logo

2022-11-09 6325

التكفير في الصلاة

Album
default
default السيد محمد رضا السيستاني

التكفير في الصلاة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وأصحابه المنتجبين.

وبعد: القرآن الكريم والسنّة الشريفة هما المصدران الأساس للتشريع عند فقهاء المسلمين قاطبة، ولكن استنطاق نصوصهما ودراسة مناخ النصّ وملابساته وسائر العوامل المؤثّرة في استنباط الحكم الشرعي ليس أمراً سهل المنال، بل يكتنفه الكثير من الصعوبات التي تزداد تعقيداً كلّما ابتعدنا عن عصر صاحب الرسالة(صل الله عليه وآله وسلم) أكثر فأكثر.

وصار على الفقيه الذي يمارس الاستنباط أن يستعين بوسائل إثبات إضافية ومصادر تشريعيّة جانبيّة، يستشرف منها على المصدر الأساس (الكتاب والسُنّة) ليصل في النهاية إلى الموقف المطلوب شرعاً.

وبقدر ما تكون هذه الوسائل والمصادر بعيدة عن النزعات الفردية والانطباعات الشخصية المسبقة؛ وغير متأثرة بالعوامل السياسية والاجتماعية والرواسب الحضارية القديمة أو الدخيلة؛ تكون النتيجة أقرب إلى الصواب.

ولعلّ ما يُلاحظ من اختلاف المسلمين وتفرّقهم مذاهب ومدارس فقهيّة متعدّدة بعد الصدر الأول الإسلامي يُعزى في جانب كبير منه إلى عدم سلامة الوسائل الجانبيّة المستخدمة في عملية الاستنباط وعدم تجرّدها عمّا أُشير إليه من المؤثّرات الخارجية.

( 485 )


وقد تسبّب ذلك في خلافات كبيرة لم تترك جانباً من جوانب الحياة الفردية والاجتماعية للمسلمين إلاّ ولجته، حتى امتدت إلى أهم شعيرة من شعائر الإسلام وأقوى وشيجة من الوشائج بين المسلمين، وهي فريضة الصلاة المباركة فأصبح المسلمون -تبعاً لمذاهبهم الفقهيّة- مختلفين في أدائها من وجوه كثيرة بدءاً من مقدّماتها كالوقت والطهور والأذان والإقامة، ومروراً بأفعالها وأقوالها وهيئاتها؛ وانتهاءً إلى ما يتعقّبها من الآداب والمستحبّات.

ومن أبرز مظاهر الاختلاف بينهم فيها ظاهرة التكفير (التكتّف) التي تنتشر بين المسلمين السُنّة أتباع المذهب الحنفي والشافعي والحنبلي، ويخالفهم في ذلك معظم المسلمين السنّة من أتباع المذهب المالكي، والمسلمون الشيعة أتباع المذهبين الاثنى عشري والزيدي.

وإذا كان الاختلاف بينهم في مشروعيّته واستحبابه في الصلاة قائماً منذ قرون متطاولة؛ ولا سبيل إلى فصله بما يكون مرضيّاً ومقبولاً لدى الجميع؛ فالذي يفترض -والحال هذه- أن يتعامل أتباع المذاهب المتخالفة فيما بينهم وفق ما أوصت به الشريعة الغرّاء؛ من احترام الرأي المقابل والاجتناب عن التشنيع على أصحابه ومعتنقيه، على خلاف ما هو الواقع والمشاهد أحياناً.

حكى الأُستاذ محمد التيجاني السماوي قال: دخلت مسجد أبي حنيفة في القاهرة لأداء صلاة العصر جماعة، فما راعني بعد الصلاة إلا والرجل الذي كان قائماً بجانبي يقول لي في غضب: (لماذا لا تُكتّف يديك في الصلاة؟) فأجبته بأدب واحترام: إن المالكية يقولون بالسدل وأنا مالكي، فقال لي: (اذهب إلى مسجد مالك وصلّ هناك)، فخرجت مستاءً ناقماً على هذا التصرّف(1).

ولو اقتصر الأمر على هذه الطبقة من السذّج لكنّا في فسحة من الأمر

______________________________

(1) ثم اهتديت ص28.

( 486 )


إذ نعتذر لهم بقلّة الوعي، لكن ما بالك حينما يأتي النقد والتجريح من شرائح مثقّفة في المجتمع (طلاب جامعيين) يُفترض فيهم أن يكونوا على فهم تامٍّ بالقضيّة وأن يعالجوا الموقف بما أَمر به الله ورسوله(صل الله عليه وآله وسلم).

أمن الصحيح أن يتعايش الطالب الجامعي الإمامي أو المالكي مع إخوانه أتباع المذاهب الأُخرى بحالة حرج لما يسمعه منهم أنه يترك السُنّة المحمديّة في الصلاة؟!!

أفهكذا عوّدنا القرآن الكريم ونبينا محمد(صل الله عليه وآله وسلم) أن نتعامل مع من يختلف معنا في الرأي؟، أم أوصتنا الشريعة المقدّسة أن نحترم آراء الآخرين ولو كانوا من أتباع الديانات الأُخرى؟ فكيف فيما بيننا نحن المسلمين؟!

ولأجل أن تتّضح الصورة ناصعةً حول موضوع التكفير قمت بمراجعة وجهات نظر جميع المذاهب الإسلامية، مقارناً إياها بما هو المأثور من سُنّة النبي(صل الله عليه وآله وسلم) قولاً وفعلاً، محاولاً البحث عنها بأمانة وموضوعيّة بعيداً عن الرواسب الذهنية والخلفيات المذهبية، لكي أصل إلى وجهة النظر المطابقة لسُنّة المصطفى(صل الله عليه وآله وسلم) بحكم البرهان والدليل.

ومن الله تعالى استمدّ الاعتصام وهو حسبنا ونعم الوكيل.

( 487 )


التكفير لغةً وشرعاً

الكفر لغةً ستر الشيء، وهو الأصل في معظم اشتقاقات هذه المادة، فيُسمى الكافر كافراً لأنه ستر أنعم الله، وقيل لأنه مُغطّى قلبه، ويوصف الليل بالكافر لأنه يستر بظلمته كلّ شيء، والكفر: القبر ومنه قولهم: (اللهم إغفر لأهل الكفور)، وسمّيت الكفّارات كفّارات لأنها تكفّر الذنوب أي تسترها، والتكفير: أن يتكفّر المحارب في سلاحه، والتكفير في المعاصي كالإحباط في الثواب(1).

ويُطلق التكفير -أيضاً- على نحو من الخضوع والتعظيم للغير، وقد اختلف اللغويون في تحديده على أقوال أهمّها:

(أ) أنه السجود للغير، كما قاله ابن دريد(2)، أو الإيماء بالرأس قريباً من السجود كما يظهر من كلام الخليل وغيره(3).

(ب) أنه طأطأة الرأس، ذكره ابن منظور قائلاً: التكفير لأهل الكتاب أن يُطأطئ أحدهم رأسه لصاحبه كالتسليم عندنا(4).

______________________________

(1) لاحظ تاج العروس ج3 ص526 ولسان العرب ج3 ص273 ومفردات ألفاظ القرآن ص451 وتهذيب اللغة ج1 ص200 والمصباح المنير ج2 ص85.

(2) جمهرة اللغة ج2 ص401.

(3) العين ج5 ص357، قال الفيروزآبادي وغيره: الكفر هو تعظيم الفارسي لملكه، قال الزبيدي: وهو أن يومئ برأسه قريباً من السجود (لاحظ تاج العروس ج3 ص526).

(4) لسان العرب ج3 ص275.

( 488 )


(ج) إنّه وضع اليد على الصدر، حكاه الأزهري(1) قال: قال أبو عبيد: التكفير أن يضع الرجل يده على صدره، وأنشد بيت جرير:

وإذا سمعت بحرب قيس بعدها فضعوا السلاح وكفّروا تكفيرا

(د) إنّه وضع اليد على الصدر مع طأطأة الرأس، ويظهر هذا من الجوهري في الصحاح قال: والتكفير أن يخضع الإنسان لغيره كما يكفّر العلج للدهاقين يضع يده على صدره ويتطامن له أي ينخفض له(2).

ويُطلق (التكفير) في الفقه الإمامي على وضع إحدى اليدين على الأُخرى في حال القيام في الصلاة تخضّعاً لله تعالى، وليس لهذا تسمية معيّنة في الفقه السُنّي بل يُعبّر عنه بـ (وضع اليمين على الشمال) وربما سمّي بـ (التكتّف) ويقابله (الإرسال) و(السدل) والأخير اصطلاح مُستحدث لم يكن في كلمات المتقدمين.

ومهما يكن فالتكفير -عند القائلين باستحبابه والمانعين عنه- من الهيئات الخضوعيّة، أي ما يُقصد به الخضوع لله تعالى، فليس هو مطلق وضع اليمين على اليسار، بل خصوص ما كان منه بداعي التخضّع والتذلّل للرّب عزّ وجل، فكما أنّ الركوع ليس هو مطلق الانحناء البالغ حدّ وصول الأصابع إلى الركبتين بل خصوص الانحناء الخضوعي على الوجه المذكور؛ كذلك الحال في التكفير تماماً.

فلو وضع المصلّي يمينه على شماله في حال القيام لا لداعي الخضوع بل لغرض آخر كالاعتماد أو نحوه لم يصدق عليه (التكفير) وليس هو ما وقع النزاع في كونه من سنن الصلاة أم لا.

ويظهر هذا جليّاً من كلمات جمع من القائلين باستحبابه حيث علّلوا

______________________________

(1) تهذيب اللغة ج1 ص200.

(2) الصحاح ج2 ص808.

( 489 )


ذلك بأنه صفة السائل الذليل وأنه أقرب إلى الخشوع كما حكاه الحافظ بن حجر عن العلماء(1)، أو بأنه وقفة العبد الذليل لمولاه كما قاله أشهب تلميذ الإمام مالك(2) أو بأن معناه ذلّ بين يدي عزّ كما حكاه المرداوي عن الإمام أحمد بن حنبل(3).

فيظهر من هؤلاء وغيرهم الاتفاق على اعتبار قصد الخضوع والتعظيم في هذه الهيئة الصلاتية كسائر هيئاتها من الركوع والسجود ورفع اليدين للقنوت وغيرها.

وهل يُعتبر في (التكفير) بالإضافة إلى الخضوع اشتماله على الاعتماد أم يُعتبر خلوّه عنه أم لا يُعتبر فيه هذا ولا ذاك؟ وجوه واحتمالات:

(أ) قال الحاكم أبو الفضل محمد بن أحمد المروزي الحنفي في عداد سنن الصلاة: «ويعتمد بيمينه على يساره في قيامه في الصلاة»، وقرّره عليه شارحه شمس الدين السرخسي في المبسوط(4)، وظاهره اعتبار الاعتماد في وضع اليمين على اليسار، ولعلّه بالنظر إلى أن الظاهر من أحاديث التكفير المشتملة على لفظة (الوضع) و(يضع) ونحوها من اشتقاقات هذه المادة اعتبار الاعتماد فيه في الجملة، لتقوُّم مفهوم (الوضع) بالاعتماد وإلقاء الثقل وعدم كفاية مجرّد المماسة في صدقه، ومن هنا عُدّ الاعتماد من واجبات السجود نظراً إلى تفسير السجود في المعاجم اللغوية بـ (وضع الجبهة على الأرض).

ولكن هذا الوجه ضعيف، فإن الوضع أعمّ من المشتمل على

______________________________

(1) نيل الأوطار ج2 ص209، وفي معناه ما ذكره الآبي والباجي (لاحظ إكمال إكمال المعلم ج2 ص157 والمنتقى في شرح الموطأ ج1 ص281).

(2) المدوّنة الكبرى ج1 ص74 الهامش.

(3) الإنصاف ج2 ص46.

(4) المبسوط ج1 ص23.

( 490 )


الاعتماد والمجرّد عنه كما يظهر بمراجعة قواميس اللغة، واعتبار الاعتماد في السجود ممنوع كما حُقّق في محلّه.

(ب) حكى الزرقاني عن الإمام أبي حنيفة أنه قال: السُنّة وضعهما -أي اليدين- تحت السرّة ويقبض بيمناه على الكوع وبعض المعصم من اليُسرى ولا يعتمد عليها(1).

وقال القاضي عياض في الردّ على ابن القاسم حيث حكى عن الإمام مالك التفصيل في التكتف بين الفريضة والنافلة: «إن رواية ابن القاسم عن مالك في التفرقة بين الفريضة والنافلة في وضع اليُمنى على اليُسرى غير صحيحة، لأن وضع اليُمنى على اليُسرى إنما اختلف هل هو من هيئات الصلاة أم لا؟ وليس فيه اعتماد فيفرّق فيه بين الفريضة والنافلة»(2).

ويبدو من هذين النصّين أنه يُعتبر في التكفير خلوّه عن الاعتماد، ولعلّه بالنظر إلى عدم انسجامه مع الخضوع المعتبر فيه، إلا أنّه غير واضح، نعم التكفير الخالي عن الاعتماد أكثر تناسباً مع الخضوع والتذلّل، ولكن هذا لا يقتضي اعتبار خلوّه عنه.

(ج) فالنتيجة: إن ما هو الظاهر من كلمات معظم الفقهاء من عدم اعتبار الاعتماد في التكفير وعدم اعتبار خلوّه عنه هو الصحيح.

وأما كيفيّة التكفير ففيها أقوال كثيرة ومنها:

1- أن يقبض بكفّ اليمنى كوع اليسرى وبعض رسغها وساعدها.

2- أن يضع بعض يده على الكفّ وبعضها على الذراع.

3- أن يقبض بكفّ اليُمنى رسغ اليُسرى وتكون السبّابة والوسطى ممتدّين على الذراع.

______________________________

(1) شرح الموطأ ج2 ص48.

(2) المدونة الكُبرى ج1 ص74 الهامش.

( 491 )


4- أن يضع باطن كفّ يمينه على ظاهر كفّ شماله.

5- أن يضع كفّ يده اليمنى على وسط ساعده الأيسر(1).

وفي محلّ التكفير أيضاً أقوال كثيرة منها:

(أ) أن محلّه حذاء النحر، حكاه البيهقي عن ابن عباس(2).

(ب) أن محلّه الصدر، حكاه السمرقندي عن الشافعي(3).

(ج) أن محلّه تحت الصدر فوق السرّة، قال النووي إنّه مذهب الشافعي وبه قال ابن حنبل(4).

(د) أن محلّه السرّة، قال الثوري: به قال أبو حنيفة والثوري والمروزي من الشافعية، وحكاه ابن المنذر عن جمعٍ منهم أبو هريرة والنخعي وأبو مجلز وأحمد بن حنبل(5).

(هـ) أن محلّه فوق السرّة وتحتها، حكاه النووي عن ابن المنذر وقال إنه مروي عن أحمد بن حنبل أيضاً(6).

ثم إنه لا خلاف بين المسلمين في عدم وجوب التكفير في الصلاة وإن حاول الشوكاني أن يشكّك في تحقّق الإجماع على ذلك قائلاً: «فالقول بالوجوب هو المتعيّن إن لم يمنع منه إجماع، على أنا لا ندين بحجيّة الإجماع، بل نمنع إمكانه ونجزم بتعذر وقوعه»(7).

______________________________

(1) لاحظ إكمال إكمال المعلم ج2 ص157 والإنصاف ص46 والمجموع في شرح المهذب ج3 ص310 والمصنّف لابن أبي شيبة ج1 ص390 وتفسير الطبري ج3 ص210.

(2) السُنن الكبرى ج2 ص31.

(3) تحفة الفقهاء ج1 ص219.

(4) المجموع في شرح المهذّب ج3 ص313.

(5) المجموع في شرح المهذّب ج3 ص313.

(6) المجموع في شرح المهذب ج3 ص313.

(7) نيل الأوطار ج2 ص210.

( 492 )


ولكن الظاهر أنه لم يذهب أحدٌ من المسلمين إلى وجوبه(1) وإنما اختلفوا في استحبابه وعدمه:

فـ (منهم) من قال إنه سُنّة ثابتة عن النبي(صل الله عليه وآله وسلم)، فهو عمل مستحب يؤتى به بقصد الأمر الشرعي الاستحبابي، ويُثاب المصلّي عليه كما في سائر سنن الصلاة ومستحبّاتها كرفع اليدين حال التكبير.

و(منهم) من أنكر ذلك ولم يسلّم ورود الأمر به شرعاً فقال: إن الإتيان به بهذا القصد بدعة محرّمة.

واستدلّ الجمع الأول بطائفة من الروايات التي أخرجها أصحاب الصحاح والسنن والمسانيد والمصنّفات.

وأما الجمع الثاني فيكفيهم دليلاً على ما ذكروه إثبات عدم صحّة تلكم الروايات؛ لتطرّق المناقشة إليها سنداً أو متناً أو دلالة، أو معارضتها بروايات أُخرى من دون أن تترجّح عليها ببعض المرجّحات المعتبرة شرعاً.

فلا بدّ -إذاً- من استعراض الروايات التي استدلّ بها من أثبت كون التكفير سنّة شرعية لنتحقّق من مدى صلاحيّتها لإثبات هذا المدّعى، كما لا بدّ -قبل ذلك- من بيان اختلاف الصحابة والتابعين والمذاهب الإسلامية في كون التكفير من السُنن لئلاّ يتوهّم قيام الإجماع على ذلك.

______________________________

(1) لاحظ إكمال إكمال المعلّم ج2 ص157.

( 493 )


التكفير عند الصحابة والتابعين والمذاهب الإسلامية

يبدو من كلمات بعض القائلين باستحباب التكفير أن ذلك كان أمراً مسلّماً واضحاً في العصر الأول الإسلامي على عهد الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وإنما حدث الخلاف فيه في العصور المتأخّرة.

قال النووي -بعد أن حكى استحباب التكفير عن جمع من الصحابة والتابعين والفقهاء-: «قال الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم»(1).

وقال السبكي في شرح سنن أبي داود ردّاً على من أنكر سنيّة التكفير وذهب إلى استحباب السدل:

«ومن خاض علوم السُنّة وأمّهات الفقه ودواوين مسائل الخلاف عرف أنه لا قائل أصلاً بالسدل وسنيّته من أهل القرون الثلاثة الأولى المشهود لهم بالخيريّة، وأيضاً لم يرد القول به اجتهاداً عن صحابي قطّ إلا رواية ضعيفة عن ابن الزبير ورواية القبض عنه أصح، وقد أخذ مالك عن تسعمائة شيخ ثلاثمائة من التابعين وستمائة من تابعي التابعين وليس فيهم مَنْ تؤخذ عنه رواية السدل»(2).

______________________________

(1) المجموع في شرح المهذب ج3 ص311.

(2) المنهل العذب المورود ج5 ص161.

( 494 )


ولكن الحقيقة غير ما ذكروه تماماً وأن من نُسِب إليه استحباب التكفير من الصحابة نفرٌ قليل، ومع ذلك لم تثبت صحّة هذه النسبة إلى أكثر هؤلاء، كما أن الاختلاف في سنيّة التكفير كان موجوداً بين التابعين وتابعي التابعين من أهل القرون الثلاثة الأولى.

وتفصيل الحال يستدعي عقد بحثٍ مستقلٍّ عن مواقف كلّ من الصحابة والتابعين والفقهاء ومنهم أئمة المذاهب الأربعة بالإضافة إلى المذهبين الإمامي والزيدي.

 

أ- الصحابة

نُسِب استحباب التكفير إلى جمع من صحابة رسول الله(صل الله عليه وآله وسلم):

(أحدهم): الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام)، فقد نُسب إليه استحباب التكفير استناداً إلى عدّة روايات:

(أ) ما رواه جرير الضبّي قال: رأيت علياً يمسك شماله بيمينه على الرسغ فوق السرّة(1)، وفي لفظ آخر: كان علي إذا قام إلى الصلاة وضع يمينه على رسغ يساره ولا يزال كذلك حتى يركع متى ما ركع إلا أن يُصلح ثوبه أو يحكّ جسده(2).

و(جرير الضبيّ) راوي الحديث مجهول، قال ابن حجر: قرأت بخطّ الذهبي في ميزان الاعتدال أنه (لا يُعرف)(3).

(ب) ما أخرجه السيوطي بأسانيد متعدّدة عن علي(عليه السلام) في قوله تعالى: «فَصَلِّ لِرَّبِكَ وَانْحَرْ» قال: هو وضعك يمينك على شمالك(4).

______________________________

(1) سنن أبي داود ج1 ص480.

(2) مصنف ابن أبي شيبة ج1 ص390.

(3) تهذيب التهذيب ج2 ص77.

(4) الدر المنثور ج6 ص403.

( 495 )


ولكن الرواية ضعيفة بشتّى طرقها كما نبّه عليه الحافظ ابن كثير قائلاً: «وهل المراد بقوله «وانحر» وضع اليد اليُمنى على اليد اليُسرى تحت النحر؟ يروى هذا عن علي ولا يصحّ»(1).

بالإضافة إلى معارضة هذه الرواية بما روي بأسانيد كثيرة عن الإمام(عليه السلام) أنه قال: لما نزلت سورة: «إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ» على النبي(صل الله عليه وآله وسلم) قال لجبرئيل: ما هذه النحيرة التي أمر بها ربي؟ قال: إنها ليست بنحيرة؛ ولكن يأمرك إذا تحرّمت للصلاة أن ترفع يديك إذا كبّرت وإذا ركعت وإذا رفعت رأسك من الركوع(2).

(ج) ما أخرجه أبو داود وغيره عن علي(عليه السلام) أنه قال: من السُنّة في الصلاة وضع الأكف على الأكف تحت السرّة(3).

وهذا الحديث ضعيف جداً كما سيأتي.

فالنتيجة: إنه لم تثبت رواية معتبرة عن الإمام علي(عليه السلام) في استحباب التكفير، بل توجد هناك بعض الروايات الدالّة على خلاف ذلك، فقد روى ابن حزم في المحلّى عن الإمام(عليه السلام) أنه كان إذا طوّل قيامه في الصلاة يمسك بيده اليُمنى على ذراعه اليُسرى في أصل الكفّ إلا أن يسوّي ثوباً أو يحكّ جسداً(4).

وهذه الرواية إن صحت لكانت دليلاً على أن الإمام(عليه السلام) إنما كان يلجأ إلى إمساك إحدى يديه بالأُخرى طلباً للراحة لا لكونه من سُنن الصلاة.

أضف إلى كل ذلك أن الثابت عن أولاد الإمام وسائر أهل بيته هو

______________________________

(1) سنن الدارقطني ج1 ص285 الهامش.

(2) الدر المنثور ج6 ص403.

(3) نصب الراية ج1 ص313.

(4) المحلى ج4 ص113.

( 496 )


المنع من التكفير بصورة قاطعة(1) فكيف يمكن التصديق بمخالفتهم له(عليه السلام) في ذلك؟!

والحاصل: إن ما نُسب إلى الإمام علي(عليه السلام) من سُنيّة التكفير أمر لا تعززه الشواهد بل تنفيه بشكل قاطع تماماً.

(ثانيهم): أبو بكر بن أبي قحافة.

فقد روي عن أبي زياد مولى آل دراج أنه قال: ما رأيت فنسيت فإني لم أنس أن أبا بكر كان إذا قام في الصلاة قال هكذا، فوضع اليُمنى على اليُسرى(2).

قال الذهبي: أبو زياد مولى آل درّاج: «لا يُعرف» وقال الدارقطني: «يُترك»(3).

وروى البيهقي عن عبد الرزاق الصنعاني أنه قال: ما رأيت أحسن صلاة من ابن جريج... إلى أن قال... وأخذ ابن جريج صلاته عن عطا بن أبي رباح، وأخذ عطا صلاته عن عبد لله بن الزبير، وأخذ ابن الزبير صلاته عن أبي بكر(4)، وحكى الصنعاني نفسه في المصنّف أن ابن جريج وعطا كانا يرسلان أيديهما في الصلاة(5)، وهذا يقتضي أن أبا بكر أيضاً كان يفعل ذلك، فلم تثبت نسبة التكفير إليه.

(ثالثهم): عبد الله بن جابر البياضي.

روى البيهقي عن عقبة بن أبي عائشة قال: رأيت عبد الله بن جابر

______________________________

(1) جامع أحاديث الشيعة ج2 ص414.

(2) المصنف لابن أبي شيبة ج1 ص391.

(3) ميزان الاعتدال ج4 ص526.

(4) نصب الراية ج1 ص416.

(5) المصنف ج2 ص276.

( 497 )


البياضي صاحب رسول الله(صل الله عليه وآله وسلم) يضع إحدى يديه على ذراعيه في الصلاة(1).

(رابعهم وخامسهم): أبو هريرة وعائشة، كما ذكر ذلك النووي(2)، ولعلّ منشأ النسبة إليهما بعض الروايات التي روياها عن النبي(صل الله عليه وآله وسلم) من سُنيّة التكفير وسيأتي الحديث حولها.

(سادسهم): عبد الله بن الزبير.

فقد نُسِب إليه استحباب التكفير(3)، ولكن حكى النووي عن ابن المنذر عنه أنه قال: «يُرسل -أي المصلّي- يديه ولا يضع إحداهما على الأُخرى»(4)، وروى ابن أبي شيبة بإسناده عن عمرو بن دينار قال: كان ابن الزبير إذا صلّى يُرسل يديه(5).

وقد تقدّم آنفاً ما حكاه البيهقي عن الصنعاني من أن ابن جريج قد أخذ صلاته عن عطا وعطا أخذها عن عبد الله بن الزبير، وما ذكره الصنعاني نفسه من أن ابن جريج وعطا كانا يُرسلان أيديهما في الصلاة.

فالمتحصّل من ذلك أنه لم تثبت سُنيّة التكفير عن نفرٍ معتدّ به من الصحابة، بل المحكى عن بعضهم خلافه، ومن هنا يقرب صدق دعوى بعض فقهاء المالكية -على ما حكي عنهم- مستدلاًّ على استحباب السدل بأنه كان من عمل الصحابة(6).

 

ب- التابعون

حُكي عن جمعٍ من التابعين استحباب التكفير في الصلاة، وعن جمعٍ

______________________________

(1) مجمع الزوائد ج2 ص105.

(2) المجموع في شرح المهذب ج3 ص311.

(3) المنهل العذب المورود ج5 ص161.

(4) المجموع في شرح المهذب ج3 ص311.

(5) المصنّف لابن أبي شيبة ج1 ص391.

(6) فقه الإمام الأوزاعي ج1 ص169.

( 498 )


آخرين استحباب الإرسال وتضارب النقل عن جمعٍ ثالث.

فمن (الجمع الأول):

أبو الجوزاء، وأبو مجلز، وعلقمة بن وائل، وأيوب السختياني(1).

ومن (الجمع الثاني):

سعيد بن المسيب، وعطا، والحسن البصري، وعبد الملك بن جريج.

فقد روي عن عبد الله بن يزيد أنه قال: ما رأيت ابن المسيّب قابضاً يمينه في الصلاة كان يرسلها(2).

وروي عن عطا أنه كان يكره أن يقبض بكفّه اليُمنى على عضده اليُسرى أو كفّه اليُسرى على عضده اليُمنى(3).

وروي عن الحسن البصري أنه قال: يُرسل المصلّي يديه ولا يضع إحداهما على الأُخرى(4).

وروى عبد الرزاق عن ابن جريج أنه رآه يصلّي في إزار ورداء مُسبل يديه(5).

ومن (الجمع الثالث):

(أ‌) سعيد بن جبير، فقد نسب إليه النووي استحباب التكفير(6)، ولكن روى ابن أبي شيبة بإسناده عن عبد الله بن العيزار قال: كنت أطوف مع

______________________________

(1) لاحظ المصنّف لابن أبي شيبة ج1 ص390 و391، والمحلّى ج4 ص114 والمعجم الكبير ج22 ص9.

(2) المصنّف لابن أبي شيبة ج1 ص391.

(3) المصنّف ج2 ص276.

(4) المجموع في شرح المهذب ج3 ص311.

(5) المصنّف ج2 ص276.

(6) المجموع في شرح المهذب ج3 ص311.

( 499 )


سعيد بن جبير فرأى رجلاً يصلّي واضعاً إحدى يديه على الأُخرى هذه على هذه وهذه على هذه فذهب ففرّق بينهما وجاء(1).

(ب) محمد بن سيرين، فقد روى ابن أبي شيبة بإسناده أنه سئل عن الرجل يمسك يمينه بشماله قال: إنما ذلك من أجل الدم(2)، وحكى النووي بإسناده عنه أنه قال: يُرسل المصلّي يديه ولا يضع إحداهما على الأُخرى(3)، ولكن حكى ابن حزم عنه أنه كان يكفّر في صلاته(4).

(ج) ابراهيم النخعي، قال النووي: حكى ابن المنذر أنه قال: يُرسل المصلّي يديه ولا يضع إحداهما على الأُخرى، وهكذا حكاه غيره(5)، ولكن نسب إليه ابن حزم أنه كان يتكتّف في صلاته(6).

 

ج- الفقهاء

حكى السيد الشريف المرتضى عن الطحاوي عن الليث بن سعد أنه قال: سبل اليدين في الصلاة أحب إليّ، إلا أن يطيل القيام فيعيا فلا بأس بوضع اليُمنى على اليُسرى(7).

وحكى الآبي التخيير بين الوضع والإرسال عن جماعة من الفقهاء(8)، عدّ منهم النوويُّ فقيه الشام الأوزاعيّ(9)، وحكى عنه السرخسي أنه كان يقول: إنما أُمروا بالاعتماد إشفاقاً عليهم لأنهم كانوا يطوّلون القيام فكان

______________________________

(1) المصنّف لابن أبي شيبة ج1 ص391.

(2) المصدر نفسه.

(3) المجموع في شرح المهذب ج3 ص311.

(4) المحلّى ج4 ص114.

(5) المجموع في شرح المهذب ج3 ص311 والمصنّف لابن أبي شيبة ج1 ص391 والمصنّف للصنعاني ج2 ص276.

(6) المحلّى ج4 ص114.

(7) الانتصار ص41 ولاحظ حلية العلماء ج2 ص96.

(8) إكمال إكمال المعلم ج2 ص157.

(9) المجموع في شرح المهذب ج3 ص311.

( 500 )


ينزل الدم إلى رؤوس أصابعهم إذا أرسلوا، فقيل لهم: لو اعتمدتم لا حرج عليكم(1).

ونقل القرطبي عن ابن عبد البرّ أنه قال: إرسال اليدين ووضع اليُمنى على الشمال كلّ ذلك من سُنّة الصلاة(2).

وفي مقابل ذلك حكي استحباب التكفير وكونه من سنن الصلاة عن جمع منهم عمرو بن ميمون وحماد بن سلمة وسفيان الثوري واسحق وأبو ثور وداود بن حزم وأئمة المذاهب الثلاثة: الحنفية والشافعية والحنبلية، وعليه أتباعهم(3).

 

(مذهب الإمام مالك)

وأما مالك بن أنس إمام المالكية فقد نُسب إليه عدّة أقوال؛ عمدتها قولان:

1- استحباب التكفير في الفرض والنفل، نسبه إليه تلميذاه المطرف وابن الماجشون في الواضحة(4)، وقال النباني: وهو قول المدنيين من أصحابنا أي المالكية(5).

______________________________

(1) المبسوط ج1 ص23.

(2) الجامع لأحكام القرآن ج20 ص221.

(3) لاحظ المحلّى ج4 ص114 والمجموع في شرح المهذب ج3 ص311، وفقه الإمام سعيد بن المسيب ج1 ص219، وفي (نهاية المحتاج شرح المنهاج) ج1 ص280: قال الإمام (والقصد من القبض المذكور تسكين اليدين فإن أرسلهما ولم يعبث بهما فلا بأس كما نصّ عليه في الأم) ولو صحّ ما حكاه عن الأم -للإمام الشافعي- فهو يدلّ على أن المستحب عنده ليس هو التكفير بل عدم تحريك اليدين؛ ولكن لم أجده في المطبوع من الأُم بل لم أجد فيه حكم التكفير أصلاً ويرجَّح سقوطه عنه فلاحظ.

(4) المدوّنة الكُبرى ج1 ص74 الهامش.

(5) المنهل العذب المورود ج5 ص161.

( 501 )


2- استحباب الإرسال مطلقاً، قال النووي: حكاه عنه ابن القاسم وعليه جميع المغرب من أصحابه أو جمهورهم(1)، وحكى الزرقاني عن ابن عبد البرّ أن ابن القاسم روى عن مالك الإرسال وصار إليهم جمهورهم(2).

وحكى السيد المرتضى عن الطحاوي عن مالك أن وضع اليدين أحدهما على الأُخرى إنما يفعل ذلك في صلاة النوافل من طول القيام وتركه أحب إليّ(3).

وحكى سحنون في المدوّنة عن عبد الرحمن بن القاسم عن مالك قال في وضع اليُمنى على اليُسرى قال: لا أعرف في الفريضة ولكن في النوافل إذا طال القيام فلا بأس بذلك يعين به على نفسه(4).

وقد ذهب جمع من متأخّري المالكية إلى استحباب التكفير موافقة للمذاهب السْنّية الأُخرى وتجشّموا لذلك نفي القول بعدم استحبابه عن إمام مذهبهم (مالك بن أنس) بعدّة وجوه:

(الوجه الأول): إن مالكاً أورد حديثين من أحاديث التكفير في الموطأ، هما حديث سهل بن سعد وحديث عبد الكريم بن أبي المخارق البصري الآتيان، ومن المعروف أن الموطأ كتاب حديث وفقه(5) فتضمّنه لهذين الحديثين دليل واضح على موافقة مالك للمشهور في استحباب التكفير.

والجواب عن ذلك: إن إيراده للحديثين لا يقتضي أزيد من أنه كان يراهما حجّة على استحباب التكفير حين تأليف الموطأ بين عامي 148هـ و159هـ ولا يقتضي بقاءه على هذا الرأي إلى حين وفاته عام 179هـ.

______________________________

(1) المجموع ج3 ص312.

(2) شرح الموطأ ج2 ص49.

(3) الانتصار ص41.

(4) المدوّنة الكُبرى ج1 ص74.

(5) الإمام مالك لمحمد أبو زهرة ص217.

( 502 )


بل المرجّح عدوله عنه كما حكاه تلميذه ابن القاسم الذي صحبه عشرين سنة، ولهذا العدول ما يبرّره، فإن حديث سهل بن سعد قاصر الدلالة عن إثبات سنيّة التكفير، وحديث عبد الكريم ضعيف سنداً ودلالة معاً كما سيأتي، ويبدو أن مالكاً لم يكن متنبهاً إلى ضعفه حينذاك فأورده في الموطأ؛ ثم اعتذر عن ذلك لما تبيّن له أمره كما حكاه عنه أبو الفتح اليعمري(1).

(الوجه الثاني): ما يُستفاد من كلام القاضي عياض المتقدّم نقله وحاصله: أن ابن القاسم الذي هو الأصل فيما حُكي عن مالك من استحباب الإرسال قد أخطأ في فهم مرامه، فإنه نُسب إليه أنه قال: «لا أعرف ذلك -أي الوضع- في الفريضة، ولكن في النوافل إذا طال القيام فلا بأس بذلك يعين به على نفسه. اهـ».

وهذا خطأ، فإن هنا أمرين: أحدهما الاعتماد بإحدى اليدين على الأُخرى وهو أمر مكروه لكراهة الاعتماد في الصلاة مطلقاً، نعم لا بأس به في النافلة لطول القيام، وثانيهما: وضع اليُمنى على الشمال تخضّعاً من غير اعتماد، وهذا هو الذي ذهب العلماء إلى استحبابه وابن القاسم خلط بين الأمرين فحكى عن مالك ما لم يذهب إليه.

أقول: الظاهر أن جملة (ولكن في النوافل...) في عبارة ابن القاسم بمنزلة الاستثناء المنقطع عمّا قبله، فحاصل العبارة إنكار استحباب الوضع بقصد التخضّع والتعظيم مطلقاً، والترخيص فيه بداعي الاعتماد في النوافل خاصّة، فما حكاه ابن القاسم عن مالك ليس تفصيلاً في المسألة حقيقة، بل هو قول بالمنع في الفريضة والنافلة جميعاً.

(الوجه الثالث): ما ذكره صديق حسن خان قائلاً: إن معنى رواية الإرسال عنه -أي مالك- أن الخليفة المنصور ضربه فكسرت يده فلم

______________________________

(1) ميزان الاعتدال ج2 ص647.

( 503 )


يستطع ضمّها إلى الأخرى لا في الصلاة ولا في غيرها فرآه الناس يُرسل فرووا عنه ذلك ولم يتفطّنوا إلى ما هنالك(1).

وهذا الوجه ضعيف جداً، لأن رواية الإرسال رواية قول لا رواية فعل، فإن ابن القاسم حكى عنه أنه قال: «لا أعرف الوضع في الفريضة» ولم يُحك عنه أنه كان يُرسل يديه في صلاته ليوجّه بما ذكر.

بالإضافة إلى أنه لم يُذكر في ترجمة الإمام مالك أنه بقي معوّق اليدين بعد المحنة التي نزلت به عام 146 أو 147 إلى حين وفاته عام 179، ولو بقي كذلك لأُشير إليه في ترجمته.

 

(مذهب الزيديّة)

المعروف في المذهب الزيدي عدم مشروعيّة التكفير في الصلاة، وحكى الإمام المهدي في البحر الزخّار عن القاسمية والناصرية: إن وضع اليد على اليد بعد التكبير غير مشروع، وحُكي عن الهادي والقاسم وأبي طالب أنه مبطل للصلاة، وحُكي عن المؤيد بالله والإمام يحيى أنه يُكره ولا يُفسد(2).

ولكن جاء بعض المتأخّرين من فقهائهم وهو القاضي السباغي المتوفّي عام 1221هـ فاختار استحباب التكفير ونسبه إلى زيد بن علي (رض)(3)، ولكن النسبة غير ثابتة لخلوّ المصادر الأصليّة لفقه الزيديّة عن ذكرها.

______________________________

(1) فتح العلام ج1 ص127.

(2) البحر الزخّار ج2 ص241.

(3) الروض النضير ج3 ص17 ولاحظ ج1 ص633.

( 504 )


(مذهب الإماميّة)

ذهبت الإمامية -تبعاً لأئمّة أهل البيت:- إلى عدم مشروعية التكفير في الصلاة، ولكنّهم بين قائلٍ بحرمته ذاتاً(1) وكونه مبطلاً للصلاة، وقائلٍ بكونه مكروهاً غير موجب لبطلانها.

ونُسب الأول إلى الأكثر ومنهم الشيخ الصدوق والشيخ المفيد والسيد المرتضى والشيخ الطوسي وابن حمزة وابن إدريس والشهيدان وكاشف الرموز.

ونُسب الثاني إلى ابن الجُنيد وأبي الصلاح الحلبي والمحقّق الحليّ في المعتبر.

واختاره المحدّث الكاشاني، ومال إليه المحقّق الأردبيلي وصاحب الحدائق؛ واستجوده المحقّق السبزواري صاحب الكفاية(2).

هذا ما وسعني الاطلاع عليه من أقوال الصحابة والتابعين والفقهاء في استحباب التكفير في الصلاة وعدمه، وقد اتضح من خلاله أنه لم يكن هناك اتفاق في أيّ عصرٍ من العصور على استحباب التكفير وسنيّته، بل كانت المسألة موضع اختلاف بين المسلمين في مختلف العهود.

فدعوى إجماع الصحابة والتابعين ومَنْ بعدهم من أهل القرون الأُولى على استحباب التكفير -كما صدرت من بعضهم- غير مسموعة، لتضافر الشواهد والقرائن على خلافها.

______________________________

(1) المحرّم ذاتاً هو ما حرّمه الله تعالى بعنوانه كشرب الخمر والكذب، والمحرّم تشريعاً هو الفعل الذي يؤتى به بعنوان كونه مطلوباً شرعاً مع العلم بعدم كونه كذلك.

(2) مفتاح الكرامة ج3 ص12.

( 505 )


أحاديث التكفير عرض وتحقيق

يمكن تقسيم الأحاديث التي استُدِلَّ بها على استحباب التكفير إلى عدّة طوائف:

(الطائفة الأولى): ما دلّ على أن الناس كانوا يؤمرون بوضع اليمين على الشمال في الصلاة.

وقد ورد هذا في حديث سهل بن سعد فيما رواه الإمام مالك والبخاري بإسنادهما عن أبي حازم عن سهل بن سعد أنه قال: كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل اليد اليُمنى على ذراعه اليُسرى في الصلاة(1).

وعقّبه أبو حازم -كما في الموطأ- بقوله: «لا أعلمه إلا ينمي ذلك» وفي لفظ البخاري: «لا أعلمه إلا ينمي ذلك إلى النبي(صل الله عليه وآله وسلم) ».

وقد نوقش في الاستدلال به بأن قوله: (يؤمرون) مبنياً على المجهول لا يتضمّن إسناد الأمر إلى النبي(صل الله عليه وآله وسلم)، فلا يدلّ على استحباب وضع اليُمنى على اليُسرى شرعاً، وأما قول أبي حازم: «لا أعلم إلا أنه ينمي ذلك» فهو كما قال الداني(2) مجرّد ظنّ من أبي حازم ولا عبرة به.

وأُجيب عن المناقشة: بأن قول الصحابي «كنّا نؤمر بكذا» يُصرف

______________________________

(1) الموطأ ص133 وصحيح البخاري ج1 ص178.

(2) شرح الموطأ للزرقاني ج2 ص48.

( 506 )


بظاهره إلى من له الأمر وهو النبي(صل الله عليه وآله وسلم)، لأن الصحابي في مقام تعريف الشرع، فيُحمل على من صدر عنه الشرع، ومثله قول عائشة: «كُنّا نؤمر بقضاء الصوم» فإنه محمول على أن الآمر بذلك هو النبي(صل الله عليه وآله وسلم)(1).

ويُلاحظ على هذا الجواب أن من له الأمر والنهي لا ينحصر في اعتقاد أهل السُنّة في النبي الأعظم(صل الله عليه وآله وسلم)، بل يشمل الخلفاء والولاة، فلا يتعيّن أن يكون النبي(صل الله عليه وآله وسلم) هو المعني في قوله: (يؤمرون).

قال القاري الحنفي في شرح موطأ محمد بن الحسن: قوله: «يؤمرون» يعني يأمرهم الخلفاء الأربعة أو الأُمراء.

ويشهد لما ذُكر ما أخرجه ابن أبي شيبة بإسناده عن حنظلة السدوسي قال: سمعت أُنس بن مالك يقول: كان يؤمر بالسوط فتقطع ثمرته ثم يُدقّ بين حجرين ثم يُضرب به، فقلت: في زمن من كان هذا؟ قال: في زمن عمر بن الخطاب(2).

فيُلاحظ أن أنساً -وهو الصحابي المعروف- استخدم كلمة «يؤمر» وعنى الخليفة الثاني لا النبي(صل الله عليه وآله وسلم)، فدعوى أن لفظة «يؤمرون» في حديث سهل بن سعد منصرفة إلى خصوص النبي(صل الله عليه وآله وسلم) غير واردة، وأما قول عائشة: «كُنّا نؤمر بقضاء الصوم» فقد ورد في حديث معاذة، وهذا الحديث روي بألفاظ مختلفة يتضمّن بعضها التصريح بأن الآمر كان هو النبي(صل الله عليه وآله وسلم)، فقد روى أحمد في مسنده بإسناده عن معاذة قالت: سألت عائشة فقالت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: أحروريّة أنت؟ قلت: لست بحروريّة ولكن أسأل، قالت: قد كان يصيبنا ذلك مع رسول الله(صل الله عليه وآله وسلم) فنؤمر ولا نؤمر فيأمر بقضاء الصوم ولا يأمر بقضاء الصلاة(3).

______________________________

(1) شرح الموطأ للزرقاني ج2 ص50.

(2) المصنّف ج10 ص50.

(3) مسند أحمد بن حنبل ج6 ص231.

( 507 )


فالنتيجة: إن حديث سهل بن سعد لا يصلح دليلاً على استحباب التكفير وسنّيته.

(الطائفة الثانية): ما تضمّن حكاية فعل النبي(صل الله عليه وآله وسلم) من أنه كان يضع يمينه على شماله في الصلاة، وهي على أقسام:

(القسم الأول):: ما هو ظاهر في الدوام والاستمرار، فيدلّ على استحباب التكفير بدلالة الاقتضاء إذ لا محمل له سواه.

ومن هذا القسم: حديث طاووس: «كان رسول الله(صل الله عليه وآله وسلم) يضع يده اليمنى على يده اليسرى ثم يشدّ بهما على صدره وهو في الصلاة»(1).

ونظيره حديث عبد الملك بن سعيد: «كان النبي يضع يده اليُمنى على اليُسرى، وكان ربّما وضع يده على لحيته في الصلاة»(2).

والحديث الأول مرسل لأن طاووساً تابعي لم يُدرك النبي(صل الله عليه وآله وسلم)، بالإضافة إلى أنه في سنده (سلمان بن موسى) وهو ممّن ضعّفه النسائي وغيره(3).

وأما الحديث الثاني فقد روي تارة عن «عبد الملك بن سعيد ابن أخي عمرو بن حريث عن رجل قال: كان النبي...» وروي تارة أُخرى عن «عبد الملك عن عمرو بن حريث قال: كان النبي...»(4) فلا يصلح للاعتماد عليه بعد التردّد الحاصل في كونه مُسنداً أو مرسلاً.

ويمكن المناقشة في الحديثين بوجهٍ آخر: وهو معارضتهما بحديث معاذ بن جبل: «إن رسول الله(صل الله عليه وآله وسلم) إذا كان في صلاته رفع يديه قبال أُذنيه،

______________________________

(1) سنن أبي داود ج1 ص481.

(2) المصنّف للصنعاني ج2 ص268.

(3) عون المعبود ج1 ص275.

(4) المصنف للصنعاني ج2 ص268 الهامش.

( 508 )


فإذا كبّر أرسلهما ثم سكت، وربما رأيته يضع يمينه على يساره، فإذا فرغ من فاتحة الكتاب سكت..».

حيث يستفاد من كلمة (ربما) التي هي لغة لإفادة التقليل أنه لم يكن من دأب النبي(صل الله عليه وآله وسلم) وضع يده اليُمنى على اليُسرى وإنما كان يفعل ذلك في بعض الأحيان، ولعلّه بسبب الإعياء أو نحوه كما حُكي عن علي(عليه السلام) وقد تقدّم.

ومما يؤكّد عدم استمرار النبي(صل الله عليه وآله وسلم) في وضع يمينه على شماله في الصلاة حديثا غطيف بن الحارث وشداد بن شرحبيل الآتيان ففي الأول: «مهما رأيت شيئاً فنسيته فإني لم أنس أني رأيت رسول الله(صل الله عليه وآله وسلم) واضعاً...» وفي الثاني: «قال ما نسيت فلم أنس أني رأيت رسول الله قائماً...»، فإن تضمّنهما التأكيد على صدور ذلك منه(صل الله عليه وآله وسلم) دليل واضح على عدم استمراره عليه، وإلاّ لما احتاج الراوي إلى التأكيد عليه، فإن ما يتكرّر فعله فيما لا يقل عن خمس مرّات يومياً لا حاجة إلى التأكيد على وقوعه بمثل ما ذُكر.

(القسم الثاني): ما ليس له ظهور في الدوام والاستمرار:

ومنه حديث غطيف بن الحارث أو الحارث بن غطيف قال: «مهما رأيت شيئاً فنسيته فإني لم أنس أني رأيت رسول الله(صل الله عليه وآله وسلم) واضعاً يده اليُمنى على اليُسرى في الصلاة»(1).

ونحوه حديث شداد بن شرحبيل: «قال: ما نسيت فلم أنس أني رأيت رسول الله(صل الله عليه وآله وسلم) قائماً يده اليُمنى على يده اليُسرى قابضاً عليها يعني في الصلاة»(2).

وكلا الحديثين لا يسلم من المناقشة السنديّة:

أما الأوّل فلأنهم اختلفوا في أن غطيف بن الحارث هل كانت له

______________________________

(1) مجمع الزوائد ج2 ص105.

(2) مجمع الزوائد ج2 ص105.

( 509 )


صحبة أم لا، قال ابن حجر(1): قال ابن أبي حاتم: قال أُبي وأبو زرعة: له صحبة، وقال ابن سعد في الطبقة الأولى من تابعي أهل الشام: «غطيف بن الحارث الكندي» وقال العجلي: شامي تابعي.

وأيضاً في سنده «معاوية بن صالح» قال أبو حاتم: لا يُحتجّ به(2).

وأما الثاني فقد روي تارة عن «عباس بن يونس عن شدّاد» وأُخرى عن «عباس بن يونس عمّن حدّثه عن شدّاد» فيسقط عن الاعتبار لتردّده بين المرسل والمسند.

هذا مع عدم دلالة الحديثين على استحباب التكفير، لأنهما حكاية فعل، ومجرد صدور القبض من النبي(صل الله عليه وآله وسلم) مرّة أو مرّات لا يقتضي أنه كان بداعي التخضّع والتذلّل وبما هو من مظاهر العبودية، لا بداعٍ آخر كالاعتماد بسبب ما كان يعتريه(صل الله عليه وآله وسلم) من ضعف وإعياء.

(القسم الثالث): ما اختلف لفظه؛ فبعضه ظاهر في الدوام والبعض الآخر غير ظاهر فيه، ومن هذا القسم حديث وائل بن حجر وحديث هلب الطائي، ففي بعض ألفاظ الأول: «إن النبي(صل الله عليه وآله وسلم) كان إذا قام في الصلاة قبض على شماله بيمينه»(3)، وفي بعض ألفاظ الثاني: «كان رسول الله(صل الله عليه وآله وسلم) يؤمّنا فيأخذ شماله بيمينه»(4).

وفي لفظ آخر لحديث وائل: «قال: صلّيت مع رسول الله(صل الله عليه وآله وسلم) فوضع يده اليُمنى على يده اليُسرى على صدره»(5)، وفي لفظٍ آخر لحديث هلب: «قال: رأيت رسول الله(صل الله عليه وآله وسلم) واضعاً يمينه على شماله في الصلاة»(6).

______________________________

(1) تهذيب التهذيب ج8 ص249.

(2) ميزان الاعتدال ج4 ص135.

(3) السنن الكبرى للبيهقي ج2 ص28.

(4) سنن ابن ماجه ج1 ص140.

(5) صحيح ابن خزيمة ج1 ص242.

(6) سنن الدارقطني ج1 ص285.

( 510 )


وفي طريق الحديثين ضعف:

أما حديث وائل فلأنه روي بطريقين:

أحدهما طريق عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل، والثاني طريق وَلدي وائل «عبد الجبار وعلقمة» عن أبيهما.

وعاصم بن كليب في الطريق الأول مطعون عليه، فقد ذكر ابن المديني أنه ممّن لا يُحتج بما يتفرّد به(1)، وهذا يقتضي ضعفه لأن الثّقة يحتجّ بحديثه سواء انفرد به أم لا.

والطريق الثاني مرسل، قال ابن حبان: من زعم أن «عبد الجبار» سمع أباه فقد وهم؛ لأن أباه مات وأُمّه حامل به، وقال البخاري: لا يصح سماعه عن أبيه مات أبوه قبل أن يولد(2)، وهكذا حديث علقمة عن أبيه، فقد حكى ابن حجر عن يحيى بن معين أنه قال: «علقمة بن وائل عن أبيه مرسل»(3).

وأما حديث هلب الطائي ففي سنده «سماك بن حرب» ضعّفه تلميذاه شعبة وسفيان، وقال أحمد: مضطرب الحديث، وقال النسائي: إذا انفرد بأصل لم يكن حجّة لأنه كان يُلقّن فيتلقّن(4)، وقال ابن المبارك: ضعيف الحديث(5).

وأما دلالة الحديثين على سنيّة التكفير فيجري عليهما ما تقدّم في الأحاديث المتقدّمة في القسمين الأولين فلا حاجة إلى التكرار.

______________________________

(1) ميزان الاعتدال ج2 ص356.

(2) تهذيب التهذيب ج6 ص105.

(3) تهذيب التهذيب ج7 ص280 وميزان الاعتدال ج3 ص108.

(4) ميزان الاعتدال ج2 ص232.

(5) ذكر أسماء من تكلّم فيه وهو موثّق ص95.

( 511 )


(الطائفة الثالثة): ما دلّ على أن وضع الكفّ على الكفّ مما أمر به الأنبياء أو أنه من أخلاقهم أو مما يحبّه الله عز وجل؛ ونحو ذلك، ومنها:

(أ) حديث ابن عباس عن النبي(صل الله عليه وآله وسلم) أنه قال: «إنّا معشر الأنبياء أُمرنا بتعجيل فطرنا وتأخير سحورنا وأن نضع أيماننا على شمائلنا في الصلاة»(1).

وفي سنده طلحة بن عمرو بن عثمان الحضرمي، قال ابن حبان: كان ممن يروي عن الثقات ما ليس في أحاديثهم، لا تحلّ كتابة حديثه ولا أرويه إلا على جهة التعجّب(2).

(ب) حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله(صل الله عليه وآله وسلم): أُمرنا معاشر الأنبياء أن نعجّل إفطارنا ونؤخّر سحورنا ونضرب بأيماننا على شمائلنا في الصلاة»(3).

وفي سنده النضر بن اسماعيل، قال ابن معين: ليس بشيء، وقال النسائي وأبو زرعة: ليس بقوي، وقال ابن أبي ليلى: ضعيف(4).

(ج) حديث عائشة قالت: «ثلاثة من النبوّة: تعجيل الإفطار وتأخير السحور ووضع اليُمنى على اليُسرى في الصلاة»(5).

وفي سنده محمد بن أبان، قال النووي: مجهول، وقال البخاري: لا يُعرف له سماع عن عائشة(6).

(د) حديث ابن عمر: «إن النبي(صل الله عليه وآله وسلم) قال: إنا معاشر الأنبياء أُمرنا

______________________________

(1) سنن الدارقطني ج1 ص284.

(2) المجروحون ج2 ص8.

(3) سنن الدارقطني ج1 ص584.

(4) نصب الراية ج1 ص318.

(5) السنن الكُبرى للبيهقي ج2 ص29.

(6) المجموع في شرح المهذب ج3 ص313.

( 512 )


بثلاث: بتعجيل الفطر وتأخير السحور ووضع اليُمنى على اليُسرى في الصلاة»(1).

قال الشوكاني: أخرجه العقيلي وضعّفه(2).

(هـ) حديث عبد الكريم بن أبي المخارق البصري أنّه قال: «من كلام النبوة... وضع اليدين إحداهما على الأخرى في الصلاة يضع اليُمنى على اليُسرى، وتعجيل الفطر والاستيناء بالسحور»(3)، أخرجه الإمام مالك في الموطأ، وعبد الكريم قال فيه أبو عمر بن عبد البر: بصري لا يختلفون في ضعفه، قال أبو الفتح اليعمري تعليقاً على إخراج مالك حديثه هذا في الموطأ: إنه قد اعتذر لمّا تبيّن له أمره(4).

وأحاديث هذه الطائفة بالإضافة إلى ضعف طرقها كما تقدم لا تدلّ على استحباب التكفير، فإن المستفاد منها استحباب وضع اليمين على اليسار اعتماداً لا تخضّعاً، وذلك بقرينة ما ورد فيها من استحباب التبكير في الإفطار والتأخير في السحور، فإنهما حكمان تسهيليان يقيناً، ومقتضى وحدة السياق أن يكون استحباب وضع اليمين على اليسار في الصلاة أيضاً كذلك.

فهذه الأحكام الثلاثة تدخل في إطار التسهيلات التي يحبّها الله تعالى لعباده، وقد ورد في بعض الأحاديث الشريفة: (إن الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يحب أن يؤخذ بعزائمه).

إذاً فما تدلّ عليه هذه الطائفة من الروايات -على ضعفها وسقوطها عن الاستدلال- هو استحباب الوضع المشتمل على الاعتماد طلباً للراحة؛ فإن طول إرسال اليدين يرهقهما كما هو واضح.

______________________________

(1) السنن الكُبرى للبيهقي ج2 ص29.

(2) نيل الأوطار ج1 ص208.

(3) الموطّأ ص133.

(4) ميزان الاعتدال ج2 ص647.

( 513 )


وعلى هذا فأحاديث هذه الطائفة أجنبيّة عمّا هو محلّ الكلام من استحباب الوضع بداعي التذلّل والخضوع وبما هو من مظاهر العبودية الذي يُصطلح عليه بالتكفير.

(الطائفة الرابعة): ما دلّ على أن وضع اليمين على اليسار سُنّة في الصلاة، وهي عدّة روايات:

(أ) حديث علي(عليه السلام) أنه قال: «من السُنّة في الصلاة وضع الأكفّ على الأكفّ تحت السرّة»(1).

قال محمد بن أشرف: حديث علي هذا مع كثرة المخرجين والأسانيد ضعيف لأن طرقها كلّها تدور على عبد الرحمن بن اسحق الواسطي(2)، قال ابن حنبل وأبو حاتم: منكر الحديث، وقال النووي: هو ضعيف بالاتفاق(3).

(ب) حديث أبي هريرة قال: «وضع الكفّ على الكفّ في الصلاة سُنّة»(4)، وفي إسناده عبد الرحمن بن اسحاق المتقدّم.

(ج) حديث ابن الزبير قال: «صفّ القدمين ووضع اليد على اليد من السُنّة»(5).

وفي سنده العلاء بن صالح، قال ابن المديني: روى أحاديث مناكير(6)، مضافاً إلى أن المحكي عن ابن الزبير أنه كان يرى استحباب

______________________________

(1) نصب الراية ج1 ص313.

(2) عون المعبود ج1 ص275.

(3) نصب الراية ج1 ص313.

(4) سنن الدارقطني ج1 ص284.

(5) سنن أبي داود ج1 ص479.

(6) ميزان الاعتدال ج3 ص101.

( 514 )


الإرسال؛ وكان بنفسه يُرسل يديه -كما تقدّم-، ومن المقرر عندهم أنه إذا خالف الصحابي مرويّه فهو يدلّ على نسخه(1).

ثم إن الاستدلال بهذه الطائفة يبتني على أن يكون قول الصحابي: «كذا من السُنّة» بمنزلة حكاية ذلك عن النبي(صل الله عليه وآله وسلم)(2)، ولكنه غير صحيح، فإن التعبير المذكور لا يعبّر -أصالة- إلا عن رأي الصحابي نفسه، وربما كان مستنداً إلى نقل غيره ثقة كان أو غير ثقة، أو إلى ما رآه من فعل النبي(صل الله عليه وآله وسلم) بضميمة حدسه واجتهاده، كأن رآه(صل الله عليه وآله وسلم) يضع يمينه على شماله في الصلاة عدّة مرات فتوهّم أنه يفعل ذلك بداعي التخضّع كما كان متداولاً عند الأحباش والعلوج، فأخبر بأن وضع الكفّ على الكفّ سُنّة.

فتحصّل من هذا العرض الموسّع لأحاديث التكفير وتحقيقها سنداً ودلالة أن شيئاً منها لا يسلم من المناقشة عند التحقيق والتمحيص، فلا يمكن الركون إليها في إثبات سُنيّة التكفير أبداً.

ويُضاف إلى ذلك:

أولاً: إن تلكم الروايات على تقدير تماميتها سنداً ودلالة معارضة بالروايات الحاكية لصفة صلاة رسول الله(صل الله عليه وآله وسلم) الخالية عن فعل التكفير.

قال ابن رشد: قد جاءت آثار ثابتة نقلت صفة صلاته عليه الصلاة والسلام ولم ينقل فيها أنه كان يضع يده اليُمنى على اليُسرى، وهذه الآثار أكثر من الآثار التي تضمّنت أنه(صل الله عليه وآله وسلم) كان يفعل ذلك(3).

أقول: ومن تلكم الآثار حديث أبي حميد الساعدي في عشرة من أصحاب رسول الله(صل الله عليه وآله وسلم)، ففي رواية أبي داود أنه قال: كان رسول الله(صل الله عليه وآله وسلم)

______________________________

(1) تحفة الأحوذي ج2 ص88.

(2) لاحظ نصب الراية ج1 ص314.

(3) بداية المجتهد ج1 ص107 بتصرف.

( 515 )


إذا قام إلى الصلاة يرفع يديه حتى يُحاذي بهما منكبيه ثم يُكبّر حتى يقرّ كلّ عظم في موضعه معتدلاً ثم يقرأ ثم يكبّر فيرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه ثم يركع ويضع راحتيه على ركبتيه ثم يعتدل فلا يصوّب رأسه.. إلى آخر الرواية(1)، فصدّقه أصحاب رسول الله العشرة. قال بعضهم: معنى (يقرّ) يثبت في محلّه، ولا شكّ أن محلّ اليدين من الإنسان جنباه وذلك هو الإرسال بعينه لا ينازع في ذلك إلا مجنون أو مكابر.

وثانياً: إن العترة الطاهرة أئمة أهل البيت: الذين هم أدرى بما في البيت لم يحكوا عن النبي(صل الله عليه وآله وسلم) أنه كان يضع يده اليُمنى على اليُسرى في الصلاة تخضّعاً بل نهوا عن هذا العمل نهياً شديداً، قال أبو جعفر محمد بن علي الباقر(صل الله عليه وآله وسلم) في المروي عنه بطريق صحيح: «ولا تكفّر فإنما يفعل ذلك المجوس»(2).

وفي صحيح محمد بن مسلم عن أحدهما- الباقر والصادق 8- قال: قلت: الرجل يضع يده في الصلاة هكذا اليُمنى على اليُسرى فقال: «ذلك التكفير فلا تفعل»(3).

فلو كان التكفير من سنن الصلاة لكانت عترته الطاهرة أولى الناس بالأخذ بها والحثّ عليها فما لهم تركوها ونهوا عنها؟!.

______________________________

(1) سنن أبي داود ج170.

(2) جامع الأحاديث ج2 ص252.

(3) جامع الأحاديث ج2 ص414.

( 516 )


التكفير متى نشأ ومن أين؟

إذا لم يكن التكفير من صنع رسول الله(صل الله عليه وآله وسلم) كما ينبغي الجزم به في ضوء ما تقدّم في الفصل السابق، فالسؤال الذي يطرح نفسه هو أنه متى حدث -إذاً- إقحامه في الصلاة؛ ومن أين نشأ ذلك؟.

يبدو لي من خلال دراسة الروايات المتقدّمة والشواهد الأُخرى أن النبي(صل الله عليه وآله وسلم) كان ربّما يعتمد بإحدى يديه على الأُخرى وهو قائم في الصلاة، يستعين بذلك على تخفيف ما يشعر به من تعب وإعياء في يديه الكريمتين نتيجة لطول إرساله لهما، كما نُسب إلى الإمام علي(عليه السلام) أنه كان يصنع مثل ذلك.

ولكن خفي وجه ذلك على بعض أصحابه ومن جاء بعدهم فظنّوا أنه كان يضع ذلك تخضّعاً لله تعالى أي يكفّر نظير ما كان يصنعه العلوج والأحباش في تعظيم دهاقينهم وساداتهم(1)، ولذلك تلقّوا التكفير أدباً من

______________________________

(1) ولهذا التوهّم نظائر أُخرى؛ منها: ما حكاه الإمام الباقر(عليه السلام) من أن الإمام الحسن(عليه السلام) كان جالساً ومعه أصحاب له فمر بجنازة، فقام بعض القوم ولم يقم الحسن، فلما مضوا بها قال بعضهم: ألا قمت عافاك الله فقد كان رسول الله(صل الله عليه وآله وسلم) يقوم للجنازة إذا مرّوا بها، فقال الحسن: إنما قام رسول الله(صل الله عليه وآله وسلم) مرّة واحدة وذاك أنهُ مرّ بجنازة يهودي وكان المكان ضيّقاً فقام رسول الله(صل الله عليه وآله وسلم) وكره أن تعلو رأسه. (قرب الإسناد ص42) وهذه الرواية كما توضّح لنا كيف أن بعض الناس كانوا يخطئون في فهم بعض أفعال رسول الله(صل الله عليه وآله وسلم) فيحملونها على غير وجهها، كذلك تبيّن كيف أن عملاً صدر منه(صل الله عليه وآله وسلم)، مرة واحدة نُقل بصورة تدلّ على الدوام والاستمرار!.

( 517 )


آداب الصلاة وسُنّة من سنن رسول الله(صل الله عليه وآله وسلم)، فصاروا يأمرون الناس به ويحثّونهم عليه.

وقد ساعد على هذا الفهم عاملان:

1- ورود بعض الأحاديث الحاثّة على وضع اليمين على الشمال في سياق استحباب التبكير في الإفطار والتأخير في السحور، مع أنها أجنبيّة عن استحباب التكفير تماماً كما تقدّم.

2- اختلاط المسلمين بعد الفتوحات في صدر الإسلام بقوميّات وحضارات جديدة تأثّرت بها واكتسبت منها، وكانت عملية التكفير بشتّى صورها من مظاهر التعظيم عند تلك الأُمم -كما مرّت الإشارة إليه-، مما أوحى إلى بعض الصحابة أن ما شاهدوه من صنع النبي(صل الله عليه وآله وسلم) ولو في بعض الأحيان كان بقصد الخضوع لله تعالى، وليس للاعتماد تخلّصاً من الإعياء.

وعلى أساس هذا الفهم وحفاظاً على المظهر الموحّد للمسلمين والذي وجدنا له شواهد في سيرة بعض الخلفاء كالاجتماع للنافلة في شهر رمضان(1)، صدرت الأوامر بوضع اليمين على الشمال في الصلاة كما قال سهل بن سعد: «كان الناس يؤمرون بوضع اليمين على الشمال في الصلاة».

ومن هنا ترى أن أئمة أهل البيت: حينما بدأوا يعالجون هذه الظاهرة وينهون عنها أشاروا في ثنايا ذلك إلى جذور المسألة، وكيف وجدت طريقها إلينا: «لا يجمع مسلم يديه في صلواته وهو قائم بين يدي الله عزّ وجل يتشبّه بأهل الكفر يعني المجوس» و: «لا تُكفّر فإنما يفعل ذلك المجوس» أو: «فإن ذلك تكفير أهل الكتاب».

وعلى أساس هذه الرؤية يمكن أن نتعامل مع الروايات المتقدّمة ونوجّهها على النهج الآتي:

______________________________

(1) لاحظ النص والاجتهاد ص213.

( 518 )


(أ) إن الأصل في الروايات الحاكية لفعل رسول الله(صل الله عليه وآله وسلم) كحديث وائل وهلب وشداد وغطيف هو ما كان يصنعه في بعض الأحيان من الاعتماد بيمينه على شماله، ولكن صيغت في بعض تلك الروايات بصورة تدلّ على الدوام والاستمرار.

(ب) إن الأصل في الروايات المتضمّنة أن وضع اليمين على الشمال سُنّة هو انطباع بعض الصحابة عن صنع رسول الله(صل الله عليه وآله وسلم) ولذا لم يسندوه إليه.

(ج) إن الروايات الدالّة على أن وضع اليمين على الشمال مما أمر به الأنبياء وأنه من أخلاق النبوّة أجنبية عمّا هو محلّ البحث وهو: (الوضع تخضّعاً لله سبحانه وتعالى)، وإنما تدلّ على استحباب وضع إحدى اليدين على الأُخرى طلباً للراحة كالتبكير في الإفطار والتأخير في السحور.

ولعلّ هذه الرؤية بما تتضمّنه من توجيه وتفسير لأحاديث الباب هي رؤية من ذهب إلى إنكار مشروعيّة التكفير والترخيص في القبض للإعياء خاصة كالإمام مالك بن أنس والأوزاعي فقيه أهل الشام والليث بن سعد الفقيه المعروف ومن تقدّمهم من الصحابة والتابعين.

فتلخّص مما تقدّم أن ما ذهبت إليه الشيعة الإمامية والزيدية والمالكية من عدم سُنيّة التكفير بمعنى وضع اليمين على الشمال تخضّعاً لله عز وجل هو الحقّ الذي تعزّزه الشواهد والأدلّة.

وما أحسن ما ذكره السيد الشريف المرتضى في بعض رسائله قائلاً: «إن من لم يضع إحدى يديه على الأخرى لا خلاف في أنه غير عاصٍ ولا مبتدع ولا قاطع للصلاة، وإنما الخلاف في من وضعهما، فالأولى والأحوط إرسال اليدين»(1).

والحمد لله أولاً وآخراً وصلى الله على محمد وآله الطاهرين وأصحابه المنتجبين.

______________________________

(1) رسائل الشريف المرتضى ج1 ص219.

( 519 )


المصدر: بحوث فقهية للسيد محمد رضا السيستاني - ص ٤٨٥ الى ٥١٩