logo

الامام الخوئي

حسين علي محفوظ

حسين علي محفوظ

 

أبو القاسم الخوئي تلميذ العراق وخريج النجف وأستاذ الأساتيذ وفقيه العصر

 

 

حفت بوفاة الإمام الخوني (آب - اغسطس ۱۹۹۲) ظروف غامضة بسب ما كان مفروضا عليه من إقامة جبرية، ومنع من السفر إلي الخارج للتداوي وإجبار ذوويه وتلامذته على مواراته الثرى في حضور ما لا يزيد عن بضعة أشخاص، كما تم منع إقامة مجالس العزاء على روحه، ومع ذلك تمكن بعض كبار مثقفي العراق من كتابة رثاء له ولو مبتسرا ومحكوما بمصطلحات وتعايير معينة تحصنت بإبراز التلاقي بين العراق والإمام الخوني ومن ذلك ما كتبه العلامة المحقق الدكتور حسين علي محفوظ ونشر في حينه على ثلاث حلقات في جريدة الجمهورية.

 

 

من المجددين الكبار الذين انقضت المائة وهم علماء مشاهير مشار اليهم المرحوم المجدد السيد أبو القاسم الخوئي، تلميذ العراق وخريج النجف الاشرف و”استاذ الاساتيذ” كما لقبه العلماء وفقيه العصر (رحمة الله عليه).

 

قصد العراق وهو ابن ثلاث عشرة سنة، في حدود العـام ۱۳۳۰ هـ وسكن النجف الأشرف ولبث فيها من عمره ثمانية عقود وبضع سنين. وتوفي فيها وهو في السادسة والتسعين. وكان ابوه نزلها في. سنة ١٣٠٧ هـ قبل قرن وسبع سنين. وتتلمذ في مدرستي النجف الأشرف وسامراء المقدسة. وهو من علماء الامة المؤلفين.

 

 

ابو القاسم الخوئي من بيت عربي قرشي طالبي علوي، ينتمي نسبه الى الامام موسى الكاظم (ع).

 

سكنت اسرته (خوي) بين ارومية ومرند، وهي في منطقة الحدود بين تركية وما كان يدعى الاتحاد السوفياتي، على بعد ١٤٩ كم شمال غربي تبريز ١٩٤كم شمال ارومية التي ينتسب اليها صفي الدين عبد المؤمن صاحب الشرقية والادوار. وينسب الى مرند كثير من العلماء منهم: ابو عبد الله المرندي الذي حدث عن الدار قطني من فضلاء بغداد. وابو الوفاء خليل بن احمد المرندي الذي حدث عن الزينبي، وابو عبد الله محمد بن موسى المرندي الذي سمع منه الشيوخ واثنوا عليه وكتب عليه بعضعهم اكثر من ٥٠٠ جزء.

 

تعد خوي من المدائن الاذربية المعروفة، وهي من مواطن العرب، ومعاقل العربية والتراث في تاريخ الاسلام. تنسب اليها الثياب الخوئية المشهورة. ومن معارف (خوي) عيدان الطبيب من تلاميذ الجاحظ واساتيذ ابي علي القالي البغدادي اللغوي المشهور صاحب كتابي: الامالي والنوادر.

 

ومن مشاهير المنسوبين اليها: الاديب ابو يعقوب يوسف بن طاهر الخوئي، صاحب رسالة تنزيه القرآن الشريف عن وصمة اللحن والتحريف وقد قتل في وقعة العرب في طوس سنة ٥٤٩هـ أو قبلها بيسير.

 

ومنهم: قاضي القضاة حجة الاسلام احمد بن خليل الخوئي (٦٢٧ هـ) العلامة المعروف (ذو الفنون) نزيل الشام، من مشاهير الحكماء والفقهاء، وهو مؤلف كتاب (الحاوي) من موسوعات العلم، ويحتوي على عشرين من العلوم.

 

وقد اكمل تفسير استاذه الفخر الرازي: مفاتيح الغيب.

 

ومن مشاهير خوي ايضا، يوسف بن اسماعيل بن الياس الخوئي (٧٥٤هـ) البغدادي نزيل الشام، المعروف بابن الكتبي وابن الكبير، مؤلف كتاب: ما لا يسع الطبيب جهله الذي فرغ منه سنة ٧١١هـ، وهو العالم الفقيه المفتي الطبيب الرئيس العلامة مدرس المستنصرية المعيد المفيد.

 

ومن افاضل خوي: الحاج ابراهيم بن حسين الدنبلي، نزيل الكاظمية وتلميذ شيخ فقهاء الامة الشيخ محمد حسين الكاظمي، تتلمذ في النجف على علمائها واعلامها، وترك العديد من المؤلفات المهمة في الادب والتاريخ والحديث وعلوم الدين، ومنها: شرح نهج البلاغة وملخص المقال في تواريخ العلماء وسير الرجال وتراجم الرواة، توفي رحمه الله سنة ٣٢٥هـ.

 

ومنهم الشيخ علي الخوئي (١٣٥٠ هـ) مؤلف كتاب: تشريح الصدور في وقائع الايام والدهور، من كتب التاريخ المفصلة الكبار.

 

ومنهم: ابو القاسم، ناصر بن احمد الخوئي (٥٠٧هـ) شارح كتاب: اللمع لابن جني الموصلي في النحو. وابو يعقوب تلميذ المدائني، صاحب مجمع الامثال والسامي في الاسامي، وآخرون.

 

وقد خرجت النجف من افاضل الخوئيين جماعة تبلغ الصفوة من معارفهم المؤلفين ثلاثة عشر او يزيدون.

 

وسكان تلك المناطق هم بقية من بقايا بني الاسود بن سام في كتب البلدان، وبقية رجال الفتح من اهل الكوفة، من جند حذيفة بن اليمان وعتبة بن فرقد، والاشعث بن قيس الكندي، وعبد الله بن شميل الاحمسي. والكوفة هي مدينة العراق الكبرى، والمصر الاعظم، وقبة الاسلام، ودار هجرة المسلمين كما قال ابن واضح، وهي جمجمة العرب ورمح الله وكنز الايمان كما في المأثور.

 

كان اهل اليمن في الكوفة اثني عشر الفا، وكانت نزار ثمانية آلاف. كانت قبائل الكوفة من همدان وربيعة وبجيلة واياد وعنز وجذيمة والمقاصف وعبس وكنانة وجديلة وقضاعة وخثعم وكندة وحضرموت والازد ومذحج وتميم والرباب وهوازن واسد وغطفان ومحارب والنمر وضبيعة وتغلب وعك وعبد القيس واهل جهر والحمراء وولد السبيع وبني قرار...وغيرهم. وهم اصول ساكني تلك البلاد.

 

ولد ابو القاسم في خوى في ١٥ شهر رجب سنة ١٣١٧ هـ / ١٨٩٩ م، وسكن النجف الاشرف ولازم مدرستها وعلماءها. وقد كانت عامرة بفحولة الفقهاء من اوعية العلم الكبار، ولا سيما الثلاثة من الطراز الاول وهم: شيخ العلماء الاحرار استاذ جمهرة الفقهاء الاواخر والفيلسوف الحكيم الشيخ محمد حسين الكمباني والشيخ ضياء الدين العراقي.

 

ترك الاول كتاب: تنبيه الامة وتنزيه الملة في لزوم مشروطية الدولة، وهي دعوة الى الدستور في عهد الاستبدادين الايراني والعثماني، غير اعماله في الفقه والاصول. وترك الثاني ٢٢ كتاباً في الفلسفة والحكمة والادب والفقه والاصول واللغة والبلاغة والشعر والتاريخ. وخلف الثالث ذخائر الكتب في الاصول والفقه والقضاء وفروع العلم.

 

كان ابو القاسم تلميذ هؤلاء المشاهير من رجال العلم الذين تعلم منهم في العراق، وحضر دروسهم ومجالسهم، ولازم حلقاتهم في النجف الاشرف مدينة العلم.

 

 

 

المرجع الديني الأعلى العتيد ١٣١٥ هـ السيد أبو القاسم الخوئي يحف برحمة الله ١٤١٣ هـ

 

(جملتان تؤرخ الأولى ميلاده - والاخرى وفاته)

 

خلف السيد المرحوم (قدس الله سره) ما تعتز به المكتبة العربية من الآثار البارعة الفائقة كتبها بأسلوب جميل ولسان عربي مبين، ومن مؤلفاته كتاب البيان في تفسير القرآن الكريم. وهو من الكتب القيمة الجامعة الشاملة في علوم القرآن ومن ذخائر الاسفار وبدائع التأليف عن التفسير. وقد طبع الجزء الأول منه في تفسير سورة الحمد خاصة وفيه ما فيه من الحقائق والرقائق والطرائف واللطائف.

 

ومنها: معجم رجال الحديث وهو كتاب كبير في ٢٣ مجلداً قوامها (١١٤٢٤) صفحة ويشتمل على (١٥٦٧٨) ترجمة منطقة موثقة لرواة الحديث وحملة العلم ونقلة التراث. وعين مواطن رواياتهم في الأصول الاربعة والجوامع الكبار وسائر الكتب الحديث.

 

ومن كتبه المهمة رسالته العلمية في الفقه وهو كتاب منهاج الصالحين، في مجلدين الأول في العبادات والثاني في المعاملات وقد جمع أحكام القضاء والشهادات والحدود والقصاص والديات في تكملة المنهاج وفصل أدلتها في كتاب مباني تكملة المنهاج في مجلدين، وهو من أنفس الكتب في الفقه الاستدلالي.

 

ومن مؤلفاته كتاب: المسائل المنتخبة والمناسك وأجود التقارير في الاصول وتعارض الاستصحابين وقاعدة التجاوز وكلاهما من مباحث علم الاصول.

 

ومن كتبه الفاضلة كتاب: نفحات الاعجاز وهو من الرسائل المهمة في دلائل الاعجاز وكتاب جامع الشتات ورسالة في الخلافة وغيرها، وقد جمع بعضهم الاحكام الشرعية والصلاة وغيرها من فتاواه وهي رسائل صغار تعتمد على آرائه في الفقه، وتستمد من كتبه في الاحكام والشرح.

 

كان المرحوم من الأئمة الكبار في العلم، وهو من مجددي هذا القرن في علوم الدين، ومن خصائصه -على جلال سنه وقدره- ظرافة جاوزت الحدود، واريحية تعدت المدى وهي من الدعابة" الموروثة الماثورة عن السادات أهل البيت (ع). لاقيته في أواسط الخمسينيات في (١٩٥٦م) وكان بيته مجمع الافاضل وخزائنه مخزن النوادر في علوم القرآن وعلوم الحديث وعلوم العربية وعلوم الدين ولا سيما (التفسير). وكان مهتما بالكتاب والسنة. وقد جند تلاميذه المقربين لخدمة القرآن والحديث وقد فاوضته في مسألة (حلق اللحية). ودار الحديث على كتاب قرب الاسناد للشيخ ابي العباس عبد الله بن جعفر بن الحسين بن مالك بن جامع الحميري الذي سمع اهل الكوفة منه. سنة نيف و٢٩٠ هـ وقد جمع الاسانيد العالية إلى الائمة (ع).

 

و(الاشعثيات) ويقال له كتاب (الجعفريات) ايضا، وهي رواية السيد الشريف اسماعيل بن الامام موسى الكاظم (ع) وقد رواها ابو علي محمد بن محمد بن الاشعث الكوفي عن ابي الحسن موسى عن السيد الاجل اسماعيل ومن اجله سميت (الاشعثيات) كذلك، وهي الف حديث بسند واحد ينتهي الى الامام جعفر الصادق ولاجله يدعى كتاب (الجعفريات).

 

كانت مذاكرة جمعت الفقه والحديث والرجال والاصول، وهي من الدلائل على علمه وحلمه وفضله ونبله، ومن الشوهد على سعة دائرته وعمق فكره.

 

ولاقيته بعد خمس او ست، في مطالع الستينيات، لما نشرت كتاب ابن الكوفي (المتوفى سنة ٣٤٨هـ ٩٦٠م)، في سنة ١٩٦١، وهو من عمد العلم والادب واللغة في التراث واعد ابن الكوفي هذا الرائد الأول في العالم لأحدث الطرائق العلمية المستعملة في البحث والتحقيق والتأليف والنقل اليوم وهو اول محقق عراقي اتبع الطريقة العلمية الصحيحة في الكتابة والجمع والتاليف، وقد عول ابن النديم على ما يؤثر عنه من نقول وفصول، وهي مادة الفهرست.

 

والروايات عن ابن الزبير تبلغ ٧٩ في الاسانيد في أصول الحديث، منها أسانيد في باب حكم الحيض والاستحاضة، وباب الأحداث الموجبة للطهارة. وباب تلقين المحتضرين وباب ما تجب فيه الزكاة وباب وجوب الخمس وباب صوم يوم عرفة وغيرها.

 

كان السيد المرحوم لا يرى في عبارة النجاشي في ابن الزبير ما يستفاد منه التوثيق الصريح وكان يرى ان تفسير السيد الداماد لجملة النجاشي انه كان في غاية الفضل والعلم والثقة والجلالة في وقته وأوانه لم تقم عليه قرينة.

 

اطلع السيد على كتابي عن (ابن الكوفي) وهو (ابن الزبير) واتيح لي ان اناقشه. وطالت المحاورة والمذاكرة بيني وبينه في بيته وكان في ملاحظاته وآرائه ونقوده ما يدل على دقة منهجه وإصابة رأيه وشجاعة حكمه.

 

ثم تجلى تواضعه الذر وعلمه الجم وفضله الكبير في عوده الى الرأي الأسد عند قوة الدليل. فقد ذكرته قول صاحب كتاب: من لا يحضره الفقيه في أول الكتاب: " بل قصدت الى ایراد ما افتی به وحكم بصحته واعتاد فيه انه حجة فيما بيني وبين ربي تقدس ذكره وتعالت قدرته. وفي هذا القول من الاقناع ما فيه.

 

عالج السيد المرحوم المقدس العديد من المسائل المستحدثة وما يحتاج إليه المسلم المعاصر في الفقه في جملة من رسائله وابحاثه وفتاواه.

 

وكان مجلس درسه في (مسجد الخضراء) يمتلئ بالمجتهدين والافاضل والفحول وهم مئات. وكان يحرص في أبحاثه ومحاضراته واماليه وفتاويه ودروسه على الفصاحة والبلاغة والبيان والدقة في التعبير والتحرير.

 

ومن عجائب الأفاق في ضبط التاريخ بالأحرف وهو حساب الجمل والتاريخ بابجد، ان عبارة المرجع الديني الاعلى المجتهد الربي ١٣١٧هـ - تساوي تاريخ ولادته، وان جملة “السيد ابو القاسم الخوئي يحف برحمة الله ١٤١٢هـ” تساوی تارتيخ وفاته.

 

 

 

جريدة الجمهورية ،العدد ٨٢٦٩

الثلاثاء ١٨ آب ١٩٩٢م - ١٢ صفر ١٤١٣هـ

 

Hussein Ali Mahfouz

كلمة حسين محفوظ في حق الإمام الخوئي

حسين علي محفوظ