب: ٣/٣٣٥ والطريحي، فخر الدين، مجمع البحرين، مادة صحب: ٢/٥٨٦ والفيومي، المصباح المنير، مادة صحب..
* الظن النوعي: وهو الظن لعامة الناس أو أغلبهم وإن لم يفد لشخص ما، ظ: مركز المعجم الفقهي، المصطلحات: ٤٩٦.
** الظن الشخصي: وهو الظن الذي يختص بفرد ما، ظ: المصدر نفسه: ٤٩٦، والأمارة المفيدة للظن الشخصي مثل الظن في تشخيص القبلة والظن بعدد الركعات في الصلاة الرباعية.
(٣) كفاية الأصول: ٣٨٤.
( ١٨٢ )
ولقد أورد السيد الخوئي هذه التعريفات للاستصحاب بعد أنْ أجمل ما ذكره الشيخ مرتضى الأنصاري من تعريفات عدّة للاستصحاب مبيّناً مختار الأنصاري في المقام بجعله الاستصحاب من الأصول العملية، إذ قال عند تعرضه لتعاريف الاستصحاب: (إنّ أسدها وأخصرها إبقاء ما كان، والمراد بالإبقاء الحكم بالبقاء)(١).
وقد علّق السيد الخوئي على كلامه: بأنّ المراد من الإبقاء هو الإبقاء بحكم الشارع لا الإبقاء التكويني(٢).
وذكر كلاماً للمحقق الآخوند الخراساني في تعريف الاستصحاب، إذ قال: (ولا يخفى أنّ عباراتهم في تعريفه وإنْ كانت شتّى، إلا أنّها تشير إلى مفهومٍ واحدٍ ومعنى فارد، وهو الحكم ببقاء حكمٍ أو موضوعٍ ذي حكمٍ شُكّ في بقائه)(٣).
وقد علّق السيد الخوئي على كلام الخراساني المتقدّم بقوله: (إنّ ما ذكره من كون التعاريف مشيرةً إلى معنى واحد، فغير صحيحٍ، لاختلاف المباني في الاستصحاب، وكيف يصحّ تعريف الاستصحاب بأنّه حكم الشارع بالبقاء في ظرف الشك بناء على كون الاستصحاب من الأمارات؟ فإنّ الأمارات ما ينكشف الحكم بها فلا يصح تعريفها بالحكم)(٤).
أما المحقق النائيني فقد عرّف الاستصحاب بأنّه: (عبارة عن عدم انتقاض اليقين السابق المتعلق بالحكم أو الموضوع من حيث الأثر والجري العملي بالشك في بقاء متعلّق اليقين)(٥)، وهذا التعريف استناداً على مبناه من أنّ الاستصحاب من الأصول العملية.
أما بناءً على كون الاستصحاب من الأمارات فإنّ أحسن التعريفات له هو: (كون حكم أو وصف يقينيّ الحصول في الآن السابق مشكوك البقاء في الآن اللّاحق)(٦)، منبّهاً إلى أنّ الاستصحاب كان معدوداً من الأمارات الكاشفة عن الواقع إلى زمن الشيخ حسين عبد الصمد العاملي (ت:٩٨٤هـ) والد الشيخ البهائي (ت:١٠٣١هـ).
ورجّح المحقق العراقي ما اختاره الشيخ الأنصاري من تعريفٍ للاستصحاب، مبيّناً وجهي أخصريّته وأسدّيته، وقد تبنّى كون الاستصحاب من الأصول(٧).
______________________________
(١) فرائد الأصول: ٣ / ١٠ وما بعدها..
(٢) ظ: البهسودي، مصباح الأصول: ٣/٥.
(٣) ظ: البهسودي، مصباح الأصول: ٣/٥ - ٦.
(٤) البهسودي، مصباح الأصول: ٣/٥.
(٥) الكاظمي، فوائد الأصول: ٤/٣٠٧.
(٦) الخوئي، أبو القاسم، أجود التقريرات: ٢/ ٣٤٣.
(٧) ظ: البروجردي، محمد تقي، نهاية الأفكار: ج٤ق١/ ٣ والطباطبائي، محمد رضا، تنقيح الأصول، تقريرات أبحاث العراقي: ٤٧.
( ١٨٣ )
وبمناقشة السيد الخوئي لتعريف الأنصاري للاستصحاب تتبيّن مناقشته لأستاذه المحقق العراقي.
وذهب المحقق محمد حسين الأصفهاني في تعريف الاستصحاب إلى أنّه: (إثبات الحكم في الزمان الثاني تعويلاً على ثبوته في الزمان الأول)(١)، وهو مختار الشيخ البهائي (ت:١٠٣١هـ) في المقام(٢).
وأما السيد محمد باقر الصدر فقد ذكر في تعريف الاستصحاب أنّه: (حكم الشارع على المكلف بالالتزام عملياً بكل شيءٍ كان على يقين منه ثم شُكّ في بقائه)(٣).
ويبدو ممّا تقدم أنّ أدق التعريفات وأشملها هو ما ذكره السيد الخوئي؛ للتفصيل المذكور فيها ومراعاة المباني المختلفة عند الأصوليين في الاستصحاب.
اختلف الأصوليون في أنّ الاستصحاب هل هو أصل* أو أمارة**؟ فذهب السيد الخوئي إلى أنّه أمارة ويُعد ذلك من معالم مدرسته الأصولية، ويبدو من الشيخ الأنصاري أنّ ظاهر أكثر المتقدمين عليه حتى زمن الشيخ حسين عبد الصمد العاملي (ت:٩٨٤هـ) والد الشيخ البهائي (ت:١٠٣١هـ) أنّه أمارة عندهم، وأما الشيخ مرتضى الأنصاري فقد اختار كونه أصلاً(٤).
وقد ذُكرت وجوه عدّة في بيان المائز بين الأصل والأمارة، وهي:
الوجه الأول: كيفية الاستدلال
جعل الشيخ مرتضى الانصاري المعيار في كون الاستصحاب أمارةً أو أصلاً، كيفية الاستدلال عليه، فإنْ اُستدل عليه بالعقل وكان حجةً من باب إفادته الظن،
______________________________
(١) نهاية الدراية في شرح الكفاية: ٣/١٢.
(٢) ظ: البهائي، محمد بن حسين، زبدة الأصول: ٧٢.
(٣) دروس في علم الأصول: ١/١٢٦.
* الأصل: نوع من الأحكام الظاهرية الطريقية المجعولة بداعي تنجيز الأحكام الشرعية أو التعذير عنها، والمجعول فيها هو الوظيفة العملية، ظ: الصدر، محمد باقر، دروس في علم الأصول (الحلقة الثالثة): ٣/ ١١.
** الأمارة: الدليل الظني الذي يُستظهر من دليل حجيته، أنّ تمام الملاك بحجيته هو كشفه بدون نظر إلى نوع المنكَشف، ظ: المصدر نفسه (الحلقة الأولى): ١/ ١٧٤.
(٤) ظ: فرائد الأصول: ٣/١٤.
( ١٨٤ )
كان دليلاً ظنياً اجتهادياً كالقياس والاستقراء* -بناء على القول بحجيتهما- فيكون أمارة.
وإنْ استدل عليه بالأخبار واستفيد منها حكم ظاهري ثابت للشيء بوصف كونه مشكوك الحكم، كالبراءة والاشتغال والتخيير كان أصلاً. ولما كان أكثر الفقهاء من السيد المرتضى (ت: ٤٣٦هـ) حتى زمن والد الشيخ البهائي لم يتمسكوا في حجية الاستصحاب بالأخبار، فهو أمارة عندهم(١).
نعم، تمسك بعضهم بالأخبار: مثل ابن إدريس الحلي (ت: ٥٩٨هـ) والشيخ حسين عبد الصمد العاملي (ت:٩٨٤هـ)(٢). وأما المتأخرون عنهم(٣) فلما كان عمدة الأدلة على الاستصحاب عندهم هي الأخبار، واستفيد منها حكم ظاهري ثابت للشيء بوصف كونه مشكوك الحكم، وهو التعبّد ببقاء ما كان، والجري والعمل على طبقه، وعدم جواز نقضه، فيكون الاستصحاب عندهم من الأصول العملية(٤).
وذكر السيد الخوئي ثلاثة أوجه أخرى في بيان المائز بين الأصل والأمارة وهي:
الوجه الثاني: الجهل بالواقع وعدمه
ذهب مشهور الأصوليين إلى أنّ المعيار في الفرق بين الأصل والأمارة هو أخذ الجهل بالواقع والشك فيه وعدمه، فإنّه مأخوذ في موضوع الأصول من دون الأمارات(٥). قال السيد الخوئي: (المشهور بينهم أنّ الفرق بين الأصول والأمارات: إنّ الجهل بالواقع والشك فيه مأخوذ في موضوع الأصول دون
______________________________
* القياس: هو أن يستعمل الذهن القواعد العامة المسلّم بصحتها في الانتقال إلى مطلوبه، فهو إذن سيرٌ من الكلي إلى الجزئي، أما الاستقراء: فهو أن يدرس الذهن جزئيات عدة فيستنبط منها حكماً عاماً، فهو إذن انتقال من الجزئي إلى الكلي، ظ: المظفر، محمد رضا، المنطق: ٢٣٣.
(١) ظ: الشريف المرتضى، علي بن الحسين، الذريعة إلى أصول الشريعة: ٢/٨٢٩ والطوسي، محمد بن الحسن، العدّة في أصول الفقه: ٢/٧٥٨ والحلبي، ابن زهرة، غُنية النزوع: ٤٨٦ والمحقق الطوسي، نصير الدين محمد بن محمد، معارج الوصول: ٢٠٦ والمحقق الحلي، جعفر بن الحسن، المعتبر: ١/٣٢ والعاملي، محمد بن جمال الدين مكي (الشهيد الأول) ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة: ١/٥٣ والقواعد والفوائد: ١/١٣٢و العاملي، زين الدين الجبعي (الشهيد الثاني)، تمهيد القواعد: ٢٧١ والعاملي، حسن بن زين الدين (ابن الشهيد الثاني)، معالم الدين وملاذ المجتهدين: ٢٣٣.
(٢) ظ: السرائر: ١/١٠٤، ١٤٩و العقد الحسيني: ٢٤.
(٣) ظ: الأنصاري، مرتضى، فرائد الأصول: ٣/١٤و الكاظمي، فوائد الأصول: ٤/٣٠٧، الطباطبائي، محمد رضا، تنقيح الأصول، تقريرات أبحاث العراقي: ٤٧.
(٤) ظ: الأنصاري، محمد علي، الموسوعة الفقهية الميسّرة: ٢/٤١٦.
(٥) ظ: العاملي، زين الدين «الشهيد الثاني»، الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية: ٧/٢٣٦ والنراقي، أحمد، مستند الشيعة: ٧/٣١٨.
( ١٨٥ )
الأمارات، بل الموضوع المأخوذ في لسان أدلة حجيتها هو نفس الذات بلا تقييدٍ بالجهل والشك، كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا...﴾* فإنّ الموضوع للحجية بمفاد المفهوم هو إتيان غير الفاسق بالنبأ من دون اعتبار الجهل فيه، وكذا قوله (عليه السلام): لا عذر لأحدٍ في التشكيك فيما يرويه ثقاتنا** فإنّ موضوع الحجية فيه هو رواية الثقة بلا تقييدٍ بأمرٍ آخر)(١).
مناقشة الخوئي لرأي المشهور
أخذ السيد الخوئي بمناقشة رأي المشهور في مقام الثبوت تارة، وأخرى في مقام الإثبات:
أما في مقام الثبوت: فقد بيّن أنّ الأدلة الدالة على حجية الأمارات وإنْ كانت مطلقة بحسب اللفظ، إلا أنّها مقيدة بالجهل بالواقع بحسب مقام الثبوت؛ وذلك لأنّ الإهمال بحسب مقام الثبوت غير معقول، فلا محالة تكون حجية الأمارات على محتملات ثلاث:
١- إما مطلقة بالنسبة إلى العالم والجاهل.
٢- أو مقيّدة بالعالم.
٣- أو مختصة بالجاهل.
ولا مجال للالتزام بالأول والثاني، فإنّه لا يُعقل كون العمل بالأمارة واجباً على العالم بالواقع، وكيف يُعقل أنْ يجب على العالم بوجوب شيءٍ أنْ يعمل بالأمارة الدالة على عدم الوجوب مثلا، فبقي الوجه الأخير، وهو كون العمل بالأمارة مختصاً بالجاهل، وهو المطلوب.
أما في مقام الإثبات: فدليل الحجية فيه وإنْ لم يكن مقيداً بالجهل، إلا أنّ الحجية مقيّدة به بحسب اللب ومقام الثبوت. مع أنّه ورد في مقام الإثبات مقيداً به في لسان بعض الأدلة، كقوله تعالى: ﴿...فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾(٢) فقد استدل به على حجية الخبر تارة، وعلى حجية فتوى المفتي أخرى. وكلاهما من الأمارات وقيّد بعدم العلم بالواقع. فلا فرق بين الأمارات والأصول من هذه الجهة. فما ذكره المشهور من وجهٍ في بيان الفارق مما لا أساس له(٣).
______________________________
* الحجرات: ٦.
** ظ: الحر العاملي، وسائل الشيعة: ٢٧/١٥٠.
(١) البهسودي، مصباح الأصول: ٣/١٥١ والصافي، حسن، الهداية في الأصول: ٤/ ١٤٠.
(٢) النحل: ٤٣.
(٣) ظ: البهسودي، مصباح الأصول: ٣/١٥٢.
( ١٨٦ )
الوجه الثالث: حجيّة مُثبتات الأمارة من دون الأصل
ذكر السيد الخوئي وجهاً آخرَ عن المحقق الخراساني وهو: إنّ الأدلة الدالة على حجية الأمارات تدل على حجيتها بالنسبة إلى مدلولها المطابقي ومدلولها الالتزامي، فلا قصور من ناحية المقتضي في باب الأمارات. بخلاف الاستصحاب فإنّ مورد التعبّد فيه هو المتيقن الذي شك في بقائه، وليس هذا إلا الملزوم من دون لازمه، فلا يشمله دليل الاستصحاب.
ولا يمكن الالتزام بترتب الآثار الشرعية المترتبة على اللوازم العقلية أو العادية - لأجل القاعدة المعروفة، وهي أنّ أثرَ الأثر أثرٌ على طريقة قياس المساواة؛ لأنّ هذه الكلية مسلّمة فيما كانت الآثار الطولية من سنخٍ واحدٍ، بأنْ كان كلها آثاراً عقلية، أو آثاراً شرعية، كما في الحكم بنجاسة الملاقي للنجس ونجاسة ملاقي الملاقي وهكذا، فحيث أنّ لازم نجاسة الشيء نجاسة ملاقيه ولازم نجاسة الملاقي نجاسة ملاقي الملاقي وهكذا، فكل هذه اللوازم الطولية شرعية، فتجري قاعدة أنّ أثرَ الأثر أثرٌ، بخلاف المقام، فإنّ الأثر الشرعي لشيءٍ لا يكون أثراً شرعياً لما يستلزمه عقلاً أو عادةً، فلا يشمله دليل حجية الاستصحاب(١).
مناقشة الخوئي للخراساني
ناقش السيد الخوئي الوجه الذي ذكره المحقق الخراساني مبيّناً أنّ عدم دلالة أدلة الاستصحاب على التعبّد بالآثار الشرعية المترتبة على اللوازم العقلية أو العادية - وإنْ كان مسلّماً - إلا أنّ دلالة أدلة حجية الخبر على حجيته حتى بالنسبة إلى اللازم غير مسلّم؛ لأنّ الأدلة تدل على حجية الخبر - والخبر والحكاية من العناوين القصدية - فلا يكون الإخبار عن الشئ إخباراً عن لازمه، إلا إذا كان اللازم لازماً بالمعنى الأخص، وهو الذي لا ينفك تصوّره عن تصور الملزوم، أو كان لازماً بالمعنى الأعم مع كون المخبر ملتفتاً إلى الملازمة. فحينئذ يكون الإخبار عن الشيء أخباراً عن لازمه، بخلاف ما إذا كان اللازم لازماً بالمعنى الأعم ولم يكن المخبر ملتفتاً إلى الملازمة، أو كان منكراً لها، فلا يكون الإخبار عن الشيء إخباراً عن لازمه، فلا يكون الخبر حجة في مثل هذا اللازم؛ لعدم كونه خبراً بالنسبة إليه، فإذا أخبر أحد عن ملاقاة يد زيدٍ للماء القليل مثلا، مع كون زيد كافراً في الواقع، ولكن المخبر عن الملاقاة منكر لكفره، فهو مخبر عن الملزوم وهو الملاقاة، ولا يكون مخبراً عن اللازم وهو نجاسة الماء؛ لأنّ الإخبار من العناوين القصدية، فلا يصدق إلا مع الالتفات والقصد، ولذا فإنّ الإخبار - عن شيء يستلزم تكذيب النبي أو الإمام عليهم السلام - لا يكون كفراً، إلا مع التفات المخبر بالملازمة.
______________________________
(١) ظ: كفاية الأصول: ٤١٤- ٤١٦ وآل راضي، محمد طاهر، بداية الوصول في شرح كفاية الأصول: ٨/١٩٨.
( ١٨٧ )
وعليه فما أفاده المحقق الخراساني في وجه عدم حجية المُثبت في باب الاستصحاب متين، إلا أنّ ما ذكره في وجه حجيته في باب الأمارات -من أنّ الإخبار عن الملزوم إخبارعن لازمه فتشمله أدلة حجية الخبر- غير سديد(١).
الوجه الرابع: الفرق بين الأمارة والأصل من ناحية المجعول
ذكر السيد الخوئي وجهاً ثالثاً وهو ما ذكره المحقق النائيني في المقام وهو: إنّ المجعول في باب الأمارات هو الطريقية واعتبارها علماً بالتعبّد، كما يظهر ذلك من الأخبار المعبِّرة - عمن قامت عنده الأمارة - بالعارف كقول الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام): (اُنظروا إلى من كان منكم قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا...)(٢)، فيكون من قامت عنده الأمارة عارفاً تعبدياً بالأحكام، فكما أنّ العلم الوجداني بالشيء يقتضي ترتب آثاره وآثار لوازمه، فكذلك العلم التعبدي الجعلي، بخلاف الاستصحاب، فإنّ المجعول فيه هو الجري العملي على طبق اليقين السابق، وبما أنّ اللازم لم يكن متيقناً، فلا وجه للتعبّد به، فالفرق بين الأمارة والأصل من ناحية المجعول(٣).
مناقشة الخوئي للنائيني
جاءت مناقشته ضمن نقطتين:
أولا: عدم صحة المبنى، فإنّ المجعول في باب الاستصحاب أيضاً هو الطريقية، وعدّ غير العالم عالماً بالتعبّد، فإنّه الظاهر من الأمر بإبقاء اليقين وعدم نقضه بالشك، فلا فرق بين الأمارة والاستصحاب من هذه الجهة، بل التحقيق أنّ الاستصحاب أيضاً من الأمارات، ولا ينافي ذلك تقديم الأمارات عليه، لأنّ كونه من الأمارات لا يقتضي كونه في عرض سائر الأمارات، فإنّ الأمارات الاُخر أيضاً بعضها مقدّم على بعض، فالبيّنة مقدّمة على اليد، وحكم الحاكم مقدّم على البيّنة، والإقرار مقدّم على حكم الحاكم.
ثانيا: لا دليل على حجية مثبتات الأمارات: إنّ ما ذكره المحقق النائيني- من أنّ العلم الوجداني بشيء يقتضي ترتب جميع الآثار حتى ما كان منها بتوسط اللوازم العقلية أو العادية، فكذا العلم التعبّدي - غير تامٍ؛ لأنّ العلم الوجداني إنّما يقتضي ذلك؛ لأنّه من العلم بالملزوم يتولد العلم باللازم بعد الالتفات إلى الملازمة، فترتب آثار اللازم ليس من جهة العلم بالملزوم، بل من جهة العلم بنفس اللازم المتولد من العلم بالملزوم. ولذا يقولون: إنّ العلم بالنتيجة يتولد من العلم
______________________________
(١) ظ: البهسودي، مصباح الأصول: ٣/ ١٥٢- ١٥٣.
(٢) الكليني، محمد بن يعقوب، الفروع من الكافي: ١/٦٧ والأصول من الكافي: ٧/٤١٢ والطوسي، محمد بن الحسن، تهذيب الأحكام: ٦/٢١٨.
(٣) ظ: الكاظمي، فوائد الأصول: ٤/٤٨٧- ٤٨٩ والخوئي، أبو القاسم، أجود التقريرات: ٢/ ٤١٦ والبهسودي، محمد سرور، مصباح الأصول: ٣/ ١٥٢- ١٥٣.
( ١٨٨ )
بالصغرى والعلم بالكبرى، فإنّ العلم بالصغرى هو العلم بالملزوم، والعلم بالكبرى هو العلم بالملازمة، فيتولد من هذين العلمين العلم الوجداني باللازم وهو العلم بالنتيجة، بخلاف العلم التعبّدي المجعول، فإنّه لا يتولد منه العلم الوجداني باللازم -وهو واضح- ولا العلم التعبّدي به؛ لأنّ العلم التعبّدي تابع لدليل التعبّد، وهو مختص بالملزوم من دون لازمه؛ لأنّ المخبِر إنّما أخبر عنه لا عن لازمه(١).
ثم يُنهي السيد الخوئي كلامه لمناقشة المحقق النائيني في المقام ببيان محصّل ما تقدّم وهي: إنّ الصحيح عدم الفرق بين الأمارات والاستصحاب، وعدم حجية المثبتات في المقامين، فإنّ الظن في تشخيص القبلة وإنْ كان من الأمارات المعتبرة بمقتضى روايات خاصة واردة في الباب، لكنّه إذا ظنّ المكلف بكون القبلة في جهةٍ، وكان دخول الوقت لازماً لكون القبلة في هذه الجهة لتجاوز الشمس عن سمت الرأس على تقدير كون القبلة في هذه الجهة، فلا ينبغي الشك في عدم صحة ترتيب هذا اللازم وهو دخول الوقت، وعدم جواز الدخول في الصلاة.
نعم تكون مثبتات الأمارة حجة في باب الأخبار فقط، لأجل قيام السيرة القطعية من العقلاء على ترتيب اللوازم على الإخبار بالملزوم ولو مع الوسائط الكثيرة، ففي مثل الإقرار والبيّنة وخبر العادل يترتب جميع الآثار ولو كانت بوساطة اللوازم العقلية أو العادية، وهذا مختص بباب الأخبار، وما يصدق عليه عنوان الحكاية من دون غيره من الأمارات مثل قاعدة التجاوز والفراغ(٢)، ولذا عُدّ الاستصحاب عند السيد الخوئي من أضعف الأمارات؛ لأنّ التعبّد ببقاء اليقين السابق في ظرف الشك تعبّد عملي لا حكائي، كما أشار إلى ذلك الشيخ الفياض(٣).
ويبدو مما تقدم: إنّ السيد الخوئي قد أثبت عدم صحة ما ذُكر من الوجوه في بيان الفارق بين الأصل والأمارة، كما أنّه قد تبنّى كون الاستصحاب من الأمارات، وأنّ مُثبتات الأمارات ليست جميعها حجة، مفصلاً في ذلك بين ما كان منها في باب الإخبار كالبيّنة والإقرار وخبر العادل فتكون مثبتاتها حجة، وبين غيرها من الأمارات مثل الاستصحاب وقاعدتي الفراغ والتجاوز وأصالة الصحة فتكون مثبتاتها غير حجة.
______________________________
(١) ظ: البهسودي، مصباح الأصول: ٣/ ١٥٣- ١٥٤.
(٢) ظ: البهسودي، مصباح الأصول: ٣/ ١٥٤ - ١٥٥.
(٣) ظ: إسحاق، المختصر في الحياة العلمية لزعيم الطائفة الخوئي: ٣٨.
( ١٨٩ )
ذكر السيد الخوئي أنّه لا إشكال ولا خلاف في عدم جريان الاستصحاب مع قيام الأمارة على ارتفاع المتيقن، بل يجب العمل بها.
وإنّما الكلام في وجه تقديم الأمارة على الاستصحاب، وأنّه من باب التخصيص أو الورود أو الحكومة؟(١).
وقبل عرض الأقوال في المسالة بيّن السيد الخوئي هذه الاصطلاحات(٢):
التخصيص: هو رفع الحكم عن الموضوع بلا تصرف في الموضوع، كقول الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) عن آبائه عن الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) أنّه قال: (نهى النبي (صل الله عليه وآله) عن بيع المضطر وعن بيع الغرر)(٣) فإنّه تخصيص لقوله تعالى: ﴿...وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا...﴾(٤) لكونه رافعاً للحلّية بلا تصرف في الموضوع بأنْ يقال: البيع الغرري ليس بيعاً مثلا.
ويقابله التخصّص مقابلةً تامة، إذ هو عبارة عن الخروج الموضوعي التكويني الوجداني بلا إعمال دليلٍ شرعي، كما إذا أمر المولى بوجوب إكرام العلماء، فالجاهل خارج عنه خروجاً موضوعياً تكوينياً بالوجدان بلا احتياج إلى دليلٍ شرعي. وما بين التخصيص والتخصّص أمران متوسطان: وهما الورود، والحكومة.
والورود: هو عبارة عن الخروج الموضوعي بالوجدان، غاية الأمر أن الخروج الموضوع من جهة التعبّد الشرعي. وذلك كالأمارات بالنسبة إلى الأصول العقلية: كالبراءة العقلية والاحتياط العقلي والتخيير العقلي، فإنّ موضوع البراءة العقلية عدم البيان. وبالتعبّد يثبت البيان وينتفي موضوع حكم العقل بالبراءة بالوجدان. وموضوع الاحتياط العقلي احتمال العقاب. وبالتعبّد الشرعي وقيام الحجة الشرعية يرتفع احتمال العقاب، فلا يبقى موضوع للاحتياط العقلي. وموضوع التخيير العقلي عدم الرجحان مع كون المورد مما لا بدّ فيه من أحد الأمرين: كما إذا علم بتحقق الحلف مع الشك في كونه متعلقاً بفعل الوطء أو تركه، فإنّه لا بدّ من الفعل أو الترك، لاستحالة ارتفاع النقيضين كاجتماعهما. ومع قيام الأمارة على أحدهما يحصل الرجحان وينتفي موضوع حكم العقل بالتخيير وجداناً.
وأما الحكومة فهي عبارة عن انتفاء الموضوع لثبوت المتعبّد به بالتعبّد الشرعي. وذلك كالأمارات بالنسبة إلى الأصول الشرعية التي منها الاستصحاب، فإنّه بعد ثبوت ارتفاع المتيقن السابق بالتعبّد الشرعي لا يبقى موضوع للاستصحاب، إذ
______________________________
(١) ظ: البهسودي، مصباح الأصول: ٣/ ٢٤٧ والجواهري، محمد تقي، غاية المأمول: ٢/٦٧٧.
(٢) ظ: البهسودي، مصباح الأصول: ٣/ ٢٥٠ والجواهري، محمد تقي، غاية المأمول: ٢/٦٧٨ والصافي، حسن، الهداية في الأصول: ٤/٢١٠.
(٣) الحر العاملي، وسائل الشيعة: ١٧/٤٨٨.
(٤) البقرة: ٢٧٥.
( ١٩٠ )
أنّ موضوعه الشك. وقد ارتفع تعبداً. وإنْ كان باقياً وجداناً لعدم كون الأمارة مفيدة للعلم على الفرض. وكذا سائر الأصول الشرعية، فإنّه بعد كون الأمارة علماً تعبدياً لما في تعبير الأئمة عليهم السلام عمّن قامت عنده الأمارة بالعارف والفقيه والعالم(١) لا يبقى موضوع لأصل من الأصول الشرعيةتعبداً.
أما الآراء في مسألة تقديم الأمارات على الاستصحاب فهي:
الرأي الأول: إنّه من باب التخصيص
بدعوى أنّ النسبة بين أدلة الاستصحاب وأدلة الأمارات وإنْ كانت هي العموم من وجه، إلا أنّه لا بدّ من تخصيص أدلة الاستصحاب بأدلة الأمارات وتقديمها عليها، لأنّ النسبة المتحققة بين الأمارات والاستصحاب هي النسبة بينها وبين جميع الأصول العملية، فلو عمل بالأصول لم يبق مورد للعمل بالأمارات، فيلزم إلغاؤها، إذ من الواضح أنّه لا يوجد مورد من الموارد إلا وهو مجرى لأصل من الأصول العملية مع قطع النظر عن الأمارة القائمة فيه.
ولم يذكر السيد الخوئي صاحب هذا الرأي، ويبدو للباحث أنّه للمحقق العراقي على تقدير أنْ يكون التنزيل المستفاد من الأمارات ناظراً إلى المؤدّى على أنه هو الواقع وليس على مختار العراقي بتتميم الكشف وإثبات العلم بالواقع(٢).
مناقشة الخوئي للرأي الأول
جاءت مناقشة السيد الخوئي للرأي الأول في محورين:
أولا: إنّ أدلة الاستصحاب في نفسها بعيدة عن التخصيص، فإنّ ظاهر قول الإمام محمد بن علي الباقر (عليه السلام): (ليس ينبغي لك أنْ تنقض اليقين بالشك)(٣) إرجاع الحكم إلى قضيةٍ ارتكازيةٍ، وهي عدم جواز رفع اليد عن الأمر المبرم بأمرٍ غير مبرم. وهذا المعنى آبٍ عن التخصيص، إذ مرجعه إلى أنّه في مورد خاصٍ يرفع اليد عن الأمر المبرم بأمرٍ غير مبرمٍ، وهو خلاف الارتكاز.
ونظير المقام أدلة حرمة العمل بالظن، فإنّ مثل قوله تعالى: ﴿... إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً...﴾(٤) غير قابلٍ للتخصيص، إذ مرجعه إلى أنّ الظن الفلاني يغني عن الحق. ولا يمكن الالتزام به، كما هو ظاهر.
وثانيا: مع الغضّ عن إبائها عن التخصيص فإنّ التخصيص في رتبةٍ متأخرةٍ عن الورود والحكومة؛ لأنّ التخصيص رفع الحكم عن الموضوع، ومع انتفاء الموضوع بالوجدان كما في الورود أو بالتعبّد كما في الحكومة، لا تصل النوبة
______________________________
(١) ظ: الكليني، محمد بن يعقوب، الفروع من الكافي: ١/٦٧ والأصول من الكافي: ٧/٤١٢ والطوسي، محمد بن الحسن، تهذيب الأحكام: ٦/٢١٨.
(٢) ظ: البروجردي، محمد تقي، نهاية الأفكار: ج٤ق٢/١٨ - ١٩.
(٣) الحر العاملي، وسائل الشيعة: ٢/٣٥٦.
(٤) يونس: ٣٦.
( ١٩١ )
إلى التخصيص؛ إذ لا موضوع للاستصحاب مع الأمارة على وفاقه أو على خلافه(١).
الرأي الثاني: إنّ تقديم الأمارات على الأصول من باب الورود: وذلك لوجوه:
الوجه الأول: وقد ذكره المحقق الآخوند من أنّ ذكر اليقين في قول الإمام الباقر (عليه السلام): (...وإنّما تنقضه بيقين آخر)(٢) ليس من باب كونه صفة خاصة، بل من باب كونه من مصاديق الحجة، فهو بمنزلة أنْ يقال: انقضه بالحجة، وإنّما ذكر خصوص اليقين، لكونه أعلى أفراد الحجة؛ لكون الحجية ذاتية له وغير مجعولة، فخصوصية اليقين مما لا دخل له في رفع اليد عن الحالة السابقة، بل ترفع اليد عنها مع قيام الحجة على الارتفاع بلا فرق بين اليقين وغيره من الأمارات المعتبرة، فموضوع الاستصحاب هو الشك في البقاء مع عدم قيام الحجة على الارتفاع أو البقاء، فمع قيام الأمارة ينتفي موضوع الاستصحاب. والورود ليس إلا انتفاء الحكم بانتفاء موضوعه، وهذا الوجه ذكره المحقق الخراساني كما نصّ عليه السيد الخوئي(٣).
مناقشة الخوئي للوجه الأول
أنّ تصور هذا المعنى وإنْ كان صحيحاً في مقام الثبوت، إلا أنّ مقام الإثبات لا يساعد عليه. إذ ظاهر الدليل كون خصوص اليقين موجباً لرفع اليد عن الحالة السابقة. وكون اليقين مأخوذاً من باب الطريقية مسلّم، إلا أنّ ظاهر الدليل كون هذا الطريق الخاص ناقضاً للحالة السابقة(٤).
ويبدو لي: إنّ ما ذكره السيد الخوئي جمعٌ بين الطريقية والموضوعية، وهو كما ترى؛ إذ بعد كونه طريقاً لا مجال لدعوى الموضوعية.
والوجه الثاني: ما ذهب إليه السيد أبو الحسن الأصفهاني (ت: ١٣٦٥هـ) من أنّ المحرّم هو نقض اليقين استناداً إلى الشك على ما هو ظاهر قول الإمام الباقر (عليه السلام): (لا تنقض اليقين أبداً بالشك)(٥) ومع قيام الأمارة لا يكون النقض مستنداً إلى الشك، بل إلى الأمارة، فيخرج عن حرمة النقض خروجاً موضوعياً، وهو معنى الورود.
______________________________
(١) ظ: البهسودي، مصباح الأصول: ٣/ ٢٤٧ والجواهري، محمد تقي، غاية المأمول: ٢/٦٧٧.
(٢) الحر العاملي، وسائل الشيعة: ٢/٣٥٦.
(٣) ظ: كفاية الأصول: ٤٢٩ والبهسودي، مصباح الأصول: ٣/ ٢٤٧.
(٤) ظ: البهسودي، مصباح الأصول: ٣/ ٢٤٨.
(٥) الحر العاملي، وسائل الشيعة: ٢/٣٥٦.
( ١٩٢ )
ولم ينسب السيد الخوئي هذا الوجه لقائله وتبيّن للباحث أنّه للسيد أبي الحسن الأصفهاني(١).
مناقشة الخوئي للوجه الثاني
أولا: إنّ دليل الاستصحاب لا يساعد على هذا المعنى، إذ ليس المراد من قول الإمام الباقر (عليه السلام): (لا تنقض اليقين أبداً بالشك)(٢) حرمة نقض اليقين من جهة الشك واستناداً إليه، بحيث لو كان رفع اليد عن الحالة السابقة بداعٍ آخر، كإجابة دعوة مؤمنٍ مثلا لم يحرم النقض، بل المراد حرمة نقض اليقين عند الشك بأي داعٍ كان.
ويبدو لي: عدم وضوح جواب السيد الخوئي مع أنّ السيد أبا الحسن الأصفهاني لم يتكلّم عن الداعي، بل كل ما أفاده أنّ اليقين لا يمكن نقضه بالشك، ونقضه الأمارة لم تتناوله الرواية الشريفة، بل ليس نقضاً لليقين بالشك؛ لأنّها بحسب الفرض أمارة قد ثبتت حجيتها شرعاً.
وثانيا: إنّ المراد من الشك خلاف اليقين، فيكون مفاد الرواية عدم جواز النقض بغير اليقين ووجوب النقض باليقين. والنتيجة حصر الناقض في اليقين، فيكون مورد قيام الأمارة مشمولاً لحرمة النقض لعدم كونها مفيدة لليقين على الفرض(٣).
ويبدو لي: إنّ ما ذكره صحيحاً إلّا أنّه ليس بحاجة إلى أنْ يُتمسك له بالاستظهار من الرواية؛ إذ أنّ الإمام (عليه السلام)حصر الناقض بقوله: وانقضه بيقين آخر، فقد ذكره صريحاً.
نعم بناءً على تمامية ما أفاده في النقطة الماضية يمكن أنْ يكون مراده (عليه السلام): بحجة أخرى، فيكون المراد من الرواية: لا تنقض الحجة إلّا بحجة أخرى.
والوجه الثالث: وقد ذكره المحقق الآخوند أيضاً وهو أنّ رفع اليد - عن المتيقن السابق لقيام الأمارة على ارتفاعه - ليس إلا لأجل اليقين بحجية الأمارة، إذ الأمور الظنية لا بدّ وأنْ تنتهي إلى العلم، وإلا لزم التسلسل؛ لأنّ المراد من حرمة العمل بالظن هو ما لا ترجع نتيجته إلى العلم: إما لكونه بنفسه مفيداً للعلم وإما للعلم بحجيته، فبعد العلم بحجية الأمارات يكون رفع اليد - عن المتيقن
______________________________
(١) ظ: السبزواري، حسن السيادتي، وسيلة الوصول إلى حقائق الأصول، تقريرات أبحاث أبي الحسن الأصفهاني: ٧٩١.
(٢) الحر العاملي، وسائل الشيعة: ٢/٣٥٦.
(٣) ظ: البهسودي، مصباح الأصول: ٣/ ٢٤٩ والجواهري، محمد تقي، غاية المأمول: ٢/٦٧٨.
( ١٩٣ )
السابق لأجل قيام الأمارة - من نقض اليقين باليقين، فلا يبقى موضوع للاستصحاب(١).
مناقشة الخوئي للوجه الثالث
إنّ ظاهر قول الإمام الباقر (عليه السلام): (ولكن تنقضه بيقينٍ آخر)(٢) كون اليقين الثاني متعلقاً بارتفاع ما تعلق بحدوثه اليقين الأول، ليكون اليقين الثاني ناقضاً لليقين الأول، بل بعض الأخبار صريح في هذا المعنى، وهو قول الأمامالباقر (عليه السلام) في صحيحة زرارة كما عبّر عنها السيد الخوئي: (لا حتى يستيقن أنّه قد نام)(٣)، فجعل فيه الناقض لليقين بالطهارة - اليقين برافعها وهو النوم. وليس اليقين الثاني في مورد قيام الأمارة متعلقاً بارتفاع ما تعلق به اليقين الأول، بل بشيءٍ آخر - وهو حجية الأمارات- فلا يكون مصداقاً لنقض اليقين باليقين، بل من نقض اليقين بغير اليقين(٤).
الرأي الثالث: تقديم الأمارات على الاستصحاب من باب الحكومة
وهو مختار السيد الخوئي في المقام:
فبعد أنْ أثبت أنّ تقديم الأمارات على الاستصحاب ليس من باب التخصيص أو الورود، ذكر رأيه في المقام: وهو أنّ التقديم هو من باب الحكومة التي مفادها عدم المنافاة حقيقة بين الدليل الحاكم والمحكوم عليه.
بيانه: إنّ القضايا الحقيقية متكفّلة لإثبات الحكم على تقدير وجود الموضوع، وليست متعرّضة لبيان وجود الموضوع نفياً وإثباتاً - بلا فرق بين كونها من القضايا الشرعية أو العرفية: إخبارية كانت أو انشائية - فإنّ مفاد قولنا: الخمر حرام هو إثبات الحرمة على تقدير وجود الخمر. وأما كون هذا المائع خمراً أو ليس بخمرٍ، فهو أمر خارج عن مدلول الكلام. وحيث أنّ دليل الحاكم شأنه التصرف في الموضوع، فلا منافاة بينه وبين الدليل المحكوم الدال على ثبوت الحكم على تقدير وجود الموضوع، فلا منافاة بين الدليل الدال على حرمة الخمر والدليل الدال على أنّ هذا المائع ليس بخمر. وكذا لا منافاة بين قوله تعالى: ﴿... وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا...﴾(٥) وبين قول الإمام علي (عليه السلام): (ليس بين الرجل وولده ربا)(٦) إذ مفاد الأول ثبوت الحرمة على تقدير وجود الربا. ومفاد الثاني عدم وجوده. وبعد انتفاء الربا بينهما بالتعبّد الشرعي تنتفي الحرمة لا
______________________________
(١) ظ: كفاية الأصول: ٤٢٩.
(٢) الحر العاملي، وسائل الشيعة: ٢/٣٥٦.
(٣) المصدر نفسه: ١/٢٤٥.
(٤) ظ: البهسودي، مصباح الأصول: ٣/ ٢٥٠.
(٥) البقرة: ٢٧٥.
(٦) الكليني، محمد بن يعقوب، الفروع من الكافي: ٥/١٤٧.
( ١٩٤ )
محالة. وكذا لا منافاة بين أدلة الاستصحاب والأمارة القائمة على ارتفاع الحالة السابقة، فإنّ مفاد أدلة الاستصحاب هو الحكم بالبقاء على تقدير وجود الشك فيه. ومفاد الأمارة هو الارتفاع وعدم البقاء. وبعد ثبوت الارتفاع بالتعبّد الشرعي لا يبقى موضوع للاستصحاب.
ولا فرق في عدم جريان الاستصحاب مع قيام الأمارة بين كونها قائمة على ارتفاع الحالة السابقة أو على بقائها، إذ بعد ارتفاع الشك بالتعبّد الشرعي لا يبقى موضوع للاستصحاب في الصورتين، فكما لا مجال لجريان استصحاب النجاسة بعد قيام البينة على الطهارة، فكذا لا مجال لجريانه بعد قيام البينة على بقاء النجاسة(١).
وبهذا البيان يندفع ما ذكره المحقق الآخوند: من أنّ لازم القول بتقديم الأمارات على الاستصحاب من باب الحكومة، هو جريان الاستصحاب فيما إذا قامت الأمارة على بقاء الحالة السابقة(٢).
وتبيّن للباحث أنّ السيد الخوئي قد وافق المحقق العراقي بما ذهب إليه من تقديم الأمارات على الأصول؛ إذ قال: (إنّ موضوع الأمارات هو نفي احتمال الخلاف ببركة التتميم، وموضوع الأصول ما لم يتمم كشفه فالقيد العدمي دائماً مأخوذ في موضوعها، وهذا هو السرّ في تقديم الأمارات على الأصول)(٣).
إشكال المحقق الخراساني
أشار السيد الخوئي إلى إشكال المحقق الآخوند في المقام وهو: إنّ كون الأمارة حاكمة على الاستصحاب إنّما يصح على المسلك المعروف في الفرق بين الأمارات والأصول من أنّه قد أخذ في موضوع الأصول الشك، بخلاف الأمارة، فإنّ أدلتها مطلقة؛ لأنّ الأمارة مزيلة للشك بالتعبّد الشرعي؛ فينتفي موضوع الاستصحاب. والاستصحاب لا يوجب ارتفاع موضوع الأمارة، إذ لم يؤخذ في موضوعها الشك، بخلاف ما سلكه السيد الخوئي من أنّ الجهل بالواقع مأخوذ في موضوع الأمارات أيضاً(٤).
______________________________
(١) ظ: البهسودي، مصباح الأصول: ٣/ ٢٥١ والصافي، حسن، الهداية في الأصول: ٤/٢١١.
(٢) ظ: الخراساني، محمد كاظم، كفاية الأصول: ٤٢٩.
(٣) الطباطبائي، محمد رضا، تنقيح الأصول: ٤٦.
(٤) ظ: الخراساني، محمد كاظم، كفاية الأصول: ٤١٤ - ٤١٦ والجواهري، محمد تقي، غاية المأمول: ٢/٦٧٩.
( ١٩٥ )
مناقشة الخوئي للخراساني
إنّ هذا التوهم مدفوع بما ذُكر في وجه تقريب حكومة الأمارة على الاستصحاب من أنّ مفاد الحكومة عدم المنافاة حقيقة بين الدليل الحاكم والدليل المحكوم؛ لأنّ مفاد الحاكم انتفاء موضوع المحكوم بالتعبّد الشرعي. ومفاد المحكوم ثبوت الحكم على تقدير وجود الموضوع، فلا منافاة بينهما. وعليه فتكون الأمارة حاكمة على الاستصحاب على المسلك المختار أيضا، فإنّ الأمارة القائمة على ارتفاع الحالة السابقة تثبت انتفاء المتيقن السابق تعبداً، فلا يبقى موضوع للاستصحاب(١).
ويبدو مما تقدّم: أنّ السيد الخوئي في رأيه بتقديم الأمارات على الاستصحاب وأنّه من باب الحكومة قد اتفق مع ما اختاره الشيخ مرتضى الأنصاري والمحقق النائيني ومع ما اختاره في المقام المحقق العراقي أيضاً بناءً على مبناه من أنّ التنزيل المستفاد من أدلة الأمارات ناظر إلى تتميم الكشف واثبات الواقع(٢).
وإنّ السيد الخوئي وإنْ اختار في الاستصحاب أنّه أمارة وليس أصلاً، ولكن شأن الاستصحاب ليس بقوة بقية الأمارات التي لسانها لسان الحكاية عن الواقع -كخبر الثقة -والشاهد على ذلك: إنّه عند قيام أمارة مع الاستصحاب، فإنّ بقية الأمارات تقدّم عليه- من باب الحكومة عند السيد الخوئي- وما ذاك إلا لأنّ لسان الاستصحاب ليس لسان الحكاية عن الواقع والإخبار عنه، وبذلك لا يختلف الاستصحاب عن الأصول العملية من جهة عدم الحكاية عن الواقع(٣).
______________________________
(١) ظ: البهسودي، مصباح الأصول: ٣/ ٢٥٣.
(٢) ظ: فرائد الأصول: ٣/٣١٤ والكاظمي، محمد علي، فوائد الأصول: ٤/٥٩١ والبروجردي، محمد تقي، نهاية الأفكار: ج٤ق٢ /١٨ - ١٩.
(٣) ظ: الفياض، المختصر في الحياة العلمية لزعيم الطائفة السيد الخوئي: ٣٩ - ٤٠.
( ١٩٦ )
يُعدّ عدم جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية من معالم البحث الأصولي للسيد الخوئي، بل جعلها الشيخ الفياض من موارد الإبداع الأصولي عنده(١)، ولذا جاء هذا المبحث لبيان هذه المسألة، ويتضمن ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: تبنّي الخوئي لرأي النراقي.
المطلب الثاني: مناقشة الإشكالات الواردة على رأي النراقي.
المطلب الثالث: استثناء الأحكام غير الإلزامية والشبهات الحكمية الوضعية.
يتضمن هذا المطلب ثلاثة محاور:
أولاً: الأقوال في حجية الاستصحاب.
ثانياً: رأي النراقي في حجية الاستصحاب.
ثالثاً: بيان الخوئي لرأي النراقي.
أولاً: الأقوال في حجية الاستصحاب
فقد تعرّض السيد الخوئي إلى الأقوال المذكورة في حجية الاستصحاب، وهي:
١- حجية الاستصحاب مطلقاً(٢).
______________________________
(١) ظ: الفياض، المختصر في الحياة العلمية لزعيم الطائفة السيد الخوئي: ٣١.
(٢) سواء أكان الشك في الأحكام أم الموضوعات، وسواء أكان الشك في الرافع أم المقتضي، وهو قول الأكثر، ظ: القمي، أبو القاسم، قوانين الأصول: ٥٧ والأصفهاني، محمد كاظم الآخوند، كفاية الأصول:٣٨٧ والبروجردي، محمد تقي، نهاية الأفكار: ج٤ق١/ ٨٧.
( ١٩٧ )
٢- عدم حجية الاستصحاب مطلقاً(١).
٣- القول بالتفصيل بين الشبهات الحكمية وغيرها.
وقد ذكر الشيخ مرتضى الأنصاري أقوالاً كثيرة في حجية الاستصحاب على القول بالتفصيل فيه وأعرض عن ذكرها السيد الخوئي واختار منها قولين وهما مختار الشيخ الأنصاري في المقام(٢):
الأول: التفصيل بين الشك في المقتضي والشك في الرافع، فأنكر الشيخ الأنصاري حجية الاستصحاب في الأول من دون الثاني.
الثاني: التفصيل بين الدليل العقلي والشرعي فيما إذا كان المستصحب حكماً شرعياً، فأنكر الشيخ الأنصاري حجية الاستصحاب في الأول من دون الثاني.
أما الشيخ النراقي فقد ذكر تفصيلاً آخر(٣) اختاره السيد الخوئي وذكره بعنوان التفصيل الثالث، وهو:
الثالث: التفصيل بين الأحكام الكلية الإلهية وغيرها من الأحكام الجزئية والموضوعات الخارجية، فالاستصحاب غير حجةٍ في الأول من دون الثاني.
ثانياً: رأي النراقي في حجية الاستصحاب
أعرض السيد الخوئي عن نقل كلام الشيخ النراقي في حجية الاستصحاب، واكتفى بذكر رأيه إجمالاً، ويرى الباحث ضرورة نقل ما ذكره النراقي في المقام، ومن ثمّ عرض بيان الخوئي لرأي النراقي، أما كلام النراقي فقد ذكر ما نصّه:
(إنّ تعارض الاستصحابين إنْ كان في حكمٍ وموضوعٍ واحدٍ فلا يمكن العمل بشيءٍ منهما، ويتساقطان، فيرجع إلى أصل البراءة وشبهه، وذلك كما إذا قال الشارع في ليلة الجمعة: صم، وقلنا بأنّ الأمر للفور، وكنا متوقفين في إفادته المرة أو التكرار، فنقطع بوجوب صوم يوم الجمعة، ونشك في السبت، وفيه يتعارض الاستصحابان، لأنّا كنا يوم الخميس متيقنين بعدم وقوع التكليف بصوم يوم الجمعة ولا السبت، وبعد ورود الأمر قطعنا بتكليف صوم يوم الجمعة وشككنا في السبت، وهذا شك مستمر من حين ورود الأمر إلى يوم السبت، فنستصحب
______________________________
(١) نُسب القول بعدم حجية الاستصحاب إلى بعض الحنفية وبعض المتكلمين وتبنّاه من الإمامية السيد المرتضى (ت ٤٣٦هـ)، ظ:السرخسي، شمس الدين، المبسوط: ٨/ ١٢٢ و٩/٧٩ و١٨ /١٨٠ والآمدي، علي بن محمد، الإحكام في أصول الأحكام: ٣/٧٦ والمراغي، مير عبد الفتاح الحسيني، العناوين الفقهية: ١/ ٤٨٦ (الهامش)..
(٢) ظ: فرائد الأصول: ٣/ ٥١ وما بعدها والبهسودي، مصباح الأصول: ٣/ ٣٦.
(٣) ظ: مناهج الأحكام والأصول (طبعة حجرية): ٢٤٢ وعوائد الأيام: ٢١٢.
( ١٩٨ )
عدم تكليف يوم السبت بالصوم. وكذا يقطع يوم الجمعة بالصوم، ويشك في السبت فيستصحب التكليف أي وجوب الصوم، فيحصل التعارض. فإنْ قلت: عدم التكليف المعلوم قبل الأمر إنّما يُستصحب لولا الدليل على التكليف، واستصحاب الوجوب المتيقن في الجمعة دليل شرعي، فيرتفع عدم التكليف وينقض اليقين باليقين. قلنا: مثله يجري في الطرف الآخر، فيقال: وجوب صوم الجمعة إنّما يستصحب لولا الدليل على عدمه، واستصحاب عدمه المتيقن قبل الأمر دليل شرعي، فيرتفع الوجوب. لا يقال: إنّ العلم بالعدم قد انقطع، وحصل الفصل، فكيف يستصحب؟ لأنا نقول: لم يحصل فصل أصلاً، بل كنّا قاطعين بعدم إيجاب صوم السبت يوم الخميس، وشككنا فيه بعد الأمر ولم نقطع بوجوب صومه أصلا، فيجب استصحابه)(١).
وقال النراقي أيضاً: (ويعلم عدم حجية الاستصحاب في القسم الثالث مطلقاً وهو الذي عُلم ثبوت الحكم فيه في الجملة أو في حالٍ وشك فيما بعده، لأنّه بعدما عُلم الحكم في وقتٍ أو حالٍ وشك فيما بعده وإنْ كان مقتضى اليقين السابق واستصحاب ذلك الحكم وجوده في الزمان الثاني أو الحالة الثانية، لكن مقتضى استصحاب حال العقل عدمه؛ لأنّ هذا الحكم قبل حدوثه كان معلوم العدم مطلقاً، وعلم ارتفاع عدمه في الزمان الأول، فيبقى الباقي، مثلا إذا عُلم أنّ الشارع أمر بالجلوس يوم الجمعة، وعُلم أنّه واجب إلى الزوال ولم يعلم وجوبه فيما بعده)(٢).
وذكر النراقي: يظهر مما تقدّم عدم حجية الاستصحاب إذا كان المستصحب من الأمور الشرعية مطلقاً لأنه معارض باستصحاب آخر(٣).
ومقتضى هذا الكلام وإنْ كان منع حجية الاستصحاب في الشبهات الحكمية الكلية، ولذا نُسب إليه القول بالمنع مطلقاً، ولكنّ صريح كلامه في المستند في استصحاب نجاسة ما جفّفته الشمس التفصيل بين الأحكام التكليفية والوضعية، إذ قال ما نصه: (إنّ الأمور الشرعية على قسمين: أحدهما ما يمكن أنْ يكون المقتضي لثبوته مقتضياً له في الجملة أو إلى وقتٍ كالوجوب والحرمة ونحوهما، فإنّه يمكن إيجاب شيءٍ أو تحريمه ساعة أو يوماً أو إلى زمانٍ أو مع وصفٍ. وثانيهما ما ليس كذلك، بل المقتضي لثبوته يقتضي وجوده في الخارج، فإذا وجد فيه لا يرتفع إلا بمزيل، وذلك كالملكية، وشأن النجاسة في الشرعيات من هذا القبيل. وعلى هذا فبعد ثبوت النجاسة في الموضع يحتاج دفعه إلى مزيل، وما لم يعلم المزيل يُستصحب)(٤).
______________________________
(١) مناهج الأحكام والأصول (طبعة حجرية): ٢٣٩.
(٢) المصدر نفسه: ٢٤٢.
(٣) ظ: المصدر نفسه: ٢٣٩.
(٤) محمد مهدي، مستند الشيعة: ١/ ٣١٦ - ٣١٧.
( ١٩٩ )
ونحوه كلامه في العوائد، حيث جعل الأحكام الوضعية كالولاية والقضاوة ونحوهما مما يحتاج رفعها إلى مزيل(١).
ولذا يتضح عدم صحة ما نّسب إلى الشيخ النراقي من إنكار حجية الاستصحاب في الشبهات الحكمية مطلقا تكليفية كانت أو وضعية(٢).
ثالثاً: بيان الخوئي لرأي النراقي
أشار السيد الخوئي إلى السبب الذي دعاه لاختيار هذا التفصيل وهو:
إنّ الاستصحاب في الأحكام الكلية مُعارض بمثله دائماً(٣).
ثم بيّنه بإسهابٍ مشيراً إلى الحالات والفروض المحتملة في محل الكلام وعلى النحو التالي:
إنّ الشك في الحكم الشرعي يكون على حالتين:
الحالة الأولى: أنْ يكون راجعاً إلى مقام الجعل ولو لم يكن المجعول فعلياً؛ لعدم تحقق موضوعه في الخارج، كما إذا علمنا بجعل الشارع القصاص في الشريعة المقدسة ولو لم يكن الحكم به فعلياً لعدم تحقق القتل، ثم شككنا في بقاء هذا الجعل، فيجري استصحاب بقاء الجعل ويسمى باستصحاب عدم النسخ. وهذا الاستصحاب خارج عن محل الكلام. وإطلاق قول الإمام الصادق (عليه السلام): (حلال محمد صلى الله عليه وآله حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة)(٤) يُغنينا عن هذا الاستصحاب.
الحالة الثانية: أنْ يكون الشك راجعاً إلى المجعول بعد فعليته بتحقق موضوعه في الخارج، كالشك في حرمة وطء المرأة بعد انقطاع الدم قبل الاغتسال. والشك في المجعول مرجعه إلى أحد أمرين لا ثالث لهما:
الأمر الأول: أنْ يكون لأجل الشك في دائرة المجعول سعةً وضيقاً من قبل الشارع، كما إذا شككنا في أنّ المجعول من الشارع هل هو حرمة وطء الحائض حين وجود الدم فقط، أو إلى حين الاغتسال؟ والشك في سعة المجعول وضيقه يستلزم الشك في الموضوع لا محالة، فإنّا لا ندري أنّالموضوع للحرمة هل هو وطء واجد الدم أو المحدث بحدث الحيض؟ ويعبّر عن هذا الشك بالشبهة الحكمية.
الأمر الثاني: أنْ يكون الشك لأجل الأمور الخارجية بعد العلم بحدود المجعول سعة وضيقاً من الشارع، فيكون الشك في الانطباق، كما إذا شككنا في انقطاع
______________________________
(١) ظ: محمد مهدي، عوائد الأيام: ٢١٢.
(٢) ظ: الشوشتري، محمد جعفر المروّج، منتهى الدراية في شرح الكفاية: ٧/ ٤٤٦.
(٣) ظ: البهسودي، مصباح الأصول: ٣/٣٧ والجواهري، محمد تقي، غاية المأمول: ٢/٥٣٣.
(٤) الحر العاملي، الفصول المهمة في أصول الأئمة: ١/٦٤٣.
( ٢٠٠ )
الدم بعد العلم بعدم حرمة الوطء بعد الانقطاع ولو قبل الاغتسال. ويعبّر عن هذا الشك بالشبهة الموضوعية. وجريان الاستصحاب في الشبهات الموضوعية مما لا إشكال فيه ولا كلام، كما هو مورد صحيحة زرارة(١) وغيرها من النصوص.
وأما الشبهات الحكمية: ففيها فرضان:
الفرض الأول: إنْ كان الزمان مفرداً للموضوع، وكان الحكم انحلالياً كحرمة وطء الحائض مثلا، فإنّ للوطء أفراداً كثيرة بحسب امتداد الزمان من أول الحيض إلى آخره، وينحلّ التكليف وهو حرمة وطء الحائض إلى حرمة أمور متعددة، وهي أفراد الوطء الطولية بحسب امتداد الزمان. فلا يمكن جريان الاستصحاب فيها حتى على القول بجريان الاستصحاب في الأحكام الكلية؛ لأنّ هذا الفرد من الوطء وهو الفرد المفروض وقوعه بعد انقطاع الدم قبل الاغتسال لم تعلم حرمته من أول الأمر حتى نستصحب بقاءها.
نعم الأفراد الاُخر كانت متيقنة الحرمة، وهي الأفراد المفروضة من أول الحيض إلى انقطاع الدم، وهذه الأفراد قد مضى زمانها إما مع الامتثال أو مع العصيان، فعدم جريان الاستصحاب في هذا القسم ظاهر.
والفرض الثاني: لم يكن الزمان مفرداً، ولم يكن الحكم انحلالياً، كنجاسة الماء القليل المتمم كراً، فإنّ الماء شيء واحد غير متعددٍ بحسب امتداد الزمان في نظر العرف، ونجاسته حكم واحد مستمر من أول الحدوث إلى آخر الزوال، ومن هذا القبيل الملكية والزوجية، فلا يجري الاستصحاب في هذا القسم أيضا، لابتلائه بالمعارض؛ لأنّه إذا شككنا في بقاء نجاسة الماء المتمم كراً فلنا يقين متعلق بالمجعول ويقين متعلق بالجعل، فبالنظر إلى المجعول يجري استصحاب النجاسة، لكونها متيقنة الحدوث مشكوكة البقاء، وبالنظر إلى الجعل يجري استصحاب عدم النجاسة، لكونه أيضا متيقناً، وذلك لليقين بعدم جعل النجاسة للماء القليل في صدر الإسلام لا مطلقاً ولا مقيداً بعدم التتميم، والقدر المتيقن إنّما هو جعلها للقليل غير المتمم. أما جعلها مطلقاً حتى للقليل المتمم فهو مشكوك فيه، فنستصحب عدمه، ويكون المقام من قبيل دوران الأمر بين الأقل والأكثر،
______________________________
(١) وهي صحيحة زرارة الأولى من بين الروايات التي ذكرها السيد الخوئي، وهي: عن الحسين بن سعيد، عن زرارة قال قلت له: الرجل ينام وهو على وضوء أتوجب الخفقة والخفقتان عليه الوضوء؟ فقال يا زرارة: قد تنام العين ولا ينام القلب والأذن فإذا نامت العين والأذن والقلب فقد وجب الوضوء، قلت فإنْ حُرّك إلى جنبه شيء ولم يعلم به قال: لا حتى يستيقن أنّه قد نام حتى يجيء من ذلك أمر بيّن وإلا فإنّه على يقين من وضوئه، ولا ينقض اليقين أبدا بالشك ولكن ينقضه بيقين آخر، ظ: الطوسي، محمد بن الحسن، تهذيب الأحكام: ١/٨ والبهسودي، مصباح الأصول: ٣/ ١٣، ٤٩، ٥٩، ٦٥.
( ٢٠١ )
فنأخذ بالأقل لكونه متيقناً، ونجري الأصل في الأكثر لكونه مشكوكاً فيه، فتقع المعارضة بين استصحاب بقاء المجعول واستصحاب عدم الجعل، وكذا الملكية والزوجية، ونحوهما، فإذا شككنا في بقاء الملكية بعد رجوع أحد المتبايعين في المعاطاة: فباعتبار المجعول وهي الملكية يجري استصحاب بقاء الملكية، وباعتبار الجعل يجري استصحاب عدم الملكية، لتمامية الأركانفيهما(١).
ذكر السيد الخوئي مجموعة من الإشكالات وردت من الأعلام على رأي النراقي، وأخذ بمناقشتها وردّها؛ لأنّه تبنّى رأي النراقي فأخذ يدافع عنه، وهذه الإشكالات هي:
أولاً: إشكال الشيخ الأنصاري
ذكر السيد الخوئي أنّ ما ذكره من بيانٍ لرأي الشيخ النراقي لا يرد عليه ما أشكله الشيخ الأنصاري(٢).
أما إشكال الشيخ الأنصاري فهو: إنّ الزمان إنْ كان مفرداً فلا يجري إلى استصحاب الوجود لعدم اتحاد الموضوع ويجري استصحاب العدم، وإنْ لم يكن الزمان مفرداً فيجري استصحاب الوجود لاتحاد الموضوع ولا يجري استصحاب العدم، فلا معارضة بين الاستصحابين أصلا(٣).
مناقشة الخوئي للأنصاري
إنّ المعارضة تقع مع عدم كون الزمان مفرداً ووحدة الموضوع. فيقال: إنّ هذا الموضوع الواحد كان حكمه كذا وشك في بقائه فيجري استصحاب بقائه، ويقال أيضا: إنّ هذا الموضوع لم يجعل له حكم في الأول لا مطلقاً ولا مقيداً بحالٍ، والمتيقن جعل الحكم له حال كونه مقيداً فيبقى جعل الحكم له بالنسبة إلى غيرها تحت الأصل، فتقع المعارضة بين الاستصحابين مع حفظ وحدة الموضوع(٤).
______________________________
(١) ظ: البهسودي، مصباح الأصول: ٣/٣٧- ٣٩ والصافي، حسن، الهداية في الأصول: ٤/ ٣٥ - ٣٧.
(٢) ظ: البهسودي، مصباح الأصول: ٣/ ٣٩.
(٣) ظ: فرائد الأصول: ٣/٢١٠.
(٤) ظ: البهسودي، مصباح الأصول: ٣/ ٣٩ والصافي، حسن، الهداية في الأصول: ٤/ ٣٨.
( ٢٠٢ )
ثانياً: إشكال المحقق الآخوند
تعرّض السيد الخوئي إلى إشكال المحقق الآخوند الأصفهاني على الشيخ النراقي:
إنّ الشيخ النراقي نظر تارة إلى المسامحة العرفية فأجرى استصحاب الوجود، وأخرى إلى الدقة العقلية فأجرى استصحاب العدم، لكون الماء غيرُ المتمّم غيرَ الماء المتمّم بالدقة العقلية، مع أنّ المرجع في وحدة الموضوع وتعدده هو العرف، والعرف يرى الموضوع واحداً، والكثرة والقلة من الحالات، فلا مجال لإنكار استصحاب النجاسة(١).
مناقشة الخوئي للخراساني
إن المعارضة المذكورة لا تتوقف على لحاظ الموضوع بالنظر الدقي، بل بعد البناء على المسامحة والقول بوحدة الموضوع يجري استصحاب بقاء النجاسة واستصحاب عدم جعل النجاسة بالنسبة إلى حال الكثرة؛ لكون المتيقن هو جعل النجاسة لما لم يتمّم، فتقع المعارضة بين الاستصحابين مع أخذ الموضوع أمراً عرفياً(٢).
ثالثاً: إشكال المحقق النائيني
إنّ استصحاب عدم الجعل غير جار في نفسه، لعدم ترتب الأثر العملي عليه؛ لأنّ الجعل عبارة عن إنشاء الحكم في مقام التشريع، والأحكام الإنشائية لا تترتب عليها الآثار الشرعية، بل ولا الآثار العقلية من وجوب الإطاعة وحرمة المعصية مع العلم بها فضلا عن التعبد بها بالاستصحاب، فإنّه إذا علمنا بأنّ الشارع جعل وجوب الزكاة على مالك النصاب، لا يترتب على هذا الجعل أثر ما لم تتحقق ملكية في الخارج. وعليه فلا يترتب الأثر العملي على استصحاب عدم الجعل، فلا مجال لجريانه(٣).
مناقشة الخوئي للنائيني
إنّ الأحكام الشرعية اعتبارية لا وجود لها إلا في عالم الاعتبار القائم بالمعتبِر وهو المولى، وليست من سنخ الجواهر والأعراض الخارجية، بل وجودها بعين اعتبارها من المعتبِر، والاعتبار إنّما هو بمنزلة التصور، فكما أنّ التصور تارة يتعلق بمتصوّر حالي وأخرى بمتصورٍ استقبالي، فكذا الاعتبار تارة يتعلق بأمرٍ
______________________________
(١) ظ: كفاية الأصول: ٤١٠.
(٢) ظ: البهسودي، مصباح الأصول: ٣/ ٣٩ والصافي، حسن، الهداية في الأصول: ٤/ ٤٠.
(٣) ظ: الخوئي، أبو القاسم، أجود التقريرات: ٢/٤٠٤ والكاظمي، فوائد الأصول: ٤/٤٤٧.
( ٢٠٣ )
حالي وأخرى يتعلق بأمر استقبالي بحيث يكون الاعتبار والإبراز في الحال والمعتبر في الاستقبال كالواجبات المشروطة قبل تحقق الشرط، فإنّ الاعتبار فيها حالي والمعتبر وهو الوجوب استقبالي؛ لعدم تحققه إلا بعد تحقق الشرط، ونظيره في الأحكام الوضعية الوصية فإنّ اعتبار الملكية في موردها حالي، إلا أنّ المعتبر أمر استقبالي وهي الملكية بعد الوفاة. فجميع الأحكام الشرعية بالنسبة إلى موضوعاتها من قبيل الواجب المشروط، فلا يكون فيه قبل تحقق الشرط إلا مجرد الاعتبار، وبالتالي فإنّ قبل تحققها لا يكون بعث ولا زجر ولا طاعة ولا معصية، فتحقق الأحكام الشرعية الذي نعبّر عنه بالفعلية يتوقف على أمرين: الجعل وتحقق الموضوع، فإذا انتفى أحدهما انتفى الحكم، مثلا: وجوب الصلاة بعد زوال الشمس يتوقف على جعل الوجوب من المولى وتحقق الزوال في الخارج، فإذا زالت الشمس ولم يحكم المولى بشيءٍ يكون الحكم منتفياً بانتفاء الجعل، فما لم يتحقق الموضوع وإنْ كان لا يترتب أثر على استصحاب عدم الجعل إلا أنّه إذا تحقق الزوال يترتب الأثر على استصحاب عدمه لا محالة. وعليه فإذا وجد الموضوع في الخارج وشككنا في بقاء حكمه من جهة الشك في سعة المجعول وضيقه، أمكن جريان استصحاب عدم الجعل في غير المقدار المتيقن لولا معارضته باستصحاب بقاء المجعول.
وبعبارة أخرى: إنّ استصحاب بقاء الجعل يجري لاثبات فعلية التكليف عند وجود موضوعه، كذلك استصحاب عدم الجعل يكفي في إثبات عدم فعليته(١).
مناقشة الشوشتري لجواب الخوئي للنائيني
أشار السيد محمد جعفر المروّج الشوشتري إلى أنّ مناقشة السيد الخوئي للمحقق النائيني محل نظر؛ وذلك لأنّه بعد الاعتراف بانفكاك الجعل عن المجعول - وأنّ أثر الجعل ليس إلّا جواز إسناد المضمون إلى الشارع والإفتاء على طبقه، وأثر المجعول المنوط بوجود الموضوع التنجّز بالوصول - إنْ أريد باستصحاب بقاء الجعل التعبّد ببقاء الإنشاء أي اعتبار الحرمان أو اللّابدية فهو معنى عدم النسخ، وهذا لا يتوقف على تحقق الموضوع خارجاً؛ لصحة إسناد الحكم الإنشائي إلى الجاعل ما لم يعلم نسخه.
وإنْ أريد باستصحاب بقاء الجعل ترتيب آثار المجعول عليه حتى يجري الاستصحاب في الجعل بهذا اللحاظ فهو غير ظاهر؛ لأنّ ترتب الأثر على المجعول ملازم لبقاء الاعتبار والإبراز، ومن المعلوم أنّ إبقاء نفس الإبراز تعبدا بلحاظ ترتب آثار المجعول من الأصل المثبت.
نعم إذا أريد من استصحاب بقاء الجعل ترتيب أثر نفسه من صحة إسناد المضمون إلى الشارع من دون ترتيب أثر المجعول مع فرض وجود الموضوع خارجاً فهو وإنّ كان سليماً عن إشكال الإثبات، إلا أنّه مساوق للتفكيك بين العلة ومعلولها؛
______________________________
(١) ظ: البهسودي، مصباح الأصول: ٣/ ٣٩.
( ٢٠٤ )
لوضوح وصول الحكم إلى مرتبة الفعلية بوجود موضوعه، ولا بدّ من ترتيب أثره عليه، فكيف يكتفي بترتيب أثر نفس الجعل من دون المجعول؟(١).
رابعاً: إشكال السيد الصدر*
إنّ استصحاب عدم الجعل معارض بمثله في رتبته، فإنّ استصحاب عدم جعل الحرمة مثلا المتقدم باستصحاب عدم جعل الحلية، لوجود العلم الإجمالي بجعل أحدهما في الشريعة المقدسة فيبقى استصحاب بقاء المجعول وهي الحرمة بلا معارض(٢).
مناقشة الخوئي
ذكر السيد الخوئي ثلاثة أوجه لردّ هذا الإشكال، وهي:
الوجه الأول: إنّه لا مجال لاستصحاب عدم جعل الحلية؛ لأنّ الحلية والرخصة كانت متيقنة متحققة في صدر الإسلام، والأحكام الإلزامية قد شرّعت على التدريج، فجميع الأشياء كان على الإباحة بمعنى الترخيص والإمضاء كما يدل عليه قوله (عليه السلام): (اُسكتوا عمّا سكت الله)(٣) وقول الإمام الصادق (عليه السلام): (كلّما حجب الله علمه عن العباد فهو موضوع عنهم)(٤) نعم بعض الأحكام التي شُرّعت لحفظ النظام كحرمة قتل النفس، وحرمة أكل أموال الناس، وحرمة الزنا، وغيرها من الأحكام النظامية غير مختصٍ بشريعةٍ من دون شريعة، وقد ورد في بعض النصوص أنّ الخمر مما حرمت في جميع الشرائع(٥). والحاصل أنّ وطء الحائض مثلا كان قبل نزول الآية الشريفة: ﴿اعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ...﴾(٦) مرخصاً فيه، فلا مجال لاستصحاب عدم جعل الحلية(٧).
______________________________
(١) ظ: منتهى الدراية في شرح الكفاية: ٧/ ٤٤٦.
* ذكر السيد الخوئي هذا الإشكال من دون أن ينسبه إلى قائله، ووجد الباحث أنّه للسيد محمد باقر الصدر، ظ: الهاشمي، محمود، بحوث في علم الأصول: ٦/ ١٣٠.
(٢) ظ: الهاشمي، محمود، مباحث الحجج والأصول العملية: ٦/١٣٠.
(٣) لم أعثر على هذا النص في الكتب الحديثية المعتبرة ولكنه ورد في نهج البلاغة بهذا النص: (إن الله افترض عليكم الفرائض فلا تضيعوها، ...، وسكت عن أشياء ولم يدعها نسياناً فلا تتكلّفوها)، ظ: الشريف الرضي، نهج البلاغة، جمع خطب الإمام علي بن أبي طالب: ٤ /٢٤.
(٤) الكليني، محمد بن يعقوب، الأصول من الكافي: ١/١٦٤.
(٥) ظ: الحر العاملي، وسائل الشيعة: ٢٥/ ٢٩٦.
(٦) البقرة: ٢٢٢.
(٧) ظ: البهسودي، مصباح الأصول: ٣/٤٠.
( ٢٠٥ )
الوجه الثاني: إنّه لا معارضة بين استصحاب عدم جعل الحلية واستصحاب عدم جعل الحرمة؛ لإمكان التعبّد بكليهما بالتزام عدم الجعل أصلاً لا جعل الحرمة ولا جعل الحلية، وذلك؛ لأنّ قوام التعارض بين الأصلين بأحد أمرين على سبيل منع الخلو، وربما يجتمعان:
الأمر الأول: أنْ يكون التنافي بين مفاد الأصلين في نفسه مع قطع النظر عن لزوم المخالفة القطعية العملية، كما إذا كان مدلول أحد الأصلين الإباحة ومدلول الآخر الحرمة، أو كان مدلول أحدهما الإباحة ومدلول الآخر عدمها، فلا يصح التعبّد بالمتنافيين فيقع التعارض بينهما ويتساقطان؛ لعدم إمكان شمول دليل الحجية لكليهما، وشموله لأحدهما ترجيحٌ بلا مرجّح.
الأمر الثاني: أنْ تلزم من العمل بهما المخالفة العملية القطعية ولو لم يكن التنافي بين المدلولين، كما إذا علمنا بنجاسة أحد الإناءين، فجريان أصالة الطهارة في كل واحد منهما وإنْ لم يكن نفسه منافياً لجريانها في الآخر، إلا أنّه تلزم من جريانه في كليهما المخالفة العملية القطعية، وكذا في سائر مقامات العلم الإجمالي بالتكليف الإلزامي، وكلا الأمرين مفقود في المقام؛ لعدم المنافاة بين أصالة عدم جعل الحلية وأصالة عدم جعل الحرمة؛ لأنّ الحلية والحرمة متضادان، فلا يلزم من التعبّد بكلا الأصلين إلا ارتفاع الضدين، ولا محذور فيه، فنتعبّد بكليهما ونلتزم بعدم الجعل أصلاً، ولا تلزم مخالفة عملية قطعية أيضا، غاية الأمر لزوم المخالفة الالتزامية للعلم الإجمالي بجعل أحد الحكمين في الشريعة المقدسة، ولا محذور فيه، فنلتزم بعدم الجعل في مقام العمل، وفي مقام الإفتاء نرجع إلى غيرهما من الأصول كاصالة البراءة مثلا في المقام، فنفتي بعدم حرمة الوطء لأصالة البراءة، ونظير ذلك في دوران الأمر بين المحذورين، فإنّ في الحكم بالتخيير هناك مخالفة التزامية لما هو معلوم بالوجدان من الحرمة أو الوجوب، ولا محذور فيه بعد كون الحكم بالتخيير بالتعبّد الشرعي، ولا تلزم المخالفة العملية القطعية؛ لأنّه لا يخلو إما من الفعل المطابق لاحتمال الوجوب أو الترك المطابق لاحتمال الحرمة. ولولا ذلك، لما جاز الإفتاء من المجتهد بما في رسالته العملية المشتملة على المسائل الكثيرة، للعلم الإجمالي بمخالفة بعض ما في الرسالة للحكم الواقعي، فلا بدّ له من التوقف عن الإفتاء.
نعم من ليس له هذا العلم الإجمالي - ويُحتمل مطابقة الواقع لجميع ما في رسالته على كثرة ما فيها من المسائل - جاز له الإفتاء، ولكنّه مجرد فرض، ولعله لم يوجد مجتهد كان شأنه ذلك. فالسر في جواز الإفتاء هو أنّه لا مانع من الإفتاء بعد كونه على الموازين الشرعية وبرخصة من الشارع، ولا محذور في المخالفة الالتزامية والمخالفة العملية القطعية غير ثابتة، لاحتمال كون ما صدر منه مخالفا للواقع هو الإفتاء بحرمة المباح الواقعي، ولا تلزم منه مخالفة عملية، فإنّ المخالفة العملية إنّما تتحقق فيما علم الإفتاء بإباحة الحرام الواقعي، وليس
( ٢٠٦ )
له هذا العلم. وغاية ما في الباب علمه بكون بعض ما في الرسالة مخالفاً للواقع: أما الإفتاء بحرمة المباح الواقعي أو بإباحة الحرام الواقعي(١).
الوجه الثالث: إنّه لو تنزّلنا عن جميع ذلك، فنقول: إنّه يقع التعارض بين هذه الاستصحابات الثلاثة في مرتبة واحدة، لا أنّه يقع التعارض بين استصحاب عدم جعل الحرمة واستصحاب عدم جعل الحلية في مرتبة متقدمة على استصحاب بقاء المجعول. وبعد تساقط الاستصحابين في مقام الجعل تصل النوبة إلى استصحاب بقاء المجعول، ويتم المطلوب، وذلك، لأنّ جريان الاستصحاب في الأحكام الشرعية لا يكون متوقفاً على تحقق الموضوع في الخارج، بحيث يكون استصحاب بقاء الحرمة متوقفاً على وجود زوجة انقطع دمها ولم تغتسل، بل يجري الاستصحاب على فرض وجود الموضوع، وكل مجتهد التفت إلى الحكم المذكور- أي حرمة وطء الحائض بعد انقطاع دمها - يحصل له اليقين بحرمة الوطء حين رؤية الدم، واليقين بعدم جعل الحرمة قبل نزول الآية الشريفة: ﴿... فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ...﴾(٢)، واليقين بعدم جعل الإباحة في الصدر الأول من الإسلام، ويحصل له الشك في حرمة الوطء بعد انقطاع الدم قبل الاغتسال. وكان واحد من هذه الأمور فعلي عند الإفتاء على فرض وجود الموضوع، فيقع التعارض بين الاستصحابات الثلاثة في مرتبة واحدة ويسقط جميعها(٣).
ثم دفع السيد الخوئي إشكالاً مقدّراً قد يرد في محل الكلام بقوله: (وربّما يقال في المقام: إنّ أصالة عدم جعل الحرمة حاكمة على استصحاب بقاء المجعول، لكون الأول أصلا سببياً بالنسبة إلى الثاني، فإنّ الشك في بقاء الحرمة مسبَّب عن الشك في سعة جعل الحرمة وضيقها، فأصالة عدم جعل الحرمة موجبة لرفع الشك في بقاء المجعول، فلا يبقى للاستصحاب الثاني* موضوع)(٤) وبعبارة أخرى: إنّ الأصل السببي مقدّم على الأصل المسببي عند التعارض،
وقد وجد الباحث أنّ هذا الإشكال هو للمحقق النائيني(٥).
المناقشة: ذكر السيد الخوئي إنّ هذا الكلام وإنْ كان موافقاً للمختار في النتيجة، إلا أنّه غير صحيح في نفسه، لأنّ الملاك في الحكومة ليس مجرد كون أحد الأصلين سببياً والآخر مسببياً، بل الملاك كون المشكوك فيه في أحد الأصلين
______________________________
(١) ظ: البهسودي، مصباح الأصول: ٣/ ٤١.
(٢) البقرة: ٢٢٢.
(٣) ظ: البهسودي، مصباح الأصول: ٣/٤٢ - ٤٥.
* أي الأصل المسببي.
(٤) المصدر نفسه: ٣/ ٤٥.
(٥) ظ: الكاظمي، فوائد الأصول: ٤/٦٨٢.
( ٢٠٧ )
أثراً مجعولاً شرعياً للأصل الآخر، كما في المثال المعروف وهو ما إذا غسل ثوب نجس بماءٍ مشكوك النجاسة، فالشك في نجاسة الثوب مسبَّب عن الشك في طهارة الماء، وجريان أصالة الطهارة في الماء موجب لرفع الشك في طهارة الثوب، لأنّ من الآثار المجعولة لطهارة الماء هو طهارة الثوب المغسول به، فأصالة الطهارة في الماء تكون حاكمة على استصحاب النجاسة في الثوب، بخلاف المقام، فإنّه ليس عدم حرمة الوطء من الآثار الشرعية لأصالة عدم جعل الحرمة، بل من الآثار التكوينية له؛ لأنّ عدم الحرمة خارجاً ملازمٌ تكويناً مع عدم جعل الحرمة، بل هو عينه حقيقة، ولا مغايرة بينهما إلا نظير المغايرة بين الماهية والوجود، فلا معنى لحكومة أصالة عدم جعل الحرمة على استصحاب بقاء المجعول(١).
يتضمن هذا المطلب رأيين للسيد الخوئي نبّه عليهما في ختام بحثه وهي الموارد التي استثناها عن عدم جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية، وهما:
أولاً: جريان الاستصحاب في الأحكام غير الإلزامية أشار السيد الخوئي إلى أنّ ما ذهب إليه من عدم عدم جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية - مختص بالأحكام الإلزامية وأما غير الإلزامية* فلا مانع من جريان الاستصحاب فيها، ولا يعارضه استصحاب عدم جعل الإباحة، لأنّ الإباحة لا تحتاج إلى الجعل، فإنّ الأشياء كلها على الإباحة، ما لم يجعل الوجوب والحرمة، لقوله (عليه السلام): (اسكتوا عما سكت الله عنه)(٢) وقول الإمام الصادق (عليه السلام): (كلما حجب الله علمه عن العباد فهو موضوع عنهم)(٣) وقوله (عليه السلام): (إنّما هلك الناس لكثرة سؤالهم)(٤)، فالمستفاد من هذه الروايات أنّ الأشياء
______________________________
(١) ظ: البهسودي، مصباح الأصول: ٣/ ٤٥ والجواهري، محمد تقي، غاية المأمول: ٢/٥٣٥.
* الأحكام الإلزامية: ما يلزم المكلف فعله (وهو الوجوب)، أو ما يلزم المكلف تركه (وهو الحرمة)، وما عداها فليس من الأحكام الإلزامية، ظ: الغروي، علي، التنقيح في شرح العروة الوثقى: ٢/ ١٥٢.
(٢) لم أعثر عليه بهذا النص وإنّما وجدته بنص آخر، وهو: (إنّ الله افترض عليكم الفرائض فلا تضيّعوها، ...، وسكت عن أشياء ولم يدعها نسياناً فلا تتكلّفوها)، ظ: الشريف الرضي، نهج البلاغة، جمع خطب الإمام علي بن أبي طالب: ٤ /٢٤.
(٣) الكليني، محمد بن يعقوب، الأصول من الكافي: ١/١٦٤.
(٤) لم أعثر عليه بهذا النص وإنما وجدته بنص آخر، وهو: عن النبي ٨: اتركوني ما تركتكم فإنّما هلك من كان قبلكم لكثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، ظ: النحاس، أبو جعفر، معاني القرآن: ٢/ ٣٦٩ والمرتضى، أحمد، شرح الأزهار: ٢/ ٦٨.
( ٢٠٨ )
على الإباحة ما لم يرد أمر أو نهي من قبل الشارع؛ فإنّ الشريعة شرعت للبعث إلى شيءٍ والنهي عن الآخر لا لبيان المباحات، فلا مجال لاستصحاب عدم جعل الإباحة؛ لكون الإباحة متيقنة، فالشك في بقائها، فيجري استصحاب بقاء الإباحة بلا معارض، بل يكون استصحاب عدم جعل الحرمة موافقاً له(١).
ثانياً: جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية الوضعية
أشار السيد الخوئي أيضاً إلى أنّه لا مانع من جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية الوضعية كالطهارة من الخبث والحدث، كما إذا شككنا في انفعال الماء العالي بملاقاة النجاسة السافلة*، فتجري استصحاب الطهارة ولا يعارضه استصحاب عدم جعل الطهارة؛ لأنّ الطهارة نظير الإباحة لا تحتاج إلى الجعل، بل الأشياء كلها على الطهارة ما لم يأتِ بيان من الشارع بالنجاسة فيها، بل الطهارة بحقيقتها العرفية كون الشيء باقياً بطبيعته الأولية، والنجاسة والقذارة شيء زائد، بل استصحاب عدم جعل النجاسة معاضد لاستصحاب بقاء الطهارة، وكذا لا مانع من جريان استصحاب الطهارة من الحدث، كما إذا شككنا في بقائها بعد خروج المذي ولا يعارضه استصحاب عدم جعل الطهارة؛ لأنّ النقض هو المحتاج إلى الجعل. وأما الطهارة المجعولة فهي الوضوء - أي الغسلتان والمسحتان - وقد أتينا بها، فهي باقية بحالها ما لم يصدر منا ما جعله الشارع ناقضا لها، بل استصحاب عدم جعل المذي ناقضا موافق لاستصحاب بقاء الطهارة.**
وبعبارة أخرى إنّ الشك في أنّ الصلاة مشروطة بخصوص الطهارة الثانية - أي الحاصلة بعد خروج المذي - أو مشروطة بالأعم منها ومن الطهارة الأولى - أي الحاصلة قبل خروج المذي - والأصل عدم اشتراطها بخصوص الطهارة الثانية. نعم إذا شككنا في بقاء النجاسة المتيقنة كمسألة تتميم الماء القليل النجس كراً، لا مجال لجريان استصحاب بقاء النجاسة، للمعارضة باستصحاب عدم جعل النجاسة بعد التتميم(٢).
وقد لخّص السيد الخوئي ما تقدّم من بحث في الشبهات الحكمية ويبين رأيه الصريح في المسألة بقوله: (لا مجال لجريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية، بخلاف الشبهات الموضوعية؛ لعدم الشك فيها في الجعل. وإنّما الشك في بقاء
______________________________
(١) ظ: البهسودي، مصباح الأصول: ٣/ ٤٧.
* أي انفعال الماء من المكان المتدافع منه بملاقاة النجاسة في المكان المتدافع إليه، ظ: الخوئي، أبو القاسم، منهاج الصالحين، مسألة ٥٠: ١/ ١٩.
** المذي: الماء الرقيق الخارج عند المداعبة والتقبيل والنظر بلا دفع وفتور، ويختلف عن الودي: وهو البلل اللزج الذي يخرج بعد البول، ويختلف أيضاً عن الوذي: وهو الماء الذي يخرج عُقيب الإنزال، ظ: مركز المعجم الفقهي (مجموعة باحثين)، المصطلحات: ٢٤٢٧.
(٢) ظ: البهسودي، مصباح الأصول: ٣/ ٤٧ - ٤٨.
( ٢٠٩ )
الموضوع الخارجي، فيجري الاستصحاب فيها بلا معارض، مثلا إذا شككنا في تحقق النوم بعد اليقين بالوضوء، فلا شك لنا في الجعل ولا في مقدار سعة المجعول؛ لأنّا نعلم أنّ المجعول هو حصول الطهارة بالوضوء إلى زمان طرو الحدث، وإنّما الشك في حدوث النوم في الخارج، فيجري استصحاب عدمه بلا معارض)(١).
مناقشة المروّج للخوئي
ناقش السيد محمد جعفر المروّج الشوشتري ما استثناه السيد الخوئي من عدم جريان الاستصحاب في الأحكام الكلية، وأنّه يجري في الأحكام الترخيصية؛ بسبب عدم جريان استصحاب عدم جعل الإباحة فيها؛ لكونها متيقنة في صدر الإسلام، والشريعة إنّما تتكفل بيان الأحكام الإلزامية فحسب، فلا معارض لاستصحاب المجعول، وجاءت مناقشته ضمن نقطتين:
الأولى: إنّ الإباحة الشرعية التي تُعدّ من الأحكام الخمسة تتوقف على جعل الشارع قطعاً، ولا وجه لحصر المجعول في الأحكام الإلزامية خاصة، ويشهد لما ذُكر قوله تعالى: ﴿... أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ...﴾(٢) و ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ...﴾(٣) ونحوهما مما يدل على جعلها تأسيساً.
الثانية: إنّه أخص من المدعى، فإنّ الاستحباب والكراهة حكمان ترخيصيان متوقفان على جعل الشارع قطعاً. ولازمه وقوع المعارضة بين استصحابي عدم الجعل وبقاء المجعول. فلا وجه لإنكار الاستصحاب في الشبهات الحكمية الكلية بدعوى المعارضة المذكورة(٤).
ويبدو ممّا تقدّم أنّ السيد الخوئي وإنْ اختار ما ذهب إليه الشيخ النراقي من تفصيلٍ ولكنه بيّنه ووضّحه بشكلٍ لم تُذكر في الكتب الأصولية لمن سبقه من الأعلام -فضلاً عن أنّه استطاع أنْ يردّ جميع الإشكالات الوارده عليه- وتُعد هذه إضافة عمودية على ما ذكره البحث في ضابط المدرسة*.
______________________________
(١) البهسودي، مصباح الأصول: ٣/ ٤٠.
(٢) المائدة: ١.
(٣) المائدة: ٩٦.
(٤) ظ: منتهى الدراية في شرح الكفاية: ٧/٤٤٤ - ٤٤٥.
* ظ: ص٤ من الأطروحة.
( ٢١٠ )
من معالم البحث الأصولي عند السيد الخوئي هو إضافة قسمٍ إلى أقسام استصحاب الكلي، ويُعد ذلك من ابتكاراته الأصولية(١)؛ لذا جاء هذا المبحث لبيان هذه المسألة.
والمراد من استصحاب الكلي: هو التعبّد ببقاء الجامع بين فردين من الحكم، أو الجامع بين شيئين خارجيين إذا كان له أثر شرعي(٢).
وقد انتظم هذا المبحث في ثلاثة مطالب، هي:
المعروف بين الأصوليين أن أقسام استصحاب الكلي هي ثلاثة استناداً على ما ذكره الشيخ الأنصاري(٣) وقد تعرّض السيد الخوئي إلى بيان هذه الأقسام وذكر أنّها أربعة بإضافة قسمٍ إليها، والأقسام هي:
القسم الأول: ما إذا علمنا بتحقق الكلي في ضمن فردٍ معين، ثم شككنا في بقاء هذا الفرد وارتفاعه، فلا محالة نشك في بقاء الكلي وارتفاعه أيضا، فإذا كان الأثر للكلي، فيجري الاستصحاب فيه.
مثاله المعروف ما إذا علمنا بوجود زيدٍ في الدار فنعلم بوجود الإنسان فيها ثم شككنا في خروج زيد عنها فنشك في بقاء الإنسان فيها، فلا إشكال في جريان الاستصحاب في بقائه إذا كان له أثر(٤).
القسم الثاني: ما إذا علمنا بوجود الكلي في ضمن فردٍ مردّدٍ بين متيقن الارتفاع ومتيقن البقاء، كما إذا علمنا بوجود إنسانٍ في الدار مع الشك في كونه زيداً أو عمراً، مع العلم بأنّه لو كان زيداً لخرج يقيناً ولو كان عمراً فقد بقي يقيناً.
ومثاله في الحكم الشرعي: ما إذا رأينا رطوبة مشتبهة بين البول والمني فتوضأنا، فنعلم أنّه لو كان الحدث الموجود هو الأصغر فقد ارتفع، ولو كان هو الأكبر
______________________________
(١) ظ: الفياض، المختصر في الحياة العلمية لزعيم الطائفة السيد الخوئي: ٣٣.
(٢) الصدر، محمد باقر، دروس في علم الأصول (الحلقة الثالثة): ٣/١٩٣.
(٣) ظ: فرائد الأصول: ٣/ ١٩١- ١٩٣.
(٤) ظ: البهسودي، مصباح الأصول: ٣/١٠٣ والجواهري، محمد تقي، غاية المأمول: ٢/٥٧٥ وبحر العلوم، علاء الدين، مصابيح الأصول: ٤/١٢٢.
( ٢١١ )
فقد بقي، وكذا لو اغتسلنا في المثال فنعلم أنّه لو كان الحدث هو الأكبر فقد ارتفع، وإن كان هو الأصغر فقد بقي؛ لعدم ارتفاعه بالغسل، فنجري الاستصحاب في الحدث الجامع بين الأكبر والأصغر ونحكم بترتّب أثره، كحرمة مسّ كتابة القرآن وعدم جواز الدخول في الصلاة.
وهذا هو القسم قد ذكره الشيخ الأنصاري وتبعه جماعة ممن تأخر عنه(١)، والظاهر أنّ تخصيص هذا القسم - بأنْ يكون الفرد مردداً بين متيقن الارتفاع ومتيقن البقاء - إنّما هو لمجرد التمثيل، وإلّا فيكفي في جريان الاستصحاب مجرد احتمال البقاء، فلو كان الفرد مردداً بين متيقن الارتفاع ومحتمل البقاء لكان الاستصحاب جارياً في الكلي، ويكون أيضا من القسم الثاني(٢).
القسم الثالث: ما إذا علمنا بوجود الكلي في ضمن فردٍ معينٍ وعلمنا بارتفاع هذا الفرد لكن احتملنا وجود فردٍ آخر مقارن مع وجود الفرد الأول أو مقارن معارتفاعه، كما إذا علمنا بوجود زيدٍ في الدار وعلمنا بخروجه عنها، لكن احتملنا بقاء الإنسان في الدار لاحتمال دخول عمرو فيها، ولو مقارناً مع خروجه عنها(٣).
والفرق بين القسم الثاني والقسم الثالث: هو أنّ اليقين في القسم الثالث قد تعلق بوجود الكلي المتخصص بخصوصية معينة، وقد ارتفع هذا الوجود يقيناً. وما هو محتمل للبقاء فهو وجود الكلي المتخصص بخصوصية أخرى الذي لم يكن لنا علم به، فيختلف متعلق اليقين والشك، فتكون النتيجة عدم جريان الاستصحاب فيه.
وهذا بخلاف القسم الثاني، فإنّ المعلوم فيه هو وجود الكلي المردد بين الخصوصيتين، فيحتمل بقاء هذا الوجود بعينه، فيكون متعلق اليقين والشك واحدا، فلا مانع من جريان الاستصحاب فيه(٤).
وهذه هي الأقسام الثلاثة التي ذكرها الشيخ الأنصاري(٥).
______________________________
(١) ظ: فرائد الأصول: ٣/١٩١ والخراساني، محمد كاظم الآخوند، كفاية الأصول: ٤٠٤ والطباطبائي، محمد رضا، تنقيح الأصول: ٢٦٩ والبروجردي، محمد تقي، نهاية الأفكار: ج٤ق١/١٣٥و الأصفهاني، محمد حسين، نهاية الدراية في شرح الكفاية: ٣/١٦٧.
(٢) ظ: البهسودي، مصباح الأصول: ٣/١٠٤ والجواهري، محمد تقي، غاية المأمول: ٢/٥٧٦.
(٣) ظ:: البهسودي، مصباح الأصول: ٣/١٠٤ وبحر العلوم، علاء الدين، مصابيح الأصول: ٤/١٢٤.
(٤) ظ: البهسودي، مصباح الأصول: ٣/ ١٠٤.
(٥) ظ: فرائد الأصول: ٣/ ١٩١- ١٩٣.
( ٢١٢ )
القسم الرابع: ما إذا علمنا بوجود فردٍ معينٍ وعلمنا بارتفاع هذا الفرد، ولكن علمنا بوجود فردٍ معنونٍ بعنوانٍ يحتمل انطباقه على الفرد الذي علمنا ارتفاعه، ويحتمل انطباقه على فردٍ آخر، فلو كان العنوان المذكور منطبقاً على الفرد المرتفع، فقد ارتفع الكلي، وإنْ كان منطبقاً على غيره فالكلي باق.
وهذا القسم الرابع هو القسم الذي أضافه السيد الخوئي إلى بقية الأقسام التي ذكرها الشيخ الأنصاري.
وأشار السيد الخوئي إلى امتياز هذا القسم عن بقية الأقسام:
فامتيازه عن القسم الأول ظاهر. وامتيازه عن القسم الثاني أنه في القسم الثاني يكون الفرد مردداً بين متيقن الارتفاع ومتيقن البقاء أو محتمله، بخلاف القسم الرابع، فإنّه ليس فيه الفرد مردداً بين فردين، بل الفرد معين، غاية الأمر أنّه يحتمل انطباق عنوان آخر عليه.
أما امتيازه عن القسم الثالث - بعد اشتراكهما في احتمال تقارن فرد آخر مع هذا الفرد المعين الذي علمنا ارتفاعه - أنّه ليس في القسم الثالث علمان، بل علم واحد متعلق بوجود فرد معين، غاية الأمر نحتمل تقارن فرد آخر مع حدوثه أو مع ارتفاعه، بخلاف القسم الرابع، فإنّ المفروض فيه علمان: علم بوجود فردٍ معينٍ، وعلم بوجود ما يحتمل انطباقه على هذا الفرد وعلى غيره.
مثاله: ما إذا علمنا بوجود زيدٍ في الدار وعلمنا بوجود متكلمٍ فيها، ثم علمنا بخروج زيدٍ عنها، ولكن احتملنا بقاء الإنسان فيها لاحتمال أنْ يكون عنوان المتكلم منطبقاً على فردٍ آخر: مثاله في الأحكام الشرعية ما إذا علمنا بالجنابة ليلة الخميس مثلا، واغتسلنا منها، ثم رأينا المني في ثوبنا يوم الجمعة مثلا، فنعلم بكوننا جنباً حين خروج هذا المني، ولكن نحتمل أنْ يكون هذا المني من الجنابة التي اغتسلنا منها، وأنْ يكون من غيرها(١).
وإنّ السيد الخوئي قد نبّه على أمرٍ مهمٍ في جريان استصحاب الكلي، وهو: إنّ جريان الاستصحاب في الكلي إنّما هو فيما إذا لم يكن هناك أصل يعيَّن به الفرد، وإلا فلا مجال لجريان الاستصحاب في الكلي، كما إذا كان أحد محدثاً بالحدث الأصغر، فخرجت منه رطوبة مرددة بين البول والمني ثم توضأ فشك في بقاء الحدث، فمقتضى استصحاب الكلي وإنْ كان بقاء الحدث، إلا أنّ الحدث الأصغر كان متيقناً، وبعد خروج الرطوبة المرددة يشك في تبدّله بالأكبر، فمقتضى الاستصحاب بقاء الأصغر وعدم تبدّله بالأكبر، فلا يجري الاستصحاب في الكلي، لتعيّن الفرد بالتعبّد الشرعي، فيكفي الوضوء. نعم من كان متطهراً ثم خرجت منه الرطوبة المرددة لا يجوز له الاكتفاء بالوضوء فقط، بل يجب عليه الجمع بين الوضوء والغسل، فإنّه من استصحاب الكلي من القسم الثاني.
______________________________
(١) ظ: البهسودي، مصباح الأصول: ٣/١٠٤ وبحر العلوم، علاء الدين، مصابيح الأصول: ٤/١٢٤.
( ٢١٣ )
ولا يتوقف ذلك على كون الحدث الأصغر والأكبر من قبيل المتضادين بحيث لا يمكن اجتماعهما، بل الفرد يعين بالأصل على جميع الأقوال فيهما، فإنّ الأقوال فيهما ثلاثة:
الأول: كونهما متضادين.
الثاني: كونهما شيئاً واحداً وإنّما الاختلاف بينهما في القوة والضعف، فالأصغر مرتبة ضعيفة من الحدث، والأكبر مرتبة قوية منه، كما قيل في الفرق بين الوجوب والاستحباب: إنّ الوجوب مرتبة قوية من الطلب والاستحباب مرتبة ضعيفة منه
الثالث: كونهما من قبيل المتخالفين بحيث يمكن اجتماعهما كالسواد والحلاوة مثلا، فعلى الأول: حيث إنّ الأصغر كان متيقناً وشك في تبدله بالأكبر فالأصل عدم تبدله به. وعلى الثاني: الأصل عدم حدوث المرتبة القوية بعد كون المرتبة الضعيفة متيقنة. وعلى الثالث يكون الأصل عدم اجتماع الأكبر مع الأصغر، فعلى جميع الأقوال يُعيّن الفرد فلا مجال لجريان الاستصحاب في الكلي(١).
يُعنى هذا المطلب ببيان الإشكالات الواردة على القسم الرابع من استصحاب الكلي:
ذكر السيد الخوئي أنّه إذا علمنا بوجود عنوانين يحتمل انطباقهما على فرد واحد، فالظاهر أنّه لا مانع من جريان الاستصحاب فيه؛ وذلك لتمامية أركانه من اليقين والشك؛ فإنّ أحد العنوانين وإن ارتفع يقيناً، إلا أنّ لنا يقيناً بوجود الكلي في ضمن عنوان آخر ونشك في ارتفاعه؛ لاحتمال انطباقه على فرد آخر غير الفرد المرتفع يقيناً، فبعد اليقين بوجود الكلي المشار إليه والشك في ارتفاعه، لا مانع من جريان الاستصحاب فيه(٢).
أما المناقشات فهي:
أولاً: ابتلاؤه بالمعارض
ذكر السيد الخوئي أنّه قد يُبتلى هذا الاستصحاب بالمعارض، كما إذا علمنا بالجنابة ليلة الخميس مثلا وقد اغتسلنا منها، ثم رأينا منياً في ثوبنا يوم الجمعة، فنعلم بكوننا جنباً حين خروج هذا المني، ولكن نحتمل أنْ يكون هذا المني من الجنابة التي قد اغتسلنا منها، وأنْ يكون من غيرها، فاستصحاب كلي الجنابة مع إلغاء الخصوصية وإنْ كان جارياً في نفسه، إلا أنّه معارض باستصحاب
______________________________
(١) ظ: البهسودي، مصباح الأصول: ٣/١٠٨.
(٢) ظ: المصدر نفسه: ٣/ ١١٩.
( ٢١٤ )
الطهارة الشخصية، فإنّا على يقين بالطهارة حين ما اغتسلنا من الجنابة ولا يقين بارتفاعها، لاحتمال كون المني المرئي من تلك الجنابة، فيقع التعارض بينه وبين استصحاب الجنابة فيتساقطان، ولا بدّ من الرجوع إلى أصل آخر.
وأما في مالا معارض له كما إذا علمنا بوجود زيد في الدار وبوجود متكلم فيها يحتمل انطباقه على زيد وعلى غيره، فلا مانع من جريان استصحاب وجود الإنسان الكلي فيها، مع القطع بخروج زيد عنها إذا كان له أثر شرعي.
وبالجملة: محل الكلام إنّما هو في جريان الاستصحاب في نفسه مع قطع النظر عن المعارض، وقد ذهب السيد الخوئي إلى أنّ جريانه هو الصحيح.
وأما عدم الجريان من جهة الابتلاء بالمعارض، فهو مشترك فيه بين هذا القسم والأقسام الأخرى، فإنّ الاستصحاب فيها أيضا قد يبتلى بالمعارض، فلا يكون جارياً(١).
ثانياً: مناقشة الصدر للخوئي
ناقش السيد محمد باقر الصدر ما ذهب إليه السيد الخوئي من افتراض وجود القسم الرابع لاستصحاب الكلي، وردّه موضوعاً* وحكماً **:
أما من ناحية الموضوع: فإنّنا لو لاحظنا كلي الجنابة بلا إضافتها إلى العنوان الانتزاعي وهو الحادث من ذلك الأثر فالعلم بكلي الجنابة يكون من القسم الثالث؛ إذ يعلم بتحققها ضمن فرد تفصيلاً كما يعلم بارتفاع ذلك الفرد ويشك في بقائها ضمن فرد آخر مشكوك الحدوث. وإذا لاحظنا الكلي بالعنوان الانتزاعي كعنوان الجنابة الحادثة من ذلك الأثر كان من القسم الثاني؛ لأنّ هذا من العلم الإجمالي بعنوان انتزاعي يمكن أنْ ينطبق على الفرد المعلوم تفصيلا، وفرقه عما تقدم في القسم الثاني أنّه هناك لم يكن يعلم بتحقق أحد الفردين أما هنا فيعلم بتحقق أحد الفردين تفصيلاً، وحيث إنّ العنوان المعلوم بالإجمال فيه خصوصية -ولو انتزاعية- فلا يكون منحلاً بالعلم التفصيلي بأحد الفردين، وعلى كل حال فهذه الفرضية: وهي العلم بالجامع والشك في بقائه من ناحية الشك في حدوث الفرد تندرج تحت القسم الثاني أو الثالث من الكلي(٢).
وأما من ناحية الحكم: فالصحيح عدم جريان استصحاب الجامع فيها وذلك:
١- للنقض بموارد الشك البدوي، فإنّه يمكن تشكيل علم إجمالي انتزاعي كالعلم المذكور فيها كما إذا تيقن البول فتوضأ ثم شك بخروج البول منه ثانية فإنّه يمكنه أنْ يشكّل علماً إجمالياً بعنوان انتزاعي هو عنوان الحدث عند آخر بول خرج منه؛
______________________________
(١) ظ: البهسودي، مصباح الأصول: ٣/ ١١٩.
* أي من جهة إضافة هذا القسم إلى بقية أقسام الكلي الثلاث.
** أي ما ذهب إليه السيد الخوئي من جريان الاستصحاب فيه.
(٢) ظ: الهاشمي، محمود، بحوث في علم الأصول: ٦/٢٦٧ - ٢٦٨.
( ٢١٥ )
فإنّه لو كان آخر بول خرج منه البول الأول فالحدث الحاصل به مرتفع جزماً، وإنْ كان آخر بول خرج منه بعد الوضوء فالحدث الحادث به باق لا محالة فعنوان آخر: بول بما هو آخر مردد بين الفردين المعلوم أحدهما تفصيلاً كما يعلم بارتفاعه والمشكوك أصل حدوث الآخر، فلا بدّ من القول بجريان استصحاب كلي الحدث في المقام، وهذا ما لا يمكن الالتزام به بل هوخلاف مورد أدلة الاستصحاب. ٢- النقض أيضاً بموارد استصحاب الكلي من القسم الثالث، فإنّه يمكن تصوير جامع انتزاعي غير منحلّ فيه أيضاً كعنوان الفرد الذي لم يدخل بعده غيره، أو لا يكون بعد فرد آخر، أو عنوان الفرد الذي ليس معه فرد آخر غير متيقن؛ فإنّ هذا العنوان الإجمالي مردّد بين زيد المعلوم انتفائه إذا لم يكن غيره فرد أو غيره إذا كان فرد آخر حيث إنّه لا ينطبق هذا العنوان مع وجود فرد آخر إلا عليه لا على زيد فلا بدّ من القول بجريان استصحاب هذا الكلي الانتزاعي المعلوم بالإجمال.
٣- الحل
وحاصله: إنّه لو اُريد إجراء الاستصحاب في العنوان الذي هو موضوع الأثر الشرعي وهو الحدث أو الجنابة فإنّ هذا العنوان عُلم بتحققه ضمن فردٍ وزواله ويشك في بقائه ضمن فرد آخر لا يقين بأصل حدوثه، وإنْ اُريد إجراؤه في العنوان الإجمالي الانتزاعي كعنوان الجنابة الحادثة بذلك الأثر أو الحدث الحاصل بآخر موجب أو الفرد الذي لا يكون بعده فرد آخر فهذا العنوان ليس موضوعاً للأثر الشرعي ليكون هو مركب الاستصحاب هذا إنْ اُريد جعله محط الاستصحاب حقيقة، وإنْ اُريد اتخاذه مشيراً إلى الواقع لجعله محط الاستصحاب أو بتعبير آخر التعبّد ببقاء نفس العلم الإجمالي بلحاظ منجزيّته فقد عرفت أنّ هذا من استصحاب الفرد المردد ومن العلم الإجمالي غير المنجّز للعلم تفصيلاً بارتفاع أحد طرفيه.
النتيجة: إنّ ما أفاده السيد الخوئي من وجود قسم رابع يجري فيه استصحاب الكلي غير تام لا موضوعاً ولا حكماً على رأي السيد محمد باقر الصدر(١).
ويبدو للباحث أنّ مناقشة السيد الصدر للسيد الخوئي متينة، ولكن تبقى محاولة السيد الخوئي العلمية في ابتكار قسم جديد من أقسام استصحاب الكلي ثمينة.
______________________________
(١) ظ: الهاشمي، محمود، بحوث في علم الأصول: ٦/٢٦٧ - ٢٦٨.
( ٢١٦ )
ثالثاً: مناقشة المحقق الهمداني*
ذكر السيد الخوئي رأي المحقق الهمداني ضمن إشكالٍ قد يرد في محل الكلام(١)، وهو:
قد يفصّل في جريان الاستصحاب في هذا القسم بين ما إذا علم بوجود فردين وشك في تعاقبهما وعدمه، وبين ما إذا لم يعلم به، بل علم بوجود عنوانين يحتمل انطباقهما على فردين وعلى فرد واحد، فالتزم في الأول بجريان الاستصحاب من دون الثاني.
مثال الأول: ما إذا علم أحدٌ بوضوءين وحدث، ولكن لا يدري أنّ الوضوء الثاني كان تجديدياً ليكون الحدث بعد الطهارة وباقياً فعلاً، أو كان رافعاً للحدث ليكون متطهراً فعلاً، فالوضوء الأول في هذا الفرض قد انتقض بالحدث يقيناً، وإنّما الشك في بقاء الطهارة حين الوضوء الثاني؛ لاحتمال كونه بعد الحدث، وحيث إنّ هذا الشخص متيقن بالطهارة حينه إما بسببية الوضوء الأول لو كان تجديدياً، وإما بسببيته لو كان رافعاً للحدث، وشاك في ارتفاعها، فلا مانع من استصحابها، وكذا الحال فيما إذا علم بالجماع مثلا مرتين وبغسل واحد، لكن لا يدري أنّ الجماع الثاني وقع بعد الاغتسال حتى يكون جنباً بالفعل، أو قبله ليكون متطهراً بالفعل أو قبله ليكون متطهرا بالفعل. فهو يعلم بارتفاع الجنابة الحاصلة بالجماع الأول بالغسل، ويشك في بقاء الجنابة حال الجماع الثاني، لاحتمال حدوثه بعد الغسل، وحيث إنّه يعلم بجنابته حين الجماع الثاني ويشك في ارتفاعها، فلا مانع من استصحابها.
مثال الثاني: ما إذا لم يعلم بوجود فردين، ولكنّه يعلم بعنوانين يحتمل انطباقهما على فردٍ واحدٍ، كمن رأى في ثوبه منياً واحتمل أنّه من جنابةٍ أخرى غير التي اغتسل منها، فإنّه لا يجري فيه الاستصحاب؛ لأنّ الجنابة المتيقنة قد ارتفعت يقيناً، والجنابة الأخرى مشكوكة الحدوث من الأول، فلا يجريالإستصحاب(٢).
ويرى الباحث: أنّ من المحتمل قوياً أنّ السيد الخوئي قد أفاد هذا القسم من التطبيق الفقهي في المثالين المتقدمين للمحقق الهمداني، ولذا وجّه السيد الخوئي المناقشة المفترضة لهذا القسم على ما أفاده الهمداني في بحثه الفقهي، مع أنّ المحقق
______________________________
* وهو الشيخ محمد رضا بن محمد هادي الهمداني النجفي (ت: ١٣٢٢ه) قال عنه تلميذه السيد محسن الأمين: كان عالماً فقيهاًأصولياً محققاً مدققاً، من أفضل تلاميذ السيد محمد حسن الشيرازي، ظ: أعيان الشيعة: ١/ ١٣٩، ١٤٧.
(١) لم ينسب السيد الخوئي هذا القول لقائله وإنما ذكره بـ: قد يُفصّل في جريان الاستصحاب في هذا القسم، ووجد البحث أنّ صاحب التفصيل هو المحقق الهمداني كما نبّه على ذلك السيد عبد الصاحب الحكيم، ظ: الهمداني، محمد رضا، مصباح الفقيه: ج١ق١ /٢٠٥ والبهسودي، مصباح الأصول: ٣/ ١٢٠و الحكيم، عبد الصاحب، منتقى الأصول، تقريرات أبحاث محمد الحسيني الروحاني: ٦/ ١٨١.
(٢) ظ: الهمداني، محمد رضا، مصباح الفقيه: ج١ق١ /٢٠٥.
( ٢١٧ )
الهمداني قد سبق السيد الخوئي زماناً، مما يعني أنّ منشأ هذا القول هو المحقق الهمداني، وغاية الأمر أنّ السيد الخوئي كانت له الجرأة العلمية في جعل هذا الافتراض قسماً في قبال الأقسام الثلاثة الأخرى في استصحاب الكلي.
مناقشة الخوئي للهمداني
أخذ السيد الخوئي بمناقشة المحقق الهمَداني من خلال جوابين ذكرهما في المقام:
الجواب الأول: إنّه بالإمكان جريان الاستصحاب في الصورتين والفرق المذكور ليس بفارقٍ فيما هو ملاك الاستصحاب من تعلّق اليقين والشك بأمرٍ واحد؛وذلك لأنّ الكلي متيقن حين اليقين بوجود العنوان الثاني، وارتفاعه مشكوك فيه؛ لاحتمال انطباق العنوان الثاني على فرد آخر غير الفرد المرتفع يقيناً، وما ذكره - من أنّ أحد الفردين مرتفع يقيناً والفرد الآخر مشكوك الحدوث - إنّما يقدح في جريان الاستصحاب في الفرد من دون الكلي، لتمامية أركانه من اليقين في الحدوث والشك في البقاء بالنسبة إلى الكلي(١).
ثم يبيّن السيد الخوئي الفرق بين الصورتين، وهو:
في الصورة الأولى -وهي فرض العلم بوجود فردين- يكون وجود الكلي متيقناً حين وجود الفرد الثاني، إما بوجود الفرد الأول أو بوجود الفرد الثاني، وارتفاعه مشكوك فيه؛ لاحتمال كون وجوده بوجود الفرد الثاني، فيجري الاستصحاب في الكلي.
أما في الصورة الثانية، فإنّه لا علم فيها إلا بوجود فردٍ واحدٍ وهو متيقن الارتفاع، والفرد الآخر مشكوك الحدوث والأصل عدمه، فالشك في بقاء الكلي مسبّب عن الشك في حدوث الفرد الآخر، وهو مدفوع بالأصل، فلا مجال لاستصحاب الكلي؛ لكونه مرتفعاً بالتعبّد الشرعي(٢).
الجواب الثاني: إنّ منشأ الشك في بقاء الكلي ليس هو الشك في حدوث الفرد الآخر، بل منشأه هو الشك في أنّ الحدوث بهذا العنوان هل هو الفرد المرتفع يقيناً أو غيره؟ فالشك في بقاء الجنابة في المثال نشأ من الشك في أنّ الجنابة الموجودة حال خروج المني المرئي في الثوب هل هي الجنابة التي قد ارتفعت، أو أنّها غيرها؟ ولا يجري أصل يرتفع به الشك في بقاء الكلي، فضلاً عن بقاء الكلي ليس من الآثار الشرعية لحدوث فردٍ آخر ليحكم بعدم بقائه بأصالة عدم حدوث فردٍ آخر. وعليه فلا مانع من جريان استصحاب بقاء الكلي(٣).
ومما تجدر الإشارة إليه أنّ جواب السيد الخوئي المتقدم هو بناءً على ما ذهب إليه الرجل الهمداني من أنّ الكلي الطبيعي له وجود في الخارج منحاز عن وجود
______________________________
(١) ظ: البهسودي، مصباح الأصول: ٣/ ١٢٠.
(٢) ظ: المصدر نفسه: ٣/ ١٢٠.
(٣) ظ: المصدر نفسه: ٣/ ١٢١.
( ٢١٨ )
أفراده، وأنّ نسبته إليها نسبة الأب الواحد إلى أبنائه*، لا نسبة الآباء إلى الأبناء -أي أنّ الكلي الطبيعي لا وجود له إلا بوجود أفراده بالعرض، ففي كل فردٍ حصة منه- على ما هو المعروف بين المحققين(١).
رابعاً: نقض مفترض
تعرّض السيد الخوئي إلى إشكال مقدّر قد يرد في محل الكلام وهو: ربما يقال: بعدم جريان الاستصحاب في هذا القسم من أقسام استصحاب الكلي، نظراً إلى أنّه لابد في جريان الاستصحاب من إحراز صدق عنوان نقض اليقين بالشك على رفع اليد عن اليقين السابق، وفى المقام لم يحرز هذا، لأنّه بعد اليقين بارتفاع الفرد المتيقن واحتمال انطباق العنوان الآخر عليه، يحتمل أنْ يكون رفع اليد عن اليقين به من نقض اليقين باليقين، فلا يمكن التمسك بحرمة نقض اليقين بالشك، فإنّه من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية(٢).
جواب النقض
بيّن السيد الخوئي: إنّ احتمال الانطباق إنّما هو في نفس العنوان لا بوصف أنّه متيقن، فإنّه بهذا الوصف يستحيل انطباقه على الفرد الأول بالضرورة، ففي المثال المتقدم إنّما يحتمل انطباق نفس عنوان المتكلم على زيد، إلا أنّه بوصف أنّه متيقن لا يحتمل أنْ ينطبق عليه، فبعد اليقين بوجود المتكلم في الدار لا يرتفع هذا اليقين باليقين بخروج زيدٍ عنها، بل الشك في بقائه فيها موجود بالوجدان، فلا مانع من جريان الاستصحاب فيه.
وبالجملة الشبهة المصداقية غير متصورة في الأصول العملية؛ لأنّ موضوعها اليقين والشك، وهما من الأمور الوجدانية: فإما أنْ يكونا موجودين أو لا، فلا معنى لاحتمال اليقين واحتمال أنْ يكون رفع اليد من اليقين السابق من نقض اليقين باليقين.
ونظير المقام ما إذا علمنا بموت شخص معين، واُحتمل أنّه هو المجتهد الذي نقلده، فهل يصح أنْ يقال: إنّه لا يمكن جريان استصحاب حياة المجتهد لاحتمال أنْ يكون هذا الشخص الذي تيقنا بموته منطبقاً عليه، فنحتمل أنْ يكون رفع اليد عن اليقين بحياته من نقض اليقين باليقين، مع أنّ اليقين بحياة المجتهد والشك في
______________________________
* وهي مقولة الرجل الهمداني الذي صادف ابن سينا وجرى بينهما الحديث عن تشخّص الكلي الطبيعي، ظ: الشيرازي، صدر الدين محمد، الحكمة المتعالية: ٧/٢٨٦.
(١) ظ: العراقي، ضياء، مقالات الأصول: ١/ ٧٤ والهاشمي، محمود، بحوث في علم الأصول: ٦/٢٣٨ والطباطبائي، محمد حسين، بداية الحكمة: ٧٧ واللنكرودي، محمد حسن، جواهر الأصول، تقريرات أبحاث روح الله الخميني: ١/٩٩ والمظفر، محمد رضا، أصول الفقه: ٤/٣٢٢.
(٢) ظ: البهسودي، مصباح الأصول: ٣/ ١٢١.
( ٢١٩ )
بقائها موجودان بالوجدان، فكما لا مانع من جريان الاستصحاب فيها لتمامية أركانه، فكذا في المقام بلا فرق بينهما(١).
ويرى الباحث: أنّ هذا النقض يُحتمل قوياً قد أفاده السيد الخوئي من الإشكال الذي أثاره المحقق العراقي على القسم الثاني من استصحاب الكلي، والذي أعرض عن ذكره السيد الخوئي، فقد قال المحقق العراقي: (نعم في القسم الثاني من الكلي شبهة أخرى في جريانه وهي: إنّ المحتمل أنْ يكون اليقين السابق في ضمن ما هو مقطوع الزوال رأساً، ومع ذلك فيحتمل أنْ يكون انتقاض اليقين السابق بيقين آخر، ومع ذلك الاحتمال لا يبقى مجال لشمول عموم حرمة النقض بالشك ووجوب نقضه بيقين آخر؛ لأنّه من قبيل التمسك بالعام في الشبهة المصداقية لنفسه لا لمخصصه المنفصل عنه)(٢).
______________________________
(١) ظ: البهسودي، مصباح الأصول: ٣/ ١٢١.
(٢) مقالات الأصول: ٢ / ٣٨٠.
( ٢٢٠ )
يتضمن هذا المبحث أبرز التطبيقات الفقهية للسيد الخوئي في مباحثالإستصحاب، وهي:
١- عدم جريان استصحاب حجية فتوى المجتهد الميت
ذهب السيد الخوئي إلى عدم جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية، ومن موارده التطبيقية عدم جريان استصحاب حجية فتوى المجتهد الميت:
فمن الأدلة التي تمسك بها الفقهاء لإثبات جواز البقاء على تقليد الميت هو الاستصحاب، أي استصحاب حجية فتوى الميت قبل موته، فهناك يقين بالحجية الفعلية، وشك في بقائها، والمستصحب هو الحكم الظاهري.
واستصحاب حجية فتوى المجتهد الميت على مسلك المشهور مما لا شبهة فيه، نعم على ما سلكه السيد الخوئي -من عدم جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية- لا يمكن التمسك بالاستصحاب في المقام لإثبات الجواز؛ لأنّ الشبهة حكمية؛ إذ الشك في أنّ الشارع هل جعل الحجية الفعلية مطلقة أو جعلها مقيدة بالحياة، فيكون استصحاب بقاء الحجية معارضاً باستصحاب عدم جعل الحجية لفتوى الميت زائداً على القدر المتيقن وهو حال الحياة.
وينبغي الإشارة إلى أنّ السيد الخوئي وإنْ الاستصحاب المتقدم لكون الشبهة حكمية، ولكنه اعتمد على الأدلة الأخرى المذكورة في المسألة من الإطلاقات* والسيرة العقلائية لإثبات جواز البقاء على تقليد الميت(١).
٢- إذا لم يستبريء المكلف وخرجت منه رطوبة مشتبهة بين البول والمني
ذهب السيد اليزدي إلى أنّ المكلف إذا بال ولم يستبري ثم خرجت منه رطوبة مشتبهة بين البول والمني يُحكم عليه بأنّها بول، فلا يجب عليه الغسل، بخلاف ما إذا خرجت منه بعد الاستبراء، فإنّه يجب عليه الاحتياط بالجمع بين الوضوء والغسل، وأما إذا خرجت منه قبل أنْ يتوضأ فلا يبعد جواز الاكتفاء بالوضوء؛
______________________________
* كإطلاق آية النفر ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾التوبة١٢٢، التي تدل بإطلاقها على أنّ إنذار الفقيه حجة مطلقاً سواء أكان حياً عند العمل به أم لم يكن، وغيرها من المطلقات، ظ: الغروي، علي، التنقيح في شرح العروة الوثقى، كتاب الاجتهاد والتقليد: ١١٠.
(١) ظ: المصدر نفسه: ١٠٩.
( ٢٢١ )
لأنّ الحدث الأصغر معلوم، ووجود موجب الغسل غير معلوم، فمقتضى الاستصحاب وجوب الوضوء وعدم وجوب الغسل(١).
ووافق السيد الخوئي ما ذكره السيد اليزدي من الحكم(٢)، مضيفاً بأنّه:
قد يقال: إنّ المقام من موارد استصحاب كلّي الحدث وهو من استصحاب القسم الثاني من أقسام استصحاب الكلي بناء على أنّ الحدث الأكبر والأصغر متضادان بحيث لو طرء أحد أسباب الأكبر أرتفع الأصغر وثبت الأكبر مكانه؛ وذلك لأنّ الحدث بعد ما توضأ المكلف في مفروض المسألة مردد بين مقطوع البقاء ومقطوع الارتفاع؛ لأنّ الرطوبة المرددة على تقدير أنْ يكون بولاً واقعاً فالحدث مقطوع الارتفاع وعلى تقدير أنْ تكون منياً كذلك فهو مقطوع البقاء ومقتضى استصحاب الحدث الجامع بينهما المتيقن وجوده قبل الوضوء بقاء الحدث ومعه يجب عليه الغسل بعد الوضوء حتى يقطع بارتفاع حدثه الثابت بالاستصحاب.
نعم إذا بنينا على أنّ الحدث الأكبر والأصغر فردان من الحدث وهما قابلان للاجتماع أو أنّ الأكبر مرتبة قوية من الحدث، وإذا طرأت أسبابه تبدلت المرتبة الضعيفة بالقوية فلم يجر استصحاب كلّي الحدث؛ لأنّه من القسم الثالث من أقسام استصحاب الكلي إذا شك المكلف بعد خروج البلل في أنّ الحدث الأصغر هل قارنه الأكبر أو تبدل إلى مرتبة قوية أو أنّه باق بحاله؟ ومقتضى الأصل حينئذٍ إنّ الأصغر لم يحدث معه فرد آخر وأنّه باقٍ بحاله ولم يبدل إلى مرتبة قوية ومعه لا يجب عليه الغسل بعد الوضوء، هذا والصحيح ما أفاده السيد اليزدي؛ وذلك لأنّ الاستصحاب إنّما يجري في الكلي الجامع إذا لم يكن هناك أصل حاكم عليه كما إذا لم يكن المكلف متوضئاً في مفروض الكلام. وأما معه فلا مجال لاستصحاب الجامع لتعيّن الفرد الحادث والعلم بأنّه من أيّ القبيلين تعبداً(٣).
وتوضيح السيد الخوئي لكبرى المسألة وتطبيقها على المقام: إنّ المستفاد من قوله عزّ من قائل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ...﴾(٤) أنّ الوضوء إنّما هو وظيفة غير الجُنب؛ لأنّه مقتضى التفصيل الوارد في الآية المباركة. وكذا الحال في الأخبار لما ورد من أنّ غسل الجنابة ليس قبله ولا بعده وضوء(٥)، فعلمنا من ذلك أنّ الأدلة القائمة على وجوب الوضوء للمحدث مقيدة بغير الجُنب؛ لأنّ غسل الجنابة لا يبقي مجالا للوضوء، وحيث إنّ المكلف في مفروض المسألة لم يكن متوضئاً قبل خروج الرطوبة المشتبهة وهو شاك في جنابته لاحتمال أنْ تكون الرطوبة بولاً واقعاً فمقتضى الاستصحاب عدم جنابته فهو محدث بالوجدان وليس جنباً بالاستصحاب فيحكم
______________________________
(١) ظ: محمد كاظم، العروة الوثقى: ١/٣٤٢.
(٢) ظ: الغروي، علي، التنقيح في شرح العروة الوثقى، كتاب الطهارة: ٣/ ٤٤٦.
(٣) ظ: المصدر نفسه: ٣/ ٤٤٦ - ٤٤٧.
(٤) المائدة: ٦.
(٥) ظ: الحر العاملي، وسائل الشيعة: ٢/٢٤٦.
( ٢٢٢ )
فعليه بوجوب الوضوء؛ لتحقق موضوعه بضمّ الوجدان إلى الأصل. ومع استصحاب عدم الجنابة لا مجال لاستصحاب كلي الحدث لأنّه أصل حاكم رافع للتردد والشك فإنّ مقتضاه أنّ المكلف لم يجنب بخروج البلل وأنّ حدثه الأصغر باقٍ بحاله.
بل يمكن أنْ يقال: إنّ الرطوبة المشتبهة ليست بمني وذلك ببركة الاستصحاب الجاري في الإعدام الأزلية ولا يعارضه استصحاب عدم كونها بولا؛ إذ المكلف محدث بالأصغر على الفرض ولا أثر للبول بعد الحدث حتى ينفى كونه بولاً ولا يفرق الحال فيما ذُكر بين أنْ يكون الأكبر والأصغر متضادين أو قلنا إنّهما قابلان للاجتماع أو أنّ الأكبر مرتبة قوية من الحدث والأصغر مرتبة ضعيفة؛ وذلك لأنّ مقتضى الأصل عدم حدوث الجنابة وعدم اقتران الحدث الأصغر بالأكبر وعدم تبدّله إلى المرتبة القوية من الحدث، فما أفاده السيد اليزدي من أنّ المكلف إذا لم يكن متوضئا وخرجت منه الرطوبة المشتبهة فلا يبعد جواز الاكتفاء بالوضوء وعدم وجوب الجمع بينه وبين الغسل معللاً بأنّ الحدث الأصغر معلوم ووجود موجب الغسل غير معلوم ومقتضى الاستصحاب وجوب الوضوء وعدم وجوب الغسل هو الصحيح*(١).
٣- عدم جريان استصحاب الكلي للأصل السببي الحاكم عليه
ذكر السيد الخوئي في بحثه الأصولي(٢) نموذجاً تطبيقياً لعدم جريان استصحاب الكلي بسبب حكومة الأصل السببي عليه وهو: ما إذا شك في كون نجسٍ بولاً أو عرق كافر مثلاً، فتنجّس به شيء، فغسل مرةً واحدة، فلا محالة نشك في بقاء النجاسة وارتفاعها على تقدير اعتبار التعدد في الغسل في طهارة المتنجسبالبول، إلا أنّه مع ذلك لا نقول بجريان الاستصحاب في كلي النجاسة ووجوب الغسل مرة ثانية؛ لأنّه تجري أصالة عدم كون الحادث بولاً فنحكم بكفاية المرة؛ للعمومات الدالة على كفاية الغسل مرة واحدة وخرج عنها البول بأدلةخاصة(٣)، ومن الواضح أنّ الأصل السببي هنا هو أصالة عدم كون الحادث بولاً.
______________________________
* هو الصحيح في محل خبرٌ لما أفاده.
(١) ظ: الغروي، علي، التنقيح في شرح العروة الوثقى، كتاب الطهارة: ٣/ ٤٤٧- ٤٤٨.
(٢) ظ: البهسودي، مصباح الأصول: ٣/١٠٦.
(٣) كما في الرواية عن الحسين بن علاء قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام): عن البول يصيب الجسد؟ قال: صب عليه الماء مرتين، ظ: الكليني، محمد بن يعقوب، الفروع من الكافي: ٣/٢٠.
( ٢٢٣ )
٤- طهارة دم الإنسان المنتقل إلى جوف البق والقمل
إنّ النجس كدم الإنسان أو غيره مما له نفس سائله* قد ينتقل إلى حيوان طاهر ليس له لحم ولا دم سائل كالبق والقمل أو أنّ له لحماً ولا نفس سائلة له كالسمك على نحو تنقطع إضافته الأولية عن المنتقل عنه وتتبدل إلى إضافة ثانوية إلى المنتقل إليه بحيث لا يقال: إنّه دم إنسانٍ مثلا بل دم بق أو سمكة ونحوها؛ لصيرورته جزءً من بدنهما بالتحليل بحيث لا يمكن إضافته إلى الإنسان إلا على سبيل العناية والمجاز، فالدم وإنْ كان هو الدم الأول بعينه إلا أنّ الإضافة إلى الإنسان في المثال تبدلت بالإضافة إلى البق أو السمكة فهو ليس من الاستحالة في شيء؛ لأنّه يُعد في الاستحالة تبدل الحقيقة النوعية إلى حقيقة أخرى مغايرة مع الأولى والحقيقة الدموية لم تتبدل بحقيقة أخرى في المثال بل تبدلت إضافته فحسب ولا إشكال حينئذ في الحكم بطهارة ذلك النجس؛ لأنّه دم حيوان لا نفس له ومقتضى عموم ما دل على طهارة دمه أو إطلاقه هو الحكم بطهارته.
وبيّن السيد الخوئي أنّه لو ثبتت نجاسة دم المنتقل عنه وطهارة دم المنتقل إليه بالعموم فهما متعارضان ومعه لا بدّ من الرجوع إلى مرجّحات باب التعارض كموافقة الكتاب وغيرها إنْ وجدت وإلا فيحكم بالتخيير بينهما، وأما على المسلك المختار: فلا مناص من الحكم بتساقطهما والرجوع إلى الأصل العملي وهو استصحاب نجاسة الدم المتيقنة قبل الانتقال وهذا هو المعروف عندهم إلا أنّه يبتني على جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية؛ لأنّه مبتلى بالمعارض دائماً؛ إذ أنّ استصحاب نجاسة الدم قبل الانتقال معارض باستصحاب عدم جعل النجاسة عليه زائداً على القدر المتيقن وهو الدم ما لم ينتقل، ومعه تصل النوبة إلى قاعدة الطهارة، وبها يحكم على طهارة الدم في مفروض الكلام(١).
٥- عدم جواز النظر إلى العضو المبان من الحي
ذكر السيد اليزدي أنّه لا يجوز النظر إلى العضو المبان من الأجنبي مثل اليد، والأنف، واللسان ونحوها، لا مثل السن والظفر والشعر ونحوها(٢).
وبيّن السيد الخوئي: أنّه اُستدل له باستصحاب عدم الجواز الثابت قبل الانفصال حيث إنّ الاتصال والانفصال من الحالات الطارئة المتبادلة على الموضوع فلا يكون تبدلها مخلاً بالموضوع؛ ولذا جاز استصحاب ملكية الجزء المقطوع من المملوك.
وقد نوقش الاستصحاب المدّعى في المقام من السيد الخوئي بمناقشتين:
______________________________
* النفس السائلة: الدم الذي يجتمع في العروق ويخرج بقوة ودفع إذا قُطع شيء منها، ومقابله ما لا نفس له أي الذي يخرج رشحاً كدم السمك، ظ: مركز المعجم الفقهي، المصطلحات: ١١٢٨.
(١) ظ: الغروي، علي، التنقيح في شرح العروة الوثقى، كتاب الطهارة: ٣/٢١٨.
(٢) ظ: العروة الوثقى: ٥/ ٤٩١.
( ٢٢٤ )
أولا: ما ذكره الشيخ الأنصاري من تعدد الموضوع؛ إذ كان موضوع عدم الجواز هو المرأة الأجنبية، وهو غير صادق على العضو المبان فلا يجري فيه الاستصحاب ويكفي في عدم جريانه الشك في بقاء الموضوع(١).
ثانيا: إنّ المورد من موارد الاستصحاب في الشبهات الحكمية، وقد ثبت أنّه لا يجري، وعليه فالحكم على تقدير ثبوته مبني على الاحتياط(٢).
وأشار السيد الخوئي إلى أنّ الفرق بين الشعر واليد -بأنْ نقول بجواز النظر إلى الشعر ونحوه، بخلاف اليد ونحوها فلا يجوز النظر إليها- لم يظهر له وجه؛ وذلك لأنّه لا مجال لدعوى انصراف أدلة عدم الجواز عنه وإنْ لم يكن ذلك بعيداً في مثل الظفر، والسن. وعليه فإنّ قلنا بجريان الاستصحاب في مثل اليد، وغيرها من الأجزاء المبانة كان لازمه عدم جواز النظر إلى الشعر أيضا، فكونه من التوابع لا يمنع من جريانه فيه؛ لأنّ التبعية من الحالات الطارئة وليست من مقومات الموضوع(٣).
٦- عدم استصحاب مشروعية غسل يوم الجمعة في ليلة السبت
من الأدلة التي ذُكرت لإثبات مشروعية غسل يوم الجمعة في ليلة السبت هو استصحاب المشروعية؛ وذلك للقطع بها يوم الجمعة فلو شككنا في بقائها وارتفاعها ليلة السبت فنستصحب بقاءها.
وقد ناقش السيد الخوئي هذا الاستصحاب بمناقشتين، بما نصّه: (أولا: إنّه من استصحاب الحكم الإلهي الكلي ونحن نمنع جريانه فيه. وثانياً: إنّه من قبيل الاستصحاب الجاري في القسم الثالث من الكلي لأنّ المشروعية الثابتة يوم الجمعة إنّما كانت ثابتة في ضمن الأداء وهي قد ارتفعت قطعاً ونشك في أنّه هل وجد فرد آخر من المشروعية وهي المشروعية قضاءً وعدمه مقارناً لارتفاع الفرد الأول وهو مما لا يلتزم به القائل بجريان الاستصحاب في الأحكام)(٤).
٧- استحالة نجس العين والمتنجس مطهّرة لهما
من المطهرات هو الاستحالة وهي تبدّل حقيقة الشيء وصورته النوعية إلى صورة أخرى، وهي تطهّر النجس والمتنجّس(٥).
فقد بيّن السيد الخوئي إنّ الدليل على مطهرية الاستحالة هو أنّ بها يتحقق موضوع جديد غير الموضوع المحكوم بنجاسته؛ لأنّه انعدم وزال والمستحال إليه
______________________________
(١) ظ: مرتضى، كتاب الطهارة: ٢/٣٤١.
(٢) ظ: البهسودي، مصباح الأصول: ٣/٣٧ - ٣٩.
(٣) ظ: الخوئي، محمد تقي، مباني العروة الوثقى، كتاب النكاح: ١/ ١١١ - ١١٣.
(٤) الغروي، علي، التنقيح في شرح العروة الوثقى، كتاب الطهارة: ٩/٢١٨.
(٥) ظ: اليزدي، محمد كاظم، العروة الوثقى: ١/٢٦٧.
( ٢٢٥ )
موضوع آخر، فلا بدّ من ملاحظة أنّ ذلك الموضوع المستحال إليه هل تثبت طهارته بدليل اجتهادي أو لا؟ فعلى الأول تثبت طهارته بعين ذلك الدليل، وعلى الثاني يحكم بطهارته أيضاً لقاعدة الطهارة؛ لأنه مشكوك الحكم ولم تثبت نجاسته ولا طهارته بدليل.
والنجاسة في الأعيان النجسة إنّما ترتبت على الصورة النوعية وعناوينها الخاصة، فالدم مثلاً بعنوان أنّه دم نجس، كما أنّ العذرة بعنوانها محكومة بالنجاسة، ومع تبدّل الصورة النوعية وزوال العناوين الخاصة ترتفع نجاستها؛ لانعدام موضوعها، ولم تترتب النجاسة في الأعيان النجسة على مادة مشتركة بين المستحال منه والمستحال إليه، أو على عنوان الجسم مثلاً ليدعى بقاء نجاستها بعد استحالتها وتبدلها بصورة نوعية اُخرى لبقاء موضوعها، فإذا شككنا في استحالة الطين خزفاً، أو استحالة الخشب فحماَ وعدمها فلا مانع من التمسك باستصحاب عدم الاستحالة؛ لتعلّق الشك حينئذٍ بعين ما تعلّق به اليقين واتحاد القضيتين المتيقنة والمشكوكة، وبذلك يحكم بنجاسته(١)، ولا مانع من جريان الاستصحاب في الشبهات الموضوعية عند السيد الخوئي.
٨- وجوب رد السلام إذا شك المصلي في صدق الجواب
ذكر السيد محمد كاظم اليزدي ما نصّه: (يجب جواب السلام فوراً فلو أخّر عصياناً أو نسياناً بحيث خرج عن صدق الجواب لم يجب، وإنْ كان في الصلاة لم يجز وإنْ شك في الخروج عن الصدق وجب. وإنْ كان في الصلاة لكن الأحوط حينئذ قصد القرآن أو الدعاء)(٢).
ومن الواضح أنّ وجوب رد السلام فوري وإنْ كان المكلف في حالة الصلاة؛ لأنّه من مقتضيات الرد عرفاً حتى يتحقق الارتباط بها بحيث يُعد جواباً لها، ولكن إذا شك المصلي في صدق الجواب عرفاً، فهنا أفتى السيد اليزدي بوجوب الرد استناداً إلى استصحاب بقاء الوقت وعدم الخروج عن صدق الرد.
وقد علّق السيد الخوئي على ما تقدم بأنّه: لا يتم سواء أكانت الشبهة مفهومية بأن تردد الوقت الذي ينتفي الصدق معه بين الأقل والأكثر، أم كانت موضوعية بأن علمت الكمية وأنّها دقيقة واحدة - مثلا وشك في انقضائها وعدمه.
أما الشبهات المفهومية فلعدم جريان الاستصحاب فيها؛ لعدم الشك في بقاء شيء أو ارتفاعه، بل في سعة المفهوم وضيقه وهو خارج عن نطاق الأصل ومفاده ولا يكاد يرتبط به.
وأما الشبهات الموضوعية فلأجل أنّ أصالة بقاء الوقت لا يترتب عليها صدق عنوان الرد الذي هو الموضوع للحكم إلا بنحو الأصل المثبت لكونه من لوازمه
______________________________
(١) ظ: الغروي، علي، التنقيح في شرح العروة الوثقى، كتاب الطهارة: ٣/١٧١- ١٧٤.
(٢) العروة الوثقى: ٣/٢١.
( ٢٢٦ )
العقلية، فلا يقاس ذلك باستصحاب بقاء النهار لإثبات وجوب الصلاة أوالصيام؛ لأنّهما مترتبان عليه شرعاً، وأما أصالة بقاء صدق الرد فهو من الاستصحاب التعليقي كما لا يخفى.
إذن فوجوب الرد في المقام مبني على الاحتياط، ومقتضى الصناعة الأصولية عدمه، وعليه فمقتضى الاحتياط الرد والإتمام ثم إعادة الصلاة أما الأول -أي الاحتياط في الرد- فلاحتمال وجوبه، وأما الثاني -أي الاحتياط بالإتمام- فلاحتمال حرمة القطع وأما الثالث -أي إعادة الصلاة- فلاحتمال بطلان الصلاة بكلام الآدمي، مع أنّ قصد القرآن أو الدعاء لا ينفع في حصول الاحتياط(١).
٩- وجوب قضاء الصلاة اليومية الفائتة عمداً أو سهواً أو جهلاً
تعرّض السيد الخوئي إلى ما يقتضيه الأصل العملي عند الشك في وجوب القضاء وذكر أنّ المعروف بين الفقهاء هو أنّ القضاء إنّما هو بأمر جديد، متعلق بعنوان الفوت*، ولا يكاد يتكفل باثباته نفس الأمر الأول، فإنه متقيد بالوقت الخاص، فيسقط -لا محالة- بخروج الوقت، فإذا شك في ثبوت الأمر الجديد كان مقتضى الأصل البراءة عنه(٢). إلا أنه ربما يتمسك لبقاء الأمر الأول بعد خروج الوقت بالاستصحاب بدعوى: إنّ خصوصية الوقت تعد -بنظر العرف- من الحالات المتبادلة، لا من مقومات الموضوع، بحيث يكون الشك في ثبوت الحكم بعد خروج الوقت شكاً في بقاء الحكم الأول واستمراره، ولا ريب في أنّ المدار في اتحاد القضية المتيقن بها والمشكوك فيها - هو نظر العرف.
وناقش السيد الخوئي الاستصحاب المدعى في المقام بأنه يرد عليه ما يأتي:
أولا: إنّ الاستصحاب لا يجري في الشبهات الحكمية.
وثانيا: إنّه على فرض التسليم، فهو غير جارٍ في خصوص المقام لكونه من القسم الثالث من استصحاب الكلي، ولا نقول به، فإن الوجوب الثابت في الوقت قد ارتفع بخروجه قطعا؛ لأنّه كان محدوداً بزمان خاص على الفرض، والظاهر من الدليل هو كون الفعل مطلوباً في الزمان الخاص بنحو وحدة المطلوب، فينتهي الحكم -لا محالة- بانتهاء أمده، حتى مع تسليم كون الوقت بنظر العرف من قبيل الحالات المتبادلة من دون المقومات، فلا معنى لجريان الاستصحاب حينئذ، إلا إجراؤه في كلي الوجوب المحتمل بقاؤه في ضمن فردٍ آخر حدث مقارناً لارتفاع الفرد الأول، أو قارنه في الوجود، لكنّه - على كلا التقديرين - غير مقطوع الثبوت. ولا حجية لهذا القسم من استصحاب الكلي.
______________________________
(١) ظ: البروجردي، مرتضى، مستند العروة الوثقى، كتاب الصلاة: ٤/ ٤٩٩ - ٥٠٠.
* أي فوت مصلحة إتيان الصلاة في الوقت المختص بها.
(٢) ظ: العلّامة الحلي، الحسن بن يوسف، تذكرة الفقهاء: ٤/٤٠٨ ومختلف الشيعة: ٣ / ١٠ والعاملي، محمد بن جمال الدين مكي (الشهيد الأول)، ذكرى الشيعة: ٣/٤٩ والحلي، ابن فهد، المهذب البارع: ١/٤٥٧.
( ٢٢٧ )
وثالثا: إنّه على فرض تسليم عدم ظهور الدليل في وحدة المطلوب وتسليم كون الوقت من قبيل الحالات المتبادلة -بحسب الفرض- فالاستصحاب إنّما يتجه على القسم الثاني من أقسام استصحاب الكلي؛ نظراً إلى أنّ الوجوب في الوقت إذا كان بنحو وحدة المطلوب فقد ارتفع بخروج الوقت قطعاً، وإذا لم يكن كذلك، بل كان على نحو تعدد المطلوب، فهو باقٍ قطعاً، فيدور الأمر في الوجوب المذكور بين مقطوع الارتفاع ومقطوع البقاء، والاستصحاب في هذا القسم وإنْ كان جارياً في نفسه بأنْ يستصحب الكلي الجامع بين الفرد القصير والفرد الطويل. إلا أنّه لا يكاد يجري في خصوص المقام؛ وذلك للأصل الحاكم عليه، وهو أصالة عدم تعلق الوجوب بالطبيعي الجامع بين المأتي به في الوقت وخارجه، فإنّ المتيقن به من الجعل إنّما هو إيجاب الصلاة المقيدة بالوقت، سواء أكان ذلك بنحو وحدة المطلوب أم على سبيل التعدد فيه حيث أنّ القائل بتعدد المطلوب أيضا يرى وجوب الصلاة المقيدة بالوقت أحد المطلوبين والمفروض تسالم الطرفين على ارتفاع هذا الوجوب بعد خروج الوقت، فلا يكون بقاؤه مشكوكا فيه، كي يجري استصحابه بنفسه، أو استصحاب الكلي الموجود في ضمنه، وأما الزائد على هذا المقدار - أي تعلق الوجوب بالطبيعي المطلق الشامل لما بعد خروج الوقت - فهو مشكوك الحدوث من الأول، وحينئذ فيتمسك في نفيه بالاستصحاب أو أصالة البراءة عنه، ومع وجود هذا الأصل الحاكم المنقّح للموضوع، والمبيّن لحال الفرد، لا تصل النوبة إلى استصحاب الكلي.
إذن الفارق بين المقام وبين سائر موارد القسم الثاني من استصحاب الكلي، كالزوجية المرددة بين الدوام والانقطاع أو دوران الأمر بين الحدث الأصغر والأكبر، وغيرهما من موارد الدوران بين الفرد القصير والطويل، يتلخّص في: أنّ الفردين المرددين في تلك الموارد يعدّان -بنظر العرف- متباينين وحينئذٍ فلا يوجد هناك أصل يتكفل بتعيين أحدهما؛ فإنّ استصحاب عدم كل منهما يعارضه استصحاب عدم الآخر، وهذا بخلاف المقام؛ إذ يدور الأمر فيه بين الأقل والأكثر فإنّ الأصل المنقّح لأحد الفردين - وهو أصالة عدم وجود الزائد على القدر المتيقن به - موجود ولا يعارض هذا أصالة عدم تعلق التكليف بالمتقيد بالوقت، لكونه متيقن به بحسب الجعل على كل تقدير، وأنّه من المتفق عليه بين الطرفين.
فتحصل من ذلك: سقوط الاستصحاب في المقام، فيكون المرجع -عندئذ- أصالة البراءة عن القضاء(١).
١٠- الأسير والمحبوس إذا لم يتمكنا من تحصيل العلم بشهر رمضان
ذهب المشهور إلى الأسير والمحبوس يعملان بالظن ومع عدمه تخيرا في كل سنة بين الشهور فيعيّنان شهراً له؛ لعدم إمكان الاحتياط للتعذّر أو للعسر والحرج(٢).
______________________________
(١) ظ: البروجردي، مرتضى، مستند العروة الوثقى، كتاب الصلاة: ج٥ ق١/ ٧٧- ٨٠.
(٢) ظ: العلّامة الحلّي، الحسن بن يوسف، تذكرة الفقهاء: ٦/١٤٣.
( ٢٢٨ )
خالف السيد الخوئي رأي المشهور بالقول بالتخيير وأنّه ينبغي عليه الاقتصار في الإفطار بما ترتفع به الضرورة، فلو ارتفعت الضرورة بالإفطار في خمسة أشهر أو ستة مثلاّ لزمه الصيام في الباقي؛ عملاً بالعلم الإجمالي المنجّز(١).
وذكر السيد الخوئي أنّه قد يقال في مفروض الكلام: بعدم وجوب الصيام إلى أنّ يتيقن بدخول شهر رمضان عملا بالاستصحاب وبعد اليقين المذكور يجب الصوم أخذا باستصحاب بقاء الشهر إلى أنْ يتم، فلأجل هذا الأصل الموضوعي الحاكم يسقط العلم الإجمالي عن التنجيز.
وقد رد السيد الخوئي هذا الافتراض بأنّه: لا مجال للاستصحاب المزبور -أي استصحاب بقاء شهر رمضان بعد اليقين بدخوله- لاندراج المقام في كبرى تحقق الحالتين السابقتين المتضادتين مع الشك في المتقدم منهما والمتأخر المحكوم فيها بتعارض الاستصحابين، فإنه إذا علم بدخول شهر رمضان ولم يعلم أنّه دخل في هذا اليوم مثلا حتى يبقى إلى شهر أو أنّه قد دخل قبل ذلك وانصرم فهو يعلم بأنّ أحد الشهرين السابقين على زمان اليقين لم يكن من شهر رمضان غير أنّه لم يميّز المتقدم منهما عن المتأخر ولم يدر أنّ ذاك هل هو العدم السابق عليهما أو غيره، وكما ساغ له استصحاب بقاء رمضان ساغ له استصحاب عدم الخروج من ذاك الزمان فيتعارضان بطبيعة الحال.
وبعبارة أخرى: إنْ العدم الأزلي السابق عليهما قد انتقض بالعلم بدخول رمضان جزماً وأما العدم المعلوم كونه من أحد الشهرين المتقدمين المردد بين أنْ يكون هو العدم الأزلي الزائل - فيما لو كان دخول شهر رمضان بعده - أو عدماً حادثاً باقياً إلى الآن - لو كان دخول الشهر قبله - فهو قابل للاستصحاب الذي هو من سنخ استصحاب القسم الرابع من أقسام استصحاب الكلي، فنقول مشيراً إلى ذاك الزمان إنّا كنا على يقينٍ من عدم رمضان والآن كما كان، وبعد تعارض الاستصحابين كان المتّبع العلم الإجمالي الذي مقتضاه الاحتياط والعمل على طبقه بقدر الإمكان، وذلك: من أجل أنّ وجود شهر رمضان بعد ذلك مشكوك فيه والمرجع فيه هو أصالة البراءة، لكنّها معارضة باستصحاب عدم دخوله إلى زمان اليقين به فيتساقطان، ومعه لم يكن بدٌ من الاحتياط إلى أنْ يتيقن بانقضائه(٢).
١١- وجوب الزكاة على السكة إذا كانت من الآثار العتيقة
ذكر السيد الخوئي أنّه إذا كان المسكوك رائج المعاملة ومندرجاً في مسمّى الدرهم والدينار سابقا أما الآن فقد زال العنوان وهجرت المعاملة وسقطت السكة عن درجة الاعتبار إما لتغيير الحكومة أو لغير ذلك من مناشيء الهجر والسقوط فلا
______________________________
(١) ظ: البروجردي، مرتضى، مستند العروة الوثقى، كتاب الصوم: ١/١٢٨.
(٢) ظ: المصدر نفسه: ٢/ ١٢٨ - ١٣١.
( ٢٢٩ )
يعد فعلاً من الأثمان وإنّما يُرغب فيه لمادته أو لأجل كون السكة من الآثار العتيقة.
والمعروف والمشهور حينئذٍ وجوب الزكاة بل اُدّعي عليه الإجماع في كلمات غير واحدٍ(١) وفي الجواهر لم أرَ فيه خلافاً(٢).
ويٌستدل له بوجوه: منها: الاستصحاب فإنّ هذا المسكوك كان يجب فيه الزكاة سابقاً والآن كما كان.
ناقش السيد الخوئي الاستصحابَ المدّعى بما يأتي:
أولا: إنّ الموضوع قد تبدّل إذ لم يكن معروض الوجوب ذات المسكوك بحيث يكون الاتصاف بالدرهم أو الدينار من قبيل تبدل الحالات بل الوصف العنواني دخيل ومقوم للموضوع كما لا يخفى. ومعه لا مجرى للاستصحاب.
ثانيا: إنّ الاستصحاب تعليقي؛ إذ الوجوب لم يكن ثابتاً وفعلياً سابقاً بل معلقاً على تقدير حلول الحول وبقاء العين واستجماع الشرائط العامة فلم يكن حكماً منجزاً ليستصحب ولا نقول بالاستصحاب التعليقي.
ثالثا: إنّ الشبهة حكمية ولا نقول بجريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية مطلقاً من غير فرقٍ بين التنجيزي والتعليقي؛ للمعارضة بين مقام الجعل والمجعول كما حققناه في الأصول(٣).
وقد انتهى السيد الخوئي في ختام بحثه عن هذه المسألة إلى أنّ الأقوى عدم الوجوب وإنْ كان الاحتياط مما لا ينبغي تركه(٤)؛ لعدم تمامية الأدلة في المقام والتي منها الاستصحاب؛ ولو تمت الأدلة لأفتى بالوجوب من دون الاحتياط بعدم الترك.
١٢- لو أفسد المكلف عمرته المفردة بجماع امرأته عالماً عامداً
ذكر السيد الخوئي ما استدل به الشيخ محمد حسن النجفي (ت: ١٢٦٦هـ) على وجوب إتمام العمرة المفردة لو أفسدها المكلف بجماع امرأته عالماً عامداً، وذكر الأدلة على ذلك والتي منها الاستصحاب، بتقريب أنّ قبل الإفساد كان الإتمام واجباً ويشك في ارتفاعه بعد الإفساد فيستصحب(٥).
______________________________
(١) ظ: العلّامة الحلي، الحسن بن يوسف، إرشاد الأذهان: ١/٢٨٢ والنراقي، أحمد بن محمد، مستند الشيعة: ٧/٨٠.
(٢) ظ: جواهر الكلام: ١٥/ ١٨١.
(٣) ظ: البهسودي، مصباح الأصول: ٣/٤٧.
(٤) ظ: البروجردي، مرتضى، مستند العروة الوثقى، كتاب الزكاة:١/ ٢٧٥- ٢٧٦.
(٥) ظ: جواهر الكلام: ٢٠/٣٨٤ والخلخالي، رضا، معتمد العروة الوثقى، كتاب الحج: ٤/ ٨٨- ٨٩.
( ٢٣٠ )
وقد ناقش السيد الخوئي الاستصحاب المدعى في المقام بقوله: (إنّ الإتمام قبل الإفساد إنّما وجب باعتبار صحة العمرة وشمول الآية لها وأما بعد الإفساد تكون العمرة فاسدة فاختلف الموضوع وتعدد فلا يمكن استصحاب حكم موضوعٍ لموضوعٍ آخر على أنّه لا نسلّم جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية كما حققناه مفصلا في المباحث الأصولية*)(١).
ولعدم تمامية الأدلة والوجوه التي ذكرها الشيخ حسن النجفي عند السيد الخوئي تجد أنّه قال: بالاحتياط في إتمام العمرة المفردة، بينما نجد أنّ الشيخ حسن النجفي أفتى بالوجوب فيها.
١٣- عدم جريان استصحاب حرمة العقد على المرأة قبل طواف النساء
إذا طاف الحاج طواف النساء حلّ له النساء بلا إشكال وإنّما وقع الكلام في المراد بتحريم النساء فهل له جميع الاستمتاعات منها أو خصوص المقاربة. ففي القواعد وشرحها: أنّ المراد بها الوطء وما في حكمه من التقبيل والنظر واللمس بشهوةٍ من دون العقد عليها وإنْ حرم بالإحرام(٢)، وعن الشهيد الأول حرمة العقد عليهن أيضا بل المفهوم منه حرمة الإشهاد(٣).
ورأي السيد الخوئي: أما بالنسبة إلى العقد والإشهاد، فلا ينبغي الريب في الجواز؛ لأنّ المتفاهم من النساء هو الاستمتاعات منهن. فالظاهر جواز العقد له بعد الحلق(٤).
وذكر السيد الخوئي إشكالاً في المقام وهو: إنّ مقتضى الاستصحاب حرمة العقد أيضاً؛ لأنّه قد حرم بالإحرام ونشك في زواله بعد طواف الحج، وقبل طواف النساء والأصل بقائه، وتبيّن للباحث أنّ هذه الدعوى هي للشهيد الثاني(٥).
رد الإشكال
أولا: بأنّه من الاستصحاب في الأحكام الكلية ولا نقول به.
ثانيا: بأنّه يكفي في رفع اليد عن ذلك صحيحة الفضلاء** لقول الإمام الصادق (عليه السلام): (... فإذا قضت المناسك وزارت بالبيت طافت بالبيت طوافاً لعمرتها، ثم طافت
______________________________
* ظ: البهسودي، مصباح الأصول: ٣/٣٦.
(١) الخلخالي، رضا، معتمد العروة الوثقى، كتاب الحج: ٤/ ٨٩.
(٢) ظ: العلّامة الحلي، الحسن بن يوسف، قواعد الأحكام: ١/٤٢٢ والكركي، علي بن الحسين، جامع المقاصد: ٣/١٧٧.
(٣) ظ: العاملي، محمد بن جمال الدين مكي (الشهيد الأول)، الدروس الشرعية: ١/٣٦٨.
(٤) ظ: الخلخالي، رضا، معتمد العروة الوثقى، كتاب الحج: ٥/٣٥١ - ٣٥٢.
(٥) ظ: العاملي، زين الدين الجبعي، مسالك الأفهام: ٢/٣٢٥.
** الفضلاء في هذه الصحيحة هم: أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن أبي عمير، عن حفص بن البختري، عن العلاء بن صبيح وعبد الرحمان بن الحجاج وعلي بن رئاب وعبدالله بن صالح كلهم يروونه عن أبي عبدالله (عليه السلام)، ظ: الحر العاملي، وسائل الشيعة:١٣/٢٣٣.
( ٢٣١ )
طوافا للحج، ثم خرجت فسعت فإذا فعلت ذلك فقد أحلت من كل شيء يحل منه المحرم إلا فراش زوجها، فإذا طافت طوافا آخر*، حلّ لها فراش زوجها)(١)، فإنه يدل على أنه لو طافت طواف الحج وسعت يحل لها كل شيء إلا فراش زوجها المراد به الوطيء خاصة، ولا شك أنّ فراش زوجها لا يشمل العقد ولا الإشهاد عليه قطعاً، مع أنّ حلية العقد بل الاستمتاعات لا تتوقف على طواف الحج وسعيه وأما بالنسبة إلى بقية الاستمتاعات كالتقبيل واللمس بشهوة فلا ريب في شمول النساء كذلك ولكن هذه الصحيحة كالصريحة في أنّ المحرّم هو الجماع خاصة من دون بقية الاستمتاعات؛ فإنّ المراد بفراش زوجها كناية عن المقاربة فإنّها تحتاج إلى الفراش، وأما بقية الاستمتاعات من التقبيل واللمس فلا تحتاج إلى الفراش. ولا شك أنّ مجرد النوم على فراش زوجها غير محرم عليها حتى في حال الإحرام، فالمراد بفراش زوجها هو الوطيء خاصة. وأما حلية بقية المحرمات حتى العقد والاستمتاع بهن بعد الحلق، وعدم توقفها على طواف الحج وطواف النساء فيدل عليه صحيح الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام): (...وطواف بالبيت بعد الحج)(٢).
١٤- منشأ حق الاختصاص حرمة التصرف في مال الغير
بيّن السيد الخوئي أنّه قد قامت السيرة القطعية الشرعية والعقلائية على ثبوت حق الاختصاص والأولوية للمالك في أمواله التي سقطت عن المالية للعوارض والطواريء، كالماء على الشط، والحيوان المملوك إذا مات، والأراضي المملوكة إذا جعلها الجائر بين الناس شرعاً سواء، كالطرق والشوارع المغصوبة؛ لعدم جواز مزاحمة الأجانب عن تصرف الملاك في أمثال تلك الموارد ما لم يثبت الإعراض. وهذا مما لا ريب فيه، وإنّما الكلام في منشأ ذلك الحق، وقد اُستدل عليه بوجوه، أحدها: إنّه قد ثبت في الشريعة المقدسة أنّه لا يجوز لأحد أنْ يتصرف في مال غيره إلا بطيب نفسه، وقد دلت على ذلك السيرة القطعية وجملة من الأخبار(٣)، فإذا زالت الملكية وشككنا في زوال ذلك الحكم كان مقتضى الاستصحاب الحكم ببقائه(٤).
______________________________
* وهو طواف النساء كما في صحيحة معاوية بن عمار: (...وطواف بعد الحج وهو طواف النساء)، المصدر نفسه: ١١/٢١٢، ٢٢١.
(١) المصدر نفسه:١٣/٢٣٣.
(٢) المصدر نفسه: ١١/٢١٨.
(٣) الأخبار هي:
١- عن أبي الحسين محمد بن جعفر الأسدي، قال: كان فيما ورد على من الشيخ أبي جعفر محمد بن عثمان العمري قدس الله روحه في جواب مسائل إلى صاحب الزمان (عليه السلام)، إلى أنْ قال (عليه السلام): وأما ما سألت عنه عن أمر الضياع التي لناحيتنا هل يجوز القيام
بعمارتها وأداء الخراج منها وصرف ما يفضل من دخلها إلى الناحية احتسابا للأجر وتقربا إليكم، فلا يحل لأحد أن يتصرف في مال غيره بغير إذنه، فكيف يحل ذلك في مالنا، من فعل ذلك بغير أمرنا فقد استحل منا ما حرم عليه، ومن أكل من أموالنا شيئاّ فإنّما يأكل في بطنه نارا وسيصلى سعيرا، ظ: الطبرسي، أحمد بن علي، الاحتجاج: ٢/٢٩٩ وهي موثقة..
٢- عن سماعة عن أبي عبدالله (عليه السلام) في حديث: إنّ رسول الله (صل الله عليه وآله) قال: من كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها، فإنّه لا يحل دم امريء مسلم ولا ماله إلا بطيبة نفس منه، ظ: الكليني، محمد بن يعقوب، الفروع من الكافي:٧ /٢٧٣ وهي موثقة.
٣- عن رسول الله (صل الله عليه وآله) أنّه قال في خطبة حجة الوداع: أيها الناس إنّما المؤمنون إخوة، ولا يحل لمؤمن مال أخيه إلا عن طيب نفس منه، ظ: الحراني، الحسن بن علي المعروف بـ (ابن شعبة)، تحف العقول: ٣٤، وهي، مرسلة، وروايات أخرى.
(٤) ظ: المصدر نفسه: ١/١٠٨.
( ٢٣٢ )
وقد ناقش السيد الخوئي الاستصحاب المدعى في المقام بقوله: (وفيه مضافاً إلى عدم جريان الاستصحاب في الأحكام؛ لمعارضته دائماً بأصالة عدم الجعل كما نقحناه في علم الأصول*، أنّ موضوع الحكم بحرمة التصرف هو مال الغير، فإذا سقط الشيء عن المالية سقطت عنه حرمة التصرف حتى إذا كان باقياً علي صفة المملوكية؛ إذ لا دليل على حرمة التصرف في ملك الغير فكيف إذا زالت عنه الملكية أيضاً)(١).
وبما تقدم يتبيّن ما في كلام المحقق علي الإيرواني (ت: ١٣٥٤هـ) من الوهن، إذ ذكر: الظاهر ثبوت حق الاختصاص، أما في الحيازة فلعموم دليل من سبق إلى ما لم يسبقه أحد مسلم فهو أولى به**، وأما فيما إذا كان أصله ملكا للشخص فلاستصحاب بقاء العلقة(٢). وقد عقّب عليه بأنّ المورد ليس مما يجري فيه الاستصحاب، وأنّ الحديث لا يدل على المدعى(٣).
وهناك نماذج تطبيقية أخرى اُشير إليها إجمالاً روماً للاختصار، وهي:
١٥- خروج ماء الكر عن الإطلاق إلى الإضافة بإلقاء المضاف النجس فيه(٤).
١٦- عدم طهارة الماء المتغيّر إذا زال تغيّره بنفسه(٥).
١٧- عدم اعتبار التعدد فيما لاقت النجاسة ما يحتاج إلى التعدد(٦).
______________________________
* ظ: البهسودي، مصباح الأصول:٣/٣٨
(١) ظ: التوحيدي، محمد علي، مصباح الفقاهة، المكاسب المحرمة: ١/٢٣٥.
** عن النبي (صل الله عليه وآله) أنه قال: من سبق إلى ما لا يسبقه إليه مسلم فهو أحق به، ظ: السرخسي، شمس الدين، المبسوط: ٣/٢٦٨، وهي مرسلة.
(٢) ظ: حاشية المكاسب: ١/ ٧٥.
(٣) ظ: التوحيدي، محمد علي، مصباح الفقاهة: ١/٢٣٩.
(٤) ظ: الغروي، علي، التنقيح في شرح العروة الوثقى، كتاب الطهارة: ١/٦١.
(٥) ظ: التوحيدي، محمد علي، مصباح الفقاهة: ١/٢٣٤.
(٦) ظ: المصدر نفسه: ١/٣٩٥.
( ٢٣٣ )
١٨- إذا شُك في حيوان مأكول اللحم أو لا، لم يُحكم بنجاسة بوله وروثه(١).
١٩- عدم استصحاب النجاسة في أجزاء الميتة(٢).
٢٠- عدم استصحاب نجاسة الماء قبل طبخ الدم المراق في الأمراق(٣).
٢١- عدم استصحاب نجاسة الكلب والخنزير في المتولد منهما(٤).
٢٢- المتنجّس بالمتنجّس لا يجري عليه جميع أحكام النجس(٥).
٢٣- عدم جواز تنجيس المسجد الذي تغيّر عنوانه(٦).
٢٤- تطهير باطن القدم والنعل بالمشي على الجص والنورة(٧).
٢٥- وجوب غسل مخرج البول مرتين من الماء القليل على الأحوط وجوباً(٨).
٢٦- لا يجب غسل العضد في من قُطعت يداه من فوق المرفق(٩).
٢٧- عدم جواز تكفين الميت بالحرير الخالص(١٠).
٢٨- مشروعية تقديم غسل الجمعة(١١).
٢٩- عدم جريان استصحاب الوجوب التعييني لصلاة الجمعة في عصرالغيبة(١٢).
٣٠- الآفاقي إذا صار مقيماً في مكة(١٣).
٣١- تحريم النساء على الرجل إذا ترك طواف النساء في الحج(١٤).
٣٢- وجوب الضمان على العامل في المضاربة في حالة التعدي والتفريط(١٥).
______________________________
(١) ظ: المصدر نفسه: ١/٤٨٧.
(٢) ظ: المصدر نفسه: ١/٥٠٤.
(٣) ظ: المصدر نفسه: ٢/٢٩.
(٤) ظ: المصدر نفسه: ٢/٤٠.
(٥) ظ: المصدر نفسه: ٢/٢٥٢.
(٦) ظ: المصدر نفسه: ٢/٣٠٤ و٣/ ٤٢.
(٧) ظ: المصدر نفسه: ٣/١٢٥.
(٨) ظ: المصدر نفسه: ٣/٣٩٥.
(٩) ظ: المصدر نفسه: ٤/١٠٣.
(١٠) ظ: المصدر نفسه: ٨/٣٤٩.
(١١) ظ: المصدر نفسه: ٩/٢٩٨.
(١٢) ظ: المصدر نفسه، كتاب الصلاة: ١/ ٥٨.
(١٣) ظ: الخلخالي، رضا، معتمد العروة الوثقى، كتاب الحج: ٢/ ٢٠٥.
(١٤) ظ: المصدر نفسه: ٥/٣٥٢.
(١٥) ظ: الخوئي، محمد تقي، مباني العروة الوثقى، كتاب المضاربة الأول: ١١٧.
(١٦) ظ: المصدر نفسه، كتاب النكاح: ٢/٢٧٥.
(١٧) ظ: التوحيدي، محمد علي، مصباح الفقاهة، البيع: ٢/١٤٧.
(١٨) ظ: المصدر نفسه: ٣/٥٤٤.
( ٢٣٤ )
٣٣- عدم اشتراط حياة الأب أو موته في ولاية الجد(١).
٣٤- الاستدلال بأصالة اللزوم في إفادة المعاطاة للملك(٢).
٣٥- فكّ الرهن بمنزلة الإجازة بالبيع(٣).
______________________________
(١) ظ: المصدر نفسه، كتاب النكاح: ٢/٢٧٥.
(٢) ظ: التوحيدي، محمد علي، مصباح الفقاهة، البيع: ٢/١٤٧.
(٣) ظ: المصدر نفسه: ٣/٥٤٤.
( ٢٣٥ )
بعد توفيق الله عزّ وجل والانتهاء من كتابة البحث، خلص الباحث بما يأتي:
١- تجلّى للباحث امتياز الشخصية العلمية للسيد أبي القاسم الخوئي بروح الإبداع والابتكار للنظريات والآراء الأصولية، ودقة تطبيقها في الجانب الفقهي.
٢- أضاف السيد الخوئي في البحث الأصولي إضافات معرفيةٍ كثيرةٍ، سواءً أكانت تلك الإضافات طولية -أعني بيان ما موجود من آراء العلماء السابقين له والمعاصرين- أم عرضية: أي بابتكار وإبداع الآراء والنظريات الجديدة، وقد تجلّى ذلك بشكلٍ واضحٍ في مباحث الأطروحة، أمثال: ابتكار نظرية التعهّد في وضع الألفاظ، والقول بالتحصيص في المعاني الحرفية، وإضافة قسم رابع في أقسام استصحاب الكلي.
٣- اتصف السيد الخوئي بالموسوعية العلمية، إذ ترك آثاراً في أبواب العلوم المختلفة: من أصول الفقه، وعلم الفقه، وعلم الرجال، وعلوم القرآن، فضلاً عن المطالب الكلامية المتضمنة في كتب أصول الفقه: مثل الأمر بين الأمرين، وما انطوى عليه من مباحث في الكلام النفسي، واستقلال العقل بالحسن والقبح، وصفات الله تعالى، ممّا يدلل على إلمامه بالمعقول.
٤- لعلّ السبب في عدم نسبة الآراء إلى أصحابها عند السيد الخوئي أحياناً؛ هو أنّه (قدس سره) يركّز على نفس الرأي ومناقشته من دون النظر إلى صاحبه.
٥- انتهل كثيرٌ من طلبة العلوم الدينية من فيض علوم السيد الخوئي، فتخرّج على يديه كثيرٌ من العلماء والمجتهدين، تصدّى بعضُ منهم للمرجعية الدينية: أمثال السيد محمد باقر الصدر والسيد محمد الروحاني والسيد علي الحسيني السيستاني والسيد كاظم الحائري والسيد محمد صادق الروحاني والشيخ محمد إسحاق الفياض والشيخ حسين وحيد الخراساني والشيخ جواد التبريزي والشيخ بشير حسين الباكستاني النجفي والشيخ علي الغروي والشيخ مرتضى البروجردي وغيرهم من العلماء والمفكّرين؛ وبذلك تتحقق إحدى خصائص المدرسة عند السيد الخوئي على ما افترضه الباحث من خصائص ومميزات للمدرسة.
٦- امتاز أسلوب البحث الأصولي والفقهي عند السيد الخوئي بتغليب الفهم العرفي على الفهم العقلي والفلسفي الدقّي، مما يؤثر تأثيراً بالغاً في تشخيص موضوعات الأحكام بصورة أقرب إلى الواقع، على خلاف منهجية أساتذته.
٧- من النتائج السالفة الذكر يمكن أنْ يُقال: إنّ السيد الخوئي يُعدّ صاحب مدرسة أصولية امتدادية لمن سبقه من العلماء -أخصّ بالذكر منهم المحقق النائيني-؛ لانطباق ما افترضه البحث من ضابطٍ للمدرسة عليه؛ وذلك للإضافات المعرفية التي أضافها في البحث الأصولي، وإنّ أغلب تلك الإضافات هي طولية وليست عرضية، بإنضاج وإيضاح وإبراز أفكار مَنْ سبقه والارتقاء بها إلى مستوى النظرية أحياناً مع بيان أثرها في التطبيقات الفقهية، تلك النظريات التي تأثّر بها تلامذته ولو على نحو الموجبة الجزئية، وبما أنّ أغلب تلك الإضافات كانت
( ٢٣٦ )
عمودية في عموم مباحثه الأصولية علاوة على ما ذُكر قي مباحث الأطروحة، وأنّ تلك الإضافات لم تكن في أمهات المسائل الأصولية؛ فلا تنهض لأنْ تشكّل مدرسة مستقلة، فمدرسته الأصولية مدرسة امتدادية، ويُعد السيد الخوئي رائد تلك المدرسة.
٨- أثبت البحث الأصولي للسيد الخوئي بطلان الدلالة الذاتية بين اللفظ والمعنى، وبطلان كونها بالجعل والتخصيص الإلهي أو بالاعتبار، كما أثبت أنّ الواضع هو الإنسان بما ألهمه الله سبحانه من نعمة البيان، وأكّد على أنّ دلالة اللفظ على المعنى وضعية محضة، وأنّها من باب التعهّد والالتزام النفساني، وأنّ كل متعهّد واضع حقيقة، واختصاص الدلالة الوضعية بالدلالة التصديقية، وقد أيّد السيد الخوئي القول بالتعهّد في وضع الألفاظ بمؤيّدات وهي: موافقته للمعنى اللغوي للوضع، وموافقته أيضاً لوضع الأعلام الشخصية، واستقرار السيرة العقلائية على التعهّد.
٩- ظهر للباحث إنّ منشأ القول بالتعهّد هو المحقق علي بن فتح الله النهاوندي (ت:١٣٢٢هـ)، وتأثّر به مَنْ جاء من بعده، كالشيخ عبد الكريم الحائري (ت: ١٣٥٥هـ) والشيخ محمد رضا الأصفهاني النجفي (ت:١٣٦٢هـ)، ولكنّ السيد الخوئي أضاف إلى الرأي إضافات طولية بتوضحيه وإبرازه على هيأة نظرية أصولية لها تطبيقاتها الفقهية، راداً النقوض المفترضة عليها؛ ولأجل ذلك نسب البحثُ نظرية التعهّد إلى السيد الخوئي.
١٠- من معالم البحث الأصولي للسيد الخوئي هو القول بالتحصيص في وضع المعاني الحرفية، وبطلان الآراء الأخرى: من كون الحروف لم توضع لمعنى محدد وأنّ شأنها شأن حركات الإعراب، وهو ما نُسب إلى المحقق الرضي (ت: ٦٨٨هـ) صاحب الكافية وقال به المحقق النهاوندي، وكذا بطلان القول بالآلية في وضع الحروف الذي قال به المحقق رضي الدين الاسترابادي (ت: ٦٨٨هـ) ووافقه المحقق الآخوند الخراساني، وبطلان القول بإخطارية المفاهيم الإسمية وإيجادية المعاني الحرفية بمعنى أنّه لا تقرر لها في عالم المفهوم، ولا استقلال بذاتها وحقيقتها، وهو ما قال به المحقق محمد حسين النائيني (ت: ١٣٥٥هـ)، وكذا بطلان القول بالوجود الرابط للمعاني الحرفية بخلاف الأسماء فلها وجودها الاستقلالي وهو ما اختاره المحقق محمد حسين الإصفهاني (ت: ١٣٦١هـ)، وبطلان القول بأنّ الحروف والأدوات وضعت للأعراض النسبية الإضافية الذي ذكره المحقق أغا ضياء الدين العراقي (ت: ١٣٦١هـ)، وقد نبّه السيد الخوئي إلى أنّ رأيه هذا في المعاني الحرفية هو من نتائج وثمرات مسلك التعهّد في مسألة الوضع؛ فإنّ القول بالتعهّد لا محالة يستلزم وضعها لذلك؛ فإنّ الغرض قد يتعلق بتفهيم الطبيعي، وقد يتعلق بتفهيم
( ٢٣٧ )
الحصة، والمفروض أنّه لا يكون على الحصة دال ما عدا الحروف وتوابعها، فلا محالة يتعهّد الواضع ذكرها أو ذكر توابعها عند قصد تفهيم حصة خاصة.
١١- برّز البحث الأصولي للسيد الخوئي النكتة العلمية في عدم أهلية الإطلاق للتعارض مع العام؛ لكون دلالة الإطلاق الثابت بمقدمات الحكمة ليس دلالة لفظية، بل دلالته ناشئة عن مقدمات الحكمة وهي عقلية وليست لفظية، وبالتالي يكون الإطلاق غير مؤهّل للتعارض مع العام، كما اختار السيد الخوئي أنّ التقابل بين الإطلاق والتقييد تقابل التضاد ولكن بتفصيلٍ بين مقامي الإثبات والثبوت: أما في مقام الإثبات: فالتقابل بينهما من تقابل العدم والملكة؛ وذلك لأنّ الإطلاق في هذا المقام عبارة عن عدم التقييد فضلاً عمّا هو قابل له، وأما في مقام الثبوت: فالمقابلة بينهما مقابلة الضدين؛ وذلك لأنّ الإطلاق في هذا المقام: عبارة عن رفض القيود والخصوصيات، ولحاظ عدم دخل شيءٍ منها في الموضوع أو المتعلق، والتقييد: عبارة عن لحاظ دخل خصوصيةٍ من الخصوصيات في الموضوع أو المتعلق، ومن الطبيعي أنّ كلاً من الإطلاق والتقييد بهذا المعنى أمران وجوديان.
١٢- اختلف الأصوليون في ثبوت المفهوم للوصف وعدمه، ومن معالم البحث الأصولي للسيد الخوئي هو أنّ القيد في القضية الوصفية يدل على المفهوم لكن لا بمعنى دلالته على انتفاء سنخ الحكم بانتفاء الوصف، بل بمعنى أنّه يدل على أنّ موضوع الحكم في القضية الوصفية ليس الطبيعي على نحو الإطلاق، بل حصة خاصة منه، على أساس ظهور القيد في الاحتراز؛ فلو لم يدل على التحصيص كان لغواً محضاً.
كما فرّق بين الوصف المعتمد على موصوفه، وغير المعتمد عليه، وصرّح بأنّها قد اُهملت في كلمات الأصحاب ولم يتعرّضوا لها في المقام لا نفياً ولا إثباتاً مع أنّ لها ثمرة مهمة في الفقه منها ما في مسألة حمل المطلق على المقيد.
١٣- إنّ السمة الواضحة للسيد الخوئي في بحثه الأصولي هي كثرة المناقشة في الإجماعات المنقولة، وإنّ الإخبار عن الإجماع المنقول هو إخبار عن حدسٍ، لم يدل الدليل على حجيّته، وإنّ قاعدة اللطف التي قال بها الشيخ الطوسي (ت:٤٦٠هـ) ليست تامة عند السيد الخوئي، وكذا احتمال استناد القدماء في نقل الإجماع إلى الحس -كما عن المحقق العراقي (ت: ١٣٦١هـ)- هو احتمال موهوم جداً.
أما الإجماع المحصّل: أي الذي يحصّله الفقيه بنفسه بتتبع أقوال أهل الفتوى، فجميع الأدلة المدعاة لحجيته غير تامة، فلا مستند لحجية الإجماع أصلاً، ولكنّ السيد الخوئي يرى أنّ مخالفة الإجماع المحقَّق من أكابر أصحاب وأعاظم الفقهاء مما لا يجتريء عليه؛ ولذا التزم في موارد تحقق الإجماع بالاحتياط اللازم، كما هو واضح في تطبيقاته الفقهية.
( ٢٣٨ )
١٤- من معالم البحث الأصولي للسيد الخوئي كثرة المناقشات في الشهرة الفتوائية، وعدم كون الشهرة الروائية من المرجّحات عند تعارض الخبرين، وأنّ الشهرة العملية (الاستنادية) للرواية غير جابرة ولا كاسرة، متفقاً بذلك مع استاذه المحقق العراقي، بينما يختلف مع أستاذه المحقق النائيني في كون الشهرة الروائية موجبة لأقوائية تلك الرواية وترجيحها على الرواية المعارضة، ويختلف السيد الخوئي مع مشهور الأصوليين لقولهم بأنّ الشهرة العملية جابرة وكاسرة.
١٥- لم يكن السيد الخوئي على وتيرة واحدة في تطبيقاته الفقهية لمبناه الأصولي في مسألة الشهرة؛ فتارة يوافق المشهور لا من أجل أنّ المشهور ذهب إلى ذلك الرأي في مسألةٍ ما بل لأنّ الدليل قاده إلى ذلك الرأي ويصرّح بأنّ المتّبع هو الدليل، وتارةً أخرى يخالفهم صريحاً لنفس السبب المتقدّم، وهذا هو ديدن الباحث الموضوعي، ولكن نراه في بعض المسائل الفقهية يذهب إلى القول بالاحتياط حذراً من مخالفة المشهور.
١٦- يُعدّ القول بأنّ الاستصحاب أمارة وليس أصلاً من المعالم الأصولية عند السيد الخوئي، مع التأكيد على أنّ حال الاستصحاب أضعف من بقية الأمارات؛ لتقدّم بقية الأمارات عليه عند التعارض.
فضلاً عن عدم جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية، وهذان الرأيان عند السيد الخوئي على خلاف ما ذهب إليه مشهور الأصوليين.
وأنّ السيد الخوئي قد أضاف قسماً جديداً -وهو القسم الرابع- في أقسام استصحاب الكلي، وتعدّ هذه الإضافة إضافة عرضية مع أنّه لم يسلم من المناقشات من تلامذته.
( ٢٣٩ )
خير ما نبتديء به القرآن الكريم
ابن بابويه، علي بن الحسين بن موسى القمي (ت: ٣٢٩هـ)
١- الفقه المنسوب للإمام الرضا (عليه السلام) المشتهر بـ (فقه الرضا (عليه السلام))، تحقيق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، قم، الناشر: مؤتمر الإمام الرضا (عليه السلام)، مشهد، إيران، ط١، ١٤٠٦هـ.
ابن البراج، القاضي عبد العزيز بن نحرير الطرابلسي (ت: ٤٨١هـ)
٢- جواهر الفقه، تحقيق: إبراهيم البهادري، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين في قم، إيران، ط١، ١٤١١هـ.
٣- المهذب، تحقيق واعداد: مؤسسة سيد الشهداء، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين في قم، إيران، ١٤٠٦هـ.
ابن حجر، أحمد بن علي العسقلاني (ت:٨٥٢هـ)
٤- تهذيب التهذيب، دار الفكر، بيروت، لبنان، ط١، ١٤٠٤هـ.
ابن حنبل، أحمد (ت: ٢٤١هـ)
٥- مسند الإمام أحمد بن حنبل، الناشر: دار صادر، بيروت، لبنان، ب ت.
ابن إدريس، أبو جعفر محمد بن منصورالحلي (ت:٥٩٨هـ)
٦- السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي، تحقيق ونشر: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، إيران، قم، ط٢، ١٤١٠هـ.
الحراني، ابن شعبة الحسن بن علي (ت: بحدود القرن الرابع الهجري)
٧- تحف العقول عن آل الرسول صلى الله عليهم، تحقيق: علي أكبر الغفاري، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين في قم، إيران، ط٢، ١٤٠٤هـ.
ابن فارس، أبو الحسين أحمد (ت: ٣٩٥هـ)
٨- معجم مقاييس اللغة، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، مكتب الإعلام الإسلامي، قم، ١٤٠٤هـ.
ابن فهد، أبو العباس أحمد بن محمد الحلي (ت:٨٤١هـ)
٩- المهذّب البارع في شرح المختصر النافع، تحقيق: مجتبى العراقي، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم، ط١، ١٤٠٧هـ.
ابن منظور، محمد بن مكرم (ت:٧١١هـ)
١٠- لسان العرب، نشر أدب الحوزة، قم، إيران، ١٤٠٥هـ.
الأحسائي، ابن أبي جمهور محمد بن علي بن إبراهيم (ت:٨٨٠هـ)
١١- عوالي اللئالي العزيزية في الأحاديث الدينية، تحقيق مجتبى العراقي، مطبعة سيد الشهداء، قم، ط١، ١٤٠٣هـ.
( ٢٤٠ )
الأردبيلي، أحمد بن محمد (ت:٩٩٣هـ)
١٢- مجمع الفائدة والبرهان في شرح إرشاد الأذهان، تصحيح وتعليق: مجتبى العراقي وعلي بناه، منشورات جماعة المدرسين في الحوزة العلمية، إيران، قم، ب، ت.
الاسترابادي، رضي الدين محمد بن الحسن (ت: ٦٨٨هـ)
١٣- شرح الكافية لابن الحاجب (ت: ٦٤٦هـ)، تصحيح وتعليق: يوسف حسن، مؤسسة الإمام الصادق، ١٣٩٨هـ.
الأصفهاني، أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بـ الراغب (ت:٥٠٢هـ)
١٤- المفردات في غريب القرآن، مكتب نشر الكتاب، إيران، ط٢، ١٤٠٤هـ.
الأصفهاني، محمد رضا بن محمد حسين (ت: ١٣٦٢هـ)
١٥- وقاية الأذهان، مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) لاحياء التراث، قم، مطبعة فهر، ط١، ١٤١٣هـ.
الأصفهاني، الحسين بن محمد المعروف بسلطان العلماء (ت:١٠٦٤هـ)
١٦- معالم الأصول (معالم الدين وملاذ المجتهدين) بحاشية سلطان العلماء، تصحيح علي محمدي، دار الفكر، قم، إيران، ١٤١٨هـ.
الأصفهاني، محمد حسين الغروي الكمباني (ت:١٣٦١هـ)
١٧- بحوث في علم الأصول، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم، إيران، ط٢، ١٤١٦هـ.
١٨- نهاية الدراية في شرح الكفاية، تحقيق: مهدي أحدي أمير كلائي، نشر مؤسسة سيد الشهداء، قم، ط١، ١٤١٦هـ.
الأمين، عبد الحسن (معاصر)، ود. حمادة، طراد (معاصر)
١٩- الإمام أبو القاسم الخوئي زعيم الحوزة العلمية، مؤسسة الإمام الخوئي الخيرية، دار النور، لندن، ط١، ١٤٢٥هـ.
الأمين، محسن (ت:١٣٧١هـ)
٢٠- أعيان الشيعة، تحقيق حسن الأمين، بيروت، دار التعارف، (ب ت).
( ٢٤١ )
الأنصاري، مرتضى بن محمد أمين الدزفولي (ت: ١٢٨١هـ)
٢١- فرائد الأصول، تحقيق: لجنة إحياء تراث الشيخ الأعظم، الناشر: المؤتمر العالمي بمناسبة الذكرى المئوية الثانية لميلاد الشيخ الأنصاري، إيران، قم، ط١، ١٤١٩هـ.
٢٢- المكاسب، تحقيق: لجنة إحياء تراث الشيخ الأعظم، الناشر: المؤتمر العالمي بمناسبة الذكرى المئوية الثانية لميلاد الشيخ الأنصاري، إيران، قم، ط١، ١٤٢٠هـ.
الأنصاري، محمد علي (معاصر)
٢٣- الموسوعة الفقهية الميسرة، نشر مجمع الفكر الإسلامي، مطبعة مؤسسة الهادي، إيران، قم، ط١، ١٤١٨هـ.
الآمدي، علي بن محمد (ت: ٦٣١هـ)
٢٤- الإحكام في أصول الأحكام، تعليق: عبد الرزاق عفيفي، نشر المكتب الإسلامي، الرياض، ط٢، ١٤٠٢هـ.
الإيرواني، علي بن عبد الحسين (ت: ١٣٥٤هـ)
٢٥- حاشية المكاسب (تعليقة على المكاسب)، مطبعة رشدية، طهران، ط٢، ١٣٧٩هـ.
البجنوردي، محمد حسن (ت: ١٣٩٥هـ)
٢٦- القواعد الفقهية، تحقيق: مهدي المهريزي ومحمد حسين الدرايتي، نشر الهادي، إيران، قم، ط١، ١٤١٩هـ.
البحراني، يوسف بن أحمد (ت:١١٨٦هـ)
٢٧- الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين في قم، إيران، ب ت.
بحر العلوم، علاء الدين بن علي (ت: بعد ١٤١٠هـ)
٢٨- مصابيح الأصول، تقريرات أبحاث السيد أبو القاسم الخوئي، تحقيق: محمد علي بحر العلوم، دار الزهراء، لبنان، بيروت، ط٣، ١٤٣١هـ.
بحر العلوم، محمد بن محمد تقي (ت:١٣٢٦هـ)
٢٩- بلغة الفقيه، تحقيق وتعليق: حسين بن محمد تقي بحر العلوم، منشورات مكتبة الصادق، طهران، ط٤، ١٤٠٣هـ، أوفست عن مكتبة العلمين العامة، النجف الأشرف.
بحرالعلوم، محمد مهدي بن مرتضى (ت:١٢١٢هـ)
٣٠- رجال السيد بحر العلوم المعروف بالفوائد الرجالية، تحقيق وتعليق: محمد صادق بحر العلوم وحسين بحر العلوم، مكتبة الصادق، طهران، ١٤٠٤هـ، أوفست عن مكتبة العلمين، النجف الأشرف.
( ٢٤٢ )
البروجردي، محمد تقي (ت: ١٣٨٣هـ)
٣١- نهاية الأفكار، تقريرات أبحاث أغا ضياء الدين العراقي، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين في قم، إيران، ١٤٠٥هـ.
البروجردي، مرتضى (ت: ١٤١٨هـ)
٣٢- مستند العروة الوثقى، تقريرات أبحاث أبي القاسم الخوئي، كتاب الزكاة، منشورات مدرسة دار العلم، المطبعة العلمية، قم، ط١، ١٤١٣هـ.
٣٣- مستند العروة الوثقى، تقريرات أبحاث أبو القاسم الخوئي، كتاب الصلاة، منشورات مدرسة دار العلم، المطبعة العلمية، قم، ط١، ١٤١٣هـ.
٣٤- مستند العروة الوثقى، تقريرات أبحاث أبو القاسم الخوئي، كتاب الصوم، المطبعة العلمية، قم، ١٤٠٦هـ.
٣٥- معتمد العروة الوثقى، تقريرات أبحاث أبي القاسم الخوئي، كتاب الإجارة، منشورات مدرسة دار العلم، المطبعة العلمية، قم، ١٤٠٧هـ.
البهائي، محمد بن الحسين بن عبد الصمد العاملي (ت:١٠٣٠هـ)
٣٦- الحبل المتين، منشورات مكتبة بصيرتي، قم، ب ت، طبعة حجرية.
٣٧- زبدة الأصول، تحقيق: فارس حسون، الناشر: مرصاد، مطبعة زيتون، ط١، ١٤٢٣هـ.
البهادلي، علي بن أحمد
٣٨- ومضات من حياة الإمام الخوئي، دار القاري، بيروت، ط ٣، ١٤١٣هـ.
البهسودي، محمد سَرْوَر الواعظ (ت بحدود ١٤٠١هـ)
٣٩- مصباح الأصول، تقريرات أبحاث أبي القاسم الخوئي، منشورات مكتبة الداوري، المطبعة العلمية، قم، إيران، ط٥، ١٤١٧هـ.
التفتازاني، سعد الدين مسعود بن عمر (ت:٧٩٢هـ)
٤٠- شرح التلويح على التوضيح، مطبعة دار الكتب العربية الكبرى، مصر، (ب ت).
٤١- مختصر المعاني، دار الفكر، مطبعة قدس، قم، ط١، ١٤١١هـ.
التوحيدي، محمد علي التبريزي (ت: ١٣٩٥هـ).
٤٢- مصباح الفقاهة، تقريرات أبحاث أبو القاسم الخوئي على كتاب المكاسب للشيخ الانصاري، تحقيق: جواد القيومي، منشورات مكتبة الداوري، إيران، قم، ط١، ١٤١٩هـ.
( ٢٤٣ )
التوني، عبدالله البشروي الخراساني (ت: ١٠٧١هـ)
٤٣- الوافية في أصول الفقه، تحقيق: محمد حسين الرضوي، الناشر: مجمع الفكر الإسلامي، مطبعة إسماعيليان، إيران، قم، ط١، ١٤١٢هـ.
الجاحظ، أبو عمرو بن بحر (ت: ٢٥٥هـ)
٤٤- العثمانية، تقديم وتحقيق وشرح د.عبد السلام محمد هارون، مكتبة الجاحظ، دار الكتاب العربي، مصر، ١٣٧٤هـ.
جار الله، د. زهدي حسن
٤٥- المعتزلة، منشورات النادي العربي في يافا، مصر، القاهرة، ١٣٦٦هـ.
الجرجاني، علي بن محمد (ت:٨١٦هـ)
٤٦- كتاب التعريفات، ناصر خسرو، طهران، ط٤، ١٤١٢هـ.
الجصاص، أحمد بن علي الرازي (ت٣٧٠هـ)
٤٧- أحكام القرآن، تحقيق: عبد السلام محمد علي شاهين، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط١، ١٤١٥هـ.
٤٨- الفصول في الأصول، تحقيق: د.عجيل النمشي، ط١، ١٤٠٥هـ.
الجواهري، محمد تقي بن عبد الرسول (ت: بعد ١٤١٠هـ)
٤٩- غاية المأمول من علم الأصول، مجمع الفكر الإسلامي، مطبعة ظهور، قم، ط١، ١٤٢٨هـ.
الجلالي، محمد تقي الحسيني
٥٠- فقه العترة في زكاة الفطرة، تقريرات أبحاث أبي القاسم الخوئي، مطبعة القضاء، النجف، ط١، ١٤٠١هـ.
الجوهري، إسماعيل بن حماد (ت: ٣٩٣هـ)
٥١- تاج اللغة وصحاح العربية المعروف بالصحاح، تحقيق: أحمد عبد الغفور العطار، دار العلم للملايين، بيروت، لبنان، ط٤، ١٤٠٧هـ.
الحائري، عبد الكريم بن محمد جعفر (ت: ١٣٥٥هـ)
٥٢- درر الأصول المعروف بـ (درر الفوائد)، تحقيق الشيخ محمد مؤمن القمي، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، ط٥، ب. ت.
( ٢٤٤ )
الحائري، السيد كاظم (معاصر)
٥٣- مباحث الأصول، دار البشير، قم، ط١، ١٤٢٨هـ.
الحائري، محمد حسين (ت: ١٢٥٠هـ)
٥٤- الفصول الغروية في الأصول الفقهية، دار إحياء العلوم الإسلامية، إيران، قم، ١٤٠٤هـ.
الحسيني، جعفر (معاصر)
٥٥- معجم مصطلحات المنطق، دار الاعتصام، مطبعة بقيع، قم، ط١، ب ت.
الحر العاملي، محمد بن الحسن (ت: ١١٠٤هـ)
٥٦- أمل الآمل، تحقيق: السيد أحمد الحسيني، دار الكتاب الإسلامي، مطبعة نمونه، ١٤٠٤هـ.
٥٧- وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، تحقيق ونشر مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، مطبعة مهر، قم، إيران، ط٢، ١٤١٤هـ.
حرز الدين، محمد (ت: ١٣٦٥هـ)
٥٨- معارف الرجال في تراجم العلماء والأدباء، تعليق محمد حسين حرز الدين، منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي، مطبعة الولاية، قم، ١٤٠٥هـ.
الحكيم، عبد الصاحب (ت: ١٤٠٥هـ)
٥٩- منتقى الأصول، تقرات أبحاث محمد الحسيني الروحاني (ت: ١٤١٨هـ)، مطبعة الهادي، ط٢، ١٤١٦هـ.
الحكيم، محمد تقي (ت: ١٤٢٤هـ)
٦٠- الأصول العامة للفقه المقارن، مؤسسة آل البيت عليهم السلام، قم، ط٢، ١٣٩٩هـ.
الحلبي، أبو الصلاح حمزة بن علي (ت: ٤٤٧هـ)
٦١- - غُنية النزوع إلى علمي الأصول والفروع، مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، قم، ط١، ١٤١٧هـ.
٦٢- الكافي في الفقه، تحقيق: رضا أستادي، مكتبة أمير المؤمنين (عليه السلام) العامة، طهران، ١٤٠٣هـ.
( ٢٤٥ )
العلّامة الحلي، أبو منصور الحسن بن يوسف (ت:٧٢٦هـ)
٦٣- تذكرة الفقهاء، تحقيق ونشر مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، مطبعة ستاره، قم، ط١، ١٤٢٠هـ.
٦٤- قواعد الأحكام في معرفة الحلال والحرام، مؤسسة النشر الإسلامي، ط١، ١٤١٣هـ.
٦٥- مختلف الشيعة، تحقيق ونشر: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين، قم، ط١، ١٤١٢هـ.
٦٦- منتهى المطلب، تحقيق: قسم الفقه مجمع البحوث الإسلامية، منشورات الاستانة الرضوية المقدسة، إيران، مشهد، ط١، ١٤١٥هـ.
٦٧- نهاية الوصول إلى علم الأصول، تحقيق: إبراهيم البهادري، مؤسسة الإمام الصادق (ع)، قم، ط١ و١٤٢٥هـ.
الحلي، فخر المحققين أبو طالب محمد بن الحسن بن يوسف (ت: ٧٧١هـ)
٦٨- إيضاح الفوائد في شرح إشكالات القواعد، تحقيق حسين الكرماني، المطبعة العلمية، إيران، قم، ط١، ١٣٨٧هـ.
الحلي، المحقق نجم الدين أبو القاسم جعفر بن الحسن (ت:٦٧٦هـ)
٦٩- الرسائل التسع، المسائل العزية، تحقيق:رضا أستادي، منشورات مكتبة أية الله العظمى المرعشي النجفي، قم، ط١، ١٤١٣هـ.
٧٠- شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام، تعليق: صادق الشيرازي، الناشر: انتشارات استقلال، طهران، ناصر
خسرو، حاج نايب، مطبعة أمير، قم، ط٢، ١٤٠٩هـ.
٧١- معارج الأصول، إعداد: محمد حسين الرضوي، الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام، مطبعة سيد الشهداء، قم، ط١، ١٤٠٣هـ.
٧٢- المعتبر، تحقيق مجموعة من الباحثين، مطبعة سيد الشهداء، قم، ١٤٠٦هـ.
الحلّي، يحيى بن سعيد (ت: ٦٨٩هـ)
٧٣- نزهة الناظر في الأشباه والنظائر، تحقيق: أحمد الحسيني ونور الدين الواعظي، مطبعة الآداب، النجف الأشرف، ١٣٨٦هـ.
حمادة، د.حسين صالح (معاصر)
٧٤- دراسات في الفلسفة الإسلامية، دار الهادي، بيروت، ط١، ١٤٢٦هـ.
( ٢٤٦ )
الخلخالي، رضا الموسوي (ت: ١٤١١هـ)
٧٥- معتمد العروة الوثقى، تقريرات أبحاث أبي القاسم الخوئي، كتاب الحج، منشورات مدرسة دار العلم، المطبعة العلمية، قم، ط٢، ١٤٠٦هـ.
٧٦- المعتمد في شرح المناسك، تقريرات أبحاث أبي القاسم الخوئي، منشورات مدرسة دار العلم، المطبعة العلمية، قم، ط١، ١٤١٠هـ.
الخلخالي، محمد مهدي
٧٧- مدارك العروة الوثقى (دروس في فقه الشيعة)، تقريرات أبحاث أبي القاسم الخوئي، مطبعة الآداب، النجف، ١٣٨٧هـ.
الخوئي، أبو القاسم بن علي أكبر (ت:١٤١٣هـ)
٧٨- أجود التقريرات، تقريرات أبحاث الشيخ محمد حسين النائيني، منشورات مصطفوي، مطبعة الغدير، إيران، قم، ط٢، ١٤١٧هـ.
٧٩- البيان في تفسيرالقرآن، دار الزهراء، بيروت لبنان، ط٤، ١٣٩٥هـ.
٨٠- تعليقة على المسائل الفقهية للسيد حسين البروجردي، مطبعة النعمان، النجف، ١٣٨٦هـ.
٨١- تعليقة على العروة الوثقى، مطبعة النعمان، النجف، ١٣٨٦هـ.
٨٢- توضيح المسائل (فارسي)، مطبعة مهر، قم، ط٢٩، ١٤١٢هـ.
٨٣- مباني تكملة المنهاج، كتاب القصاص والديات، المطبعة العلمية، قم، ط٢، ١٣٩٦هـ.
٨٤- مجمع الرسائل، مؤسسة الخوئي الخيرية، موسوعة الإمام الخوئي، ج٤٩.
٨٥- المسائل المنتخبة، مطبعة الآداب، النجف، ط٩، ١٣٩٤هـ.
٨٦- مستحدثات المسائل، مطبعة الآداب، النجف، ط٢، ١٣٩٩هـ.
٨٧- معجم رجال الحديث وتفصيل طبقات الرواة، ب م، ط٥، ١٤١٣هـ.
٨٨- مناسك الحج (عربي)، دار الأندلس، بيروت، ط٥، ١٣٩٠هـ.
مناسك الحج (فارسي)، مطبعة الآداب، النجف، ط٢، ب ت.
٨٩- منهاج الصالحين، العبادات، نشر مدينة العلم، مطبعة مهر، ط٢٨، ١٤١٠هـ.
الخوئي، محمد تقي بن أبي القاسم (ت: ١٤١٥هـ)
٩٠- مباني العروة الوثقى، تقريرات أبحاث أبو القاسم الخوئي، كتاب المساقاة، منشورات مدرسة دار العلم، المطبعة العلمية، قم، ط١، ١٤٠٩هـ.
٩١- مباني العروة الوثقى، تقريرات أبحاث أبي القاسم الخوئي، كتاب المضاربة، منشورات مدرسة دار العلم، المطبعة العلمية، قم، ط١، ١٤٠٨هـ.
٩٢- مباني العروة الوثقى، تقريرات أبحاث أبو القاسم الخوئي، كتاب النكاح، منشورات مدرسة دار العلم، قم، ١٤٠٤هـ.
الخراساني، محمد كاظم الآخوند (ت: ١٣٢٩هـ)
٩٣- كفاية الأصول، مؤسسة آل البيت (ع)، قم، إيران، ط١، ١٤٠٩هـ.
( ٢٤٧ )
الدسوقي، محمد بن عرفة (ت:١٢٣٠هـ)
٩٤- حاشية الدسوقي على الشرح الكبير لأبي البركات أحمد الدردير، دار إحياء الكتب العربية، عيسى البابي الحلبي، ب م، ب ت.
الذهبي، أبو عبدالله محمد بن أحمد (ت: ٧٤٨هـ)
٩٥- سير أعلام النبلاء، تحقيق:شعيب الأرنؤوط ونعيم العرقسوسي، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان، ط٩، ١٤١٣هـ.
٩٦- ميزان الاعتدال في نقد الرجال، تحقيق: علي محمد البجاوي، دار المعرفة، بيروت، لبنان، ط١، ١٣٨٢هـ.
الروحاني، محمد صادق (ت: ١٤١٤هـ)
٩٧- زبدة الأصول، نشر مدرسة الإمام الصادق (عليه السلام)، ط١، ١٤١٢هـ.
الرازي، محمد تقي (ت: ١٢٤٨هـ)
٩٨- هداية المسترشدين، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين، قم، (ب ت).
الفخر الرازي، محمد بن عمر (ت: ٦٠٦هـ)
٩٩- المحصول في أصول الفقه، تحقيق: د. طه جابر العلواني، مؤسسة الرسالة بيروت، ط٢، ١٤١٢هـ.
آل راضي، محمد طاهر (ت:١٤٠٠هـ)
١٠٠- بداية الوصول في شرح كفاية الأصول، تصحيح: محمد عبد الكريم البكاء، الناشر: أسرة آل راضي، مطبعة ستارة، ط١، ١٤٢٥هـ.
الرشتي، الميرزا حبيب الله (ت: ١٣١٢هـ)
١٠١- بدائع الأفكار (نسخة حجرية)، مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، مطبعة مهدية، إيران، أوفست على نسخة ١٣١٣هـ.
الرضي، الشريف محمد بن الحسين بن موسى (ت: ٤٠٦هـ)
١٠٢- نهج البلاغة، جمع خطب الإمام علي بن أبي طالب، شرح: محمد عبده، دار الذخائر، مطبعة النهضة، قم، إيران، ط١، ١٤١٢هـ.
( ٢٤٨ )
الزبيدي، محمد بن محمد الحسيني الحنفي (ت: ١٢٠٥هـ)
١٠٣- تاج العروس، دراسة وتحقيق: علي شيري، دار الفكر، بيروت، ط١، ١٤١٤هـ.
الزنجاني، فخر الدين بن يعقوب علي (ت: ١٤١٣هـ)
١٠٤- جواهر الأصول، تصحيح: محمد كاظم الخوانساري، مطبعة النجف، النجف، ١٣٧٦هـ.
السبزواري، عبد الأعلى (ت: ١٤١٤هـ)
١٠٥- تهذيب الأصول، الدار الإسلامية، بيروت، ط٢، ١٤٠٦هـ.
السبزواري، حسن السيادتي (ت: ١٣٨٥هـ)
١٠٦- وسيلة الوصول إلى حقائق الأصول، تقريرات أبحاث أبي الحسن الأصفهاني، تحقيق ونشر: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم، ط١، ١٤١٩هـ.
السبزواري، محمد باقر (ت:١٠٩٠هـ)
١٠٧- ذخيرة المعاد، مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، قم، ب ت.
١٠٨- كفاية الفقه المعروف بكفاية الأحكام، الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم، ط١، ١٤٢٣هـ.
السبكي، علي بن عبد الكافي (ت: ٧٥٦هـ)
١٠٩ - الإبهاج في شرح المنهاج للبيضاوي (ت: ٦٨٠هـ)، تعليق: محمود بن السيد، بيروت، لبنان، ط١، ١٤٢٤هـ.
السرخسي، شمس الدين أبو بكر محمد بن أحمد (ت:٤٩٠هـ)
١١٠- المبسوط، الناشر: دار المعرفة، بيروت، لبنان، ١٤٠٦هـ.
١١١- تمهيد الفصول في الأصول المعروف بـ (أصول السرخسي)، تحقيق: أبو الوفا الأفغاني، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط١، ١٤١٤هـ.
الشافعي، أبو عبدالله محمد بن إدريس (ت: ٢٠٤هـ)
١١٢- الأم، دار الفكر للطباعة والنشر، ط٢، ١٤٠٣هـ.
الشاهرودي، السيد علي الحسيني (ت:١٣٧٦هـ)
١١٣- دراسات في الأصول العملية، المطبعة الحيدرية، النجف، ط١، ١٣٧١هـ.
١١٤- محاضرات في الفقه الجعفري، تعليق: عبد الرزاق المقرّم، المطبعة، النجف، ١٣٧٣هـ.
( ٢٤٩ )
الشاهرودي، نور الدين (معاصر)
١١٥- كبار العلماء والمراجع في الماضي والحاضر، مكتب عماد، طهران، ط٣، ١٤١٩هـ.
الشوشتري، محمد جعفر المروّج
١١٦- منتهى الدراية في شرح الكفاية، مؤسسة دار الكتاب، قم، إيران، ط٣، ١٤٢٠هـ.
الشيرازي، صدر الدين محمد (ت:١٠٥٠هـ)
١١٧- الحكمة المتعالية في شرح الأسفار الأربعة، الناشر: مكتبة المصطفى، مطبعة مهر استوار، قم، إيران، ب ت.
ابن الشهيد الثاني، الحسن بن زين الدين الجبعي العاملي (ت:١٠١١هـ)
١١٨- معالم الدين وملاذ المجتهدين، تحقيق ونشر: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم، ب ت.
الشهيد الثاني، زين الدين الجبعي العاملي (ت: ٩٦٥هـ)
١١٩- تمهيد القواعد، تحقيق ونشر مكتب الإعلام الإسلامي، خراسان، إيران، ط١، ١٤١٦هـ.
١٢٠ - الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية، المقدمة للشيخ محمد مهدي الآصفي، تحقيق: السيد محمد كلانتر،
منشورات جامعة النجف الدينية، العراق، النجف، ط٢، ١٣٩٨هـ.
١٢١- روض الجنان، الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، قم، ب ت، طبعة حجرية.
١٢٢- مسالك الأفهام في شرح شرائع الإسلام، تحقيق ونشر: مؤسسة المعارف الإسلامية، قم، إيران، مطبعة بهمن، ط١، ١٤١٣هـ.
الشهيد الأول، محمد بن جمال الدين مكي العاملي (ت: ٧٨٦هـ)
١٢٣- الدروس الشرعية في فقه الإمامية، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم، إيران، ب ت.
١٢٤- ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة، تحقيق ونشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، مطبعة ستارة، قم، إيران، ط١، ١٤١٩هـ.
١٢٥- القواعد والفوائد، تحقيق: السيد عبد الهادي الحكيم، منشورات جمعية منتدى النشر، مطبعة الآداب النجف، ١٤٠٠هـ.
١٢٦- اللمعة الدمشقية، منشورات دار الفكر، مطبعة قدس، قم، ط١، ١٤١١هـ.
( ٢٥٠ )
الصافي، حسن الأصفهاني (ت: ١٤١٦هـ)
١٢٧- الهداية في الأصول، تقريرات أبحاث أبي القاسم الخوئي، تحقيق ونشر: مؤسسة صاحب الأمر (عج)، مطبعة ستاره، قم، ط١، ١٤١٧هـ.
الصدر، السيد محمد باقر بن السيد حيدر (ت:١٤٠٠هـ)
١٢٨- دروس في علم الأصول، (الحلقة الثانية)، دار الكتاب اللبناني، بيروت، ط٢، ١٤٠٦هـ.
١٢٩- المعالم الجديدة للأصول، الناشر: مكتبة النجاح، طهران، ط٢، ١٣٩٥هـ، أوفست عن مطبعة النعمان، النجف الأشرف.
الصدوق، أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه (ت:٣٨١هـ)
١٣٠- عيون أخبار الرضا، تصحيح وتعليق وتقديم: حسين الأعلمي، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، لبنان، ١٤٠٤هـ.
١٣١- المقنع، تحقيق ونشر: مؤسسة الإمام الهادي (عليه السلام)، مطبعة اعتماد، ١٤١٥هـ.
١٣٢- من لا يحضره الفقيه، تصحيح وتعليق:علي أكبر الغفاري، الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم، ب ت.
١٣٣- الهداية في الأصول والفروع، تحقيق ونشر: مؤسسة الإمام الهادي (عليه السلام)، مطبعة اعتماد، ١٤١٨هـ.
الصغير، ا.د. محمد حسين بن الشيخ علي (معاصر)
١٣٤- أساطين المرجعية العليا في النجف الأشرف، مؤسسة البلاغ، لبنان، دار سلوني، ط١، ١٤٢٤هـ.
الطباطبائي، علي (ت:١٢٣١هـ)
١٣٥- رياض المسائل، تحقيق ونشر مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم، ط١، ١٤١٢هـ.
( ٢٥١ )
الطباطبائي، محمد حسين (ت:١٤٠٢هـ)
١٣٦- بداية الحكمة، تحقيق: عباس علي الزارعي، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم، ١٤١٨هـ.
الطباطبائي، محمد رضا بن محمد كاظم اليزدي
١٣٧- تنقيح الأصول، تقريرات أبحاث أغا ضياء الدين العراقي، المطبعة الحيدرية، النجف الأشرف، ١٣٧١هـ.
الطبرسي، أبو منصور أحمد بن علي (ت:٥٦٠هـ)
١٣٨- الاحتجاج، تعليق: محمد باقر الخرسان، دارالنعمان، النجف الأشرف، ١٣٨٦هـ.
الطريحي، فخر الدين بن محمد بن علي (ت:١٠٨٥هـ)
١٣٩- مجمع البحرين، تحقيق: السيد أحمد الحسيني، الناشر: مكتب النشر للثقافة الإسلامية، ب م، ط١، ١٤٠٨هـ.
الطوسي، أبوجعفر محمد بن الحسن (ت: ٤٦٠هـ)
١٤٠- الاستبصار فيما اُختلف من الأخبار، تحقيق وتعليق حسن الخرسان، دار الكتب الإسلامية، مطبعة خورشيد، طهران، ١٤٠٥هـ.
١٤١- تهذيب الأحكام، تحقيق وتعليق: السيد حسن الخرسان، الناشر: دار الكتب الإسلامية، مطبعة خورشيد، طهران، ط٣، ١٤٠٦هـ.
١٤٢- الخلاف، تحقيق: جماعة من المحققين ١٥٦- ١٤٠٧هـ.
١٤٣- الرسائل العشر، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم، إيران، ب ت.
١٤٤- العدّة في أصول الفقه، تحقيق وتعليق: السيد حسن الخرسان، الناشر: دار الكتب الإسلامية، مطبعة خورشيد، طهران، ط٤، ١٤٠٥هـ.
١٤٥- الفهرست، تحقيق: جواد القيومي، مؤسسة نشر الثقافة، مطبعة مؤسسة النشر الإسلامي، ط١، ١٤١٧هـ.
١٤٦- المبسوط في فقه الإمامية، تصحيح وتعليق: محمد علي الكشفي، الناشر: المكتبة المرتضوية لإحياء آثار الجعفرية، المطبعة الحيدرية، طهران، ١٣٨٧هـ.
المحقق الطوسي، نصير الدين محمد بن محمد بن الحسن (ت: ٦٧٢هـ)
١٤٧- شرح الإشارات والتنبيهات لابن سينا، المطبعة الحيدرية، طهران، ١٣٧٧هـ.
الطهراني، أغا بزرك محمد محسن (ت: ١٣٨٩هـ)
١٤٨- الذريعة إلى تصانيف الشيعة، دار الأضواء، بيروت، لبنان، ب ت.
١٤٩- طبقات أعلام الشيعة، نقباء البشر في القرن الرابع عشر، المطبعة العلمية، النجف، ١٣٧٣هـ.
( ٢٥٢ )
العاملي، حسين بن عبد الصمد (ت:٩٨٤هـ)
١٥٠- العقد الحسيني، تصحيح: جواد المدرسي، مطبعة كلبهار، يزد، إيران، ب ت.
العاملي، محمد جواد (ت: ١٢٢٦هـ)
١٥١- مفتاح الكرامة، تحقيق وتعليق: محمد باقر الخالصي، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم، إيران، ط١، ١٤١٩هـ.
عبد الساتر، حسن (معاصر)
١٥٢- بحوث في علم الأصول، تقريرات أبحاث محمد باقر الصدر، ناشر محبين، مطبعة ستارة، ١٤٢٣هـ.
العجلوني، إسماعيل بن محمد (ت: ١١٦٢هـ)
١٥٣- كشف الخفاء ومزيل الإلباس، دار الكتب العلمية، بيروت، ط٣، ١٤٠٨هـ.
العراقي، علي بن محمد المعروف بـ (أغا ضياء) (ت:١٣٦١هـ)
١٥٤- مقالات الأصول، تحقيق: السيد منذر الحكيم ومحسن العراقي، مجمع الفكر الإسلامي، مطبعة باقري، قم، ط١، ١٤١٤هـ.
العسكري، أبو هلال (ت:٣٩٥هـ)
١٥٥- معجم الفروق اللغوية، تحقيق ونشر: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم، إيران، ط١، ١٤١٢هـ.
عرفانيان، غلام رضا
١٥٦- الرأي السديد في الاجتهاد والتقليد، تقريرات أبحاث أبي القاسم الخوئي،، مطبعة النعمان، النجف، الأولى، ١٣٨٧هـ.
الغرابي، حميد جاسم عبود (معاصر)
١٥٧- الفقة الدستوري عند الإمام النائيني، دار المؤرخ العربي، بيروت، لبنان، ١٤٣١هـ.
الغروي، الميرزا علي التبريزي (ت: ١٤١٩هـ)
١٥٨- الاجتهاد والتقليد من التنقيح في شرح العروة الوثقى، تقريرات أبحاث أبي القاسم الخوئي، دار أنصاريان، مطبعة صدر، قم، إيران، ط٣، ١٤١٠هـ.
١٥٩- التنقيح في شرح المكاسب، كتاب البيع، مؤسسة الخوئي الإسلامية، مطبعة نينوى، ط٤، ١٤٣٠هـ.
( ٢٥٣ )
١٦٠- التنقيح في شرح العروة الوثقى، كتاب الصلاة، تقريرات أبحاث أبي القاسم الخوئي، دار الهادي، مطبعة صدر، قم، ط٣، ١٤١٠هـ.
١٦١- التنقيح في شرح العروة الوثقى، كتاب الطهارة، تقريرات أبحاث أبي القاسم الخوئي، مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، مطبعة بهرام، ط٢، ب ت.
الغزالي، أبو حامد محمد بن محمد (ت:٥٠٥هـ)
١٦٢- المستصفى في علم الأصول، تصحيح: محمد عبد السلام، دار الكتب العلمية بيروت، لبنان، ١٤١٧هـ.
١٦٣- المنخول من تعليقات الأصول، تحقيق: محمد حسن هيتو، الناشر: دار الفكر دمشق، مطبعة دار الفكر المعاصر، بيروت، ط٣، ١٤١٩هـ.
فتح الله، أحمد (معاصر)
١٦٤- معجم ألفاظ الفقه الجعفري، مطابع المدوخل، الدمام، ط١، ١٤١٥هـ.
الفراهيدي، الخليل بن أحمد (ت: ١٧٥هـ)
١٦٥- كتاب العين، تحقيق:د. مهدي المخزومي ود. إبراهيم السامرائي، مؤسسة دار الهجرة، ط٢، ١٤٠٩هـ.
الفضلي، د. عبد الهادي (معاصر)
١٦٦- خلاصة علم الكلام، ب م، ب ت.
١٦٧- هكذا قرأتهم، دار المرتضى، لبنان، ط١، ١٤٢٢هـ.
الفياض، محمد إسحاق (معاصر)
١٦٨- محاضرات في أصول الفقه، تقريرات أبحاث الخوئي، مباحث الألفاظ، مؤسسة النشر الإسلامي، إيران، قم، ط١، ١٤١٩هـ.
١٦٩- المختصر في الحياة العلمية لزعيم الطائفة السيد الخوئي، إصدار مكتب الشيخ الفياض في النجف الأشرف، ١٤٢٧هـ.
آل قاسم، د. عدنان فرحان (معاصر)
١٧٠- تطور حركةالإجتهاد عند الشيعة الإمامية، دار المصطفى العالمية، ط١، ١٤٣٠هـ.
الفيومي، أحمد بن محمد (ت:٧٧٠هـ)
١٧١- المصباح المنير، المكتبة العلمية، بيروت، ب ت.
( ٢٥٤ )
القاضي، أبو حنيفة النعمان بن محمد بن منصور (ت:٣٦٣هـ)
١٧٢- دعائم الإسلام وذكر الحلال والحرام والقضايا والأحكام، تحقيق: آصف بن علي أصغر فيضي، دار المعارف القاهرة، ١٣٨٣هـ.
القطيفي، منير الخبّاز (معاصر)
١٧٣- الرافد في علم الأصول، تقريرات أبحاث السيد علي السيستاني، قم، مطبعة مهر، مكتب آية الله العظمى السيد السيستاني، ط١، ١٤١٤هـ.
القمي، المحقق الميرزا أبو القاسم بن محمد حسن (ت١٢٣١هـ)
١٧٤- جامع الشتات، باللغة الفارسية، تحقيق: مرتضى رضوي، مؤسسة كيهان، مطبعة كيهان، ط١، ١٤١٣هـ.
١٧٥- قوانين الأصول، طبعة حجرية، المكتبة العلمية، طهران، ١٣٧٨هـ.
الكاظمي، محمد علي (ت:١٣٦٥هـ)
١٧٦- فوائد الأصول، تقريرات أبحاث الشيخ النائيني، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، ط٩، ١٤٢٩هـ.
كحالة، عمر (معاصر)
١٧٧- معجم المؤلفين تراجم مصنفي الكتب العربية، مكتبة المثنى، ودار إحياء التراث، بيروت، لبنان، ب ت.
كرجي، د. أبو القاسم (معاصر)
١٧٨- نظرة في تطور علم الأصول، ترجمة: محمد علي آذر شب، منشورات المكتبة الإسلامية الكبرى، مؤسسة البعثة، إيران، ط١، ١٤٠٢هـ.
الكركي، علي بن الحسين (ت:٩٤٠هـ)
١٧٩- جامع المقاصد تحقيق ونشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، المطبعة المهدية، قم، ط١، ١٤٠٨هـ.
الكلانتري، الميرزا أبو القاسم بن محمد الطهراني (ت: ١٢٩٢هـ)
١٨٠- مطارح الأنظار، تقريرات أبحاث الشيخ مرتضى الأنصاري تحقيق ونشر مجمع الفكر الإسلامي إيران، قم، ط٢، ١٤٢٨هـ.
( ٢٥٥ )
الكليني، محمد بن يعقوب (ت: ٣٢٩هـ)
١٨١- الكافي، تصحيح وتعليق: علي أكبر الغفاري، دار الكتب الإسلامية، طهران، مطبعة حيدري، ط٥، ١٤٠٥هـ.
كني، الملّا علي (ت: ١٣٠٦هـ)
١٨٢ - توضيح المقال في علم الرجال، تحقيق: محمد حسين مولوي، دار الحديث، مطبعة سرور، إيران، قم، ط١، ١٤٢١هـ.
الكوكبي، أبو القاسم بن علي أصغر التبريزي
١٨٣- مباني الاستنباط، تقريرات أبحاث أبي القاسم الخوئي، مطبعة النجف، النجف الأشرف، ١٣٧٧هـ.
اللطفي، رضا التبريزي
١٨٤- الدرر الغوالي في فروع العلم الإجمالي، تقريرات أبحاث أبي القاسم الخوئي، مطبعة باكشتي، طهران، ١٤٠٩هـ.
اللنكرودي، محمد حسن (معاصر)
١٨٥- جواهر الأصول، تقريرات أبحاث روح الله الخميني، تحقيق ونشر: مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني، مطبعة مؤسسة العروج، ط١، ١٤١٨هـ.
ابن ماجة، محمد بن يزيد القزويني (ت:٢٧٥هـ)
١٨٦- سنن ابن ماجة، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار الفكر، بيروت، ب ت.
المازندراني، علي أكبر السيفي (معاصر)
١٨٧- بدائع البحوث في علم الأصول، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم، ط٢، ١٤٢٩هـ.
مجمع الفكر الإسلامي (مجموعة باحثين)
١٨٨- موسوعة مؤلفي الإمامية، مطبعة شريعت، قم، ط١، ١٤٢٩هـ.
المراغي، أمير عبد الفتاح الحسيني (ت: ١٢٥٠هـ)
العناوين الفقهية، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم، ط١، ١٤١٧هـ.
( ٢٥٦ )
المرتضى، أحمد بن عبدالله الجنداري (ت:٨٤٠هـ)
١٩٠- تراجم الرجال المذكورة في شرح الأزهار، مكتبة غمضان، صنعاء، اليمن، ب ت.
المرتضى، الشريف علم الهدى علي بن الحسين (ت: ٤٣٦هـ)
١٩١- الانتصار، تحقيق ونشر مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم، ١٤١٥هـ.
١٩٢- الذريعة إلى أصول الشريعة، تصحيح وتقديم وتعليق أبو القاسم كرجي، انتشارات دانشكاه طهران (جامعة طهران)، ١٣٨٨هـ.
١٩٣- رسائل المرتضى، تقديم أحمد الحسيني، دار القرآن الكريم، مطبعة الخيام، قم، ١٤٠٥هـ.
١٩٤- الناصريات، تحقيق مركز البحوث والدراسات الإسلامية، نشر رابطة الثقافة والعلوم الإسلامية، مطبعة مؤسسة الهدى، طهران، إيران، ١٤١٧هـ.
مركز المعجم الفقهي (مجموعة باحثين)
١٩٥- المصطلحات، ب م، ب ت.
المشكيني، الشيخ علي (معاصر)
١٩٦- اصطلاحات الأصول، دار نشر الهادي، قم، ط٥، ١٤١٣هـ.
المظفر، الشيخ محمد رضا بن محمد حسن (ت:١٣٨٣هـ)
١٩٧- أصول الفقه، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، ب ت.
١٩٨- المنطق، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المقدسة، إيران، ب ت.
المفيد، محمد بن محمد العُكبري (ت: ٤١٣هـ)
١٩٩- المُقنعة، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المقدسة، إيران، ط٢، ١٤١٠هـ.
مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي (مجموعة باحثين)
٢٠٠- رثاء القمر، تحقيق وجمع مؤسسة الإمام الخوئي الخيرية، إيران، قم، ط٢، ١٤٢١هـ.
الميلاني، علي (معاصر)
٢٠١- حكم الأرجل في الوضوء، الذكرى الألفية لوفاة الشيخ المفيد، مطبعة مهر، قم، ط١، ١٤١٣هـ.
( ٢٥٧ )
المنصوري، أياد عبد الحسين (معاصر)
٢٠٢- نظرية التزاحم الحفظي، مؤسسة دار مدين، مطبعة سرور، قم، إيران، ط١، ١٤٣١هـ.
النجفي، محمد حسن (ت:١٢٦٦هـ)
٢٠٣- جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، تحقيق وتعليق عباس القوجاني، دار الكتب الإسلامية، طهران، مطبعة خورشيد، ط٢، ١٤٠٧هـ.
النحّاس، أبو جعفر أحمد بن محمد النحوي (ت: ٣٣٨هـ)
٢٠٤- معاني القرآن الكريم، تحقيق: محمد علي الصابوني، مركز إحياء التراث الإسلامي، المملكة العربية السعودية، ط ١، ١٤٠٨هـ.
النراقي، المولى أحمد بن محمد مهدي (ت: ١٢٤٥هـ)
٢٠٥- عوائد الأيام، تحقيق مركز الأبحاث والدراسات الإسلامية، مكتب النشر التابع لمركز الإعلام الإسلامي، ط١، ١٤١٧هـ.
٢٠٦- مستند الشيعة في أحكام الشريعة، تحقيق مؤسسة آل البيت (ع) لإحياء التراث، مشهد، نشر مؤسسة آل البيت (ع) لإحياء التراث، قم، مطبعة ستارة، ط١، ١٤١٥هـ.
٢٠٧- مناهج الأحكام والأصول (طبعة حجرية)، طهران، ١٣٤٤هـ.
النوري، الميرزا حسين (ت:١٣٢٠هـ)
٢٠٨- مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل، تحقيق ونشر مؤسسة آل البيت (ع) لإحياء التراث، بيروت، لبنان، ط١، ١٤٠٨هـ.
النهاوندي، الملّا علي بن فتح الله (ت:١٣٢٢هـ)
٢٠٩- تشريح الأصول (طبعة حجرية)، دار الخلافة، طهران، ١٣٢٠هـ.
الواسطي، أحمد (معاصر)
٢١٠- سيرة وحياة الإمام الخوئي، دار الهادي، بيروت، ط١، ١٤١٩هـ.
الوحيد البهبهاني، محمد باقر (ت:١٢٠٥هـ)
٢١١- حاشية مجمع الفائدة والبرهان، تحقيق ونشر مؤسسة العلامة المجدّد الوحيد البهبهاني، مطبعة أمير، ط١، ١٤١٧هـ.
الهاشمي، محمود الشاهرودي (معاصر)
٢١٢- بحوث في علم الأصول، تقريرات أبحاث محمد باقر الصدر، مؤسسة دائرة معارف الفقه الإسلامي، إيران، قم، ط٣، ١٤١٧هـ.
( ٢٥٨ )
الهمداني، محمد رضا (ت: ١٣٢٢هـ)
٢١٣- مصباح الفقيه (طبعة حجرية)، منشورات مكتبة الصدر، طهران
الهيثمي، علي بن أبي بكر (ت: ٨٠٧هـ)
٢١٤- مجمع الزوائد، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٠٨هـ.
اليزدي، محمد كاظم (ت: ١٣٣٧هـ)
٢١٥- العروة الوثقى، تحقيق ونشر مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم، ط١، ١٤١٧هـ.
الرسائل الجامعية
٢١٦- أمين القضاة، مدرسة الحديث في البصرة حتى القرن الثالث الهجري، أطروحة دكتوراه، كلية أصول الدين، جامعة الأزهر، ١٩٨٠م.
٢١٧- بوهان، زينب خضير، مدرسة الإمام الرضا (عليه السلام) في علم الحديث، جامعة الكوفة، كلية الفقه، رسالة ماجستير، ٢٠٠٧م.
٢١٨- الخفاجي، محمود شاكر، منهج السيد الخوئي في معجم رجال الحديث، رسالة ماجستير، جامعة الكوفة، كلية الفقه، ٢٠٠٦م.
٢١٩- خميس، محمد عبد الحمزة، البحث القرآني في كتاب البيان للإمام الخوئي، رسالة ماجستير، جامعة الكوفة، كلية الفقه، ٢٠٠٧م.
٢٢٠- العوّادي، صادق حسن علي، البحث الكلامي عند الشيخ الأميني في كتابه الغدير، رسالة ماجستير، جامعة الكوفة، كلية الفقه، ١٤٣٠هـ.
٢٢١- العمر، عبدالله بن محمد الأخلاق بين المدرستين السلفية والفلسفية (مسكويه وابن القيم أنموذجاً)جامعة الإمام محمد بن سعود، أطروحة دكتوراه، ١٤٢٧هـ.
٢٢٢- الشريف الكتاني، محمد بدر الدين، في مدرسة الكوفة الفقهية (دراسة مقارنة بين الإمامين إبراهيم النخعي وأبي حنيفة) جامعة الحسن الثاني، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الدار النبطية، رسالة ماجستير،، ١٩٩١م.
٢٢٣- القريشي، مظاهر جاسم عبد الكاظم، مدرسة الكوفة في تفسير القرآن العظيم حتى القرن الثالث الهجري، أطروحة دكتوراه، جامعة الكوفة، كلية الفقه، ١٤٣١هـ.
٢٢٤- موسى، محمد الثاني عمر، المدرسة الحديثية في مكة والمدينة وأثرها في الحديث وعلومه من نشأتها حتى نهاية القرن الثاني الهجري، أطروحة دكتوراه، الجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، كلية الحديث الشريف والدراسات الإسلامية، ١٤٢١هـ.
٢٢٥- الهلول، بسام عبد الكريم، مدرسة الكوفة في الفقه والتشريع من ٥٠ - ١٥٠هـ، جامعة القرويين، دار الحديث الحسنية، الرباط، ١٩٨٠م.
( ٢٥٩ )
المجلات والدوريات
٢٢٦- الإمام الخوئي المرجع الشيعي الأكبر، مسيرة المرجعية المتطورة، بحث لـ د. محمد بن علي بحر العلوم، المركز الوثائقي لتراث أهل البيت عليهم السلام، أكاديمية الكوفة، هولندا.
٢٢٧- بحوث المؤتمر العلمي الأول في كلية الفقه، الفقه الدستوري في مدرسة النجف الأشرف مساهمة وإثراء، بحث لـ د عبد الأمير زاهد، جامعة الكوفة، سنة ٢٠٠٦م.
٢٢٨- مجلة النجف الأشرف، المعتزلة مدرسة أم مذهب؟ بحث لـ د. محمود محمد حسن المظفر، إصدار كلية الفقه، العدد ١، سنة ١٩٦٢م
الأقراص المدمجة
٢٢٩- مكتبة أهل البيت (عليهم السلام)، مركز المعجم الفقهي، إيران، قم.
٢٣٠- المكتبة الشاملة، الإصدار الثاني، الكويت.
المواقع الإلكترونية
www.islamicfegh.com
( ٢٦٠ )
Ministry of Higher Education & Scientific Research
University of Kufa
College of Jurisprudence
The Usuli School for Sayed Al-Khoo`ey and
its Jurisprudential Applications
Thesis
Submitted to the Council of the College of
Jurisprudence \ University of Kufa as a Partial
Fulfillment of the Requirements of the Ph. D. in Sharia
and Islamic Sciences
By:
Sadiq Hasen Ali AL-AwwadY
Supervised by:-
Assist. Pro. Dr. Hadi Hussain al-Ghara`wy
2012A.D
1433A.H
( ٢٦١ )
Abstract
The Holy Najaf , in its past and present, is a very important resource of knowledge and science since the time when Imam Ali had resident there (d.40A.H) followed by his grandson Imam Ja`efer Al-Sadiqh (d.148 A.H).Sheikh Abu /ja`1efer al-Toosy (d.460 A.H)had lived there and made it a home of science and knowledge, hence the Hawza was formed and attracted so many peerless students, one of them is Sayed Abu Al-Qasim Al-Khoo`ey(d. 1413A.H \ 1992 A.D) he had studied for the greatest scientists of his era such as Al-Iraqi, Al-Na`eyny and Al- Asphahany and others, with his genius he had became a distinguished figure, left a great number of books and for him many students had studied to be maraje`a, mujtahds and thinkers.
The research obtained the following results:-
1-He had adopted an opinion that emphasized that the question usuli is connected with the debate and the different opinions upon it , if it was a clear one , so it is not an usuli question, because the science of Usul is to apply the general theories and define the common rules according to their general conditions of the jurisprudential thinking, hence the science of Usul is a theoretical one and that of Jurisprudence is a practical one.
2- His usuli research proved the invalidity of the subjective significance between term and meaning and that it is of the Divine specialization, emphasizing that it is a pure positional one had been put by Man with the Divine blesses.
3- The research proved that the origin of commitment is the investor Ali bin Fateh (Allah Al-Nahawendy (d.1322A.H) and those who had followed him had affected by him such as Sheikh Abdul-Kareem Al-Ha`ery (d. 1355A.H) and Sheikh Abu Al-Majed Mohammed Ridha Al-Asphahany Al-Najafy(d. 1362A.H). Sayed Al-Khoo`ey had added to the opinion by clarifying it and presenting it as an usuli theory with jurisprudential applications.
( ٢٦٢ )
4- One of features of his usuli research is the multi dissections upon the famous fatwa , , the famous Hadith is the preferred when the two narration are opposite and that the actually famous Hadith is not of a great benefit.
5- Sayed Al-Khoo`ey had no fixed march in his jurisprudential applications of his usuli structure upon fame, and this is the rightful behave of the objective researcher.
6-Saying that presumption is an origin not a proof is one of the usuli features for Sayed Al-Khoo`ey, emphasizing that it is less important than the other proofs.
7-The research clarified the distinguished scientific personality of - Sayed Al-Khoo`ey with his spirit of inventing of theories and usuli opinions and their exact in the jurisprudential sections.
8-He had added many cognitive additions to the usuli research , this thesis shows these additions in details.
9-He was distinguished with been an encyclopedic scientist had many books in the different fields:- Principles of Jurisprudence, Jurisprudence, science of Qura`n and etc..
10-Many of the students who studied the sciences of religion had get the greatest use of the science of Sayed Al-Khoo`ey to be be maraje`a, mujtahds and thinkers such as Sayed Mohammed Baqir Al-Sader, Sayed Ali- Al-Hussainy Al-Sistany, Sayed Kadhim Al-Ha`ery, Sayed Mohammed Sadiq Al-Rawhany, Sheikh Al-Fayadh, Sheikh Al-Khurasany, Sheikh Al-Tabreezy, Sheikh Basheer Al-Bakstany, Sheikh Al-Garawy, Sheikh Al-Barwojurdy and others.
10- The Usuli and Jurisprudential methodology for Sayed Al-Khoo`ey was distinguished with preferring the traditional understanding on the mental and philosophical one and that
( ٢٦٣ )
affected defining the rules subjects, while his master had different methodology:-Al- Asphahany school is distinguished with the philosophical feature, Al-Iraqi school is distinguished with the scientific feature and Al-Na`eyny school is distinguished with the philosophical and scientific feature.
11- Based on the previous results we might say that Sayed Al-Khoo`ey had an independent Usuli school because it fulfilled the conditions that the research put for the school, and he is the pioneer of this school.
( ٢٦٤ )