logo

الامام الخوئي

دكتور محمدكاظم البكّاء

التكامل المعرفي في حوزة النجف العلمية

 

السيد الخوئي أنموذجا

أ د. محمدكاظم البكّاء

كلية الفقه - جامعة الكوفة

 

تلّفك الأزقة والدروب، ويضيق بك الطريق حتى تحظى بلقائه وهو يفترش مقعدا على بساط يضيق بالوجوه العلمية والأدباء والأعيان الذين تخيّم عليهم هيبة العلم وجلالة القدر، فتلقاه متحدثا مستبشرا يفيض بحكمة واجتهاد، ومعرفة وسداد... وأنت تجلس تبهرك مصنّفات الكتب والدوريات على رفوف مكتبته، فتستشعر سعة معرفة الرجل وتنوع ثقافته، وإذا قصده السياسي كان طموح الأمة وهمومها مطاليبه، وإذا حضرالأديب جاذبه الشعر، واستظهر قصائد الشعراء... تلك شخصية رجل الحوزة العلمية في النجف الأشرف.

 

لقد عرّف ابن خلدون الأديب الذي يعني العالم "هو من أخذ من كلّ علم بطرف"، وقال الشاعر:

إنما العلم كبحرٍ زاخر

فاتخذ من كلّ شيء أحسنه

 

وإنّما التخصص في علم معيّن كمثل شجرة نضجت ثمارها، وهي ثمار العلوم التي درستها، وعندئذ سيكون تخصصك هو الثمرة التي نضجت قبل غيرها ودان قطافها وههنا لابدّ من بيان أنّ العلوم التي يتلقاها الإنسان لا يدخرها الإنسان معارف مستقلة، وإنما يتلقى عناصرها الرياضية والمنطقية، وعلى ذلك تجري تقنيات الحاسوب الذي يعالج المعلومات الداخلة على هيئة رموز ثنائية باستخدام الرياضيات والحاسوب كما الغذاء الذي يتناوله الإنسان إنما يفيد منه الجسم على هيئة عناصر من ماء وأملاح وفيتامينات ونحوها ؛ فلا فرق لدى الإنسان من معرفة التاريخ والكيمياء، ولكلّ علم رموزه وعناصره الرياضية والمنطقية، وعنذئذ تكون المعلومة لدى الإنسان إمّا مباشرة في عملية التفكير وإمّا غير مباشرة، فهو يفيد منها بمقتضى منهج تفكيره.

 

وفي ضوء هذه النظرية اتصف القدامى بالموسوعية التي أدّت إلى اتساع معارفهم،وربما يضيق لديك أن تصنّف أي عالم منهم تصنيفا علميا على وفق تصنيفنا في الوقت الحاضر، فالخليل بن أحمد الفراهيدي الذي يصنّف مع اللغويين قد مات بمسألة رياضية ؛ إذ كان يفكر بمسألة في الحساب يبتغي منها أن تذهب الجارية للبائع فلا تخطئ، فاصطدم بسارية المسجد وخرّ صريعا. والخليل اللغوي هو الذي وظّف علم الاحتمالات في صناعة المعجم العربي المعروف ب (العين) فالكلمة إمّا ثنائية فلها احتمالان، أي: تقليبان نحو: لن، ونل، أو ثلاثية فلها ستة احتمالات: جبر، برج، رجب، ربج، بجر، وجرب , والرباعية لها واحد وعشرون احتمالا أو تقليبا، والخماسي له مائة وواحد وعشرون تقليبا، ثم استقرى هذه الاحتمالات، فأخذ المستعمل منها، وأهمل غير المستعمل في لغة العرب، وقد وظّف الموسيقى في تحديد بحور الشعر العربي وتفعيلاته وجعلها بخمسة عشر بحرا، وزادها تلميذه الأخفش البحر المتدارك.

 

وفي ضوء ذلك يتضح لنا أنّ الحوزة العلمية في النجف الأشرف قد اتسعت في علومها، فشملت علوم اللغة العربية وعلوم الشريعة، والمنطق،وعلوما أخرى يدرسها الطالب في مرحلة تدعى مرحلة (المقدمات والسطوح)، ويترقى فيها حتى يبلغ مرحلة (بحث الخارج)، وقد يقبل بعضهم على دراسة علوم أخرى مثل الأدب والشعر، أو الحساب لمعرفة قسمة المواريث، أو الفلك لمعرفة المواقيت والتقويم السنوي، ومواقيت القبلة وغيرها. وقد كانت النجف على صلة بعلوم العصر يتلقاها من الكتب والمجلات العربية، حتى قيل: مصر تؤلف، ولبنان تطبع، والعراق يقرأ. وغذّى الحركة العلمية تواصل النجف مع الخارج بصحفه مع توافر المطابع التي هيأت فرصة النشر، وعناية رجال الحوزة بالكتب حتى ازدانت مكتباتهم العامة والخاصة بأقدم المخطوطات، وجميع أنواع المعارف والعلوم، مع مزية للنجف الأشرف أنّها استقطبت الوافدين والطلبة في مدارسها الدينية الكثيرة ولا شكّ أنّ لهذا أثرا في زيادة توافر فرص التلاقح الفكري بين أبناء الحوزة والطلبة الوافدين من معظم الدول الإسلامية ؛ إذ اعتبرالانتساب لحوزة النجف وثيقة للاعتراف العلمي بشهادة طالب الحوزة العلمية في داخل العراق وخارجه. ويحفظ تاريخ النجف أسماء أئمة العلم والمجتهدين الذين سطعت أسماؤهم في عالم الفكر والعلم والأدب ؛ إذ تخرج فيها العلماء والمجتهدون والأدباء والشعراء المجيدون.وتظلّ الحوزة العلمية بوابّة العلم لمدينة رسول الله (ص).

 

ويعدّ الحجة الخوئي أنموذجا للحوزة العلمية الذي يمثل خلاصة نشأة الحوزة وتطورها من القرن الخامس الهجري على يد مؤسسها الشيخ الطوسي (٤٦٠هـ)، وقيل قبل ذلك،إلى القرن العشرين.

 

ونبدأ مع السيد الخوئي من حيث بدأت نشأته "نشأت في خوي، مع والديّ وأخوتي، وأتقنت القراءة والكتابة وبعض المبادئ" (الإمام أبو القاسم الخوئي، زعيم الحوزة العلمية، ٤٢). وقد أنهى دراسته الابتدائية في مدرسة نمازي في خوي (المصدر نفسه، ٤٧)، ثم هاجر برفقة العائلة إلى النجف الأشرف عام ١٣٢٨هـ، وهو ابن ثلاثة عشر عاما، فدرس في الفقه شرح اللمعة الدمشقية، وكتاب مسالك الإفهام لزين الدين العاملي الشهير بالشهيد الثاني،وكتاب المكاسب للشيخ الأنصاري، ودرس في أصول الفقه قوانين الأصول للميرزا الجيلاني، والرسائل للشيخ الأنصاري، وكفاية الأصول للشيخ محمد ملا الخراساني، ودرس علم الكلام، والتفسير، والحديث، وأضاف إلى ذلك دراسة العقيدة، والحكمة، فدرس تجريد الاعتقاد للشيخ الطوسي،والحكمة العقلية في شرح الباب الحادي عشر للعلامة الحلي،وشرح التجريد للقوشجي، وشرح المنظومة للحكيم ملا هادي السبزواري، والإشارات، والشفاء لابن سينا، وكتاب الأسفارلملا صدرا الشيرازي، والكتب الأربعة في الحديث، وكتب الرجال والتفسير، ونهج البلاغة، وغيرها. فأنت أمام موسوعة من العلوم والمعارف المختلفة، كان ثمارها أن يعتلي السيد الحجة الخوئي زعامة الحوزة العلمية، والمرجعية الكبرى (المصدر نفسه،٩٠؛ الإمام الخوئي المرجع الشيعي الأكبر، محمد سعيد الطريحي). وهكذا تتضح أهمية العلوم التي يتخرج فيها طالب الحوزة العلمية في تكامله المعرفي الذي ينتج وعيا علميا، وإبداعا خلاقا، وتجديدا تنتقل به المعرفة إلى مستويات التطوير في حضارة الأمة الإسلامية التي تعدّ رافدا من روافد التفكير اللساني والفكري.

 

إنّ بحثنا عن الحوزة العلمية في النجف الأشرف الذي جعلنا السيد الخوئي أنموذجا يمثلها يدعونا إلى:

أوّلا- الاهتمام بالعلوم والتوسع في تحصيلها لبناء القاعدة العلمية التي ستثمر علم التخصص بمعرفة عميقة وواعية،وعندئذ ينبغي أن تكون مصادر معرفتنا من المصنّفات الرئيسة على ما وجدناه في سيرة السيد الخوئي، ولكن الذي يؤسف له أنّ الباحثين عنوا بالكتب الحديثة التي دوّنت فيها بعض نصوص القدامى وأخرجتها على نحو لا يتسم بالأمانة والدقة.

 

ثانيا- أن نكشف للعالم عن عمق مدرسة النجف العلمية ووإصالتا، وأهميتها الدينية والعلمية والثقافة، والفرصة قادمة باعتبار النجف عاصمة للثقافة الإسلامية، ولا أقول هي عاصمة النجف الإسلامية عام ٢٠١٢:

مذ أمس عاصمة الدنيا هي النجف

يبلى الزمان ومجد خالد خضر

تأريخها القبـّة البيضاء من قدم

وليس ألفان والاثنان والعشر