تمثل المرجعية الدينية امتداداً لتلك القيادة الربانية للإمام المعصوم (عليه السلام)، ولا يخفى ما لها من دور عظيم في قيادة الأمة في غياب الإمام المعصوم، وبالتالي لم يكن دورها مقصوراً على الافتاء وجمع الحقوق الشرعية كما يتصوره البعض، بل مارست دور القيادة السياسية والإصلاح الاجتماعي والحفاظ على الفكر الإسلامي وأصالته.
وقد كان للمرجعية الدينية الدور الفاعل في رفد المجتمع بالكوادر المتميزة في إيمانها وعلمها وتقواها وقياديّتها، بحيث كانت تمثل الأرض الخصبة التي أبقت لشجرة الإسلام نضارتها وديمومتها. تلك الكوادر القادرة على مواجهة التحديات والمخاطر في كل عصر ومكان، ولولا الحركة الفكرية والدينية التي رعتها المرجعية الدينية الشيعية في غياب المعصوم (عليه السلام) وتطوّر هذه الحركة وتعلّقها بحسب تطور الحياة واتساعها في مخلف الميادين، لم يبق للإسلام أصالته في التفكير والتشريع وسد احتياجات الحياة المتطورة، بحيث أبقى للكتاب والسنة نضارتهما وتألقهما وحفظ للإسلام استقلاليته الفكرية.
إن هؤلاء العلماء العظام هم الذين حفظوا للإسلام الأصيل مقومات بقائه وصموده أمام الهجمات والمحاولات الشرسة والمستمرة للقضاء عليه، وذلك بما يحملونه من مراتب سامية في الإيمان والتقوى والعلم والإخلاص وقيم التضحية ونكران الذات وغيرها من الصفات التي تعد من مكارم الصفات الإنسانية.
ولو تتبّعنا سيرة السيد الخوئي قدس (سره الشريف) لوجدنا حياته الشريفة غنيّة بالعطاء في مختلف الميادين المهمة؛ للحفاظ على الهوية الإسلامية والمذهبية الحقة للأمة، فهو (قدس سره) قد أثرى المكتبة الفقهية والأصولية والحديثية بل حتى التفسيرية وغيرها مما كان يحمله من تلك الملكات العلمية النادرة، حتى قال أحد مؤرخي حياته: "إنّ مزاياه العلمية تكاد تكون نادرةً في بابها، بل عجيبة في ندرتها"، وآثاره العلمية الغزيرة التي توفرت فيها صفات الابتكار والعمق والدقة والشمول؛ سواء أكانت في الأصول أو الحديث أو علم الرجال وحتى التفسير مما تشهد له بذلك.
ولقد استطاع الإمام الخوئي (قدس سره) من خلال ما يحمله من تلك الملكات العلمية أن يفجر الطاقات والملكات العلمية لدى من تتلمذ على يديه وتخرّج من مدرسته الآلاف من العلماء والأساتذة والمبلغين والوكلاء وحتى ذكر أحد مؤرخي حياته بأن "خمساً وسبعين بالمئة من فقهاء الشيعة الإمامية في عصرنا هم من تلامذته".
ويمثل عصره من حيث دور المرجعية العلمي عصراً من عصور الازدهار للحوزة العلمية، كما هو الحال أيام الشيخ الطوسي والمحقق الحلي والشيخ الأعظم الأنصاري (تقدست أسرارهم الشريفة)، ومن ملامح دوره الهام في الحياة الإسلامية جهوده الكبيرة في الحفاظ على الكيان الحوزوي من التفكك والاضمحلال من نظام قمعي بذل كل ما يستطيع من أجل القضاء على المؤسسة الدينية العلمية، فكان (رحمه الله) يقول: إن "هذه الحوزة قامت على جماجم العلماء ودماء الشهداء، فيجب أن نصونها ونحافظ عليها ولا نسلّمها مجاناً لكل من يريد أن ينال منها"، وبمقولته هذه قد زرع روح الصمود من أجل الحفاظ على هذا الكيان المقدس.
وكان للإمام الخوئي (قدس سره) ومرجعيته دور أساسي تمثل في الحفاظ على روح الرفض للظلم ومقارعة الظالمين لدى المؤمنين وتمسكهم بمبادئ مذهبهم الحق، والحفاظ على ديمومة شعائرهم العبادية والحسينية في ظل نظام قمعي بوليسي. وكان له دور كبير في الإصلاح الاجتماعي والثقافي، فأنشأ مشاريع متعددة في مختلف دول العالم وركّز في جهوده على البلدان الغربية، حيث يشهد المهاجر أو المهجر حالة الغربة في دينه وهويته، وهذه التوجهات نابعة من نظرته القيادية الشاملة لجميع المجتمعيات الإسلامية.
وكانت المرحلة التي مر بها الإمام الراحل (قدس سره) مرحلة حساسة اشتدت فيها الهجمة الشرسة للظالمين ضد الكيان الحوزوي في محاولة للقضاء عليه، بل كانت هذه الهجمة والإجراءات التعسفية والإرهابية شاملة لهوية مذهب أهل البيت (عليهم السلام) وشعائرهم.
فسلام على إمامنا الراحل يوم ولد ويوم رحل مظلوماً صابراً محتسباً ويوم يبعث حياً.